الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7804-7844
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7804-7844
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقال عكرمة: ممتلئة [به].
وقيل: (به) بمعنى " فيه "، (أي): السماء منفطرة في يوم القيامة، والضمير في (يجعل) ليوم القيامة، ويجوز أن يكون لله جل ذكره.

  • ثم قال: ﴿كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولاً﴾.
    أي: ليس لوعده خُلْفٌ.
    قال ابن مسعود: إذا كان يوم القيامة دعا ربُّنَا المَلِكُ آدمَ عليه السلام فيقول: يا آدم، قم فابعث (بعث) النار، فيقول: (أي) رب! لا علم لي إلا ما علمتني، فيقول الله جل ذكره: أخرج من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين: فيساقون إلى النار سوداً مقرنين زُرْقاً فيشيب هنالك كل وليد.

قال بان زيد: يشيب الصغار من كرب ذلك اليوم.

  • ثم قال: ﴿إِنَّ هذه تَذْكِرَةٌ.
    . .﴾. أي: هذه الآيات - في ذكر هول القيامة - عبرة وعظة لمن اتعظ.
  • ﴿فَمَن شَآءَ اتخذ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً.
    . .﴾. هذا تهدد، والمعنى: فمن شاء اتخذ إلى (رحمة) ربه طريقا بتركه العصيان وقبوله للإيمان، ومن لم يشاء ذلك فالله له بالمرصاد.
  • ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أدنى مِن ثُلُثَيِ اليل وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ وَطَآئِفَةٌ مِّنَ الذين مَعَكَ.
    . .﴾. هذا حين فرض الله عليهم قيام الليل بقوله: ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً * نِّصْفَهُ أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً * أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾.

فالمعنى: على قراءة من خفض ﴿وَنِصْفَهُ وَثُلُثَهُ﴾: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أحياناً أدنى من ثلثي الليل [وأحياناً أدنى] من نصفه وأحياناً أدنى من ثلثه، فأَعْلَمَهُ أنه [لا] علم له بالمقدار وأن الله هو العالم بمقدار الوقت الذي يقوم فيه.
ودل على ذلك ﴿عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي: علم الله أنك لا تعرف مقدار قيامك.
فأما من قرأ بنصب (نصفه وثلثه) فمعناه: إن ربك يا محمد يعلم أنك تقوم للصلاة أدنى من ثلثي الليل وتقوم نصفَه وتقوم ثلثَه، فيكون المعنى أن النبي قد أصاب المقدار في قيامه النصِّفَ: (و) الثُّلَثَ، ويكون قوله ﴿قُمِ اليل إِلاَّ قَلِيلاً﴾ هو أدنى من الثلثين، ﴿نِّصْفَهُ﴾ هو النصف المذكور هنا، ﴿أَوِ انقص مِنْهُ قَلِيلاً﴾ هو الثلث

المذكور هنا، ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ﴾ هو أدنى من الثلثين أيضا المذكور هنا.
ويكون على هذا التأويل معنى ﴿أَن لَّن تُحْصُوهُ﴾ أي تطيقوه.
وعلى القول الأول معناه: [أن] لن تعرفوا مقداره.

  • وقوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ.
    . .﴾. أي تاب عليكم من فرض القيام إذ عجزتم وضعفتم عنه أي: رجع لكم إلى التخفيف عنكم.
    هذا كله ناسخ لفرض القيام في أول السورة.
  • ثم قال: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القرآن.
    . .﴾. أي: ما خف عليكم مما هو دون الثلث.
  • ثم قال: ﴿عَلِمَ أَن سَيَكُونُ مِنكُمْ مرضى.
    . .﴾. أي: أنه سيكون منكم مرضى (فلا يقدرون) على القيام فخفف عنكم ذلك.
    ثم قال/: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ الله.
    . .﴾.

أي: وعلم أنه سيكون منكم مسافرون للتجارة فيَشِقَّ عليهم القيام [لشغلهم] مع تعبهم من سفرهم، وعلم أنه سيكون منكم آخرون يجاهدون العدو فيشق عليهم القيامة لشغلهم مع عدوهم فخفف عنهم القيام لذلك.

  • ثم قال: ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ.
    . .﴾. أي: من القرآن، أي ما خف عليكم.
    قال الحسن وابن سيرين: صلاة الليل فرض على كل مسلم لو قَدْرَ حَلْبَ شاةٍ بقوله ﴿فاقرءوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قال الحسن: ولو خمسين آية.
    وسئل الحسن عن رجل استظهر القرآن ولا يقوم به فقال: يتوسد القرآن، لعن الله ذلك.
    وقال السدي ﴿مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾: " مائة آية ". وقال الحسن: (من قرأ مائة آية في ليلة لم يحاجه القرآن).

