الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7355-7394
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7355-7394
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

الصيام، فإن أفطر لسفر أحدثه ابتدأ الصوم، فإن ابتدأ الصوم فأيسر أتم صومه، ولا يرجع إلى العتق عند مالك، وإن ابتدأ الصيام أو ابتدأ الإطعام إن لم يقدر على الصيام ثم جامع قبل إكمال الصيام أو الإطعام، ابتدأ الصيام والإطعام، كأن جماعة ناسياً أو عامداً، ويجزيه الصيام بالأهلة وإن كان الشهر ثمانية وخمسين أوستاً وخمسين يوماً، فإن ابتدأ الصوم في غير أول الشهر صام ثلاثين يوما، وشهرا على الهلال، وقيل يصوم ستين يوماً، وإذا ظاهر وله دار وخادم لزمه العتق عند مالك.
وقوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾ أي: فمن لم يستطع الصوم فعليه أن يطعم ستين مسكيناً مداً من [حنطة] بمد هشام، هذا قول مالك وهو مد وثلثان بمد النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن وهب عن مالك أنه يعطي لكل مسكين مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم فإن أعطى مدا بمد هشام أجزأه إذا أعطاهم في جمع الكفارات مما هو أكثر عيش ذلك البلد أجزاه، ولا يجزى في ذلك عرض ولا دارهم ولا دقيق ولا سويق.

قال ابن القاسم فأن أطعم لكفارته ثلاثين مسكيناً من حنطة ثم طاق العسر حتى صار عيشهم الثمر أو الشعير، فلا بأس أن يعطي تمام الستين ثمراً أو شعيراً.
وقد قال الأوزاعي إن أعطى في الكفارة ثمنها أجزأه، وكذلك قال أصحاب الرأي، ولا يجوز أن يعطي الثلاثين مثل ما يعطي لستين فيكون عليهم العطاء، ولا بد من العدد، وإذا ظاهر فمات أو ماتت ولم يكفر ورثها وورثته.
والظهار عند مالك على كل حر وعبد من المسلمين في كل زوجة حرة كانت أو أمة أو كتابية، إلا أنه إذا ظاهر من امرأته وهي أمة ثم اشتراها فالظهار لازم.
ويلزم السكران ظهاره كما يلزمه الطلاق، ولا يلزم المكره الظهار.
وفي الظهار من الأَمَة،

الكفارة تامة عند مالك، ويلزم العبد في الظهار صيام شهرين كالحر ولا يعتق إلا بإذن مولاه.
وإذا ظاهر الرجل من امرأته مراراً لم تلزمه إلا كفارة واحدة، (وأما المظاهر) من امرأتيه أو ثلاث أو أربع في ظهار واحد لم تلزمه إلا كفارة واحدة.
وكل من ظاهر من امرأته بامرأة مسن ذوات المحارم من النسب أو الرضاع لزمه، كقوله: أنت عليِّ كظهر أختي (أو كظهر ابنة ابنتي) أو كظهر أختي من الرضاع، وكذلك عند مالك إذا قال لها أنت عليِّ كظهر / أبي: يلزمه الظهار.
وكذلك يلزسمه الظهار لو قال لامرأته: أنت علي (كظهر أخي وكقدم أخي) ونحوه من العورات، وإنما خص هذا اللفظ في اليمين بالظهر دون البطن، لأن الظهر موضع الركوب من البهائم، والمرأة مركوبة، إذا غشيت، فكأنه إذا قال أنت علي كظهر أمي، قال: ركوبك للنكاح حرام علي كركوب أبي للنكاح /، فأقام الظهر مقام الركوب، إذ الركوب من غير بني آدم إنما يركب على ظهر، فهو استعارة لطيفة.
ثم قال ﴿ذَلِكَ لِتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ أي: ألزمت من ظاهر ذلك من الكفارات كي تقروا بتوحيد الله وبرسوله إذا عملتم بما

