الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقيل: معناه: لا يموت فيها فيستريح، ولا يحيا حياة تنفعه.
وقيل: أريد به شدة الأمر.
والعرب تقول [للرجل] يقع في شدة شديدة أو علة مثقلة: لا هو حي، ولا هو ميت.
فخوطبوا على مجرى به كلامهم.
ثم قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾.
أي: قد أدرك طلبته وظفر ببغيته من تظهر الكفر وعمل بطاعة الله.
قال ابن عباس: من تزكى - يعني - من الشرك.
وعنه أنه جعله في زكاة الفطر.
وقال: أخرجوا زكاة الفطر قبل صلاة العيد.
وقال عكرمة: ﴿مَن تزكى﴾: من قال: لا إله إلا الله.
قال عطاء: ﴿مَن تزكى﴾ من آمن.
وقال قتادة: من تزكى بالعمل الصالح والورع.
وقال ابن جريج: من تزكى بماله وعمله.
وقال عبد الله: إذا خرجت إلى الصلاة فتصدق بشيء إن استطعت، فإن الله يقول: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾.
والتزكي - في اللغة -: التطهر.
قال عمر بن عبد العزيز وابن المسيب وأبو العالية: هي زكاة الفطر، (ثم نسخها زكاة الأموال).
وقيل: هي سنة، وزكاة المال فرض.
وعلى هذا أكثر العلماء.
قال ابن عباس: ﴿وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ أي: " ووحد الله سبحانه ".
وقيل: معناه: ودعا إليه وصلى الصلوات الخمس.
وقيل: عني به صلاة العيد.
وقيل: الصلاة هنا الدعاء.
(وقيل: معناه: وذكر اسم ربه في صلاته بالتحميد والتمجيد).
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا﴾.
أي: تؤثرون زينتها على الآخرة، والآخرة خير لكم وآدوم نعميا.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هذا لَفِي الصحف الأولى﴾.
أي: إن هذه الآيات في ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى﴾ لقي صحف إبراهيم وموسى.
وقيل: معناه: إن قوله: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الحياة الدنيا﴾ الآية، لفي ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وموسى﴾.
وقيل: معناه إن الفلاح لمن تزكى وذكر اسم ربه فصلى لفي صحف إبراهيم وموسى.
واختار الطبري أن يكون معناه أن قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تزكى * وَذَكَرَ اسم رَبِّهِ فصلى﴾ إلى قوله ﴿وأبقى﴾ لفي صحف إبراهيم وموسى، فتكون الإشارة إلى ما قرب من هذا.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ إلى آخرها.
أي: قد أتاك - يا محمد - حديث الغاشية، وهي القيامة تغشى الناس بقيامها وأهوالها.
وقال ابن جبير: الغاشية جهنم.
ثم قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾.
أي: ذليلة، وهي وجوه الكفار.
قال قتادة: " خاشعة في النار ".
ثم قال: ﴿عَامِلَةٌ نَّاصِبَةٌ﴾.
أي: هي عاملة ناصبة بمعنى: تعمل وتنصب في الدنيا، وهي تصلى ناراً حامية في الآخرة.
وهذا قول يُروى عن عمر رضي الله عنهـ. ولا يتم الكلام [على] [ناصبة] أو (على) ﴿خَاشِعَةٌ﴾ ويجوز أن يكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا القول، والتقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا يومئذ خاشعة.
وقيل: الآية نزلت في عبدة الأوثان والرهبان من أهل الكتاب، أنصبوا أنفسهم وأتعبوها بالعمل ولم يتقبل منهم، لأنهم على غير إسلام.
وقال عكرمة: (معناه): عاملة في الدنيا بمعاصي الله، ناصبة في الآخرة في النار.
فيتم الكلام على هذا القول على " عاملة ".
وقال الحسن وقتادة: إن الوجوه في القيامة خاشعة عاملة ناصبة، وأنها (لما)
لم تعمل في الدنيا لله أعملها الله في النار وأنصبها.