قال كعب: من قرأ مائة في ليلة كتب من القانتين.
وقيل: الآية منسوخة لأنه ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه لا فرض إلا خمس صلوات، وعلى ذلك أجمع المسلمون وهو الصواب إن شاء الله.

  • ثم قال: ﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة﴾.

يعني الفرض من ذلك، أي: أقيموا ذلك بحدوده وفروضه في أوقاته.

  • ثم قال: ﴿وَأَقْرِضُواُ الله قَرْضاً حَسَناً.
    . .﴾. أي: أنفقوا في سبيله من أموالكم.
    قال ابن زيد: القرض هنا: النواف سوى الزكاة.
  • ثم قال: ﴿وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ الله.
    . .﴾. أي: ما تقدموا في الدنيا من صدقة أو نفقة في سبيل الله أو غير ذلك من فعل الخير لطلب ما عند الله تجدوه في [معادكم] يجازيكم به الله.
  • ثم قال: ﴿هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً﴾.
    أي: هو [خير] مما علتم في الدنيا للدنيا، وأعظم ثوابا عند الله.
  • ثم قال: ﴿واستغفروا الله إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
    أي: واسألوا الله المغفرة، إنه (غفور)، أي: ذو غفران لذنوب المؤمنين وستر عليهم (رحيم) بم أن يعذبهم [على ذنوبهم] بعد توبتهم منها وغفرانه لهم.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية

  • قوله تعالى: ﴿يا أيها المدثر * قُمْ فَأَنذِرْ﴾ إلى قوله: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾.
    أي: يا أيها المدثر بثيابه عند نومه.
    وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قيل له ذلك] وهو متدثر بقطيفة.
    ذكره النخعي.
    وروي أن هذا أول ما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم.
    رواه جابر بن عبد الله قال: " حَدَّثَنِي النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، قالَ: جَاوَرْتُ فِي حِرَاءَ، فَلَمَّا

قَضَيْتُ [جِوَارِي] هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ [الوَادِيَ]، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي وَخَلْفِي (وَقُدَّامِي) فَلَمْ أَرَ شَيْئاً، فَنَظَرْتُ فَوْقَ رَأْسِي فَإِذَا هُوَ - يَعْنِي المَلَكَ - جَالِسٌ عَلَى عَرْشٍ بَيْنَ السَّمَاءِ والأَرْضِ [فَجُثِثْتُ] مِنْهُ.
فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثِّرُونِي، (دَثِّرُونِي)، وَصُبُّوا عَلَيَّ مَاءً.
وَأُنْزِلَ عَلَيَّ ﴿يا أيها المدثر﴾ ".

وقال الزهري: كان أول شيء أنزل عليه: ﴿اقرأ باسم رَبِّكَ الذي خَلَقَ﴾ حتى بلغ ﴿(عَلَّمَ الإنسان) مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: 1 - 5]. قال ابن عباس: ﴿يا أيها المدثر﴾: " يأ أيها النائم ". وقال قتادة: المدثر في ثيابه.
وقال عكرمة: معناه: " دُثر هذا الأمر فقم به "، يعني النبوة.

  • وقوله: ﴿قُمْ فَأَنذِرْ﴾.
    أي: قم من نومك فأنذر قومك عذاب الله على شركهم بالله.
  • ﴿وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾.
    أي: فعظم.
  • ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
    أي: لا تلبسها على معصية ولا [غدرة].
    قاله ابن عباس.

وعنه أيضاً: فطَهِّرْها من الإثم.
وقال النخعي: فطهرها من الذنوب.
والعرب تقول لرجل إذا نكث ولم يف بعده: إنه لدنس الثياب، وإذا أوفى بعهده، وأصلح: إن لمُطَهَّر الثياب.
وقال الضحاك: معناه: " لا تلبس ثيابك على معصية ". وقال ابن زيد: معناه: " وعملك فأصلحه "، قال: والعرب تقول للرجل الخبيث العمل: فلان خبيث الثياب.
وإذا كان حسن العمل (قالوا: فلان طاهر الثياب.
وعن ابن عباس أيضاً أن معناه: " لا تلبس ثيابك) من [مكسب] غير طيب.
وعن مجاهد أن معناه: " لست بكاهن ولا ساحر، فأَعْرِض عما قالوا ". (وقال) ابن سرين: معناه: اغسل ثيابك من النجاسة.
وهو قول ابن زيد، وبهذا احتج الشافعي في وجوب طهارة الثوب (وأنه فرض.
مذهب مالك أن طهارة الثوب ليس بفرض، وهو قول هل المدينة وإنما طهارة الثوب) سنة.
ولذلك، من صلى بثوب نجس ولا يعلم أعاد في