أمرتم به.
وقال الزجاج معناه: ذلك التغليظ عليكم لتؤمنوا بالله ورسوله.
ثم قال ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ الله﴾ أي: فرائضه التي حدها لكم.
﴿وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: ولمن كفر بحدود الله في الآخرة عذاب مؤلم؛ أي: موجع.
قال: ﴿إِنَّ الذين يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ كُبِتُواْ﴾ أي: إن الذين يخالفون الله في حدوده وفرائضه فيجعلون لأنفسهم حدوداً غير حدوده كبتوا، أي: غيظوا وأخزوا كما غيظ الذين من قبلهم مِن الأمم الذين حادوا الله ورسوله، قاله قتادة.
وقال ابو عبيدة كبتوا: أي أهلكوا، وأصله كبدوا (من قولهم): كبده الله: أي: أصاب الله كبده، ثم أبدلت التاء من الدال، ثم قيل ذلك لكل من أهلك وغيظ وأذل.
وقيل معناه: غيظوا يوم الخندق كما غيظ الذين من قبلهم ممن قاتل الأنبياء.
ومعنى يحادون: يصيرون في حد أعداء الله ومخالفي أمره.
ثم قال ﴿وَقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ أي: دلالات ظاهرات محكمات.
وللكافرين بتلك الآيات عذاب مهين، أي: مذل يوم القيامة.

قوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ﴾ إلى قوله: (وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ) الآيات [6 - 13]. أي: اذكر يا محمد يوم يبعثهم الله جميعاً، ويجوز أن يكون العامل " مهيناً " فلا يوقف عليه أي: وللكافرين بحدود الله عذاب مهين في يوم يبعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة يبعثون من قبورهم ليخبرهم الله بما عملوا في الدنيا، أحصى الله أعمالهم فنسوها.
﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ أي: هو شهيد على كل شيء عملوه، أي: شاهد على ذلك، محيط علمه بذلك.
قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي: ألم تعلم يا محمد وتنظر بعين قلبك أن الله لا يخفى عليه شيء في السماوات والأرض، فكيف يخفى عليه أعمال هؤلاء الكفارة.
وقوله ﴿مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ " ثلاثة " بدل من " نجوى " على اللفظ، " ونجوى " بمعنى متناجين، ويجوز أن يكون " نجوى " مضافة إلى ثلاثة ﴿إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ﴾، ونجوى بمعنى: (سر، أي: من سر ثلاثة)، وقد يجوز

رفع " ثلاثة " على البدل من موضع " نجوى "، ويجوز نصبه على الحال من المضمر في " نجوى ". وفي حرف عبد الله: ولا أربعة إلا هو خامسهم، وفيه أيضا إلا الله رابعهم.
﴿وَلاَ خَمْسَةٍ إِلاَّ هُوَ سَادِسُهُمْ وَلاَ أدنى مِن ذَلِكَ وَلاَ أَكْثَرَ﴾ إلا الله معهم إذا تناجوا.
وهذه قراءة على التفسير لا يجوز أن يقرأ بها لمخالفتها للمصحف.
وقرأ أبو جعفر يزيد " ما تكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاَثَةٍ " بالتاء على التأنيث النجوى، كما تقول ما جاءتني من امرأة.
وقرأ الحسن ولا أكثر بالرفع، عطف على الموضع.
ومعنى هو رابعهم وهو سادسهم أي: هو شاهدهم بعلمه وهو على عرشه قاله الضحاك وغيره.
قال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نُهُواْ عَنِ النجوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول فَبِئْسَ المصير﴾ أي: ألم تنظر (بعين قلبك يا محمد) إلى الذين نهوا عن النجوى من اليهود، ثم يعودون إلى

النجوى بعد نهي (الله عز وجل لهم) عنها، ويتناجون بينهم بالإثم والعدوان ومعصية الرسول.
قال مجاهد: هم اليهود.
وقيل هم المنافقون كان " النبي صلى الله عليه وسلم يأمرهم بالأمر من أمر الله تعالى، فيقولون سمعا وطاعة، ثم يتحول بعضهم إلى بعض فيتناجون بخلاف ما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم حتى أسرفوا، والله ينهاهم حتى قالوا لولا يعذبنا الله بما نقول، فكانوا يحيون النبي عليه السلام بغير تحية الإسلام، فأنزل الله عز وجل ﴿ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا﴾ ". ثم قال ﴿وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله﴾ [أي: وإذا جاءك هؤلاء الذين نهوا عن النجوى ولم يقبلوا النهي حيوك بما لم يحيك به الله].
يقولون: السلام عليكم.
قالت عائشة رضي الله عنها: " جاء ناس من اليهود إلى النبي صلى الله عليه وسلم / فقالوا: السلام عليك يا أبا القاسم فقلت: السلام عليكم فعل الله بكم وفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم إن الله لا يحب