فلا يتم الكلام من أوله على ﴿نَّاصِبَةٌ﴾ على هذا القول.
قال ابن عباس: " تعمل وتنصب في النار ".
وقال قتادة: " تكبرت في الدنيا عن طاعة الله، فأعملها وأنصبها في النار ".
وقال ابن زيد: " لا أحد أنصب ولا أشد من أهل النار ".
وكان عمر رضي الله عنهـ يتأولها في الدنيا في البرهان وشبههم.
يعملون في الدنيا، ويجتهدون، وهم في النار.
ويكون الكلام يتم على ﴿خَاشِعَةٌ﴾ لأنه آخر صفتهم في يوم القيامة، ثم ابتدأ بصفتهم في الدنيا.
وقيل: التقدير: وجوه عاملة ناصبة في الدنيا ﴿يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ﴾ يعني: في الآخرة.
وفي الحديث " أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم ذكر القدرية فبكى، وقال: إن فيهم المجتهد ".
وقوله: ﴿تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾ أي: ترد ناراً قد حميت واشتد حرها.
والإخبار في جميع ذلك عن الوجوه، والمراد به أصحابها، لأن المعنى مفهوم.
ثم قال تعالى: ﴿تصلى نَاراً حَامِيَةً﴾.
أي: [يسقى] يومئذ أصحاب هذه الوجوه (من عين قد) انتهى حرها فبلغ الغاية في شدة الحر.
وقال مجاهد: من عين قد (أنى/ نضجها) منذ خلق الله عز وجل الدنيا.
وقال ابن زيد: ﴿مِنْ عَيْنٍ آنِيَةٍ﴾ أي: حاضرة.
وقال تعالى: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ﴾.
أي: (ليس) لأصحاب هذه (الوجوه) الخاشعة - وهم الكفار - طعام يطعمونه في النار إلا طعام من ضريع.
قال ابن عباس: " الضريع: شجر من نار ".
وقال ابن زيد: الضريع: الشوك من النار، والضريع عند العرب شوك يابس [ولا ورق فيه].
وقال عكرمة: الضريع: الحجارة.
وقال الحسن: الضريع: الزقوم وعنه أيضاً: الضريع: الذي يضرع ويذل من أكله لمرارته وخشونته.
وقال عطاء: الضريع: الشبرق.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس ومجاهد وقتادة، وعلى هذا القول كثير من أهل اللغكة، والشبرق: [شجر] كثير الشوك
تعافه الإبل، وأهل الحجاز يسمونه الضريع إذا يبس، ويسميه غيرهم الشبرق.
وقيل: الضريع واد في جهنم.
وقد أخبر الله في هذه الآية بأن لا طعام لهم إلا طعام من ضريع، فأثبت لهم طعاماً، وقال في موضع آخر ﴿فَلَيْسَ لَهُ اليوم هَا هُنَا حَمِيمٌ * وَلاَ طَعَامٌ إِلاَّ مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 35 - 36].
فظاهره أنه قد أوجب لهم طعاما من غسلين فهذاك خلاف ذلك في الظاهر.
المعنى في ذلك التقدير: فليس له اليوم هاهنا شراب حميم إلا من غسلين ولا طعام يتنفع به.
(وقيل): الغسلين من الضريع.
وقيل: الغسلين لقوم والضريع لآخرين.
ثم وصف الله أهل الجنة ونعيمهم بعد وصفه لأهل النار وعذابهم.
فقال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ﴾.
أي: (غضرة) نضرة بنعمها الله، وهم أهل الإيمان بالله والعمل بطاعته.
ثم قال تعالى: ﴿لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ﴾.
أي: لعملها الذي عملته في الدنيا من طاعة ربها راضية.
وقيل: المعنى: [الثواب] عملها را ضية في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة القدر عالية المكان.
﴿لاَّ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً﴾ أي: لا يسمع أحد في الجنة كلمة لغو، واللغو: الباطل.