الوقت.
ولو كانت طهارة الثوب/ فرضاً لأعاد أبداً.
وكذكك البدن تقع فيه النجاسة ليست طهارته فرضاً.
يدل على ذلك إجماع المسلمين على أن صلاة من استجمر بالحجارة من الغائط جائزة، مع أن موضع خروج الأذى لم يغسل بالماء.

  • ثم قال: ﴿والرجز فاهجر﴾.
    أي: والأَوْثَانَ فاهجر عبادتها.
    والضم والكسر في الراء لغتان عند الفراء.
    وقيل: الكسر معناه العَذاب.
    فتكون الأوثان سميت بالعذاب.
    لأنها سببه.
    والضم معناه الأوثان.
    وأول من

فرق بينهما الكسائي.
وأكثر الناس على أنه لا فرق بينهما وأنه يراد به الأوثان، [ضَمَمْتَ] الراءَ أو كَسَرْتَها.
قال ابن عباس: الرجز: " السخط، وهو الأصنام ". وقال مجاهد وعكرمة: الرجز: " الأوثان.
وقاله الزهري.
وقال قتادة: " الرجز: صنمان كانا عند البيت: [إساف ونائلة]، يَمْسَحُ وُجُوهَهُمَا من أتى عليهما، فأمر الله نبيه أن [يجتنبها] ويعتزلهما ". قال ابن زيد: " الرجز آلهتهم التي كانوا يعبدون، (أمره الله) أن يهجرها [فلا يأتيها ولا يقربها] ".

وقال النَّخعي: المعنى: والمعصية [فاهجر].

  • ثم قال تعالى ﴿وَلاَ تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ﴾.
    قال ابن عباس: معناه: ولا تعط يا محمد عطية لتعطى أكثر منها.
    وهو (معنى) قول أكثر [المفسرين].
    وهذا خصوص للنبي صلى الله عليه وسلم، وهو مباح لأمته إلا أنه لا أجر [لهم] في ذلك.
    وهو قوله تعالى: ﴿وَمَآ آتَيْتُمْ مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَاْ فِي أَمْوَالِ الناس فَلاَ يَرْبُواْ عِندَ الله﴾ [الروم: 39] وقد قال الضحاك: هو الربا (في) الحلال [قال]: وهما ربوان: حرام

وحلال.
فأما الحلال فالهدايا.
وأما الحرام فالربا بعينه.
وقال الحسن: معناه: لا تستكثر عملك الصالح.
وهو اختيار الطبري.
وقال الربيع بن أنس: معناه: " لاَ يَكْثُرَنْ عملُك في عينك، فإنه فيما أنعم الله [عليك] وأعطاك قليل ". وعن مجاهد أن معناه: لا تضعف أن تستكثر من الخير من قولهم: " حبل منين " إذا كان ضعيفاً.
وفي قراءة ابن مسعود: " وَلاَ تَمْنُنْ أَنْ تَسْتَكْثِرَ ". قال الكسائي: فإذا حذف " أن " رفع، وهو حال (عند) البصريين.

وقال ابن زيد: معناه: لا تمنن بالقرآن والنبوة فتستكثرهم به، تأخذ على ذلك عوضاً من الدنيا.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَلِرَبِّكَ فاصبر﴾.
    أي: اصبر على ما تَلْقَى من قومك لربك [واحتمل] أذاهم.
    وقال ابن زيد: معناه، اصبر على محاربة العرب والعجم، قال: " حُمِّلَ أمراً عظيماً، مُحَارَبَةَ العرب ثم العجم من بعد العرب في الله ". وقال النخعي: معناه: ولربك فاصبر على عطيتك، ولا تعطها لتأخذ أكثر منها، بل احتسبها الله.
  • ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي الناقور * فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ﴾.

يقال: [عَسُرَ] الأمرُ إذا صَعُبَ فهو عَسِيرٌ، و [عَسِرَ] فهو عَسِرٌِ.
والمعنى: فإذا نفخ في الصور فذلك [يوم] شديد صعب غير سهل على الكافرين.
روى ابن عباس أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ: " كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ القَرْنِ قَدِ التَقَمَ القَرْنُ [وَحَتَى] جَبْهَتَهُ لِيَسْتَمِعَ مَتَى يُؤْمِرُ، يَنْفُخُ فِيهِ.
قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلى أَصْحَابِهِ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَقُولُوا ﴿حَسْبُنَا الله وَنِعْمَ الوكيل﴾ [آل عمران: 173] ﴿عَلَى الله تَوَكَّلْنَا﴾ [الأعراف: 89].

