النحل
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال ابن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهـ: إنه كان يقرأ وإذ أخذ الله ميثاق النبيين ويقول: والمعنى وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على قومهم ألا يكتموهم شيئاً، فنبذه القوم وراء ظهورهم أي تركوا ما بلغت إليهم الرسل.
فالذين أوتوا الكتاب هم الرسل في قوله، والضمير في ﴿فَنَبَذُوهُ﴾ يعود على الناس.
قوله: ﴿لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ بِمَآ أَتَوْاْ﴾ الآية.
من قرأ بالتاء جعله خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم و ﴿الذين﴾ مفعول أول ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ مكرر للتأكيد و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ المفعول الثاني لحسب الأول، وحسب الثاني مع المصدر للتأكيد، ولطول القصة.
وقيل: إنه ليس بتأكيد وأن ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ مفعول حسب الثاني محذوف لعلم السامع كما تقول في الكلام ظننت زيداً ذاهباً وظننت عمراً، يريد ذاهباً، ثم تحذف لدلالة الأول عليه كما قال: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: 62] فحذف لدلالة الكلام على المحذوف.
ومن قرأ بالياء فقوله ﴿فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ﴾ للتأكيد، والهاء والميم مفعول أول.
و ﴿بِمَفَازَةٍ﴾ الثاني كأنه قال: لا يحسبن الكافرون أنفسهم بمنجاة من العذاب.
ومن ضم الباء أراد الجميع، وحسب وأخواتها تتعدى إلى الفاعل نفسه.
ولم يقرأ أحد الأول بالتاء والثاني بالياء مكرراً للتأكيد.
أجاز أبو إسحاق: لا تظن أخاك إذا أتاك بخبر، فلا تظنه صادقاً تعيد الفاعل للتأكيد.
ونزلت الآية في قول أبي سعيد الخدري رضي الله عنهـ في رجال تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم [ وفرحوا لمقعدهم خلاف رسول الله، ثم إذا قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم] أقبلوا يعتذرون إليه، ويحلفون أنهم لا يتخلفون عنه بعد ذلك، ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾.
وقال مروان لأبي سعيد الخدري رضي الله عنهـ وقرأ هذه الآية: يا أبا سعيد إنا لنحب أن نحمد بما لم نفعل، ونفرح بما آتينا.
فقال أبو سعيد: إن ذلك ليس كذلك، إنما ذلك أن أناساً من المنافقين كانوا يتخلفون عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رجع على ما يحب حلفوا له ألا يتخلفوا عنه بعد ذلك، وأحبوا أن يحمدوا على هذا، وإن رجع النبي صلى الله عليه وسلم على ما
يكره، فرحوا بتخلفهم عنه، وقاله زيد بن ثابت، وروى مثله مالك عن نافع.
قال نافع: نزلت في ناس من المنافقين تخلفوا واعتذروا.
فقال ابن زيد: هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج تخلفوا ورأوا أنهم قد احتالوا حيلة، وفرحوا بفعلهم ذلك.
وقال ابن جبير: نزلت في أحبار اليهود يفرحون بما جاءهم من الدنيا من الرشا على إضلال الناس، ويحبون أن يقول لهم الناس عُلماء، وليسوا بعلماء.
وقال الضحاك: نزلت في قوم من اليهود فرحوا باجتماع كلمتهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وقالوا: نحن أبناء الله وأحباؤه ونحن أهل الصلاة والصيام، فأحبوا أن يحمدوا بذلك وليسوا بأهل له.
وقال السدي: كتموا محمد صلى الله عليه وسلم ففرحوا بذلك وقالوا: نحن على دين إبراهيم، ونحن أهل الصلاة والزكاة، وهم ليسوا كذلك، فأحبوا أن يزكوا أنفسهم بما لم يفعلوا.
وقال ابن عباس رضي الله عنهـ: هم أهل الكتاب حرفوه، وحكموا بمال سفيه وفرحوا بذلك وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهـ أيضاً: أنها نزلت في قوم من اليهود سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء فكتموه، وأخبروه بغيره ففرحوا بكتمانهم، وطلبوا المحمدة على ما أخبروه به من الكذب فقال ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ وقال قتادة: نزلت في يهود، حين أتوا النبي صلى الله عليه وسلم فزعموا أنهم متبعوه وأخفوا الضلالة، ففعلوا ذلك ليحمدهم الله على إيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويحمدهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فأنزل الله الآية.
قوله: ﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض﴾.
هذا تكذيب للذين قالوا ﴿وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُواْ بِمَا لَمْ يَفْعَلُواْ﴾ فأعلمهم الله أن له ما في السموات والأرض، فكيف يكون فقيراً؟ وله كل شيء.
قوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ الآية.
معنى الآية: أنها تنبيه لخلق أولي العقول على قدرة الله عز وجل، وإحكامه لما خلق من السماوات والأرض، وما دبر فيهما من المعايش واختلاف الليل والنهار، وأن ذلك علامات ظاهرات لأولي العقول، فكيف ينسب إلى من كان بهذه الصفة فقر أو نقص، ثم مدح أولي العقول ووصفهم فقال:
﴿الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً﴾ الآية.
المعنى: قياماً في صلاتهم، وقعوداً في تشهدهم وغيره، وعلى جنوبهم مضطجعين.
وقال ابن جريج: هو ذكر الله تعالى في الصلاة وغيرها وقراءة القرآن.
قال ابن مسعود رضي الله عنهـ في معنى الآية: من لم يستطع أن يصلي قائماً فليصل جالساً، أو مضطجعاً.
وقيل: المعنى: أنهم كانوا يذكرون الله على كل حال.
