الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الآية: الله أكبر هذه خير لكم من [أن لو أعطي] رجل منكم مثل جميع الدنيا، هو الذي إن صلى لم يرج خير صلاته وإن تركها لم يخف ربه "
وقال عطاء بن يسار: الحمد لله الذي قال: " عن صلاتهم ساهون " ولم يقل " في صلاتهم ساهون ".
ثم قال تعالى: ﴿الذين هُمْ يُرَآءُونَ﴾ الناس بصلاتهم إذا صلوا، لأنهم لا يصلون رغبة في ثواب، ولا [خوفاً] من عقاب، إنما يصونها ليكفوا الناس عن دمائهم وأموالهم وذَرَاريهم، وهم المنافقون الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ذلك أكثر أهل التفسير.
ثم قال تعالى ﴿وَيَمْنَعُونَ الماعون﴾.
قال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: الماعون " الزكاة " وقاله ابن عمر، وقال ابن مسعود: هو المتاع يتعاطاه الناس بينهم.
وهو قول ابن الحنيفة وقتادة والحسن والضحاك وابن زيد، وذلك نحو الفأس والقدر والدلو.
وقال ابن عباس: " هو متاع البيت.
وروي ذلك (أيضا) عن علي رضي الله عنهـ. قال محمد بن كعب: " الماعُونَ: المعروف ". وقال ابن المسيّب: " المَاعُونَ " بلسان قريش: المال ". وحكى الفراء عن بعض العرب أنه قال: المَاعُونَ: الماء.
وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عمّا لا يحل أن يمنع فقال: " الماء والملح ".
والمَاعُونَ في اللغة من المعْن، وهو الشيء القليل.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر﴾ إلى آخرها.
قال [ابن عمر وابن عباس رضي الله عنهما]: الكَوْثَرُ نهرْ في الجنة، حافتاه ذهب وفضة يجري على الدر والياقوت، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العَسَل/.
روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم قال حين عرج به إلى السماء: رأيت نهراً عجّاجاً مثل السَّهْمِ يطرد، أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، حافتاه قباب من در مجوف فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعطاكه ربك، (قال): فضربت
[بيدي] إلى حمأته، فإذا هي مسكة ذفرة، ثم ضربت بيدي إلى [رضراضه فإذا هو] در " وقالت عائشة رضي الله عنها: الكَوْثَرُ نهر في بطنان الجنة، قيل لها: وما بطنان الجنة؟ قالت: وسط الجنة، حافتاه قصور اللؤلؤ والياقوت، ترابه المسك، وحصباؤه: اللؤلؤ والياقوت.
وعن أنس بن مالك أنه قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم مضى به جبريل عليه السلام في السماء الثانية فإذاهو بنهر عليه قصر من اللؤلؤ والزبرجد فذهب ليشم ترابه فإذا هو مسك.
قال: يا جبريل، ما هذا النُهْر؟ قال: الكوثر الذي خبأ لك وربك.
وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: الكَوْثَرُ: " [الخير الكثير] ".
وقال ابن جبير: النهر الذي في الجنة هو من الخير الذي أعطاه الله إياه.
وعن ابن عباس أيضا أنه قال: الكوثر هو الخير الكثير والقرآن والحكمة.
وقال عطاء: الكَوْثَرُ " حوض في الجنة أُعطيه النبي صلى الله عليه وسلم ".
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بينما أنا أسير في الجنة إذ عرض لي نهر، حافتاه قِباب اللؤلؤ المجوَّف، فقال الملك الذي معي: أتدري ما هذا؟ [هذا] الكوثؤ الذي أعطاك الله، وضرب بيده إلى أرضه فاستخرج من طينه المسك ".
ثم قال تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾.
أي: [فحافظ] (على الصلوات المكتوبة) في أوقاتها.
وقال أنس: كان النبي صلى الله عليه وسلم ينحر يوم الأضحى قبل الصلاة، فأمر أن يصلي ثم ينحر.
وهو قول قتادة.
وقال محمد بن كعب القرظي: إن ناساً كانوا يصلون لغير الله، وينحرون لغير الله، فأنزل الله هذه السورة.
فالمعنى عنده: إنا أعطيناك الكوثر يا محمد، فلا تكن صلاتك ونحرك إلا لله.