وقيل للكلمة التي هي لغة: لاغية، كما قيل لصاحب [الدرع: دارع]، ولصاحب الفرس فارس، " ولابن " " وثامر " لصاحب اللبن والثمر.
وقال الفراء: ﴿لاَغِيَةً﴾، أي: [حالفاً] يحلف بكذب.
قال ابن عباس: معناه: لا تسمع فيها أذى ولا باطلاً.
وقال مجاهد: " شتماً ". وقال قتادة: باطلاً ولا مأثماً.
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ﴾ أي: تجري من غير أخدود، والعين تذكر وتؤنث [والتأنيث] أكثر، وقد قال الشاعر
والعين بالإثمد [الحاري] مكحول.
... فقال بعض النحويين: هذا على تذكير العين.
وقال المبرد: ذكره كما يذكر كل مؤنث غير حقيقي التأنيث لا علامة للتأنيث فيه، كما يقال: هذا دار وهذه دار.
وقال الأصمعي: مكحول للحاجب هو، لأنه قد تقدم ذكره، ولا يعرف
الأصمعي في العين إلا التأنيث.
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ﴾.
أي: عالية ليرى المؤمن إذا جلس عليها جميع ما خوله ربه من الملك والنعيم، ويلحقه بصره.
والسرر جمع سرير.
وقيل: مرفوعة: مضمونة.
قاله ابن عباس، كقوله: ﴿سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ﴾ [الطور: 20] أي: بعضها فوق بعض.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ﴾.
أي: موضوعة على حافة العين الجارية كلما أراد الشرب وجدها ملأى من الشراب.
الأكواب جمع: كوب، وهي الأباريق التي لا آذان لها، وقد تقدم ذكرها بالاختلاف فيها.
ثم قال تعالى: ﴿وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ﴾.
النمارق جمع: نمرقة، هي الوسادة والمرفقة.
وحكي فيها ضم النون والراء وكسرهما، والضم (أكثر).
ومعنى مصفوفة أي: بعضها إلى بعض.
وقد قال ابن عباس: " النمارق: المجالس "، وعنه: " المرافق ".
وقال قتادة: هي " الوسائد ".
ثم قال تعالى: ﴿وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾.
قال أبو عبيدة: الزرابي البسط.
وقيل الزرابي: الطنافس التي لها خمل، و ﴿مَبْثُوثَةٌ﴾ كثيرة.
وقال قتادة: [زرابي] " مبثوثة " أي " مبسوطة ".
قال ابن عمر: (رأيت عمر) رضي الله عنهـ يصلى على عبقري، وهي الزرابي.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾.
هذا كله توبيخ لمنكري القدرة، أي: أفلا ينظر من ينكر قدرة الله على كل ما يشاء مما وصف مما أعده الله للكافرين وللمؤمنين في هذه الآيات - إلى الإبل كيف خلقها الله وسخرها لهم (وذللها)، وإلى (السماء) كيف رفعها/ الله فوقهم لا خلل فيها ولا شقوق مولا اختلاف، رفعها بغير عمد ترونها، وإلى الجبال كيف نصبها الله على الأرض لئلا تميد بأهلها، [وأقامها] منتصبة لا تسقط على الأرض.
وإلى الأرض كيف سطحها الله، أي بسطها فجعلها مستوية وطيئة ليتصرف عليها الخلق ولا يمتنعون من أسفارهم.
وقال قتادة: لما [نعت] الله ما في الجنة، عجب من ذلك أهل الضلالة، فأنزل الله جل ذكره: ﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ﴾ إلى ﴿سُطِحَتْ﴾.
قال: وكانت الإبل من عيش العرب.
[فخوطبوا] ونبهوا على قدرته على أعظم ما في نفوسهم، فلذلك بدأ بالإبل، فكأنه قيل: لهم: من قدر على إحداث هذه
الأشياء وغيرها لكم وإحكم أمرها [كيف] لا يقدر على ما وصف من (أمر) الجنة والنار.
وقال ابن عباس: الإبل (ها) هنا هي الإبل بعينها، وليس شيء يحمل عليه وهو بارك إلا الإبل، وفي ذلك آية.