قال عكرمة: الناقور: الصور.
قال مجاهد: (هو) شَيْءٌ كَهَيْئَةِ [البُوقِ].

  • ثم قال: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾.
    أي: كِلْ - يا محمد - أَمْرَ هذا الذي خلقته في بطن أمه وحيداً لا شيء له من مال ولا ولد، يعني بذلك الوليد بن المغيرة المخزومي.
    قال ابن عباس: " أَنْزَلَ اللهُ فِي الوَليدِ بِنْ المُغِيرَةِ ﴿ذَرْنِي﴾ ﴿وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾.
    [وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ.
    . .﴾ [الحجر: 92] إلى آخرها.
    وقيل: معناه: دعني يا محمد ومجازاة من خلقته وحده، فيكون " وحيداً]

على القول الأول حالاً من الهاء المحذوفة في " خلقته ". وعلى (هذا) القول الآخر حالاً من التاء في " خلقته ". وفي هذا الكلام تهدد عظيم ووعيد.
والعرب تقول: ذرني وزيداً، أي: كِلْ عقوبته ومُطالَبَتَهُ إلي.
فالمعنى: كِلْ - يا محمد - عقوبة هؤلاء إلي، فلست أحتاج [في ذلك] إلى معين ولا ظهير.
ويُرْوى أنه كان يقول: أنا الواحد بن الوحيد، ليس لي من العرب نظير ولا لأبي المغيرة نظير.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مَّمْدُوداً﴾.
    قال مجاهد وابن جبير: هو ألف دينار.
    وقال سفيان: (بلغني) أنه أربعة آلاف دينار.
    وقيلأ: هو الأرض يزرع فيها.
    قاله النعمان بن سالم.
    وقال عمر بن

الخطاب رضي الله عنهـ: هو غَلَّةٌ شهر [بشهر].

  • ثم قال تعالى: ﴿وَبَنِينَ شُهُوداً﴾.
    أي: وجعلت له بنين شهوداً، أي: [حضوراً].
    روي أنه كان له عشرة من الولد.
    وقد قاله/ مجاهد وغيره.
    وروي أنه ما زاد بعد نزول هذه الآية إلا [ارتكاساً] في ماله وولده ونفسه.
  • ثم قال: ﴿وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيداً﴾.
    أي: بسطت له في العيش بسطاً.
    قاله سفيان.
    وقال مجاهد: " من المال والولد ".
  • ثم قال: ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاَّ.
    . .﴾. ثم يَأْمِلُ أن أزيده من المال والولد على ما أعطيته ﴿كَلاَّ﴾: أي: ليس الأمر

على ما يُؤَمِّلُ، أي: لا يكون ذلك].

  • ثم قال: ﴿إِنَّهُ كان لآيَاتِنَا عَنِيداً﴾.
    أي: إنه كان لرد حجتنا وآياتنا معانداً، مجانباً.
    يقال: عَنُدَ البَعيرُ [يَعْنِدُ عُنُوداً]، و [بَعِيرٌ عَنُودُ]: إذَا مشى مجانباً للإبل لا يمشي معها.
    قال ابن عباس: ﴿عَنِيداً﴾ " جحوداً ". وهو قول قتادة.
    وقال مجاهد: " معانداً للحق، مجانباً له ". وقال سفيان: ﴿عَنِيداً﴾ " مشاقاً لنا ".
  • ثم قال: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً﴾.
    أي: سأكلفه مشقة من العذاب لا راحة منها.
    وقيل: الصعود جبل من نار (يكلفون) أن يصعدوه، فإذا وضع يده عليه ذابت، فإذا رفعها عادت، وإذا وضع

رجله كذلك.
وروى أبو سعيد الخدري رضي الله عنهـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الصُّعُودُ جَبَلٌ مِنْ نَارٍ يَصْعَدُ فِيهِ سَبْعينَ خَرِيفاً ثُمَّ يَهْوِي كَذلِكَ أَبَدَاً ". قال مجاهد: ﴿صَعُوداً﴾: " غذاباً لا راحة منه ". وقال قتادة: " مشقة من العذاب ".