وقال ابن جبير: نزلت هذه الآية يوم الحديبية لما صد المشركون النبي صلى الله عليه وسلم عن البيت، أتاه جبريل وقال: صل وأنْحر وارجع، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم، [ فخطب خطبة الفطر والنحر، ثم ركع كعتين، ثم انصرف إلى البدن فنحرها، فذلك قوله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر﴾.
وهذا القول يدل على أن السورة مدنية، وقال الضحاك: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾، أي: ادع ربك وأسأله.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: معنى ﴿وانحر﴾، ضع اليمين على الشمال في الصلاة.
وروي عنه: ضع اليمنى على الساعد الأيسر على صدرك.
وعنه أيضاً وعن أبي هريرة: يجعل يديه تحت السُّرة.
وهذا مذهب الكوفيين.
وقيل: معنى ﴿وانحر﴾ ارفع يديك إذا استفحت الصلاة إلى النحر.
وقال ابن جبير: معناه فصل لربك المكتوبة، وانحر البدن يمنى.
وقاله ابن عباس.
وحكى الفراء ﴿وانحر﴾ استقبل القبلة بنحرك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ أي: إن مُبغِضك يا محمد وعدوك هو الأبتر، أي هو الذي لا عقب له، عني بذلك العاصي بن وائل السهمي.
وقال قتادة: ﴿هُوَ الأبتر﴾ أي: هو الحقير الذليل.
قال ابن زيد: قال رجل: إنما محمد أبتر ليس له - كما ترون - عقب، فأنزل الله: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾.
(وقيل: نزلت في عقبة بن أبي معيط، كان يقول: إنه لا يبقى لنبي صلى الله عليه وسلم ولد وهو أبتر فأنزل الله جل ذكره: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ وقال ابن عباس: " لما قدم كعب ابن الأشرف مكة أتوه - يعني قريشا - فقالوا له: نحن أهل السَّدانة والسقاية، وأنت سيد أهل المدينة، فنحن خير أم هذا [الصُّبُور] [المنبتر] من قومه، (يزعم أنه) [خير] منا، فقال: بل أنتم خير منه، ونزلت: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر﴾ قال: وأنزلت عليه ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيباً مِّنَ الكتاب يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت﴾ إلى قوله: ﴿نَصِيراً﴾ [النساء: 51 - 52]. وعن ابن عباس أنها نزلت في أبي جهل قال: والمعنى أن عدوك أبا جهل هو الأبتر.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة الكافرين مكية قوله تعالى: ﴿قُلْ يا أيها
- لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ إلى آخرها.
روى المفسرون أن المشركين كانوا قد عرضوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعبدوا الله عز وجل سنة/ على أن يعبد نبي الله آلهتهم سنة، فأنزل الله جل ذكره جوابهم ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخرها.
والمعنى: قل - يا محمد - ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ بالله لاَ أعْبُدُ ما تعبُدُونَ من الأصنام والأوثان الآن، ولا أنتم عابدون الآن ما أعبد، ولا أنا عابد في ما [أستَقْبِلُ) ما عبدتم في ما مضى ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ في ما تستقبلون أبداً ما أعبُدُ أنا الآن (و) في ما أستقبل.
وروي أن ذلك نزل في أشخاً بأعيانهم قد علم الله أنهم لا يؤمنون أبداً، فأمر الله نبيه أن يؤيسهم مما طلبوا وأن ذلك لا يكون منه بد ولا منهم، فلا هو يعبد ما يعبدون أبداً ولا هم يعبدونَ ما يعبد هو أبداً لما سبق في علمه من شقوتهم.
قال ابن عباس: وعد قريش نبي الله عليه الصلاة والسلام أن يعطوه مالاً فيكون أغنى رجل بمكة ويزوجوه من أراد من النّساء، [وقالوا]: هذا لك عندنا يا محمد، وكُفَّ عن شتم آلهتنا، ولا تذكرها بسوء فإن لم تفعل فإنّا نعرض عليك خصلة واحدة [فهي] لك ولنا فيها صلاح.
قال: ما هي؟ قالوا: تعبد آلهتنا اللات والعزى (سنة)، ونعبد إلهك سنة.
قال: حتى أنظر ما يأتي من عند ربي، فجاء الوحي من اللوح المحفوظ: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخها وأنزل الله أيضا ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ الله تأمروني أَعْبُدُ أَيُّهَا الجاهلون﴾ إلى قوله: ﴿وَكُن مِّنَ الشاكرين﴾ [الزمر: 64 - 66].