وقال المبرد: وقيل: الإبل: القطع العظام من السحاب.
ثم قال تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ﴾.
أي: ذكر - يا محمد - عبادي بآياتي، فإنما أرسلت مذكر لهمه.
﴿لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾.
أي: بمسلط ولا بجبار تجبرهم على الإيمان.
ومصطيراً: أصله السين، وهو مأخوذ من السطر.
وقيل: الآية منسوخة بقوله: ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وهو قول ابن زيد.
وقيل: هي محكمة، لأنهم إذا أسلموا تركوا على جملتهم، ولم يسلط عليهم.
قال جابر: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أُمِرتَ أَنْ أقاتِلَ الناسَ حَتّى يَقولوا لا إِلَهَ إلاّ الله فَإذا قوالوا لا إِلَهَ إِلاّ الله عَصَمُوا مِنّي دِماءَهُم وَأَموالَهُم إِلاّ بِحقّها وَحِسابُهُم عَلى الله.
ثم تلا ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَآ أَنتَ مُذَكِّرٌ * لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ﴾ ".
قال ابن عباس: ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ بجبار.
ثم قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تولى وَكَفَرَ * فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر﴾.
أي: فذكر يا محمد قومك إلا من يتولى عنك فأعرض عن الإيمان وكفر فيكون هذا استثناء من الذين كان التذكير فيهم، فيكون في موضع نصب.
وقيل: الاستثناء منقطع مما قبله.
المعنى: ليست عليهم ﴿بِمُصَيْطِرٍ﴾ إلا من تولى وكفر بعد ذلك، فإنك ستسلط [عليه] إن أسلم أو السيف.
والاستثناء المنقطع [تعتبره] أبداً بأن [تحسن] " إن " معه، فإذا حسنت جاز أن يكون منقطعاً، وإذا لم تحسن كان متصلا صحيحا.
يقول القاتل: " سار القوم إلا زيداً "، فلا يحسن دخول " إن " هنا، (لأنه) استثناء صحيح.
ثم قال تعالى: ﴿فَيُعَذِّبُهُ الله العذاب الأكبر﴾.
وهو عذاب جهنم في الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَآ إِيَابَهُمْ﴾ أي: رجوعهم في الآخرة.
﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ أي: (علينا) حساب أعمالهم [فنجازيهم] (بها) فالله (هو) المحاسب المعاقب لهم وأنت - يا محمد - مذكر مبلغ عن ربك إليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿والفجر * وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع﴾.
ألى قوله: ﴿البلاد﴾.
قال ابن عباس: الفجر " النهار ". وعنه أن الفجر عنى به " صلاة الفجر ".
وقال عكرمة: هو " فجر الصبح ". وقيل: هو صبيحة يوم النحر.
وهو قسم
والتقدير فيه: ورب الفجر.
وقوله: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾ أكثر المفسرين على أنها [العشر] الأولى من ذي الحجة.
ورو ى جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ﴾: عشر الأضحى.
وإنما جعلها عشر ليال، لأن ليلة يوم النحر دخلت فيها، لأن الله جعل ليلة يوم النحر ليوم عرفة فصار ليوم عرفة ليلتان رفقاً بعباده، فلذلك من لم يدرك الوقوف بعرفة يوم عرفة وقف ليلة يوم النحر وتم حجه، لأن ليلة يوم النحر ليلة (يوم عرفة أيضاً فصارت ليلة يوم النحر داخلة في حكم يوم) عرفة، يجزي فيها ما فات من الوقوف بعرفة يوم عرفة.
ولا يجزئ الوقوف بعرفات - ليلة يوم عرفة - عن يوم عرفة، فصارت ليلة يوم النحر أخص بيوم عرفة من ليلة يوم عرفة (بيوم عرفة)،
فاعرفه، فلذلك جعل ليالي العشر عشر ليال وأقسم بها.
وقال مجاهد: ليس عمل في ليالي السنة أفضل منه في ليالي العشر، وهي عشر موسى التي أتمها الله جل وعز له.