  • ثم قال: ﴿إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ﴾.
    أي: فكر فيما أنزل الله على نبيه من القرآن، وَقَدَّرَ فيما يقول فيه، فَلُعِنَ كيف قدَّر ما هو قائل، ثم لعن كيف قَدَّرَ القولَ فيه.

﴿ثُمَّ نَظَرَ﴾.
أي: ثم تَأَتّى في ذلك.
﴿ثُمَّ عَبَسَ.
. .﴾. أي: قبض ما بين عينيه.
﴿وَبَسَرَ﴾.
أي: كلح وكَرَّهَ وجهه.
قال عكرمة: جَاءَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ إلى النبي صلى الله عليه وسلم فَقَرَأَ عليه النبي القرآنَ، فكأنه رَقَّ لَهُ، فبلغَ ذلك أبا جهل.
فأتاه فقال: أيْ عَمِّ، إِنَّ قومَكَ يُريدون أن يَجْمَعُوا لَكَ مَالاً.
قَالَ: لِمَ؟ قَالَ: يُعْطُونَكَ! فإنك أتيت محمداً تَتَعَرَّضُ لِمَا قِبَلَهُ.
قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً! قال: فقل فيه قولاً يَعْلَمُ أَنَّكَ مُنْكِرٌ " [لِمَا قَالَ]، وَأَنَّكَ كَارِهٌ له، قال: فماذا أقول فيه؟ فَوالله مَا مِنْكُمْ رَجُلٌ أَعْلَمُ مِنِّي بِالأَشْعَارِ ولاَ أَعْلَمُ

بِرَجَزِهِ وَلاَ بِقَصدِهِ، وَلاَ بِأَشْعَارِ الجِنِّ، وَ (اللهِ) لاَ يُشْبِهُ الذِي يَقُولُ شَيْئاً مِنْ هَذَا، وَاللهِ إِنَّ لِقَوْلِهِ الذِي يَقُولُ لَحَلاَوَةً! وَإِنَّهُ لَيَحْطِمُ مَا تَحْتَهُ! وَإِنَّهُ لَيَعْلُوا وَمَا يُعْلَى! قَالَ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ لاَ يَرْضَى قَوْمُكَ حَتَّى تَقُولَ فِيهِ.
قَالَ: فَدَعْنِي حَتَّى أُفَكِّرَ فِيهِ.
(فَلَمَّا فَكَّرَ فِيهِ) قَالَ: هَذَا سِحْرٌ يَأْثُرُهُ [عن] غيره، فنزلت ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾.
قال ابن عباس: دَخَلأَ الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةِ عَلَى أَبِي بَكْرٍ يَسُأَلُهُ عَنِ القُرآن، فَلَمَّا أَخْبَرَهُ خَرَجَ عَلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ: يَا عَحَبَاً لِمَا يقول ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ! فَوَاللهِ، ما هُوَ بِشِعْرٍ وَلاَ بِسِحْرٍ وَلاَ [بِهَذْيٍ] مِنْ جُنُونٍ، وَإِنهُ لَمِنْ كَلاَمِ اللهِ - جَلَّ وَعَز - فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ

النَّفَرُ (مِنْ قُرَيْشٍ) [ائْتَمَرُوا] بَيْنَهُمْ، وَقَالُوا: وَاللهِ لَئِنْ صَبَأَ الوَلِيْدُ لَتَصْبُؤَنَّ قُرَيْشٌ، فَلَمَّا سَمِعَ بِذلِكَ أَبُو جَهْلٍ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: أَنَا أَكْفِيكُمْ شَأْنَهُ.
فَانْطَلَقَ حَتَى دَخَلَ عَلَيْهِ بَيْتَهُ، فَقَالَ: [أَلَمْ تَرَ] قَوْمَكَ قَدْ جَمَعُوا لَكَ الصَّدَقَةَ؟! قَالَ: أَلَسْتُ أَكْثَرَهُمْ مَالاً وَوَلَداً؟! فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: يَتَحَدَّثُونَ أَنَّكَ تَدْخُلُ عَلَى ابْنِ أَبِي قُحَافَةَ لِتُصِيبَ مِنْ طَعَامِهِ! قَالَ الوَلِيدُ: [أَقَدْ] تَحَدَّثَتْ بِذَلِك عَشِيرَتِي؟! فَلاَ وَأَيْمُ جَابِرٍ بْنُ قُصَيَّ، لاَ أَقْرَبُ أَبَا بَكْرٍ (وَلاَ عُمَرَ) وَلاَ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ، [وَمَا قَوْلُهُ إِلاَّ سِحْرٌ] يُؤْثَرُ.
فَأَنْزَلَ اللهُ ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً﴾ إلى ﴿لاَ تُبْقِي (وَلاَ) تَذَرُ﴾.

