الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
مجاهد: " طقرها وفجاجها ".
﴿وَكُلُواْ مِن رِّزْقِهِ.
. .﴾.
(أي: من رزقه) الذي أخرجه لكم من الأرض.
﴿وَإِلَيْهِ النشور﴾.
أي: وإليه نشوركم من قبوركم.
- ثم قال تعالى: ﴿أَءَمِنتُمْ مَّن فِي السمآء أَن يَخْسِفَ بِكُمُ الأرض.
. .﴾. أي: أأمنتم - أيها الكافرون - الله الذي في السماء أن يخسف بكم الأرض عقوبة على كفكركم به؟! ﴿فَإِذَا هِيَ تَمُورُ﴾.
أي: تضطرب.
﴿أَمْ أَمِنتُمْ مِّن فِي السمآء﴾ (وهو الله).
﴿أَن يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِباً.
. .﴾.
وهو التراب فيه الحصباء الصغار فيهلككم بذلك على كفركم.
أي: لم تأمنوا [من ذلك]، فما بالكم مقيمين على كفركم؟!
ثم قال: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ﴾.
أي: كيف عاقبة نذيري لكم إذا كذبتموه.
ولا يعمل ﴿فَسَتَعْلَمُونَ﴾ " في ﴿كَيْفَ﴾ لأنها استفهام، وهي خبر " نذير ".
- ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كَانَ نكِيرِ﴾.
أي: ولقد كذّب الذين كانوا قبل هؤلاء المشركين رسلهم، فيكف كان إنكاري لتكذيبهم؟! ألم نهلكهم بضروب من النقمات؟! - ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات.
. .﴾. أي: أو لم ير هؤلاء المشركون قدرة الله في الطير فوقهم في الهواء صافات أجنحتهن أحياناً ويقبضنها أحياناً؟!.
﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمن﴾، فيكون لهم بذلك مذكر على قدرة الله وأنه لا
يقدر على إمساك الطير على تلك الحال أحد إلا الله.
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾.
أي: إن الله بصر وخبر بكل شيء، لا يدخل في تدبيره خلل ولا في خلقه تفاوت.
- ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذا الذي هُوَ جُندٌ لَّكُمْ يَنصُرُكُمْ مِّن دُونِ الرحمن﴾.
أي: من ينقذكم من عذاب الرحمن إذا نزل بكم على كفركم؟! ما ﴿إِنِ الكافرون إِلاَّ فِي غُرُورٍ﴾ من ظنهم أن آلهتهم تقربهم إلى الله زلفى وأنها تنفع أو تضر. - ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ هذا الذي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ.
. .﴾. أي: من يرزقكم أيها المشركون إن أمسك الرحمن رزقه عنكم.
أي: من يأتي بالمطر أمسكه عنكم الرحمن.
ثم قال تعالى: ﴿بَل لَّجُّواْ فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ﴾.
([اي]: بل تمادوا في طغيان ونفور) [من] الحق استكباراً.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبّاً على وَجْهِهِ أهدى أَمَّن يَمْشِي سَوِيّاً عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾.
أي: أفمن يمشي في الضلالة أهدى أمن يمشي في الهدى؟! يعني الكافر والمؤمن، فهو مثل ضربه الله لهما في الدنيا.
هذا معنى قول مجاهد والضحاك وابن عباس.
قال قتادة: هذا في الآخرة، أفمن يمشي مكبا على وجهه وهو الكافر، أكب في الدنيا على [المعاصي] فحشره الله يوم القيامة على وجهه.
-[رواه] عن النبي صلى الله عليه وسلم -، وقال: " فقيل: يا رسول الله كيف يحشر الكافر على وجهه/ فقال: إن الذي أمشاه على رجليه لقادر أن يحشره يوم القيامة على وجهه ".
وقيل: الذي يمشي مكباً على وجهه: أبو جهل، والذي هو على صراط
مستقيم: حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنهـ، ثم هو في كل من كان مثلهما.
- قوله تعالى: ﴿(قُلْ) هُوَ الذي أَنشَأَكُمْ.
. .﴾ إلى آخر السورة.
أي: قل يا محمد للمكذبين بالبعث: الله الذي ابتدأ خلقكم قبل أن لم تكونوا شيئاً. - ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والأفئدة.
. .﴾. لتسمعوا وتبصروا وتعقلوا، فكيف تتعذر عليه إعادتكم .. ﴿قَلِيلاً مَّا تَشْكُرُونَ﴾.
أي: قيلاً شكركم لربكم على هذه النعم التي خولكم.
قال تعالى: ﴿هُوَ الذي ذَرَأَكُمْ فِي الأرض.
. .﴾. أي: خلقكم فيها.
﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾.
أي: تجمعون يوم القيامة من قبوركم لموقف الحساب.
- ثم قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾.
أي: ويقول المشركون المكرون للبعث: متى يكون هذا البعث الذي تعدوننا به إن كنتم صادقين في قولكم أيها المؤمنون؟! ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿إِنَّمَا العلم عِنْدَ الله وَإِنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل لهم يا محمد إنما علم وقت البعث عند الله، وإنما أنا نذير إليكم، أي: منذر مبين ما أرسلت به إليكم. - ثم قال: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ.
. .﴾. أي: فلما رأى المشركون عذاب قريباً وعاينوه، ساء الله وجوه الذين كفروا.
قال الحسن: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: عاينوه.
قال مجاهد: زلفة: " قد اقترب ".
وقال ابن زيد: زلفة: حاضراً، أي: قد حضرهم العذاب.
وقال ابن عباس: ﴿رَأَوْهُ زُلْفَةً﴾، أي: لما رأوا عملهم السيء.
وقيل: فلما رأوا الحشر.
ودل عليه: " يحشرون ".
وقيل: الهاء تعود على الوعد لتقدم ذكره.
- ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلَ هذا الذي كُنتُم بِهِ تَدَّعُونَ﴾.
أي: وقال الله لهم عند معاينتهم العذاب: هذا الذي كنتم به تدعون ربكم أن يعجله لكم.
وقال الحسن: تدّعون أن لا جنة ولا ناراً.
وأصل ﴿تَدَّعُونَ﴾ [تَدْتَعِيون]- على " تَفْتَعِلون " - من الدعاء، ثم أعلي ثم
أُدْغِمَ.
وقال أبو حاتم: ﴿تَدَّعُونَ﴾: تكذبون.
وقيل: ﴿تَدَّعُونَ﴾: يدعو بعضكم بعضاً إلى التكذيب.
وقرأ قتادة والضحاك: " تدعون " مخففا، وهما بمعنى، كما يقال: قدر واقتدر، وعدا واعتدى، إلا أن في " أفتعل ": معنى التكرير، و " فعل " يقع للتكرير ولغير التكرير.
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ الله وَمَن مَّعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَن يُجِيرُ الكافرين مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.
أي: قل يا محمد للمشركين من قومك: أرأيتم أيها القوم إن أهلكني الله فأما تني ومن معي، أو رحمنا فأخر في آجالنا، فمن يجيركم من عذاب مؤلم (أي: موجع) وهو (عذاب) النار؟! أي: ليس ينجيكم من عذاب الله موتنا ولا حياتنا، فلا حاجة بكم (إلى) أن تستعجلوا قيام الساعة ونزول العذاب، فإن ذلك غير نافعكم بل هو (بلاء) عليكم.
- ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الرحمن آمَنَّا بِهِ (وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا)﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ربنا الرحمن، صدقنا به وعليه توكلنا، أي: اعتمدنا في جميع [أمورنا].
﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾.
أي: فستعملون أيها المشركون من هو في ذهاب عن الحق، نحن أم أنتم. - ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَآؤُكُمْ غَوْراً.
. .﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم أيها القوم العادلون عن الحق إن أصبح [ماؤكم غائراً] لا تناله الدلاء، فمن ذا الذي يأتيكمم بماء معين غير الله؟! أي: بماء تراه العيون ظاهراً.
وقال ابن عباس: بماء معين: " بماء عذب ".
وقال ابن جبير: بما ظاهر.
وقال قتادة: المعين: الجاري، وغوراً: ذهاباً، وكذلك قال الضحاك.
وقال بعض النحويين: يجوز أن يكون " معين " فعيلا من معن الماء إذا كثر، ويجوز أن يكون بمعنى مفعول.
والأصل فيه معيون، مثل مبيع.
فيكون معناه على هذا: بماء يُرى بالأعين.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة نون و
مكية
- قوله تعالى: ﴿[ن] والقلم﴾ إلى قوله: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾.
قال ابن عباس: " ن هو الحوت.
قال: أول ما خلق الله جل ذكره القلم فجرى بما هو كائن، ثم رفع بخار الماء فخلقت منه السماوات، ثم خلق الحوت، فبسط الأرض على ظهر النون، فتحركت النون فمادت الأرض فأثبتت بالجبال، وإن الجبال
لتفخر على الأرض.
وهو قول مجاهد.
وقال أبو هريرة: الأرضون على نون، ونون على الماء، والماء على الصخرة، والصخرة لها أربعة أركان، على كل ركن منها ملك قائم في الماء.
وعن ابن عباس أيضاً من رواية عكرمة عنه: " ن " حرف من حروف الرحمن.
وروى معاوية بن قرة عن أبيه رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن نون لوح من نور ".
وروى ثابت البناني عن ابن عباس أيضاً نون: الدواة والقلم: هو القلم المعروف.
قال: خلق الله النون - وهي الدواة - وخلق القلم فقال: اكتب، قال: ما أكتب؟ قال: اكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة من عمل معمول بر أو فجور، ورزق مقسوم حلال أو حرام، قال: ثم ألزم كل شيء من ذلك شأنه/ دخوله في الدنيا ومقامه فيها كم، وخروجه منها كيف، ثم جعل على العباد حفظة، وجعل للكتاب خزانا، والحفظة ينسخون كل يوم من الخزان عمل ذلك اليوم.
يريد: قبل أن يمله العبد، [فيعمل العبد] في ذلك اليوم على ما [نسخته] الحفظة من عند الخزان لا يزيد ولا ينقص.
هذا التفسير ليس من كلام ابن عباس، وهو معنى قوله " وقد تقدم نحوه في " الجاثية ".
قال ابن عباس: فإذا فني الرزق وانقطع الأمر [وانقضى] الأجل، أنت
الحفظة الخزنة فيطلبون عمل ذلك اليوم، فتقول لهم الخزنة: ما نجد لصاحبكم عندنا شيئاً، فيرجع الحفظة فيجدونه قد مات.
ثم قال ابن عباس: ألستم قوماً عرباً تستمعون الحفظة؟! يقولون: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: 29].
وهل يكون الاستنساخ إلا من أصل؟!.
وروى معمر عن الحسن وقتادة أن نون هو الدواة.
وروى ابن جبير عن قتادة أن ﴿[ن] والقلم﴾: قسم، (قال): يقسم ربنا بما شاء، وهو قول ابن زيد.
وقيل: هو اسم من أسماء السورة.
وقيل: هو تنبيه.
وقيل: التقدير: ورب نون.
والقلم هو المعروف، لكن أقسم ربنا بالقلم الذي جرى بأمره [بما] هو كائن إلى يوم القيامة.
وقال زياد بن الصلق لابنه لما حضرته الوفاة: أي بني، اتق الله، واعلم أنك لم تتق الله ولم تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده، والقدر خير وشره [حلوه ومره]، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللهُ عز وجل: القَلَمُ، فَقَالَ لَهُ: اكْتُبْ، فقال: وما أكتب يا رب؟ قال: اكْتُب الْقَدَرَ.
قال: فَجَرى القلمُ في تلك الساعة بما كان (وبما هو [كائن]) إلى الأبد ".
وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: إن مما خلق الله لوحاً من لؤلؤة [أو درة] بيضاء دَفَّتاه من [ياقوته] حمراء، قلمه وكتابه نور ينظر فيه ستين وثلاث مائة نظرة، في كل نظرة منها يخلق ويرزق ويحيي ويميت ويعز ويذل ويفعل ما يشاء.
وقوله: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾.
معناه: والذي يخطون، يعني يكتبون، كأنه تعالى أقسم بأفعال الخلق هذا على أن تكون " ما " بمعنى " الذي "، فإن جعلتها والفعل مصدراً كان القسم بالكتاب.
وقال قتادة: ﴿وَمَا يَسْطُرُونَ﴾: يخطون.
وقال ابن عباس: يكتبون، وكذلك قال مجاهد.
وقيل المعنى: وما تكتب الحفظة من أعمال بني آدم.
وروى أحمد بن صالح عن ورش: [يصطرون] بالصاد لأجل [الطاء]،
والأصل (السين).
- ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ﴾.
" ما " ما جواب القسم.
وهي نفي للجنون عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن المشركين ر (موه) بالجنون مرة، وبالسحر مرة، وبالكهانة (مرة).
والجنون ستر العقل.
ومنه قيل: جن عليه الليل وأجنة إذا ستره.
ومنه: الجنين، لأنه كان مستوراً في البطن، ومنه قيل للقبر: جَنَنْ منه سمي الجن حناً لاستتارهم عن أعين الناس.
وسمع من العرب على غير قياس: أجن فهو مجنون.
والقياس: مجن.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾.
أي: إن لك، يا محمد، على صبرك على أذاهم لك ثَوَاباً عظيماً ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، أي: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف.
وقيل: غير منقوص ولا مقطوع، ومنه قيل حبل منين، أي: ضعيف.
وقيل: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: لا يمن به عليك.
وقال مجاهد: ﴿غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾ أي: غير محسوب.
- ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾.
أي: لعلى أدب عظيم.
وذلك أدب القرآن الذي أدبه الله (به)، وهو الإسلام وشرائعه.
وقال ابن عباس: ﴿خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، أي: لعلى دين عظيم، وهو الإسلام.
قال قتادة: سئلت عائشة رضي الله عنها عن خلق رسول الله، فقالت: كان خلقه القرآن.
وقال علي رضي الله عنهـ: ﴿لعلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾: أدب القرآن.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أكملُ الناسِ إيماناً أحسنُهم خلقاً، تأوله قوم: أحسنهم ديناً وطريقة على ما تأول ابن عباس: الآية.
وقيل: الخلق العظيم هو ما كان من البشاشة والسعي في قضاء حوائج الناس وإكرامهم والرفق بهم.
- ثم قال تعالى: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ﴾ ﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾.
[أي: فسترى يا محمد ويرى المشركون بأيكم المجنون، وهذا تأويل
مجاهد؟
وقيل: المعنى: " بأيكم الجنون]، فيكون المفعول وقع [موقع] المصدر، كما يقال: ما له معقول، أي: عقل وهو قول ابن عباس والضحاك.
وقيل الباء زائدة، والمعنى: [فسترى] ويرون أيكم المجنون.
وقيل: المعنى: بأيكم فتنة المفتون، قاله المبرد.
وقال مجاهد: ﴿بِأَييِّكُمُ المفتون﴾ أي: الشيطان.
وقيل: المعنى: أيكم أولى بالشيطان، فالباء (أيضاً) زائدة على هذا القول.
روي/ ذلك عن قتادة.
وقل: الباء بمعنى " في "، والتقدير: في أيكم فتن المفتون).
وقال المازني: التمام: فستبصر ويبصرون، وهذا على زيادة الباء، والتقدير: فستبصر ويبصرون يوم القيامة، ثم ابتدأ: أيكم المفتون.
وقال الأخفش: المفتون بمعنى الفتنة.
والتقدير: بأيكم الفتنة، وهذا التمام [عنده].
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ.
. .﴾.
أي: إن ربك يا محمد هو أعلم بمن جار عن طريق الحق، وهو أعلم بمن اهتدى، فاتبع الحق.
وهذا من معاريض الكلام، والمعنى: إن ربك يا محمد هو أعلم بك وأنك المهتدي، وأن قومك هم الضالون.
وهو مثل قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24].
- ثم قال تعالى: ﴿وَدُّواْ لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.
. .﴾. أي ود المشركون لن تكفر بالله فيتمادون على كفرهم، قاله ابن عباس والضحاك وسفيان.
وعن ابن عباس أيضاً معناه: " وَدّ المشركون لو ترخص لهم فيرخصون ". وقال مجاهد: معناه: ود المشركون لو تركن إلى آلهتهم وتترك ما أنت عليه من
الحق (فيمالتوك).قال الفراء: الادها: التليين [لمن لا ينبغي التليين] له.
فالتقدير: وَدّ المشركون لو تلين لهم في دينك بجابتك إياهم إلى الركون إلى آلهتهم فيلينون لك في عبادة إلهك، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾ [الإسراء: 74]، وهو مأخوذ من الدهن، شبَّه التليين في القول بتليين الدهن.
- ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُطِعْ كُلَّ حَلاَّفٍ مَّهِينٍ﴾.
(أي: لا تطع يا محمد كل ذي إكثار للحلف بالباطل ﴿مَّهِينٍ﴾: أي: ضعيف.
قاله الحسن.
وقال ابن عباس: المهين: الكذاب.
وقال مجاهد: الضعيف القلب.
وقال قتادة: هو المكثار في البشر.
وقيل: معناه: مهين عند الله وعند المؤمنين أي: حقير.
وقيل: مهين بمعنى: مهان، و " فعيل " يأتي بمعنى " مُفعَل ".
وروي أنها نزلت في الأخنس بن شريق الثقفي، ثم هي في كل من كان مثله.
- ثم قال تعالى: ﴿هَمَّازٍ﴾.
أي: يهمز الناس - وأصله الغمز - أي: يعيبهم.
وقال ابن زيد: هو الذي [يغمز] الناس بيده [ويضربهم] وليس باللسان.
واللماز: الذي يذكرهم من ورائهم.
(وقيل: هما جميعاً [لمن] يذكر الناس من ورائهم).
قال قتادة: ﴿هَمَّازٍ﴾ (أي) " يأكل لحوم المسلمين ".
قال أبو عبيد: " بعد ذلك " أي: مع ذلك.
وقال: والزنيم (هو) المعلق بالقوم [وليس] منهم.
وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم: [الظَّلُوم].
وقال شهر بن حوشب: " هو [الجِلْفُ] الجافي الأكول الشروب من
[الحرام].
وقال عكرمة: " الزنيم: الذي يعرف باللوم كما تعرف الشاة بزنمتها.
وقال أبو رزين: هو الفاجر.
وقيل: نَزَلَتْ في الوليد بن المغيرة.
وسئل ابن عباس عن الزنيم، فقال هو " [الدعي] ".
واشتقاقه: الزنمة التي في حلق الشاة.
كما يقال لمن يدخل في قوم وليس.
منهم: زِغْنَفَة.
والزِّعْنِفَة: الجناحُ من أجنحة [السَّمَكِ ".
ذكره المبرد بفتح [الزاي]، وذكره غَيْرَهُ بالكسر.
وعن ابن عباس أيضاً أن الزنيم هو رجل من قريش كانت له زنمة مثل زنمة الشاة.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه ق ل: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾ ما عرفناه حتى قال ﴿زَنِيمٍ﴾ فعرفناه، وكانت له زنمتان [كزنمتي] الشاة.
وروى عنه ابن جبير أن الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها، وهو قول الشعبي.
العتل: الجافي الشديد في كفره.
وكل قوي شديد [جاف] فالعرب تسميه عتلاً.
وقال الفراء: العتل هنا: الشديد الخصومة بالباطل.
قال الشعبي: نزلت في [الأخنس بن شريق].
وقال مجاهد: نزلت في الأسود بن عبد يغوث أو عبد الرحمن بن الأسود.
- ثم قال تعالى: ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾.
أي: يسعى بالنمائم بين الناس.
قال ابن عباس: " بنميم: ينقل الكذب.
يقال: نميم ونميمة ". وقال قتادة: بنميم: " بنقل الأحاديث من بعض الناس إلى بعض ".
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يدخل الجنة قتات "، وهو النمام.
- قوله تعالى: ﴿مَّنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ﴾ إلى قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: [بخيل] بالمال عن إخراجه في الحقوق، معتد على الناس في معاملته إياهم ﴿أَثِيمٍ﴾: مأثوم في أعماله لمخالفته أمرَ رَبِّه.
وقيل: ﴿أَثِيمٍ﴾: ذي إثم. - قال تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ﴾.
- ثم قال تعالى: ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾ {إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ
الأولين}.
أي: (أَلأَِنْ) كان صاحب مال وبنين تطيعه/ على وجه التوبيخ لمن أطاعه، ثم أخبر عنه أنه يقول: إذا قرئت عليه آيات الله -: هي أساطير الأولين استهزاءً أو إنكاراً لها أن تكون من عند الله.
" فَأَنْ " مفعول من أجله متعلقة بما بعدها أي: من أجل أنه ذو مال وبنين يقول: - ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الأولين﴾.
ويجوز أن (تكون) أن " في موضع نصب متعلقة بقوله ": ﴿مَّشَّآءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ﴿أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ﴾، (أي): يفعل ذلك لأنْ كان ذا مال وبنين، فهي أيضاً مفعول من أجله.
هذا على قراءة من قرأ: " أن كان " بغير استفهام، ومن قرأه بالاستفهام فهو إنكار وتوبيخ " لمن يطيعه أيضاً، والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاّف المهين
(الهماز) المشاء بنميم القناع للخير، [المعتدي] الأثيم ذا مال وبنين تطيعه؟!
ويحتمل أن يكون توبيخاً وتقريعاً لهذا الحلاف المهين.
والمعنى: أَلأَِنْ كان هذا الحلاف ذ مال وبنين يقول - إذا تتلى عليه آياتنا -: هي أساطير الأولين: فيحسن الابتداء بالاستفهام على ها الوجه، ولا يحسن الابتداء: " بأن كان ذا مال " في الوجهين الأولين؛ لأنه متعلق بالمخاطب.
ومعنى ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾: أي: كتبهم وأخبارهم وهو جمع أسطورة.
- ثم قال تعالى: ﴿سَنَسِمُهُ عَلَى الخرطوم * إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة.
. .﴾. قال ابن عباس: معناه: سنخطمه بالسيف فنجعل ذلك فيه سمة، أي: علامة، قال: وقد قاتل الذي نزلت فيه هذه الآية يوم بدر فخُطِم بالسيف في القتال.
وقال قتادة: هو شين لا يفارقه.
وروي عنه: شين على أنفه.
قال المبرد: الخرطوم من الإنسان الأنف.
ومن السباع موضع الشفة.
والمعنى عنده: سَنَسِمُه على أنفه يوم القيامة بما يشوه خلفه وَيَعْرِفهُ بِهِ من شَهِدَه في القيامة أنه من أهل النار.
وقيل: معناه: سنعلق به عاراً وسبة حتى يكون (بمنزلة من وسم على أنفه).
وقيل: المعنى: سَنُسَوّد وجهه، فاستعير الأنف في موضع الوجه لأنه منه.
وقيل: الخرطوم هنا: الخمر.
- ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَآ أَصْحَابَ الجنة إِذْ أَقْسَمُواْ لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ * وَلاَ يَسْتَثْنُونَ﴾.
أي: إنا بلونا قريشاً، أي: امتحناهم ما امتحنا أصحاب الجنة، إذا حلفوا ليصرمن ثمرها إذا أصبحوا ولا يقولون: إن شاء الله.
قال عكرمة: هم أناس من الحبشة، كانت لأبيهم جنة، وكان يطعم المساكين (منها، فلما مات أبوهم قال بنوه: والله ما كان أبونا إلا أحمق حين يطعم المساكين)، فأقسما لَيَصْرِمُنَّها مصبحين ولا يطعمون مسكيناً.
قال قتادة: كان أَبُوهُم تتصدق، وكان بنوه ينهونه عن الصدقة وكان يمسك قوت سنة، وينفق وتصدق بالفضل، فلما مات أبوهم، غدوا عليها وقالوا: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين.
[وقال] ابن عباس: كانوا (أهل) كتاب.
والصَّرْم في اللغة: القطع، وهو الجَذَاذ.
- ثم قال تعالى: ﴿فَطَافَ عَلَيْهَا طَآئِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَآئِمُونَ﴾.
أي: فطرق جنتهم ليلاً أمر من الله فأصبحت الجنة كالليل المظلم.
قاله ابن عباس.
وروي أن الله أرسل عليها ناراً فأحرقت الزرع.
وقيل: الصريم أرض باليمن يقال [لها] [ضروان] من صنعاء، على ستة أميال.
وقيل: (كالصريم) كالزرع الذي حُصِد.
ويقال: لِلَّيْلِ صَرِيمٌ، وللنهار صريم، لأن كل واحد ينصرم عن الآخر.
- ثم قال: ﴿فَتَنَادَوْاْ مُصْبِحِينَ * أَنِ اغدوا على حَرْثِكُمْ إِن كُنتُمْ صَارِمِينَ﴾.
(أي): فنادى بعضهم بعضاً بعد الصباح أن اغدوا الحصاد زرعكم إن كنتم حاصدين له.
﴿فانطلقوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ﴾.
أي: فمضوا إلى حرثهم وهم يَتَسَارُّون بينهم في الخفاء، يقول بعضهم لبعض: لا يدخلنها اليوم عليكم مسكين. - ثم قال تعالى: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾.
أي: وغدوا إلى جنتهم على قدرة في أنفسهم [وَجِدٍ].
قاله مجاهد.
قال قتادة: غدا القوم وهم محردون إلى جنتهم قادرين عليها في أنفسهم.
قال ابن زيد: " على جد قادرين في أنفسهم ".
وقل: المعنى: ﴿وَغَدَوْاْ على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [على] أمر أسَّسوه بينهم.
وقال الحسن: ﴿على حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ أي: حاجة وفاقة.
وقال سفيان ﴿على حَرْدٍ﴾ " على حَنَقٍ ".
وقال أبو عبيدة: ﴿على حَرْدٍ﴾: على منع.
وقيل " على قصد ".
ومعنى " قادرين " عند الفراء: أي: قد قدَّروا هاذ [وبنوا] عليه.
وقيل: قادرين عند أنفسهم على ما دبروا من حصادها ومنع المساكين منها.
- ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهَا قالوا إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾.
(أي): فلما رأوا جنتهم محترقاً حرثها أنكروها وظنوا أنهم غلطوا، فقال بعضهم لبعض: إنا لضالون الطريق إلى جنتنا، فقال من علم أنها جنتهم: بل نحن أيها القوم محرومون.
قال قتادة: ﴿إِنَّا لَضَآلُّونَ﴾ قد أخطأنا الطريق، ما هذه/ جنتنا، فقال بعضهم ممن عرفها: ﴿بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ﴾ أي: قد حرمنا نفعها. - ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾.
أي: قال لهم [أعدلهم] ألم أقل لكم، هلا تستثنون إذا قلتم لنصر
منها مصبحين، فتقولون إن شاء الله؟!
قال مجاهد: لولا تسبحون، أي: تستثنون، وكان التسبيح فيهم الاستثناء.
وأصل التسبيح في اللغة: التنزيه، فجعل قولهم " إن شاء الله " معناه تنزيه الله أن يكون شيء إلا بمشيئته.
وظاهر [الآية] [يدل] على التسبيح بعينه، إذ بعده ﴿قَالُواْ سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
أي: (ظالمين) في منعنا المساكين أن يأخذوا ما يجب علينا.
- ثم قال تعالى: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَلاَوَمُونَ﴾.
أي: فأقبل بعضهم ليوم بعضاً على تفريطهم في الاستثناء وإطعام المساكين.
- ﴿قَالُواْ ياويلنا إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾.
قالوا: [تعالى] يا ويل إلينا، فهذا وقت حضورك.
وهذا شيء تقوله العرب عن الأمر العظيم: احضر يا ويل، فهذا من إبَّانك ووقتك. - ﴿إِنَّا كُنَّا طَاغِينَ﴾.
أي معتدين مخالفين أمر الله.
فندموا على ما فعلوا فأبدلهم الله خيراً منها.
(يقال): إن التي أبدلوا الطائف اقتلعها جبريل عليه السلام من الأردن، وطاف بها حول البيت، ثم أنزلها في وادي ثقيف. - ثم قال ﴿عسى رَبُّنَآ أَن يُبْدِلَنَا خَيْراً مِّنْهَآ.
. .﴾.