وعن إبن عباس أيضاً أنها العشر الأواخر من رمضان.
وحكى الطبري أن بعضهم قال: [هي] العشر الأول من المحرم.
ثم قال تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾.
قال ابن عباس: " الشفع: يوم النحر، والوتر: يوم عرفة ". وقال عكرمة.
وقال الضحاك: ﴿وَلَيالٍ عَشْرٍ * والشفع والوتر﴾، أقسم الله بهن لما يعلم من
فضلهن على سائر الأيام: فالعشر ذي الحجة، والشفع يوم النحر، والتوتر يوم عرفة.
وقال عبد الله بن الزبير: الشفع: اليومان اللذان بعد يوم النحر، والوتر: (اليوم) الثالث/، وهو يوم النفر الآخر، قال الله ﴿فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: 203].
وعن ابن عباس أيضاً: أن الشفع الخلق كلهم، والوتر الله، وهو وتر واحد وخلقه شفع.
وقيل: الشفع صلاة الغداة، والوتر صلاة المغرب.
وهو قول مجاهد ومسروق.
وعن مجاهد [أيضاً] أن الشفع والوتر: الخلق كلهم منهم [شفع] ([و] منهم) وتر.
وهو قول الحسن.
وقال ابن زيد: كان أبي يقول: كل شيء خلا الله عز وجل شفع ووتر، فأسم - جل ذكره - بما خلق مما تبصرون وما لا تبصرون.
وقال قتادة عن عمران بن الحصين أنه كان يقول: الشفع والوتر: الصلاة منها شفع كالظهر والعصر، ومنها وتر كالمغرب.
وقال الربيع بين أنس: الشفع والوتر: صلاة المغرب، فالشفع منها
الركعتان الأوليان، والوتر الركعة الثالثة.
وروى عمران بن الحصين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ﴿والشفع والوتر﴾ " هي الصلاة منها شفع، ومنها وتر.
وروى قتادة أن الحسن كان يقول: الشفع والوتر هو العدد [منه] شفع ومنه وتر.
[وقيل: الشفع آدم صلى الله عليه وسلم وحواء، والوتر: الله عز وجل، وتر كل شيء].
والفتح والكسر في الوتر لغتان: الفتح لغة أهل الحجاز، والكسر لغة بني تميم.
وقال الفراء: والكسر لغة قيس وأسد أيضاً.
فأما الوتر الذي هو الترة،
ففيه أيضاً لغتان: الفتح والكسر.
أهل الحجاز يفتحون، وغيرهم بكسره.
ثم قال تعالى: ﴿واليل إِذَا يَسْرِ﴾ أي: يسري أهله.
وقيل: معناه: والليل إذا سار وذهب.
وهي ليلة جمع، ليلة المزدلفة.
قال ابن عباس: إذا يسري: إذا ذهب.
وقال أبو العالية: إذا سار.
وقال ابن زيد: إذا يسير.
وقال عكرمة: إذا جمع.
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِّذِى حِجْرٍ﴾ أي: إن في هذا القسم لكفاية لذي عقل.
عظم الله تعالى جل ذكره هذه الأزمنة التي أقسم بها، وهي عشر ذي الحجة ويوم عرفة ويوم النحر وليلة المزدلفة.
وأعيد ذكر [يوم] عرفة، وقد دخل في العشر لشرفه.
وقيل: أعيد لأنه أقسم أولاً بالليالي، وأعيد ذكر اليوم، لأنه لم يدخل في الليالي.
قال ابن عباس: ﴿لِّذِى حِجْرٍ﴾: لصاحب نُهىً وعقلٍ.
وقال الحسن: " لذي حلم ".
قال قتادة: " لذي عقل ولب " وجواب القسم: ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ﴾.
[وقال مقاتل: " هل " هاهنا في موضع " إن "، وتقدير الكلام: " في ذلك قسماً.
ذكره المارودي.
فعلى هذا التأويل، تكون " هل " جواب القسم.