قال قتادة: ذكر أنه قال: والله، لقد نظرت [فيما قال هذا الرجل]، [فإذ] هو ليس بشعر، وإن له لحَلاَوَةً، وإن عليه لَطُلاَوَةً، وإنه لَيَعْلُو وما يُعْلَى، ومَا أَشُكُّ أَنَّهُ سِحْرٌ.
وقال الضحاك: دعاه النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، فقال: حتى أنظر! فَفَكَّرَ، ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ، ثُمَ أَدْبَرَ واسْتَكبر، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر، فجعل الله له سقر.
قال أبو رزين (سحر) (أي): يَأْثُرُهُ من غيره.

  • ﴿إِنْ هاذآ إِلاَّ قَوْلُ البشر﴾.
    أي: ما هذا الذي يتلوه محمد إلا قول بني آدم وما هو بكلام الله.
    [فهذا أول من قال: القرآن مخلوق، قاله الوليد بن المغيرة فأدخله الله سقر.
    قال بعض العلماء: فكذا يُفْعَلُ بكل من قال: القرآن مخلوقٌ، قاله أحمد بن زيد].
  • ثم قال: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾.

أي: [سأورده] سقر، وهو باب من أبواب جهنم.
يروى أنه الباب السادس منها، نعوذ بالله منها.

  • ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ﴾.
    أي: وأي شيء أدراك ما سقر؟، ثم بَيَّنَهُ وَأَدْرَاهُ به [فقال] في صفة سقر.
  • ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾.
    أي: هي نارٌ لا تُبْقي من فيها حياً، ولا تَذَرُ من فيها ميتاً، لكنها تحرقهم، كلما احترقوا جُدِّدَ خَلْقُهُمْ.
    قال مجاهد: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾ أي: لا تُحْيِي وَلاَ تُميتُ وقيل: ﴿لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ﴾: لا تبقي الكافر حتى يصير فحمة ثم يُعاد خلقاً جديداً ثم لا تذره حتى يعود/ عليه العذاب بِأَشَدِّ مِمَّا كان هكذا أبداً، نعوذ بالله من ذلكز
  • ثم قال تعالى: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾.

أي: مغيرة لبشرة من فيها.
قال مجاهد: ﴿لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ﴾، أي: مُغَيِّرَةٌ للجلد.
وقال قتادة: " خَرَّاقَةٌ للجلد ". وقيل: معناه: تَلُوحُ لأَهْلِها من مسيرة خمسمائة عام.
وعلى القول الأول أكثر الناس أنها تُغَيِّرُ البَشَرَةَ.
قال [أبو رزين]: تلفح الجلد لفحة تَدَعُهُ أَشَدَّ سواداً من الليل.
وقال ابن عباس: " تحرق بَشَرَةَ الإنسان ".

  • ثم قال: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾.
    أي: من الخزنة.
    ذكر ابن عباس أَنَّ هَذَا لما نَزَلَ عَلَى النبي صلى الله عليه وسلم، قَالَ أَبُو جَهْلٍ لِقُرَيْشٍ: ثَكِلَتْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ! أَسْمَعُ ابْنَ أَبِي كَبْشَةَ يُخْبِرُكُمْ أَنَّ خَزَنَةَ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ.

وَأَنْتُمْ [الدَّهْمُ] أَفَتَعْجَزُ كُلُّ عَشَرَةٍ مِنْكُمْ أَنْ تَبْطِشَ بِرَجُلٍ مِنْ [خَزَنَةِ] جَهَنَّمَ؟! فَأَوْحَى اللهُ إلى نَبِيِّهِ أَنْ يَأْتِيَ أَبَا جَهْلٍ فَيْأْخُذَ بِيَدِهِ فِي بَطْحَاءِ مَكَّةَ فَيقُولَ ﴿أولى لَكَ فأولى * ثُمَّ أولى لَكَ فأولى﴾ [القيامة: 34 - 35]. فَلَمَّا فَعَلَ بِهِ ذَلكَ رَسُولُ اللهِ قَِالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ: وَاللهِ، لاَ تَفْعَلُ أَنْتَ وَرَبُّكَ شَيْئا.
فَأَخْزَاهُ - جَلَّ ذِكْرُهُ - يَوْمَ بَدْرٍ فَقُتِلَ.
قال كعب الأحبار: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾: ما منهم ملك إلا ومعه عمود ذو شعبتين يدفع به الدفعة فيلقى في النار تسعين ألفاً.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَآ أصحاب النار إِلاَّ ملائكة.
    . .﴾. أي: لم نجعل أصحاب النار رجالاً مثلكم فتطمعوا بالتغلب عليهم كما قال أبو جهل لقريش: أفلا يستطيع كل عشرة منكم أن يغبلوا منهم واحداً؟!.
    فإذا

كانت الخزنة ملائكة، فمن ذا يطيق الملائكة؟!.