قال المبرد: ليس في هذا تكرير، وإنما جهل من قال إنه يكون في اللغة، وإنما المعنى: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ في هذا الوقف، وكذا ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ وانقضى الكلام، وهو التمام عند أبي حاتم على هذا المعنى.
ومن جعله تكرير للتأكيد كان التمام آخر السورة.
قال المبرد: ثم قال ﴿وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ﴾ أي: فيما استقبل ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ مثله.
وكان في هذا دلالة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، لأن كل من خاطبه بهذه الخطابة لم يسلم منهم أحد، وكذا الذين خَاطَبَهُم بقوله: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْهِمْءَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6].
وروي أن الوليد بن المغيرة (و) العاصي بن وائل والأسود [بن المطلب، وأمية بن) خلف لقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا محمد، [هلم]، فلتعبد ما نعبد ونعبد ما تعبد، ونشركك في [أمرنا] كله، فإن كان الذي جئت به خيراً
مما في أيدينا كنا قد (شركناك فيه، وأخذنا بحفظنا منه، وإن كان الذي بأيدينا خيراً مما في يديك كنت) قد شركتنا في [أمرنا] وأخذا بحظك منه، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قُلْ يا أيها الكافرون﴾ إلى آخرها.
قوله ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ أي: لكم دينكم فلا تتركونه أبداً، لأن الله قد قضى (عليكم) ألا تنتقلوا منه وأنتم تموتون عليه، ولي دين لا أتركه أبداً لما (قد) قدر الله علي فيه، فعليه أموت.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مدنية
قوله تعالى: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إلى آخرها.
العامل في ﴿إِذَا جَآءَ﴾ على ما تقدم في ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾.
والمعنى: إذا جاء - يا محمد - نصر الله إياك على قومك ﴿والفتح﴾ أي فتح مكة.
﴿وَرَأَيْتَ الناس.
. .﴾ في صنوف قبائل العرب ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً﴾، أي: الإسلام الذي بَعَثْتُكَ بِه ﴿أَفْوَاجاً﴾، أي: زمراً زمراً.
قال ابن عباس: " بَيْنَا رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم فِي الْمدِينة إذا قال: الله أكبر، الله أكبر، جاء نصر الله والفتح، جاء أَهْلُ اليَمَنِ.
قِيلَ: يَا رَسُولَ الله، وَمَا أَهْلُ الْيَمَنِ؟ قال: قَوْمٌ رَقِيقَةٌ قلُوبُهُمْ، لَيّنَةٌ [طِبَاعُهُمْ]، الإيمان يَمَانٌ والحِكْمَة يَمَانِيه " [قالت عائشة رضي الله عنها:
" مَا صَلَّى النبيُّ صلى الله عليه وسلم صَلاةً بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾ إِلاَّ يَقُولُ فِيهَا: سُبْحَانَكَ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ".
وروي عنها " أنه عليه السلام كان يقول ذلك في ركوعه وسجودة يَتَأَوَّلُ القرآن " وسئل عمر عن قوله ﴿والفتح﴾، فقال: فتح المدائن والحصون، فقال لابن عباس: ما تقول؟ قال: أَجَلْ، هو مثل ضُرِبَ لمحمد، نُعِيَتْ له نفسه.
وقالت عائشة رضي الله عنها: " كَان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر من قول سبحان اكلله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه.
قالت: فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله واتوب إليه! فقال: خبرني ربي جل ثناؤه أني سألى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده وأستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾، (فتح) مكة ﴿وَرَأَيْتَ الناس يَدْخُلُونَ فِي دِينِ الله أَفْوَاجاً * فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾ ".
وقال ابن عباس: سأل عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ عن قول الله ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح﴾، فقالوا: فتح المدائن والقصور/ قال: فأنت يا ابن عباس ما تقول؟ قال: فقلت: هو مثل ضرب لمحمد صلى الله عليه وسلم نعيت له نفسهز
وروي عه أنه قال: هذه السورة علم وحد وحده (الله لنبيه) ونعى له نفسه، (أي) إنك لن تعيش بعد هذا إلا قليلاً.
قال قتادة: " والله، ما عاش بعد ذلك إلا قليلاً، سنتين، ثم توفي صلى الله عليه وسلم ". وهو قول ابن مسعود ومجاهد والضحك ومعنى ﴿واستغفره﴾: واسأله المغفرة.