والله أعلم].
وقيل الجواب: إن ربك لبالمرصاد، وهو الصواب إن شاء الله، لأن " هل " ليست من أجوبة القسم.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾.
من صرف عاداً جعله للحي أو للأب.
وقد قرأ الضحاك بغير صرف، جعله اسماً للقبيلة.
وقرأ الحسن: " بعاد إرم " بإضافة " عاد " إلى " إرم "، ولم يصرف ﴿إِرَمَ﴾، جعل " إرم " اسم مدينة فلم يصرفها.
قال محد بن كعب القرظي: إرم: " الإسكندرية ".
قال [المقبري]: إرم: دمشق، رواه عنه ابن وهب.
وقوله: ﴿واذكر أَخَا عَادٍ إِذْ أَنذَرَ قَوْمَهُ بالأحقاف﴾ [الأحقاف: 21]، يدل على خلاف هذين القولين، لأن الأحقاف جمع: حقف، والحقف ما التوى من الرمل، وليس كذلك
دمشق ولا الإسكندرية، وإنما يجوز هذا التأويل على أن يكون [عاد] [ها هنا] غير عاد أصحاب الأحقاف.
وقال مجاهد: إرم: " أمة ". وعنه أيضاً إرم معناه: " القديمة ".
وقال قتادة: كنا نحدث أن إرم قبيلة من عاد، مملكة عاد.
وهذا قول يصح معه ترك صرف " إرم ".
وقال ابن إسحاق: إرم جد عاد، وإرم هو إرم بن عوص بن سام بن نوح.
ويلزم على هذا أن يصرف لأنه يذكر.
وعن ابن عباس أن معناه: بعاد الهالك، ويلزم صرفه على هذا، لأنه وصف.
وقال بعض أهل النسب: إرم هو سام بن نوح، ويلزم صرفه أيضاً لأنه مذكر.
وقيل: إن ﴿إِرَمَ ذَاتِ العماد﴾ كانت مدينة عظيمة موجودة في ذلك الوقت.
وقوله ﴿ذَاتِ العماد﴾ نعت " لعاد " إن جعلته (اسما) للقبيلة أو لإرم فمعناهك ذات الطول لأن العرب تقول للرجل الطويل: معمد، وكانت قبيلة عاد طوال الأجسام.
[قال] ابن عباس: " كان طولهم مثل العماد ".
[وقال] مجاهد: " كان لهم جسم في السماء ".
وقيل: إنما قيل: ﴿ذَاتِ العماد﴾، لأنهم كانوا أهل عمد ينتجعون الغيوث وينتقلون (إلى) الكلا حيث كان ويرجعون إلى منازلهم.
هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن زيد: ﴿ذَاتِ العماد﴾، قيل لهم ذلك البناء بناه بعضهم فشيد عمده.
ورفع بناءه حين كانوا في الأحقاف، وهو قوله: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: 128] الآية.
وقوله: ﴿التي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي البلاد﴾ أي: مثل تلك الأعماد.
وقيل: إنما وصفوا [بذلك] لشدة أبدانهم وقوتهم.
والهاء في ﴿مِثْلُهَا﴾ تعود على عاد، لأنها قبيلة أو على إرم لأنها مدينة.
قال قتادة: ذكر/ أنهم كانوا اثني عشر ذراعاً، وهو قوله: ﴿وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً﴾.
قوله تعالى: ﴿وَثَمُودَ الذين جَابُواْ الصخر بالواد﴾ إلى آخر السورة.
أي: وألم تر - يا محمد - كيف فعل ربك بثمود - وهم قوم صالح - الذين نقبوا الصخر وخرقوه واتخذوه بيوتا؟! وهو قوله: ﴿وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتاً آمِنِينَ﴾ [الحجر: 82].
والعرب تقول: " جاب فلارن [الفلاة] يجوبها جوْباً " إذا دخلها
وقطعها.
قال ابن عباس: ﴿جَابُواْ الصخر بالواد﴾، أي: خرقوها، يعني: قوم صالح كانوا ينحتون من الجبال (بيوتا).