  • ثم قال: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
    أي: لم نجعلهم تسعة عشر فقط لقلة الملائكة؛ ولكن جعلناهم كذلك ليفتتن الذين كفروا ويستقلوا عدتهم ويُحدثوا أنفسهم بالتغلب على الخزنة حتى قال [أبو الأشد الجمحي]: أنا [أُجْهِضُهُمْ] [عن] النار.
    وقيل: كَلَدَةَ بن أسيد بن خلف قال: أنا أكفيكم سبعة عشر، واكفوني اثنين.
  • ثم قال تعالى: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب﴾.
    أي: فعلنا ذلك ليفتتن الذين كفروا [وليتقين] الذين أُوتوا التوراة والإنجيل حقيقة ما في كتبهم من الخبر عن عدة خزنة جهنم، لأنه كذلك دتهم في التوراة (والإنجيل).
    هذا معنى قول ابن عباس وغيره.
    وهو قول مجاهد.
    قال قتادة: يُصَدِّقُ القرآنُ الكُتُبَ التي كانت قبله، فيها كُلِّها خَزَنَةُ النَّارِ تِسْعَةَ عَشَرَ.
    وهو قول الضحاك.
    وقال ابن زيد: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب.
    . .﴾ " أنك رسول الله ". ثم قال تعالى: ﴿وَيَزْدَادَ الذين ءامنوا إيمانا.
    . .﴾. أي: تصديقاً إلى تصديقهم بعدة خزنة جنهم.
  • ثم قال: ﴿وَلاَ يَرْتَابَ الذين أُوتُواْ الكتاب والمؤمنون﴾.

أي: ولا يشك أهل الكتاب [و] المؤمنون في حقيقة ذلك.

  • ثم قال: ﴿وَلِيَقُولَ الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ.
    . .﴾. أي: نفاق.
    ﴿والكافرون.
    . .﴾. يعني: مشركي قريش.
  • ﴿مَاذَآ أَرَادَ الله بهذا مَثَلاً﴾.
    أي: ماذا أراد الله بهذا حسين يخوفنا بهؤلاء التسعة عشر.
  • قال الله: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَن يَشَآءُ وَيَهْدِي مَن يَشَآءُ﴾.
    أي: كما أضل هؤلاء المنافقين والمشركين القائلين: أي شيء أراد الله بهذا مثلاً؟! كذلك يضل الله من يشاء] من خلقه فَيَخْذُلُهُ عن إصابة الحق، ويهدي من يشاء فيوفقه للحق.
  • ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ.
    . .﴾.

أي: لا يعلم (مقدار) كثرة جنود ربك يا محمد إلا رَبُّكَ.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إِنَّ مَلاَئِكَةٌ تَرْعَدُ فَرَائِصَهُمْ مَخَافَةً مِنْهُ، وَإِنَّ مِنْهُمْ مَنْ لا َتَقْطُرُ مِنْ عَيْنَيْهِ دَمْعَةً إِلاَّ وَقَعَتْ مَلَكاً يُسَبِّحُ، وَمَلاَئِكَةٌ سُجُودٌ مِنْذُ خَلَقَ اللهُ السَّمَواتِ لَمْ يَرْفَعُوا رُؤوسَهِمْ وَلاَ يَرْفَعُونَهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ، وَمِنْهُمْ [مَلاَئِكَةٌ] وُقُوفٌ لم يَنْصَرِفُوا وَلاَ يَنْصَرِفُونَ إلى يوم القيامة.
فإذا كان يوم القيامة، تَجَلَّى لَهُمْ رَبُّهُمْ - جَلَّ ذِكْرُهُ - فَقَالُوا: سُبْحَانَكَ! مَا عَبَدْنَاكَ حَقَّ عِبَادَتِكَ!؟ ". وقال كعب: إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قياماً، [ما] ثنوا أصلابهم، وآخرين ركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين [سجوداً] ما رفعوا رؤوسهم حتى