وفي حكاية ابن عباس رضي الله عنهـ: " إذ بات عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاستوى عليه السلام قاعداً - يريد من نومه - ثم رفع رأسه إلى السماء فقال: " سبحان الملك القدوس " ثلاث مرات، ثم قرأ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار﴾ حتى ختم السورة ".
قوله: ﴿رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ﴾ أي: يقولون ربنا ما خلقت هذا من أجل الباطل أي عبثاً، ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض﴾ أي: في عظمة الله ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي: تنزيهاً لك من السوء أن تكون خلقت هذا باطلاً، والتفكر في عظمة الله عز وجل من أعظم العبادة.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنهـ: تفكر ساعة خير من قيام ليلة.
وقيل لأم الدرداء: ما كان أفضل عمل أبي الدرداء؟ قالت: التفكر.
وقال كعب: من أراد أن يبلغ شرف الآخرة فليكثر التفكر يكن عالماً.
قوله: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ مَن تُدْخِلِ النار فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ الآية.
أي: يقولون: ربنا إنك من تدخل النار فقد أبعدته من رحمتك، وهذا الكافر، ولا يخلو مؤمن فيخزى، وقال أبو الدرداء رضي الله عنهـ: المؤمنون هم العجاجون بالليل والنهار والله ما زالوا يقولون ربنا ربنا حتى استجيب لهم.
وقيل: عنى بذلك كل من يدخل النار من مخلدين وغير مخلدين لأن كل من عذب بالنار فقد أخزي.
والخزي: هتك ستر المخزي وفضيحته، ومن عاقبه الله على ذنوبه فقد فضحه.
يقال: أخزيته أذللته، وأشد الخزي أشد الذلة وأبلغها.
قوله: ﴿رَّبَّنَآ إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً﴾ الآية.
المعنى: يقولون ربنا إننا سمعنا، والمنادي القرآن.
وقال محمد بن كعب: هو القرآن وليس كلهم لقي نبي الله صلى الله عليه وسلم، وليس كلهم بلغ إليه القرآن.
وقال ابن جريج: المنادي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فالمعنى سمعنا نداء مناد، المنادي غير مسموع وإنما المسموع نداؤه.
وقال قتادة: سمعوا دعوة الله عز وجل فأجابوها.
قوله ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الأبرار﴾ أي: في عددهم، وفي زمرتهم وقيل: المعنى وتوفنا أبراراً مع الأبرار، والأبرار جمع بر وهو فعل ككتف أكتاف، وهم الذين بروا الله بطاعتهم إياه وخدمتهم له رضي الله عنهم.
وقيل واحدهم بربار على فاعل كصاحب وأصحاب.
قوله ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا﴾ الآية.
أي: يقولون: ربنا آتنا ما وعدتنا على لسان رسلك: وهو الجنة وهذا سؤال وطلب، ومعناه الخبر، لأن الله تعالى منجز وعده من غير سؤال، ومعناه وتوفنا مع الأبرار لتؤتينا ما وعدتنا فهذا معناه، لأنهم قد علموا أن الله لا يخلف الميعاد، ولكنه خبر.
وقيل: إنه خرج منهم على طريق الطلب أن يجعلهم ممن يؤتيه ما وعده من الكرامة.
وقيل: إنهم سألوا الله عز وجل أن يؤتيهم ما وعدهم على لسان الرسول صلى الله عليه وسلم من النصر على أعدائهم.
﴿وَلاَ تُخْزِنَا﴾ أي: لا تذلنا ﴿إِنَّكَ لاَ تُخْلِفُ الميعاد﴾ أي: أنك قد وعدت من آمن بك ووحدك: الجنة في الآخرة والنصر في الدنيا على أعدائك.
قوله: ﴿فاستجاب لَهُمْ رَبُّهُمْ﴾ الآية.
المعنى: فأجابهم ربهم ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ﴾ عمل خيراً، روي عن أم سلمة أنها قالت: يا رسول الله، لا أسمع الله يذكر النساء في الهجرة بشيء؟ فأنزل الله عز وجل ﴿ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنْكُمْ مِّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى﴾ أي ذكراً كان أو أنثى.
قال الكوفيون: دخلت ﴿مِّن﴾ في قوله ﴿مِّن ذَكَرٍ﴾ على التفسير لقوله ﴿مِّنْكُمْ﴾ أي: منكم من الذكور والإناث، قال: وليست من هناهنا يجوز حذفها لأنها دخلت لمعنى لا يصلح الكلام إلا بها وإنما يجوز حذفها إذا كانت تأكيداً للجحد.
وقال بعض البصريين: دخلت ﴿مِّن﴾ هناهنا كما دخلت في قولك: قد كان من حديث فلان كذا، قال: وحرف النفي قد تقدم في قوله ﴿أَنِّي لاَ أُضِيعُ﴾ قد دخلت للتأكيد، والأحسن أن تكون من للتفسير كما تقدم.
ومعنى: ﴿بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ﴾ أن بعضكم في النصر والمذلة والجزاء من بعض أي حكم الجميع الذكر والأنثى سواء ﴿لأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي لأمحونها عنهم ولأسترنها عليه ﴿ثَوَاباً﴾ مصدر لأنه كما قال ﴿وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جنات تَجْرِي﴾ كان بمعنى لأثيبنهم ثواباً.
قوله: ﴿لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الذين كَفَرُواْ﴾ الآية.
المعنى: لا يغرنك يا محمد تصرف الذين كفروا في البلاد أي: بالتجارات، والأموال بغير عذاب فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: كسبهم وربحهم متاع قليل أي متعة يتمتعون بها