قال مجاهد: " جابوا الجبال فجعلوها بيوتاً ".
ثم قال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِى الأوتاد﴾ أي: أو لم تر، يا محمد، فعل ربك بفرعون ذي الأوتاد؟!
قال ابن عبس: الأوتد هنا " الجنود الذين يشدون له أمره ".
وقيل: معناه ذي الجنود الكثيرة الذين يحتاجون [لضرب] الأوتاد في أسفارهم.
وقال مجاهد: وصف بذلك، لأنه كان [يتد أوتاد] الحديد في أيدي الناس
وأرجلهم يقتلهم بها.
وقال قتادة: وصف بذلك، لأنه كانت [له مظال] وملاعب يلعب له تحتها من أوتاد [وحبال].
وروى ثابت البناني عن أبي رافع أن فرعون " وتد لامرأته (أربعة) أوتاد، ثم جعل على ظهرا رحى عظيمة حتى ماتت ".
وقال ابن جبير: وصف بذلك: لأنه كان يعذب الناس بالأوتاد، قال: [فكان] يجعل رجلاً هاهنا ورجلاً هاهنا، ويداً هاهنا [ويدا] هاهنا بالأوتاد، وقاله مجاهد أيضاً.
وعن ابن جبير أيضاً أنه إنما وصف بذلك، لأنه كان له بنيان يعذب الناس
عليه، قال: كان له منارات يعذب الناس عليها.
وقوله: ﴿الذين طَغَوْاْ فِي البلاد﴾ أي: تجاوزوا حدود الله عتوا على ربهم في البلاد التي كانوا بها فأكثوا في تلك البلاد الفساد بركوبهم المعاصي.
ثم قال تعالى: ﴿فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ﴾ أي: فأنزل بهم ربك (يا محمد) عذابه نقمة منه لهم لكفرهم، يعني جميع من تقدم ذكره من الكفرة.
والعرب تقول لكل عذاب شديد عذب به المعذب: سوط خزي.
فقوله: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾، واقع على أنواع (من العذاب عذب الله بها هذه الأمم) المذكورة في الدنيا فأهلكهم بها.
[وكذا حكى الماوردي: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ اي: خلط عذاب لأنه أنواع].
قال مجاهد: ﴿سَوْطَ عَذَابٍ﴾ " ما عذبوا به ". وهوقول ابن زيد (وغيره).
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ أي: إن ربك يا محمد لهؤلاء الذين قصصت عليك قصصهم ولغيرهم من أمثالهم لبالمرصاد يرصدهم على قناطر جهنم فيكردسهم فيها إذا وردوها يوم القيامة.
وقيل: معناه: لا يفوته هارب.
وقال ابن عباس: ﴿لبالمرصاد﴾ أي: " يسمع ويروى ". وقال الضحاك: إذا كان يوم [القيامة] يأمر الله عز وجل بكرسيه فيوضع على النر فيستوي عليه ويقول: " وعزتي لا يجاوزني اليوم (ذو) مظلمة ".
فذلك قوله جل ثناؤه: ﴿لبالمرصاد﴾.
وقال سفيان: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ يعني: جهنم عليها ثلاث [قناطر]:
قنطرة فيها الرحم، وقنطرة فيها لأمانة، وقنطرة فيها الرب جل ثناؤه.
قال [عمرو] بن قيس: بلغني أن على جهنم ثلاث [قناطر] فقنطرة عليها الأمانة إذا مروا بها تقول: (يا رب)، هذا (أمين، يا رب هذا خائن.
وقنطرة عليها الرحم إذا مروا بها تقول: هذا) واصل، هذا قاطع.
وقنطرة عليها الرب تعالى ذكره ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾.
وقال الحسن: ﴿لبالمرصاد﴾ أي: " مرصاد عمل بني آدم ". قال ابن مسعود: والفجر إن ربك لبالمرصاد.
يعني أنه جواب القسم.
ويروى أن على جسر جهنم (سبع) [قناطر] محابس، بين كل قنطرتين
سبعون عاما، وعرض [الجسر] كحد السيف مدحضة مزلقة، في الرقة مثل الشعرة، فيسأل الناس [عند أول] قنطرة من الإيمان، فإن جاء به تاماً جاز إلى القنطرة الثانية، ثم يسأل عن [الصلوات] الخمس، فإن جاء بها [تامة] جاز إلى (القنطرة) الثالثة، ثم يسأل عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز إلى الرابعة، ثم يسأل عن صيام رمضان فإن جاء به تاما جاز إلى الخامسة، ثم (يسأل) عن الحج، ثم (يسأل) عن صلة الرحم.
قال نافع (و) الرؤاسي: ﴿إِرَمَ﴾ وقف جيد.
وهو بعيد لأن ﴿ذَاتِ العماد﴾ نعت لما قبلها أو بدل منه.
والوقف عند الأخفش وغيره ﴿أَهَانَنِ﴾.
والاختيار
الوقف على " كلا " وهو قول نصير وأحمد بن موسى/.
والمعنى: كلا، [لم أهنه بتقديري] عليه رزقه.
وقال الفراء: معناه: كلا، لم يكن ينبغي للإنسان أن يقول هذا، ولكن يجب عليه أن يحمد الله على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الإنسان إِذَا مَا ابتلاه رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ ربي أَكْرَمَنِ﴾.
أي: فأ/االإنسان إذا امتحنه ربه بالنعم والسعة فرح بذلك، وقال: ربي أكرمني بهذه الكرامة.
وأما إذا ما امتحنه فضيق عليه رزقه وقَتَّره عليه غَمَّه [وقال]: ربي أهانني وأذلني بالفقر، فلم يشكر الله على ما وهب له من سلامة جوارحه.
قال قتادة: ﴿فَيَقُولُ ربي أَهَانَنِ﴾ " ما أسرع ما كفر ابن آدم ".
وقوله: ﴿كَلاَّ﴾.
هو إنكار من الله أن يكون سبب كرامته من أكرم [كثرة] المال، وسبب
إهانته من أهان قلة المال.
قال قتادة معناه: لا أكرم من أكرمت بكثرة المال ولا أهين من أهنت بقلته، ولكن إنما أكرم من أكرمت بتوقيته إلى [طاعتي]، وأهين من أهنت بخلاذنه وارتكابه لمعصيتي.
(ودل على ذلك قوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم * وَلاَ تَحَآضُّونَ على طَعَامِ المسكين﴾ إلى ﴿جَمّاً﴾ أي: فبهذا أهين من أهنت، لأنه مرتكب لمعصيتي) مخذول ممنوع عن طاعتي.
وقيل: معناه: لم يكن الإنسان أن يحمد الله على النعم دون الفقر، ولكن ينبغي له أن يحمده على الأمرين جميعاً، على الغنى والفقر.
والوقف على ﴿أَهَانَنِ﴾ حسن، وتكون " كلا " في الابتداء بمعنى " حقاً "، أو بمعنى " ألا ". وهو قول الأخفش وأحمد بن موسى.
وأجاز أبو حاتم الوقف على (أهنن) وعلى (كلا).
والوقف عند نصير والفراء على " كلا " معناه: ليس يهان أحد بفقر ولا غنى.
وقاله قتادة.
وقوله: ﴿بَل لاَّ تُكْرِمُونَ اليتيم﴾ أي: بل إنما أهنت، لأنه لا يكرم اليتيم ولا يحض الناس ولا نفسه على طعام المسكين.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَأْكُلُونَ التراث أَكْلاً لَّمّاً﴾ أي: وأهنتكم لأنكم تأكلون الميراث أكلاً شديداً.
﴿وَتُحِبُّونَ المال حُبّاً جَمّاً﴾ أي: كثيراً.
قال ابن عباس: ﴿أَكْلاً لَّمّاً﴾، أي: سفاً، وجماً: شديداً.