يُنْفَخَ في الصور النفخةَ الآخرة فيقولون جميعاً: سبحانك! ما عبدناك كما ينبغي أن تُعْبَدَ.
ثم قال كعب: والله، لو أن رجلاً عَمِلَ عَمَلَ سبعين نبيّاً، [لاسْتَقَلَ] عمله يوم القيامة من شدة مايرى يومئذ.
والله، لو دلي من [غسلين] دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت/ منه جماجم قوم من مغربها.
والله، [لَتَزْفَرَنَّ] جهننم زَفْرَةً لا يبقى ملك مقرب إلا خَرَّ جَاثِياً عَلَى رُكْبَتَيهِ.
وروى ابن المبارك حديثاً - رفعه - أن ملكاً سجدا لما استوى الرب [تعالى] على عرشه، فلم يرفع رأسه [و] لا يرفعه إلى يوم القيامة، فيقول يوم القيامة: لم أعبدك حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً.
وقد وصفهم الله في كتابه فقال: ﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: 20].

قال كعب: التسبيح للملائكة بمنزلة النَّفَسِ لبَنِي آدم، أُلْهِمُوا التسبيح كما ألهمتهم الطَّرْفَ والنَّفَسَ.

  • ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ إِلاَّ ذكرى لِلْبَشَرِ﴾.
    يعني النار التي وصفها.
    يقول: ليس ما وصفتها به من تغييرها للبشر وعدة خزنتها إلا عظةً وعبرة للناس يتعظون بها.
  • ثم قال: ﴿كَلاَّ والقمر﴾.
    أجاز الطبري الوقف على " كَلاَّ "، [جعله] رَدَّاً لِمَا قبلها.
    والمعنى عنده: ليس القول كما يقال من زعم أنه يكفي أصحابه المشركين خزنة جهنم التسعة عشر حتى يجهضهم عنها.
    وقال الفرء: تقديره: " أي والقمر، وقيل: تقديره: " حقاً " (وقيل): " أَلاَ ".
  • ﴿والقمر.
    .﴾. أي: ورب القمر ورب الليل إذا أدبر، اي: ولى.
  • ﴿والصبح إِذَآ أَسْفَرَ﴾.
    أي: أضاءَ وأقبل.
    يقال: أسفر الصبح إذا أضاء وانكشف.
    ومنه: سفرت المرأة عن وجهها إذا كشفته.
    ومنه قيل: " سفر " للكتاب الذي فيه العلم، لأنه يبين ويكشف.
    ومنه سفرت الريح الغمام: كشفته.
    ومنه: سفرت البيت: أي كنسته ومنه قيل: " سفير " للذي يسعى في الصلح، لأنه يكشف المكروه وزيله.
    وحكى بعض البصريين: دبرني إذا جاء خلفي.
    وأدبر إذا ولى.
    واختار [أبو عبيد] [إِذَا اَدْبَرَ]، لأن بعده: ﴿إِذَآ أَسْفَرَ﴾.
    وحكي: دبر وأدبر: لغتان بمعنى،

يقال: دبر النهار وأدبر.
ودبر الصيف وأدبر، وكذلك قبل وأقبل.
فإذا قالوا: أقبل الراكب و " أدبر " لم يُقَلْ إلا بالألف.
وقيل: معنى ﴿إِذْ أَدْبَرَ﴾ أي: إذا أدبر النهار، وكان في آخره.
وسأل رجل ابن عباس عن قوله: ﴿والليل إِذْ أَدْبَرَ﴾ فقال: امكث، فلما سمع الأذان [الأول] قال: هذا حين دبر الليل.

  • ثم قال: ﴿إِنَّهَا لإِحْدَى الكبر﴾.
    يعني جنهم، أي: وهي إحدى الأمور العظام.
    و (إحدى): فُعْلَى، نَعْتٌ، وهو قليل، إنما تأتي هذه النعوت غير المصادر بضم الأول أو بفتحه.
  • ثم قال: ﴿نَذِيراً لِّلْبَشَرِ﴾.
    قال أبو رزين: يقول الله جل ذكره: أنا نذير للبشر.
    وقال [ابن زيد]: معناه: محمد نذير للبشر.
    ونصبها على الحال من المضمر في " إنها " [أَوْمِنْ] " إِحْدَى ". وهذا القولان يدلان على أن النار هي النذير، وهو قول الحسن.
    ويجوز أن تكون حالاً من " هو " في قوله: ﴿إِلاَّ هُوَ﴾، أو على إضمار فعل تقديره: صَيَّرَهَا ﴿نَذِيراً﴾، هذا على قول أبي رزين.
    وقال الكسائي: هي حال من المضمر في ﴿قُمْ﴾ أي: قم نذيراً، من أول السورة.
    وهو يرجع إلى قول ابن زيد.
    وقيل:
فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل