الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أي: عسى (ربنا) أن يعطينا بتوبتنا خيراً من جنتنا.
- ﴿إِنَّآ إلى رَبِّنَا رَاغِبُونَ﴾.
في ذلك. - قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ العذاب.
.﴾. أي: كفعلنا بجنة هؤلاء فعلنا بمن كفر وخالف أمرنا في عاجل الدنيا. - ﴿وَلَعَذَابُ الآخرة أَكْبَرُ.
. .﴾. عقوبة لمن عصى الله.
﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
(أي لو لكانوا يعلمون) أن عقوبة الآخرة أعظم من عقوبة الدنيا. - قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِّلْمُتَّقِينَ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتِ النعيم﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾؟ (أي): إن للذين اتقوا عقوبة ربهم [فأطاعوه] بساتين (النعيم) الدائم في
الآخرة.
- ثم قال: ﴿أَفَنَجْعَلُ المسلمين كالمجرمين﴾.
أي: أفنجعل - أيها الناس - كرامتي في الآخرة للذين أطاعوني كالذين عصوني؟! ﴿مَا لَكُمْ.
. .﴾ أيها الناس ﴿كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾.
إذ تجعلون المطيع كالعاصي؟! - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ كِتَابٌ فِيهِ تَدْرُسُونَ﴾.
أي: ألكم - أيها القوم - بتسويتكم الطائع كالعاصي - كتاب نزل من عند الله أتاكم به رسول أن الطائع كالعاصي فيه تقرؤون؟! وقيل: المعنى: تدرسون أن لكم فيه لما تَخَيَّرون.
(فتدرسون) عاملٌ في المعنى في ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾، [لكن] منعت اللام في " لما " من فتح " إن " (بتدرسون].
ومثله: ﴿إِنَّ لَكُمْ لَمَا تَحْكُمُونَ﴾.
والتقدير: أن لكم أيمان علينا بالغة إلى يوم القيامة، فإن لكم لما تحكمون.
وهذا كله منقطع عند البصريين غير متصل بما قبله، ولا يجوز
عندهم تعلق " تدرسون "، إنما تعلق أفعال الشك لاغير.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ لَكُمْ فِيهِ لَمَا تَخَيَّرُونَ﴾.
أي: إن لكم في ذلك لما تخيرونه، وهذا توبيخ وتقريع لهم لما كانوا يتقولون من الكذب. - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَكُمْ أَيْمَانٌ عَلَيْنَا بَالِغَةٌ إلى يَوْمِ القيامة﴾.
أي: هل لكم ذلك، أي: ليس لكم أيمان على الله تنتهي بكم إلى يوم القيامة بأن لكم حكمكم في ما تتولون.
وكسرت الألف من " إنّ " لدخول اللام في " لمَا ". وقيل: " بالغة " [وثيقة]، أي: بالغة النهاية في التأكيد. - ثم قال تعالى: ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَلِكَ [زَعِيمٌ]﴾.
أي: سل - يا محمد - هؤلاء المتقولين (المتحكمين) على الله، أيهم كفيل بأن
لهم علينا أيماناً بالغة إلى يوم القيامة؟
وقيل: " زعيم " معناه: ضمين.
والزعيم أيضاً المتكلم عن القوم.
- ثم قال تعالى ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَآءُ فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ.
. .﴾. أي: ألهم شركاء (بعيونهم) ويشهدون لهم بذلك ويحتجون عنهم فيما يدعون فليأتوا بهم إن كانوا صادقين في قولهم فتكون الحجة على جميعهم أبين و [آكد]. - ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ (عَن سَاقٍ) وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾.
أي: اذكر يا محمد يوم يبدو [أمر] عظيم، وذلك يوم القيامة.
قال ابن عباس: يوم يكشف [عن ساق]، هو يوم كرب وشدة وأمر عظيم.
وقرأ ابن عباس: " يوم نَكشِف " بالنون.
وقرأ ابن مسعود: " يوم يَكشِف " بفتح الياء وكسر الشين.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قرأ " يوم تَكشِف " بالتاء، يريد القيامة تكشف عن أهوالها.
وروى مجاهد عن ابن عباس: " عن ساق " قال: هي أول ساعة من القيامة، وهي [أفظعها] و [شدها].