الفحشاء / ولا التفحش، فقلت: يا رسول الله ألست ترى ما يقولون؟ فقال: ألست تراني أرد عليهم ما يقولون، أقول: وعليكم، فنزلت هذه الآية في ذلك ". ثم قال: ﴿وَيَقُولُونَ في أَنفُسِهِمْ لَوْلاَ يُعَذِّبُنَا الله بِمَا نَقُولُ﴾ أي: يقول هؤلاء الذين يحيونك بما لم يحيك به الله هلا يعاقبنا الله بقولنا.
وقال ابن زيد السام: الموت.
قال قتادة: ومجاهد: هم اليهود.
وعن ابن عباس أنهم المنافقون.
ثم قال: ﴿حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المصير﴾ أي: كفاهم دخولهم جهنم يوم القيامة عقوبة لهم فبئس المنقلب والمرجع، فلا يستعجلوا العذاب والعقوبة بقولهم: " لولا يعذبنا الله بما نقول ". قال: ﴿يا أيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلاَ تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَتِ الرسول﴾ أي: لا تفعلوا ذلك كما فعله المنافقون، ولكن تناجوا بالبر والتقوى، أي: بطاعة الله عز وجل،

وما يقربكم إليه سبحانه وأداء ما كلفكم من فرائضه (جلت عظمته).
﴿واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ أي: وخافوا الله الذي إليه مصيركم في معادكم أن تخالفوا طاعته ثم قال: ﴿إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ﴾.
قال قتادة: كان المنافقون يتناجون بينهم فكان ذلك يغيظ المؤمنين وتكبر عليهم، فانزل الله عز وجل هذه الآية.
ثم أعلمهم أن ذلك لا يضرهم فقال: ﴿وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً﴾ أي: ليس تناجي المنافقين فيما بينهم بضار للمؤمنين إلا بإذن الله.
﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾ قال ابن زيد: كان الرجل يأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسأله الحاجة ليرى الناس أنه قد ناجى النبي صلى الله عليه وسلم، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع من ذلك أحداً، قال: والأرض يومئذ حرب على أهل هذا البلد، وكان إبليس يأتي القوم فيقول لهم: إنما يتناجون في أمور قد حضرت وجموع قد جمعت لكم، فقال الله عز وجل: ﴿ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان﴾ الآية.
وقال عطية العوفي هي الأحلام التي يراها الإنسان في

نومه فتحزنه.
قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُواْ فِي المجالس فافسحوا يَفْسَحِ الله لَكُمْ﴾ لأي: إذا قيل لكم توسعوا في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فتوسعوا يوسع الله عليكم في منازلكم في الجنة.
قال مالك: [نزلت] في مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم كان كل رجل منهم يسر بقربه من رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه فيمنعه ذلك من التفسح لأخيه.
قال مالك وأرى مجالس العلم من ذلك وهي داخلة في الآية.
﴿وَإِذَا قِيلَ انشزوا فَانشُزُواْ﴾ أي: ارتفعوا وانضموا، فانضموا يرفع الله الذين آمنوا منكم في درجات وقيل المعنى: وإذا قيل ارتفعوا إلى قتال عدوكم فقوموا إلى ذلك أو لصلاة أو لعمل خير فقوموا، قاله ابن عباس

ومجاهد.
وقال الحسن: هذا كله في الغزو.
وقال قتادة: معناه: إذا دعيتم إلى خير فأجيبوا.
وقال ابن زيد معناه: وإذا قيل [لكم] ارتفعوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن له حوائج فارتفعوا عنه.
يقال نشز: إذا تنحى عن موضع، وامرأة ناشزة [أو] متنحية عن زوجها، وأصله من النشز، والنشز هو ما ارتفع من الأرض.
قال قتادة: هو مجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم [ كانوا إذا رأوا من جاءهم مقبلاً ضيقوا مجلسهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم] ، فأمرهم الله عز وجل أن يفسح بعضهم [لبعض].
وقال الضحاك: كان هذا للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة ومن حوله أمروا أن يتوسعوا

حتى يصيب كل رجل منهم مجلساً من النبي صلى الله عليه وسلم.
قال قتادة: كانوا يتنافسون في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا بالتفسح.
وقال ابن عباس: عني به مجالس القتال إذا اصطفوا للحرب، وقاله الحسن.
ثم قال: ﴿يَرْفَعِ الله الذين آمَنُواْ مِنكُمْ والذين أُوتُواْ العلم دَرَجَاتٍ﴾ [أي]: درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به.
وقيل يرفعهم في الثواب والكرامة.
وقيل يرفعهم على غيرهم ممن لا علم عنده في الفضل.
وقيل الدرجات هنا للعلماء خاصة.
/ قال ابن مسعود: معناه: يرفع الله الذين آمنوا منكم، ويرفع الله / الذين أوتوا العلم درجات على الذين آمنوا ولا علم عندهم.
قال مطرف: فضل العلم أحب إلي من فضل العبادة.
وخير دينكم الورع.

ثم قال: ﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم كلها لا يخفى عليه المطيع ربه من العاصي له، فيجازي كلاً بما عمل.
/ قال ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ إِذَا نَاجَيْتُمُ الرسول فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ نهى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يناجوه حتى يتصدقوا، تعظيما له، فلم يناجه إلا علي بن أبي طالب بعد أن قدم صدقة دينار، ثم نسخ ذلك بما بعده، فرخص لهم أن يناجوه من غير تقديم صدقة.
قال علي: إن في كتاب الله لآية لم يعمل بها أحد قبلي ولا يعمل بها أحد بعدي، كان عندي دينار فصرفته بعشرة دراهم فكنت إذا ناجيت رسول الله تصدقت بدرهم فنسخت.
قال قتادة: سأل الناس رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحفوا في المسألة فقطعهم الله بهذه الآية، فكان الرجل تكون له الحاجة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يستطيع أن يقضيها

حتى يقدم بين يديه صدقة، فاشتد ذلك [عليهم]؛ فأنزل الله عز وجل الرحمة في قوله ﴿ءَأَشْفَقْتُمْ أَن تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ﴾ الآية.
وقال ابن عباس: كان المسلمون يقدمون بين يدي النجوى صدقة، فلما نزلت الزكاة نسخت هذا.
(وروي عن ابن عباس) أنه قال: كان السلمون يكثرون المسائل على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى شقوا عليه، فأراد الله عز وجل أن يخف عن نبيه عليه السلام، فيصبر كثير من الناس وكفوا عن المسألة، ثم وسع الله عليهم بالآية التي بعدها /. قال ابن زيد: ضيق الله عليهم في المناجات لئلا يناجي أهل الباطل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشق ذلك على أهل الحق، فقالوا يا رسول الله لا نستطيع ذلك ولا نطيقه،

فنزل التخفيف.
قال قتادة: ما قامت إلا ساعة من نهار ثم نسخت.
ومعنى أشفقتم: أشق ذلك عليكم، ولا يوصف الله عز وجل بالإشفاق، لا يقال يا شفيق.
لأن أصله الحزن والخوف.
قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين تَوَلَّوْاْ قَوْماً غَضِبَ الله عَلَيْهِم﴾.
أي: ألم تنظر بعين قلبك يا محمد فترى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم.
يعني: المنافقون والوا اليهود، ما هم منكم [ولا منهم]، أي: ما المنافقون من أهل دينكم ولا من أهل دينهم، وهذا مثل قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ [الحشر: 11].
وهو مثل قوله أيضا: ﴿فَتَرَى الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾ [المائدة: 52] أي: نفاق ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ﴾ [المائدة: 52] أي: في موالات اليهود ﴿نخشى أَن تُصِيبَنَا دَآئِرَةٌ﴾ [المائدة: 52] يعني المنافقين يقولون ذلك.

قال ابن زيد هؤلاء المنافقون قالوا لا ندع حلفاءنا وموالينا فيكونون معنا لنصرتنا وعزنا، نخشى أن تصيبنا دائرة، فقال الله جل ذكره: ﴿فَعَسَى الله أَن يَأْتِيَ بالفتح أَوْ أَمْرٍ مِّنْ عِندِهِ﴾ [المائدة: 52] الآيات.
وقوله ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الكذب وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أي: يحلفون للنبي صلى الله عليه وسلم أنهم يشهدون أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهو قوله: ﴿إِذَا جَآءَكَ المنافقون قَالُواْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله والله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ والله يَشْهَدُ إِنَّ المنافقين لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] أي: لكاذبون في ادعائهم أن ذلك إيمان من قلوبهم وإقرار صحيح، إنما ذلك قول بألسنتهم واعتقادهم خلاف ذلك، وهذا مثل قوله: ﴿وَإِذَا لَقُواْ الذين آمَنُواْ قالوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْاْ إلى شَيَاطِينِهِمْ قالوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ﴾ [البقرة: 14] وذكر هذه الآية نزلت في رجل من المنافقين عاتبه النبي صلى الله عليه وسلم في أمر بلغه عنه، فحلف كاذباً.
وقال ابن عباس: " كان النبي صلى الله عليه وسلم في ظل شجرة قد كاد الظل يتقلص عنه، إذ قال يجيئكم الساعة رجل ينظر إليكم نظر شيطان، فنحن على ذلك إذ أقبل رجل أزرق، فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فقال علام تسبني أنت وأصحابك؟ فقال دعي أجيئك

بهم فمر فجاء بهم فحلفوا جميعا أنه ما كان من ذلك شيء، فأنزل الله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ﴾ الآية ". قال: ﴿أَعَدَّ الله لَهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ أي: لهؤلاء المنافقين الذين تولوا اليهود.
﴿إِنَّهُمْ سَآءَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ أي: بئس عملهم في الدنيا لغشهم للمسلمين ونصحهم اليهود.
قال: ﴿اتخذوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ أي: جعلوا حلفهم جنة يمتنعون بها من القتل، ويدفعون بها عن أنفسهم وأموالهم وذراريهم العقوبة، وذلك أنه إذا اطلع على شيء من نفاقهم حلفوا للمؤمنين انهم منهم، فيتركون.
ثم قال: ﴿فَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: فصدوا المؤمنين بإيمانهم عن أن يقتلوهم، وقتلهم هو سبيل الله فيهم، لأنهم كفار لا يؤدون الجزية.
ثم قال: ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: فلهؤلاء المنافقين في الآخرة عذاب مذل، وهو عذاب النار.

ثم قال: ﴿لَّن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ أي: لن ينتفعوا بها في الآخرة من عقوبة الله / لهم ولن ينقذوا بها من عذاب الهم.
﴿أولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ يعني: المنافقين إنهم ماكثون أبداً في نار جهنم.
قال: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ الله جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ [لَكُمْ]﴾ أي: هم ماكثون في النار / يوم بعثهم الله جميعاً، وذلك يوم القيامة.
ويجوز أن يكون تقدير العامل: اذكر يوم يبعثهم الله من قبورهم فيحلفون لله وهم كاذبون كما يحلفون للمؤمنين وهم كاذبون.
قال قتادة: إن المنافق حلف يوم القيامة كما حلف في الدنيا.
ثم قال ﴿وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ على شَيْءٍ﴾ أي: ويظنون أنهم في أيمانهم وحلفهم لله كاذبين على شيء من الحق.
﴿أَلاَ إِنَّهُمْ هُمُ الكاذبون﴾ أي: في حلفهم.
وأجاز علي بن سليمان " ألا أنّهم " بالفتح، فجعل " ألا " بمعنى " حقا ". قال: ﴿استحوذ عَلَيْهِمُ الشيطان فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ الله﴾ أي: غلب عليهم واستولى

على قلوبهم فنسوا ذكر الله.
﴿أولئك حِزْبُ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده وأتباعه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الخَاسِرُونَ﴾ [أي: جنده وأتباعه هم] الهالكون المغبونون في الآخرة.
ثم قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَآدُّونَ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي: يخالفونه في حدوده، فيصيرون في حد آخر غير الذي حد لهم.
وقال المفسرون يحادون: يعادون.
وقيل يشاقون، والمعنى واحد.
ثم قال: ﴿أولئك فِي الأذلين﴾ أي: في أهل الذلة، لأن الغلبة لله ورسوله.
قال تعالى: ﴿كَتَبَ الله لأَغْلِبَنَّ أَنَاْ ورسلي﴾ أي: قضى ذلك في أم الكتاب.
قال قتادة: كتب كتاباً فأمضاه.
وقال غيره: كتبه في اللوح المحفوظ.
وقال الفراء " كتب " هنا بمعنى: " قال ". ثم قال: ﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: ذو قوة على كل من حاده ورسوله أن يهلكه، عزيز في انتقامه من أعدائه.
ثم قال: ﴿لاَّ تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر يُوَآدُّونَ مَنْ حَآدَّ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي: ليس