﴿إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً﴾.
(أي): إن الله لم يزل ذا رجوع لعبده المطيع إلى يجب، وقوله: ﴿واستغفره﴾ وقف كاف عند أبي حاتم.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
نزلت هذه السورة في أبي لهب عم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي زوجته أم جميل أخت أبي سفيان وعمة معاوية، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد زوج ابنته أم كلثوم من عتيبة ابن أبي لهب، وزوج ابنته رقية من ابن عمه -أبي لهب- عتبة.
فلما نزلت (تَبَّتْ يَدَا أَبِي) أمر أبو لهب وامرأته أم جميل ابنيهما عتيبة وعتبة بطلاق ابنتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أم كلثوم ورقية فطلقاهما وأتى عتبة إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فجفا عليه وشق قميصه، فدعا النبي - صلى الله عليه وسلم - بان يسلط الله عليه كلبه، فمضى إلى الشام فقتله الأسد فتزوج عثمان رقية وتوفيت عنده، ثم تزوج أم كلثوم فتوفيت عنده، وأبو لهب هو عبد العزى بن عبد المطلب، وكان لعبد المطلب عشرة من البنين منهم عبد الله والد
النبي - صلى الله عليه وسلم -، وكان أبو لهب وامرأته من أشد قريش عداوة للنبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقيل: عتيبة هو الذي أكله الأسد بدعاء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعتبة أسلم وأبلى.
قوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخرها.
أي: خسرت يدا أبي لهب، وقد خسر.
فالأول [دعاء] والثاني [خبر]، كما تقول: [أهلكه] الله وقد هلك وفي قراءة عبد الله: " وقد تب " ووقع الإخبار والدعاء عن اليدين على طريق المجاز، والمراد صاحبهما، يدل على ذلك قوله: ﴿وَتَبَّ﴾ ولم يقل: وتبتا.
وقيل: هو حقيقة، وذلك أن أبا لهب أراد أن [يرمي] رسول الله صلى الله عليه وسلم فمنعه الله من ذلك، ونزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فالأولى على الحقيقة لليدين، والثانية لأبي لهب، لأنه إذا خسرت يداه فقد خس هو.
(قال ابن زيد: التب الخسران) قال ابن زيد: قال أبو لهب للنبي صلى الله عليه وسلم: وماذا أعطى - يا محمد - إن آمنت بربك؟ قال: ما يعطى المسلمون.
قال [فمالي] عليكم فضل! قال: تبًّا وأي شيء [تبتغي]؟ قال: تبا لهذا من دين، (تباً) أن أكون أنا وهؤلاء سواءً، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾، فعلى هذا يكون مجازا، والمرد به عين أبي لهب لاَ يَدَاهُ.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم خص عشيرته بالدعوة إذ نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾ [الشعراء: 214] فجمعهم ودعاهم وأنذرهم، فقال له أبو لهب: تباً لك سائر اليوم ألهذا دعوتنا، فأنزل الله ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
قال ابن عباس: " صعد النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم [الصفا]، فقال: يا صاحباه، فاجتمعت إليه قريش فقالوا: ما لك؟ فقال: أرأيتكم إن (أخبرتكم) أن العدو
[مصبحكم]) أو ممسيكم، أما كنتم تصدقونني؟ قالوا: بلى.
قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
قال [أبو] لهب: تباً لك: ألهذا دعوتنا؟ فأنزل الله: ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ إلى آخر السورة ".
وكان اسم أبي لهب: عبد العزى، فذلك ذُكَِ بكنيته في القرآن.
وقوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ إن جعلت ما أستفهاما كانت في موضع (نصب) بأغنى، وإن جعلتها نفيا كانت حرفا، وقدَّرْتَ مفعولاً محذوفاً، أي: ما أغنى عنه ماله شيئاً.
والمعنى: ما يغني عنه ماله في الآخرة وفي الدنيا إذا جاءه الموت.
وقوله: ﴿مَآ أغنى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾، يعني ما اقتنى من الموال والأغراض.
وقيل: ﴿وَمَا كَسَبَ﴾ عني به ولده، أي ما أغنى عنه ماله وما ولد.
وروى أبو الطفيل أن أولاد أبي لهب جاؤوا يختصمون في البيت، فقام ابن عباس يحجز بينهم (وقد كفّ بصرُهُ)، [فدفعه] بعضهم حتّى وَقَع عَلَى الفِرَاشِ فغَضِبَ وَقَالَ: أَخْرِجُوا عنّي الكَسْبَ الخَبِيثَ.
قال مجاهد: " وَمَا كسَبَ ولده ". وقيل: معناه: وما كسب من مال وجاه.
ثم قال تعالى: ﴿سيصلى نَاراً ذَاتَ لَهَبٍ﴾ روي عن أبي بكر عن عاصم أنه قرأ " سَيُصْلَى " بضم الياء والمعنى: سَيُقَاسِي حرَّ نارٍ ذاتِ توقُّدٍ وتَلَهُّبٍ.
يقال: صلَيْتُ بالأمْرِ أَصْلَى: إذَا قاسَيْتَ حَرَّهُ وَشِدَّتَهُ، وَصَلَيْتُهُ: شَوَيْتُهُ وفي الحديث " شَاة مَصْلِيَّة أي: مَشْويَّة والمعنى: سيصلى أبو لهب ناراً ذات له وامراته، وجاز العطف على المضمر المرفوع، [لأنه قد فرق] بينهما فقام التفريق مقام التأكيد.
وقوله: ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نعت للمرأة وهي أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب عَمَّةُ معاوية، نعتت بهذا لأنه قد كان له زوجات غيرها.
وقيل: نعتت به على طريق [التخسيس] [لها] عقوبة لأذَاها رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ويجوز أن تكون ﴿وامرأته﴾ [متبدأ] و ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نعت، وفي ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر (لامرأة، ويجوز أن يكون
﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ خبراً " لامرأة " و ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ ابتداء وخبر في موضع خبر ثان، [أو في موضع] الحال.
ويجوز أن ترتفع " حَمَّالةُ الحطب " على البدل من [﴿وامرأته﴾ وتكون (معنى) الخبر ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ الجملة إن جعلت ﴿وامرأته﴾ [مبتدا].
ويجوز أن يكون ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ / نكرة [يراد] به الاستقبال على ما سنذكره من قول المفسرين في معناه.
ويجوز أن يكون معرفة يراد به الماضي على ما سنذكره من قول المفسرين.
فإن جعلت " المرأة " عطفاً على المضمر في ﴿سيصلى﴾ كان ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ في موضع الحال من المرأة.
ومن [نصب] (حمَّالة) [نصبه] على الذم.
قال ابن عباس: كانت تحمل الشوك فتجره على طريق النبي صلى الله عليه وسلم ليعقره وأصحابه، فلذلك ننعتت " بحمالة الحطب ". وهو قول الضحاك وابن زيد.
وقال عكرمة: " كانت تمشي بالنميمة ". وعن مجاهد مثله، وقاله قتادة.
[وقيل إن ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ تمثيل لأذاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعرب تقول: فلان] يحطب على فلان، أي [يُغْري به] [وَيُؤذِيهِ] فشبه الحطب [بالعداوة].
وقيل: معنى ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ أي: [الخطايا و] الذنوب والفواحش، كما
يقال: فلان يحطب على نفسه، إذا كان كثير الاكتساب الذنوب.
وقوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾ أي: في عنقها، والجيد: العُنُقُ.
قال الضحاك: " هو حبل من شجر، وهو الحبل الذي كانت تحتطب به، [وقاله] ابن عباس.
وقال ابن زيد: هي حبال من شجر [ينبت] باليمن يقال لها: مسد.
وقيل: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾، أي: " حبل من نار في رقبتها ". وقال السدي: المسد: الليف.
وقال عروة: " هو سلسلة من حديد ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعاً ". (وقال سفيان:
" حبل في عنقها من النار مثل طوق طوله سبعون ذراعاً " وعن مجاهد ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ " من حديد ".
وقال عكرمة: ﴿مِّن مَّسَدٍ﴾ هي: " [الحدِيدَةُ] التي في وسط البكرة " وروي ذلك أيضا عن مجاهد.
وقال قتادة: ﴿حَبْلٌ مِّن مَّسَدٍ﴾: " [قِلاَدَة] " من ودع.
فمن جعل هذا إخبار عما يكون في النار من حالها كانت ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ نكرة لأنه يراد به الاستقبال، فلا يحسن أن يكون صفة ل ﴿امرأته﴾.
ومن جعله بمعنى قد مضى مثل [مشيها] بالنمائم وحَمْلِها الشوك لطريق رسول الله صلى الله عليه وسلم، ف ﴿حَمَّالَةَ الحطب﴾ معرفة يحسن أن [تكون] صفة ل ﴿امرأته﴾.
والوقف في هذه السورة على مقدار ما تَقَّدَّرَ مما تَقَدَّمَ ذكره من النعت والخبر.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها.
والمعنى: الحَدِيثُ الَّذي هو الحقُّ: اللهُ أَحَدٌ، فهو رفع بالابتداء كِنَايَةً عن الحديث، و ﴿الله﴾ مبتدأ و ﴿أَحَدٌ﴾ خبره، والجملة خبر عن ﴿هُوَ﴾.
ولا يجيز الفراء أن [يكون] ﴿هُوَ﴾ كناية عن الحديث إلا (إذا) تقَدَّمَهُ شيء، وهو عنده كناية عن مُفردٍ الله خَبَرُهُ،.
وهو قول الأخفش.
وقال الأخفش: ﴿أَحَدٌ﴾ بدل من لفظ اسم الله.
والمعنى: الله [إله]
واحد، أي معبود واحد لا معبود غيره تجب له العبادة.
ثم قال تعالى: ﴿الله الصمد﴾.
﴿الله﴾ رفع بالابتداء، و ﴿الصمد﴾ نعته، وما بعد ذلك خبر.
ويجوز أن يكون ﴿الصمد﴾ هو الخبر.
ويجوز أن يرفع على إضمار ابتداء و ﴿الصمد﴾ نعت، أي: هو الله الصمد، ويجوز على هذا أن يكون ﴿الصمد﴾ خبراً ثانياً، ويجوز أن يكون ﴿الله﴾ بدلا من ﴿أَحَدٌ﴾.
ويجوز أن يكون ﴿الله﴾ بدلا من ﴿الله﴾ الأول، وفي التكرير معنى التعظيم.
وروي أن اليهود عليهم اللعنة سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن يصف لهم ربه عز وجل و (ينسبه) فأنزل الله ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها.
وروي عن أبي عمرو أنه قرأ بحذف التنوين من ﴿أَحَدٌ﴾، حَذَفَهُ لالتقاءِ السَّاكنين.
وروي عنه أنه إنما كان يفعل ذلك يريد السكوت عليه فإذا وَصَلَ نَوَّن، وَحَسُنَ الوَقْفُ عليه لأه رأس آية.
و ﴿أَحَدٌ﴾ بمعنى واحد.
وقيل: ﴿أَحَدٌ﴾ هنا على بابه، بمعنى: أول، كما يقال: الْيَوُمُ الأَحَدُ، أي اليوم الأول، أي: أول الأيام، وذلك مسموع من العرب.
وقال بعض العلماء: في " أحد " من [الفائدة] ما ليس في " واحد " وذلك إنك إذا قلت: فلان لا يقوم به واحد، جاز أم يقوم به اثنان فأكثر.
وإذا قلت: فلان لا يقوم به أحد، تَضَمَّنَ معنى " واحد " (فأكثر)، [وأَكْثَرُ] ما يقع " أحد " إذا كان للعموم بعد النفي، فذلك بَعُدَ أن يكون " أحد " [هنا] على بابه.
وجعله أكثرهم بمعنى " واحد "، لأن واحداً يقع في الإيجاب، [تقول] مرَّ بنا أحد، أي واحد.
وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ أي: لم يكن له ولد ولا يكون، ولم يكن هو من والد ولا يكون.
وقيل: معناه ليس بِفَانٍ، لأنه ليس شيء " يَلِدُ إلاَّ وهو فَانٍ ﴿وَلَمْ يُولَدْ﴾ ليس بمُحْدَثٍ، لم يكن فكان، فأن كل مولود فإنما وجد بعد أن لم يكن لكنه جل وعز قديم لا يَبِيدُ وَلا يَفْنَى ليس كمثله شيء.
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس أنه قال: تَفَكَّرُوا في كل شيء، ولا تَفَكَّرُوا في ذات الله، فإن بين السماء السابعة [إلى الكرسي] سبعة آلاف نور، والله فوق ذلك.
وروي أن المشركين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صفة رب العزة، فأنزل الله عليه هذه السورة جواباً لهم.
وقيل: إن اليهود قالوا اللنبي صلى الله عليه وسلم /: هذا الله خلق الخلق، فمن خلق اللهَ جل
ثناؤه؟ فأُنْزِلَت هذه السورة جواباً لهم.
وقال عكرمة: إن المشركين قالوا: يا محمد، [أخبرنا عن ربك]، [صف] لنا ربك ما هو؟ ومن أي شيء هو؟ فأنزل الله جل ذكره ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها.
وقال أبو العالية: [قال قَادَةُ الأحزاب] للنبي صلى الله عليه وسلم: انْسُبْ لنا ربَّك، فأتاه جبريل عليه السلام بهذه السورة.
[وقال] ابن عباس: " دَخلَتِ اليَهُودُ عَلَىَ نَبِيِّ (الله) صلى الله عليه وسلم فقالت: يا محمد، لنا ربَّك [وانْسُبْهُ لنا]، فقد وَصَفَ نفسَه في التوراة ونَسَبَها.
فارْتَعَدَ رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى خَرَّ مَغْشِيّاً عَلَيْهِ، فقَال: كَيْفَ تَسْأَلُونِي عَنْ [صِفَةِ] رَبِّي ونَسَبِه؟! وَلَوْ سَأَلْتُمُونِي
أَنْ أَصِفَ لَكُمْ الشَّمْسَ لَمْ أَقْدِرْ عَلَى ذَلِكَ، فَهَبَطَ جِبْرِيلُ عليه السلام فَقَالَ لَهُ: يَا مُحَمَّدُ، قُلْ لَهُمْ: ﴿الله أَحَدٌ * الله الصمد * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، أي ليس بوالد ولا بمولود، و ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾ "، أي: لم يكن (لَهُ) شبيه من خلقه فيوصف به أو ينسب إليه، فهذه صِفَةُ ربي ونَسَبُه.
وروى محمد بن إسحاق عن محمد [عن] سعيد " أن رهطاً من اليهود أَتَوْا إِلَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ، اللهُ خَالِقُ الْخَلأْقِ، فَمَنْ خَلَقَهُ؟ فَغَضِبَ النَّبي صلى الله عليه وسلم حَتَى [انْتَقَعَ] لَوْنُهُ غَضَباً لِرَبِّهِ، فَجَاءهُ جِبْرِيلُ عليه السلام فَسَكَّنَهُ، وَقَالَ: اخْفِضْ عَلَيْكِ
جَنَاحَكَ - يَا مُحَمَّدُ - وَجَاءَهُ مِنَ الله جَوَابُ مَا سَأَلُوهُ عَنْه، قَالَ: يَقولُ الله - جَلَّ ثَنَاؤهُ - ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ إلى آخرها، فَلَمَّا تَلاَ عَلَيْهمُ النَّبيُّ - عليه السلام - السُّورَةَ.
قَالُوا: صِفْ لَنَا رَبَّكَ، كَيْفَ خَلْقُهُ؟ وَكَيْفَ عَضُدُهُ؟ وكَيْفَ [ذِرَاعُهُ]؟، فَغَضِبَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَشَدَّ مِنْ غَضَبِهِ الأَوَّلِ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ - عليه السلام - فَقَالَ لهُ مِثْلَ مَقَالَتِهِ الأُولَى، وأَتَاهُ بِجَوابِ مَا سَأَلُوهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ ".
وقوله: ﴿الصمد﴾.
قال ابن عباس: ﴿الصمد﴾ الذي لا جوف له.
وهو قول مجاهد والحسن.
وابن جبير والضحاك.
وقال الشعبي: هو " الذي لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ". وقال عكرمة: هو " الذي لم يخرج منه شيء ﴿[لَمْ] يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾.
وقال أبو العالية: ﴿الصمد﴾ الذي لم يلد ولم يولد، لأنه ليس شيء يلد إلا سيورث ولا شيء يولد إلا سيموت، فأخبرهم جل عز أنه لا يورث ولا يموت، وهو قول أبي بن كعب.
وقال [شقيق]: ﴿الصمد﴾: (السيد) الذي قد انتهى سؤدده.