وقال ابن جبير: " عن ساق ": عن شدة الأمر ".
وقال قتادة ﴿عَن سَاقٍ﴾ عن أمر فظيع/ لهم جليل.
وعن ابن مسعود أنه قال: " يتمثل للخلق، يعني يوم القيامة، حتى يمر المسلمون فيقول: من تعبدون؟ فيقولون: نعبد الله لا نشرك به شيئاً، [فينتهرهم] مرتين أو ثلاثاً، فيقولون: هل تعرفون ربكم؟ فيقولون: سبحانه، إذا اعترف لنا عرفناه.
(قال): فعند ذلك يكشف عن ساق فلا يبقى مؤمن إلا خر لله ساجداً، ويبقى المنافقون ظهروهم طبق كأنما فيها السفافيد، فيقولون: ربنا! فيقول: قد كنتم تَدْعُوْنَ إلى السجود وأنتم سالمون.
قال أبو محمد: فمعنى يكشف لهم عن ساق، أي: عن أمر عظيم وقدرة لا يقدر عليها إلا الله.
فيعرفونه تعالى [أظهر] من قدرته إليهم.
ولا يحل لأحد
أن [يتأول] في هذا وما شابهه جارحة، إذ ليست صفات الله كصفات الخلق، كما أنه ليس كمثله شيء، فاحْذَرْ أن يتمثل في قلبك شيء من تشبيه الله بخلقه، [فغير] جائز في الحكمة والقدرة أن يكون المخلوق يشبه الخالق في شيء من الصفات، ومن شبه الخالق بالمخلوق فقد أوجب على الخلق الحدث، وكفر وأبطل التوحيد، إذ في ذلك نفي القدم عن الخالق، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرً.
وقال ابن مسعود: ينادي مناد يوم القيامة: أليس عدلاً منكم أن ربكم خلقكم ثم صوركم ثم رزقكم ثم توليتم غيره أن يولي كل عبد (منكم ما تولى؟! فيقولون: بلى، قال: فيمثل لكل قوم آلهتهم التي كانوا) يعبدونها، فيتبعونها حتى توردهم النار، ويبقى أهل [الدعوة]، فيقول بعضهم لبعض: ماذا تنتظرون؟ (ذهب الناس)! فيقولون: ننتظر أن ينادى [بنا].
قال: فيجيء في صورة، فذكر منها ما
شاء الله، فيكشف عما شاء الله أن يكشف، فيخرون سجدا إلا المنافقين، فإ نه يصير فَقَارُ أصلابِهِمْ عَظْماً واحداً مثل [صياصي] البقر، فيقال لهم: ارفعوا رؤوسكم إلى نوركم.
ثم ذكر قصرة طويلة.
وذكر أبو سعيد الخدري: عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك وأطول.
والعرب تقول: انكشف الأمر عن ساق، أي: عن هول وأمر غليظ شديد.
وأصل هذا أن الرجل إذا جد في أمر فيه صعوبة وشدة تشمر وكشف عن ساقه، فجعل الساق في موضع الشدة.
وقوله: ﴿وَيُدْعَوْنَ إِلَى السجود فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ﴾.
أي: [ويدعى] أهل النفاق إلى السجود لله عند ظهور الأمر الشديد فلا يستطيعون السجود.
ودل على على أن الاستطاعة قبل الفعل، لأن الكلام على أنهم كانوا قبل ذلك يستطيعون السجود فتركوه.
ودعاؤهم إلى السجود إنما هو على طريق التوبيخ لهم ليوقفوا على فعلهم في الدنيا إذا دعوا إلى السجود وهم سالمون لينتفعوا به فلم يفعلوا.
روي أن أصلابهم تجف عقوبة فلا يطيقون السجود.
ثم قال: ﴿خاشعة أبصارهم تَرْهَقُهُمْ (ذِلَّةٌ).
. .﴾.
أي: خاضعة ذليلة أبصارهم [تغشاهم] ذلة من عذاب الله.
والعامل في " يوم يكشف " قوله: ﴿فَلْيَأتُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ﴾ أي: فليأتوا بالشركاء يوم يكشف، أي يوم القيامة.