وقال ابن عباس: ﴿الصمد﴾ السَّيّدُ الذِي قَدْ كَمُلَ [فِي] سُؤْددِهِ وَالشَّرِيفُ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي شَرَفِهِ، وَالعظِيمُ الذي [قد] كمل فِي عَظَمَتِهِ، والحَلِيمُ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي [حِلْمِهِ]، وَالغَنِيُّ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي غِنَاهُ، وَالجَبَّارُ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي جَبَرُوتِهِ، وَالعَالِمُ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي عِلْمِهِ، وَالحَكِيمُ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي حِكْمَتِهِ، وَهُوَ الذِي قَدْ كَمُلَ فِي أَنْوَاعِ الشَّرَفِ وَالسُّؤْدَدِ، وَهُوَ الله سُبْحَانَهُ، هَذِهِ صِفَتُهُ،
[لاَ تَنْبغِي] لأَحَدٍ إلاَّ لَهُ.
وقال قتادة: ﴿الصمد﴾ البَاقي الذي لا يَفْنَى، وقال: هذه سورة خالصة ليس فيها شيء من أمر الدنيا والآخرة.
وقال [الحسن]: الصمد الدائم.
والصمد عند العرب الذي يصمد إليه، الذي لا [أحد] فوقه.
﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾.
﴿كُفُواً﴾ خبر " كان " و ﴿أَحَدٌ﴾ اسمها.
وكان سيبويه يختار أن يكون الظرف خبرا إذا قدَّمَهُ [فيختار] إنَّ فِي الدّارِ زَيْداً جَالِساً، فجعل الظرف خبرا لتقدمه وينصب " جالساً على الحال،
فَخَطَّأَهُ المُبَرِّدُ [بِهَذِهِ] الآية، لأنه (قد) قدم الظرف ولم يجعله خبراً.
والجواب عن سيبويه أن [سيبويه] لم يمنع [إلغاء] الظرف إذا [تقدم، إنما اختار أن يكون خبراً ويجوز عنده ألا [يكون] خبراً، [وقد] أشهد شاهداً على [إلغائه] وهو ومقدم، وذلك قول الشاعر:
مَا دَامَ فِيهِنَّ فَصِيلٌ حَيَّا ... وأيضا فإنه (قد) يجوز أن يكون (كفؤاً) حالاً من النكرة [وهي] ﴿أَحَدٌ﴾ لمَّا تَقَدَّمَ نعتُها عليها نُصِبَ لِلْحَالِ، فيكون " [لهُ] " الخبر على مذهب سيبويه
واختياره، ولا يكون للمبرد على سيبويه حجة على هذا القول.
وقال أبو العالية في [معنى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾: ليس] له [مثل] شبيه ولا عدل، وليس كمثله شيء.
وقال كعب: إن الله جل ذكره [أسس] السماوات السبع والأرضين السبع على هذه السورة: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ إلى آخرها، وإن الله جل ذكره لم يكافئه من خلقه أحد.
قال ابن عباس: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾: ليس كمثله شيء، فسبحانه هو الله الواحد/ القهار.
وقال مجاهد: معناه: ولم تكن له صاحبة.
والكفء - في
كلام العرب - الشبيه والمثل.
وقولهم: لا كفاء له، أي لا مثل له، وقولهم: فلان كفء لفلان معناه: نظير له وشبيه.
ومنه: كافأت الرجل، أي فعلت به مثل [ما فعل].
ومنه كفأت [الإناء]، أي جعلت (في) موضع الماء [التفريغ].
وكفأت في [الشعر]: جعلت حرفا نظير حرف.
وقرأ سليمان بن علي الهاشمي: ولم يكن له [كفاء] أحد، وهو بمعنى ﴿كُفُواً﴾ "، يقال: كفء [وكفء] وكِفاء وكفء بمعنى [فيجمع] [كفء]
[كفء] على أكفاء، ويحمع كفاء وكفئ على أكفيه.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مدنية
قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفلق﴾ إلى آخر ها.
(قال زر: " سألت أُبي بن كعب عن المعوذتين، فقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: قيل لي فقلت فنحن نقول كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " وقاله ابن مسعود بمثله.
ومعنى ذلك - والله أعلم - " أنهما سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن إثبات " قل " في أولهما، فقال النبي عليه السلام: قيل: لي: " قُلْ أَعوذُ "، فقلت: [أي]: قيل لي: اقرأ ﴿قُلْ أَعُوذُ﴾ فقرأها، بإثبات " قل " على أنها أمر به.
وكأنه كان يقال في غير هذه السور