لم يرد الإتيان بها في الدنيا لأنهم يقدرون على ذلك في الدنيا، ولا يقدرون عليه في الآخرة، " فيأتوا " هو العامل في " يوم يكشف ". ويجوز أن يعمل فيه فعل
[مضمر] أي: اذكر يوم يكشف.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانُواْ يُدْعَوْنَ إِلَى السجود وَهُمْ سالمون.
. .﴾؟
(أي): وقد كانوا في الدنيا يدعون (إلى) أن يسجدوا لله وهم سالمون الجوارح، لا يمنعهم من ذكل مانع فلم يفعلوا.
وقيل: السجود (الذي) (كانوا) يدعون إليه في الدنيا هو الصلاة المكتوبة.
قال الشعبي.
وقال ابن جبير: كانوا يسمعون النداء للصلاة فلا يجيبون.
قال ابن عباس: هم الكفار، كانوا يدعون إلى السجود في الدنيا وهم آمنون، فاليوم يدعون وهم خائفون.
وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يُؤْذَنُ للمؤمنين يَومَ القيامةِ في السّجودِ
فَيَسْجُدُ المُؤمِنُونَ، وَبَيْنَ كُلِّ مُؤمنين مُنَافِقُ فَيَقْسُو ظَهْرُ المُنَافِقِ عَنِ السُّجُوجِ، ويجْعَلُ اللهُ سُجُودَ المؤمنين على المنافقينَ تَوْبِيخاً وَصَغَاراً وَذُلاًّ وَنَدَامَةً وَحَسْرَةً ".
- ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَن يُكَذِّبُ بهذا الحديث.
. .﴾. هذا تهديد ووعيد من الله للمكذبين بكتابه، كما يقول الرجل للرجل يتوعده: دعني وإياك، وخلني وإياه.
وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: سنكيدهم من حيث لا يعلمون، وذلك أن يمتعهم بمتاع الدنيا حتى يظنوا أنهم إنّما مُتِّعُوا به الخير لهم عند الله فيتمادون في طغيانهم، ثم [يأخذهم] بغتة [وهم] لا يشعرون.
فيكون معنى: " سنستدرجهم ": سنمتعهم ونوسع عليهم في الدنيا حتى يتوهموا أن لهم خيراً ويغتروا بالنعم.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الله يُمْهِل الظالم حتى إذا أخَذَه لم يُفْلِتْهُ، وقرأ:
﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ وحقيقة الاستدراج أن يأخذه ببأسه قليلاً ولا يُجَاهِرُه، وهو من الدرج الذي يُصعَد وَيُنْزَل منه قليلاً قليلاً.
- ثم قال: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
أي أنْسِئُ لهم في آجالهم ملاوة من الزمان، وذلك [برهة] / من الدهر على كفرهم وتمردهم على الله [لتتكامل] حجج الله عليهم. - وقوله: ﴿إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾.
أي: إن كيدي بأهل الكفر قوي شديد. - ثم قال تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُمْ مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ﴾.
أي: أم تسألهم يا محمد على إنذارك لهم ونصحك إياهم جُعلاً [فهم]
مثقلون [مما] يعطونك من الجُعْل؟ أي: لست تسألهم ذلك، فما بالهم لا يقبلون نصحك.
- ثم قال تعالى: ﴿أَمْ عِندَهُمُ الغيب فَهُمْ يَكْتُبُونَ﴾.
أي: أعندهم اللوح المحفوظ الذي فيه الغيوب كلها فهم يكتبون منه [ما يجادلونك] به، ويزعمون أنهم على كفرهم أفضل منزلة عند الله من أهل الإيمان به. - قال تعالى: ﴿فاصبر لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلاَ تَكُن كَصَاحِبِ الحوت.
. .﴾. يعني: يونس، أي فاصبر يا محمد على أداء (الرسالة) لقضاء ربك [فيك وفي هؤلاء] المشركين، ولا تستعجل لهم العذاب فتكن كصاحب الحوت، يعني يونس إذ خرج عن قومه حين تأخر العذاب عنهم. - واذكر ﴿إِذْ نادى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾.
أي: إذ نادى ربه من بطن الحوت وهو مغموم لا يجد من يتفرج إليه.
قال قتادة: ولا تكن كصاحب الحوت في العجلة والغضب، أي: لا تعجل كما عجل ولا تغضب كما غضب.
- ثم قال تعالى: ﴿لَّوْلاَ أَن تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِّن رَّبِّهِ.
. .﴾. (أي رحمة - فرحمه) ﴿لَنُبِذَ بالعرآء وَهُوَ مَذْمُومٌ﴾.
(أي: لولا أن الله رحمه وسمع دعاءه من بطن الحوت فأجابه لطُرِحَ بالفضاء من الأرض وهو مذموم) قال ابن عباس: مذموم " مليم ". وقيل مذموم: " مذنب ". - ثم قال تعالى: ﴿فاجتباه رَبُّهُ.
. .﴾. أي: فاختاره واصطفاه. - ﴿فَجَعَلَهُ مِنَ الصالحين﴾.
أي: اختاره للنبوّة فجعله صالحاً، أي: رفعه للعمل الصالح.
وقيل: معناه: فوصفه من الصالحين.
حكى سيبويه: " جعل بمعنى " وصف ".
- قوله تعالى: ﴿وَإِن يَكَادُ الذين كَفَرُواْ.
. .﴾ إلى آخرة السورة.
قال الفراء: هذا من إصابة العين.
والتقدير: وإن يكاد الذين كفروا مما عاينوك يا محمد بأبصارهم ليأخذونك بالعين فَيَرْمونَكَ ويصرعونك كما ينصرع الذي يَزْلِق في الطين ونحوه، لأنهم كانوا يقولون: ما رأينا [مثل] حججه ولا مثله.
وقيل: المعنى: أنهم كانوا من شدة نظرهم إليه [وتغيظهم] عيه أن يزلقوه من مكانه.
يقال: أَزْلَقَ الحَجّام الشَّعرَ وَزَلَقَهُ: إِذا حَلَقَه.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ﴾.
أي: ويقول الكفار: إن محمداً لمجنون.
قال ابن عباس: ليزلقونك بأبصارهم: أي ينفدونك من شدة نظرهم، من قولهم: زلق السهمر وزهق إذا نفذ.
وقال ابن مسعود: ليزلقونك: لَيُزْهِقُونَكَ.
وقال مجاهد: " لينفِذونَك بأبصارهم ". وقال قتادة: ليصدونك.
- وقوله: ﴿لَمَّا سَمِعُواْ الذكر.
. .﴾. أي: لما سمعوا كتاب الله يتلى. - ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: ليس لاذي جاء به محمد جنوناً بل هو ذكر للعالمين، أي: للجن والإنس.
وقيل: المعنى: " بل محمد ذكر للعالمين ".
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى: ﴿الحاقة * مَا الحآقة﴾ إلى قوله: ﴿فِي الجارية﴾.
كأن الأصل: الحاقة، ما هي؟ لتقدم ذكرها، إلا أن إعادة الاسم بلفظه أفخم إذا لم يُشْكِل المعنى.
و" الحاقة " ابتداء، و " ما " ابتداء ثان، و " الحاقة ": حبر " ما "، و " ما " وخبرها خبر عن " الحاقة " الأولى، ومثله: ﴿القارعة * مَا القارعة﴾.
ومعنى الكلام أنه على التعظيم، والتقدير: الساعة الحاقة: أي: شيء هي!، ما أعظمها وأجلها وأشدها.
ومعنى الحاقة: التي تحق فيها الأمور ويجب فيها الجزاء على الأعمال.
قال ابن عباس: " الحاقة اسم من أسماء القيامة، عظمه الله وحذره عباده ". وقال قتادة: الحاقة: القيامة حقت لكل عامل ما عمله.
- ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا الحاقة﴾.
أي: واي شيء يدرك ويعرفك أي شيء الحاقة؟! [وهذا] كله تعظيم ليوم القيامة. - ثم قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ وَعَادٌ بالقارعة﴾.
أي: كذبت ثمود قوم صالح، وعاد قوم هود بالساعة التي تقرع قلوب العباد بهجومها عليهم.
قال ابن عباس: ﴿بالقارعة﴾: بيوم القيامة.
وقال قتادة: بالساعة. - ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُواْ بالطاغية﴾.
أي: بطغيانهم وكفرهم بالله وباليوم الآخر.
قال مجاهد: ﴿بالطاغية﴾ بالذنوب.
قال ابن زيد: ﴿بالطاغية﴾ بطغيانهم، واستدل على ذلك بقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَآ﴾ [الشمس: 11] بالصيحة، كأنها صيحة تجاوزت مقادير الصياح فطغت عليهم.
وهو اختيار الطبري؛ لأن الله إنما أخبر عن يموج بالمعنى الذي أهلكوا به لا الذي أهلكوا من أجله (ودليل ذلك/ إخباره تعالى عن عاد بالمعنى الذي أهلكوا به وهو الريح ولم يخبر بالذي هلكوا من أجله).
وقيل: المعنى: بالفئة الطاغية.
(وقيل): بالفعلة الطاغية.
وقيل: بالجماعة الطاغية.
وقيل: المعنى: بالأخذة الطاغية.
وسميت الآخذة طاغية لأنها جاوزت القدر في الشدّة.
فالمعنى: فأهلكوا بالأخذة التي جاوزت القدر [فطغت عليهم].
دليله: قوله في عاد: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾، فذكر الشيء [الذي] أهلكوا من أجله، فإنما وصف العذاب الذي أُهْلِكَ به الطائفتان، فهو ظاهر اللفظ وكُلُّ قَدْ قِيل.
- وقوله: ﴿عَاتِيَةٍ﴾.
ليس (هو) من العتو الذي هو العصيان، إنما هو من العتو الذي هو بلوغ
الشيء وانتهاؤه في قوته وقدره، ومن قولهم: عتا: إذا بلغ منتهاه، ومنه قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكبر عِتِيّاً﴾ [مريم: 8].
ثم قال تعالى: ﴿وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فِي الجارية﴾.
أي: بريح شديدة العصوف مع شدة بردها.
قال ابن عباس: ﴿عَاتِيَةٍ﴾: أي: " مهلكة باردة عنت عليهم بغير رحمة ولا بركة (دائمة) لا تفتر ".
قال قتادة: " الصرصر: " الباردة، عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم.
قال ابن عباس: ما أرسل الله من ريح قط إلا بمكيل، ولا أنزل قطرة إلا بمثقال إلا يوم نوح ويوم عاد، فإن الماء يوم نوح طغى على خَزّنه فلم يكن لهم عليه سبيل، ثم قرأ: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾، قال: وإن الريح عتت على خَزّانها فلم يكن [لهم]
[عليها] من سبيل، وقرأ: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾.
وقال علي بن أبي طالب: لم تنزل قطرة من ماء إلا بكيل على يدي مَلك، فلما كان يوم نوح أذِنَ للماء دون الخزَّان، فطغى الماء على الجبال فخرج، فذلك قوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾ إلى قوله: ﴿فِي الجارية﴾، ولم ينزل شيء من الريح إلا بمكيال على يَدَيْ مَلَك إِلاَّ يومَ عاد، فإنه أُذِنَ لَهَا دون الخُزَّان، فخرجت فذلك قوله: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ عتت على الخزان.
قال ابن زيد: " الصرصر [الشديدة]، والعاتية: القاهرة التي عتت عليهم فقهرتهم ".
قال الضحاك: ﴿بِرِيحٍ صَرْصَرٍ﴾ يعني: باردة، ﴿عَاتِيَةٍ﴾ يعني: عتت عليهم بغ ير رحمة ولا بركة.
- ثم قال تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً.
. .﴾.
أي: سخر تلك الريح على عاد ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾.
قال ابن عباس: ﴿حُسُوماً﴾: " تباعاً ".
وقال مجاهد: متتابعة، [وقاله] عكرمة وقتادة.
(وعن قتادة)؛ متتابعات.
وهو قول سفيان.
وقال ابن زيد: ﴿حُسُوماً﴾: تحسم كل شيء فلا تُبْقِي من عاد أحداً.
وذكر ابن زيد عن عاد أنه كان فيهم ثمانية رجال لهم خلق عظيم، فلما جاءتهم الريح قال بعضهم: قوموا بنا نرد على هذا العذاب عن قومنا.
قال: فقاموا وَصَفُّوا في الوادي، فأوحى الله إلى تلك الريح أن تقلع كل يوم
منهم واحداً وقرأ: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ حتى بلغ ﴿خَاوِيَةٍ﴾.
قال ابن زيد: وإن كانت الريح لتمر بالظعينة فتستدبر بها وبحمولتها ثم [تذهب] بهم في السماء ثم تكبهم على الرؤوس، ثم قرأ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضاً مُّسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُواْ هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24].
قال: وكان قد أمسك عنهم المطر، فقرأ حتى بلغ ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: 25] الآية.
قال: وما كانت الريح تقلغ كل يوم من الثمانية إلا واحداً.
[قال]: لفما عذب الله قوم [هود] أبقى واحداً ينذر الناس.
والعرب تقول: حسمت الداء أي: قطعته (بمتابعة) العلاج (عليه)، وسيفٌ حسامٌ: أي: قاطعٌ.
وقيل: ﴿حُسُوماً﴾ جمع حاسم، كجالس وجلوس.
وقيل: هو مصدر [أي: ذات] حسوم.
- ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى القوم فِيهَا صرعى.
. .﴾. أي: فترى يا محمد قوم هود في تلك السبع الليالي والثمانية الأيام الحسوم صرعى قد أهلكوا. - ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ﴾.
أي: كأنهم أصول نخل قد خَوت وتآكَلَتْ.
- ثم قال تعالى: ﴿فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾.
أي: فهل ترى - يا محمد - لهم من جماعمة باقية.
وقيل: من بقاء.
وقيل: (من) بقية. - ثم قال تعالى: ﴿وَجَآءَ فِرْعَوْنُ وَمَن قَبْلَهُ والمؤتفكات بِالْخَاطِئَةِ﴾.
أي وجاء فرعون ومن قبله من الأمم الماضية المذكبة بالفعلة الخاطئة.
ومن قرأ بكسر القاف وفتح الباء فمعناه: ومن معه من القِبْطِ.
وقد رد أبو عبيد هذه القراءة لأنه قد كان فيه مؤمنون.
وهذا لا يلزم، لأنه لفظ/ عام معناه الخصوص، أي: ومَن قِبَلَهُ من أهل دينه.
- وقوله ﴿والمؤتفكات﴾ يعني قوم لوط الذين ائتفكت عليهم مدائِنُهم إذْ أُهْلِكُوا أي: انقلبت عليهم.
قال مجاهد: ﴿بِالْخَاطِئَةِ﴾: " بالخطايا ". - ثم قال تعالى: ﴿فَعَصَوْاْ رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾.
أي: فعصى فرعون وقوم لوط رسول ربهم إليهم، والمعنى: فعصى كل قوم رسول ربهم إليهم.
وقيل: " رسول " هنا بمعنى " رسالة ". قال ابن عباس: ﴿أَخْذَةً رَّابِيَةً﴾ أي: " شديدة ". قال ابن زيد: رابية في الشر أي زائدة.
ومنه الربا، ومنه: أربى فلان عَليك إذا خذ أكثر من حقه. - ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا المآء حَمَلْنَاكُمْ فِي الجارية﴾.
أي: لما طغى الماء على الخزنة - بإذن الله له فخرج أكثر مما تقدر عليه الخزنة وتجاوز حده.
والطغيان مجاوزة الحد.
فقيل: إنه طغى على خزنته فلم يعرفوا له قدراً، وذلك بأمر الله له.
حملنا آباءكم في السفينة الجارية.
روي أنه زاد [فَعَلاَ كلّ شي] بقدر خمس عشرة [ذراعاً] قاله قتادة.
قال ابن جبير: طغى الماء وزاد غضباً لغضب الله.
[قوله] ﴿لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً.
. .﴾ إلى [قوله] ﴿على طَعَامِ المسكين﴾.
أي: فعلنا ذلك لنجعل السفينة لكم عبرة وعظة وآية.
قال قتادة: أبقى الله السفينة تذكرة وعظة وآية حتى نظر إليها أول هذه
[الأُمة]، وكم من سفينة قد كانت بعد سفينة نوح قد صارت رِمْدداً.
- قال ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ..
[أي]: [ولتعي] هذه التذكرة أذن حافظة عقلت عن الله ما سمعت.
" وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ثُمَّ الْتَفَتَ إلَى عَلِيِّ رضي الله عنهـ فقال: سَاَلْتُ اللهَ أَنْ يَجْعَلَهَا أُذُنَكَ.
قال عَليٌّ: فَمَا سَمِعْتُ شَيْئاً مِنْ رَسُولِ اللهِ قَطّ فَنَسِيتُهُ.
" وقال [بريدة]: " سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعلي: [يا علي]، إِنَّ اللهَ
أَمَرَني أَنْ [أُدْنِيْكَ] ولاَ أُقْصِيَكَ، [وَأنْ أُعَلِّمكَ] وَأَنْ تَعِيَ.
وَحَق عَلَى الله أن [تَعِي].
قال: ونزلت: ﴿وَتَعِيَهَآ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ ".
وقال أبو عمران الجَوْنِي: ﴿أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [يعني]: أذن عقلت عن الله.
- ثم قال: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصور نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ﴾.
(أي: فإذا نفخ إسرافيل في الصور نفخة واحدة)، هي النفخة الأولى. - ﴿وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي [زلزلتا] زلزلة واحدة.
قال ابن زيد: دكتا دكة واحدة: " صارت غباراً ".
- ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الواقعة﴾.
أي: قامت القيامة. - ثم قال تعالى: ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ﴾.
أي: وانصدعت السماء فهي متشققة يومئذ.
قال الضحاك: إذا كان يوم القيامة أمر الله جل ثناؤه السماء بأهلها ونزول من فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها ثم الثانية ثم [الثالثة] إلى السابعة، فصفوا صفاً بين يدي صف ثم نزل الملِك الأعلى على مجنبته جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نَدّثوا فلا يأتون قُطُراً من أقطار الأرض، إلا وَجدوا سعبة صفوف من الملائكة مفيه، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه، فذلك قوله: ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾ [غافر: 32 - 33].
وذلك قوله: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 22].
- وهو قوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم [أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا لاَ تَنفُذُونَ] إِلاَّ بِسُلْطَانٍ﴾ [الرحمن: 33] (أي] بحجة، وهو قوله: ﴿وانشقت السمآء﴾.
إلى ﴿على أَرْجَآئِهَآ.
. .﴾. أي: على نواحيها وأطرافها حين تشقق.
قال ابن عباس: على حافاتها، وذلك حين تشقق.
وعن ابن جبير: ﴿على أَرْجَآئِهَآ﴾: على حافات الدنيا.
وواحد الأرجاء [رجا] مقصور، وهو الناحية، يثني بالواو.
والرجاء: الأملُ مَمْدُودُ.
- ثم قال: ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾.
قال ابن عباس هي ثمانية صفوف من الملائكة لا يعلم عدتهم إلا الله، وهو قول الضحاك وعكرمة.
وقال ابن زيد: هم ثمانية أملاك.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه قال): " يحمِلهُ اليَوْمَ أَرْبَعْةٌ، وَيَحْمِلُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَمَانِيَةٌ "، وأنه قال صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ أَقْدَامَهُمْ لَفِي الأَرْضِ السَّابِعَةِ،
وإِنَّ مَنَاكِبَهُمْ لَخَارِجَةٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ عَلَيْهَا العَرِشُ "، قال ابن زيد: يريد الأربعة.
قال ابن زيد: وبلغنا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " لمَّا خَلَقَهُمُ الله قال: تَدرون لِمَ خلقتكم؟ قالوا: خلقتنا ربنا لما شاء، قال لهم: تحملون عرشي، ثم قال: سَلوني من القوة ما شئتم أَجْعَلُهَا فِيكُم، فقال أحدهم: قد كان/ عرش ربنا على الماء فاجعلني في قوة الماء، قال: قد جعلت فيك قوة الماء، وقال آخر: اجعل في قوة السموات، (قل: قد جعلت فيك قوة السماوات.
وقال الآخر: اجعل في قوة الأرض والجبال، قال: قد جعلت فيك قوة الأرض والجبال.
وقال آخر: في قوة الرياح)، قال: قد جعلت فيك قوة الرياح.
(ثم) قال: احملوا.
قال: فوضعوا العرش على كواهلهم فلم يزولوا.
قال: فجاء عِلْمٌ آخرِ، وإنما كان عِلْمُهُم الذي [سألوه] القوة.
فقال لهم: قولوا: لا حول ولا قوة إلا بالله [العلي العظيم].
فقالوها، وجعل فيهم من الحول والقوة ما لم
يبغلوه بعلمهم فحملوا ".
وروى ابن وهب عن أبيه أنه قال: أربعة من الملائكة يحملون العرش على أكتافهم، لكل واحد منهم أربعة أوجه: وجه ثور، ووجه [أسد]، ووجه نسر، ووجه إنسان.
ولكل واحد منهم أربعة أجنحة: جناحان على وجهه من أن ينظر إلى العرش فيصعق، وحناحان يقف [بهما].
ليس لهم كلام إلا (أن) يقولوا: قدسوا الله القوي الذي ملأت عظمته السماوات والأرض.
وقال عطاء عن مَيْسَرَة [في قوله] ﴿وَيَحْمِلُ عَرْشَ رَبِّكَ فَوْقَهُمْ يَوْمَئِذٍ ثَمَانِيَةٌ﴾، قال: " أرجلهم في التخوم لا يستطيعون أن يرفعوا أبصارهم من شعاع النور ".
قال أبو محمد [مؤلفه رضي الله عنهـ]: ما جاء في القرآن وهذه الأحاديث من النزول
والمجيء وشِبْهِ ذلك مضافاً إلى الله جل ذكره [فلا يجب] أن يُتَأَوَّلَ فيه انتقال " ولا حركة " على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، إذا الحركةُ والنقلةُ إنما هما من صفات المخلوقين.
وكل ما جاء من هذا فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين، فأجرها على ما أتت ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمراً مما شَهِدْتَهُ في الخلق، إذ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله جل ذكره بالمجيء والإتيان والتنزيل: إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك، فلا تَتَقَدَّمْ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلاَ تُكَيِّفْ وَلاَ تُشَبِّهْ، وَتَقُولُ كَمَا قَالَ وَتنْفِي (عنه) - جل ذكره - التَّشْبِيهَ، ولا تَعْتَرِضْ في شيء مما أَتَى في كتابه من ذلك وما روي عن نبيه (منه) صلى الله عليه وسلم.
- ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لاَ تخفى مِنكُمْ خَافِيَةٌ﴾.
[أي]: ذلك اليوم تعرضون أيها الناس على ربكم فلا يخفى عنه من أعمالكم شيء.
وروي أنهم [يعرضون] ثلاث عرضات: قاله أبو موسى الأشعري وابن مسعود، قالا: فعرضتان فيه الخصومات والمقادير، والثالثة [تطاير] الصحف.
قال أبو موسى: " فأخذ بيمينه، وأخذ بشماله ".
وروى مثل ذلك قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم.
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كتابه بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَآؤُمُ اقرءوا كتابيه﴾.
أي: فأما من أعطي كتاب عمله بيمينه فيقول: تعالوا: ﴿اقرءوا كتابيه﴾.
وقال بعض [أهل اللغة]: أصل " هَاؤُمْ " " هاكم "، ثم أبدل من الكاف واو.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلاَقٍ حِسَابِيَهْ﴾.
هذا من الظن الذي هو يقين، قوم ظنوا ظناً: فازوا به، وقوم ظنوا ظناً: شقوا [به]، وهو الظن الذي بمعنى الشك.
والمعنى أن المؤمن يقول يوم القيامة حين أَخْذِ كتابه (بيمينه: أيقنت في الدنيا أني ملاق ما عملت إذا وردت يوم القيامة) على ربي.
قال ابن عباس: ظننت: " أيقنت ". قال قتادة: ظَنَّ ظَنّاً يَقِيناً فنفعه الله به، وقال: " ما كان من ظن الآخرة فهو
علم " [يريد] من المؤمنين.
- ثم قال: ﴿فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾.
أي: عيش مرضي، وهو عيش الجنة.
وجعلت " مرضية " نعتاً [للمعيشة]؛ لأن ذلك مدح [للعيشة]، كما يقال: " ليل نائم " " وسرٌّ كاتم " و " ماء دافق "، بمعنى " مفعول "؛ لأنه فيه بمعنى المدح، فكان نقله من بناء إلى بناء يدل على المدح أو [الذم]، ولو قلت: " رجل ضارب " بمعنى " مضروب " لم يجز؛ لأنه لا مدح فيه ولا [ذم]، فلا يقع بناء في موقع بناء إلا لمعنى زائد. - ثم قال تعالى: ﴿فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ﴾.
أي: رفيعة المقدار والمكان. - ثم قال تعالى: ﴿قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ﴾.