من والى من عادى الله ورسوله مؤمنين بالله واليوم الآخر.
ولو (كان الذي) عادى الله ورسوله أباً أو ابناً له أو أخاً أو زوجاً أو عشيرة له، لا عذر في موالاته بهذه القرابة إذا كان ممن عادى الله ورسوله.
وروي أن هذه الآية / " نزلت في حاطب بن أبي بلتعة حين كتب إلى أهل مكة يخبرهم بخروج النبي صلى الله عليه وسلم ويأمرهم بالتحرز ثم أعتذر لما اطلع عليه بأهله بمكة، وأنه أحب أن يقدم عندهم يداً يحفظون أهله من أجلها.
وفي دعاء النبي صلى الله عليه وسلم " اللهم لا تجعل لأحد أشرك بك في عنقي منه فيكون ذلك سببا للمودة لأنك لا تجد قوما يؤمنون بالله [وباليوم] إلى أو عشيرتهم ".

ثم قال: ﴿أولئك كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ أي: أولئك الذين لا يوادون من حاد الله ورسول ولو كانوا ذوي قربى منهم ونسب، كتب الله عز وجل في قلوبهم الإيمان، (أي: غطى قلوبهم بالإيمان).
و" في " بمعنى " اللام " والإخبار عن القلب كالأخبار عن صاحبه.
. وقيل معناه: كتب في قلوبهم سمة الإيمان ليعلم أنهم مؤمنون.
وقد روي أن أبا عبيدة بن الجراح قتل أباه يوم أحد.
وأن عمر بم الخطاب رضي الله عنهـ قتل خاله العاصي بن هشام يوم بدر، ودعا أبو بكر ابنه للبراز يوم بدر فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يقعد، وأن مصعب بن عمير قتل أخاه يوم أحد.
وكان علي وعمه حمزة وعبيدة بن الحارث قتلوا يوم بدر عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وهم أقرباؤهم، (فلم يتوقف) أحد عن قتل أهله وقرابته، فمدحهم الله عز وجل في هذه الآية.
ثم قال ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِّنْهُ﴾ أي: وقواهم ببرهان منه.
وذلك النور والهدى الذين

يجعلها الله عز وجل في قلب من يشاء.
وقيل بروح منه: بجبريل ينصرهم ويؤيدهم ويوفقهم.
ثم وعدهم بالجنة.
فقال: ﴿وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها رضي الله عنهـ بطاعتهم إياه ورضوا عنه بوفائه إياهم ما وعدهم من الجنة.
ثم قال: ﴿أولئك حِزْبُ الله﴾ أي: جنده وأولياؤه.
﴿أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم المقيم والفلاح والبقاء.

سورة

مدنية قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: (شَدِيدُ الْعِقَابِ) الآيات [1 - 7]. أي: صلى وسجد لله ما في السماوات وما في الأرض من خلقه، وهو العزيز في انتقامه من أعدائه، الحكيم في تدبير خلقه.
ثم قال: ﴿هُوَ الذي أَخْرَجَ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب مِن دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الحشر﴾ يعني: بني النضير حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم في منصرفه من أحد، لأنهم أعانوا المشركين على المسلمين ونقضوا العهد، فلما ضيق عليهم صالحهم على أن لهم ما حملت الأبل من رحالتهم سوى الحلقة، والحلقة: السلاح، وأجلاهم إلى الشام، وذلك أول

الحشر / [حشر الناس إلى الشام في الدنيا ثم يحشرون إليها في الآخرة، فلذلك قال لأول الحشر]: أي: لأول الحشر في الدنيا إلى ارض الشام، ومنهم من جلي إلى خيبر، وبنو النضير حي من اليهود لم يجلوا قط، ولكن قضى الله عز وجل عليهم أنهم لا بد أن يجلوا من ديارهم.
وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ يعني: بالسيف والسبي.
وروي الحسن أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أجلى بني النضير إلى الشام قال لهم امضوا هذا أول الحشر وأنا على الأثر.
قال عكرمة: إن شككتم أن الشام أرض المحشر فاقرأوا أول الحشر.
وقال ابن عباس: لأول الحشر، أنهم أول من حشر من أهل الكتاب وأخرج من ديارهم.

ثم قال: ﴿مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُواْ﴾ يقوله للمؤمنين، لم تظنوا أيها المؤمنون أنهم يخرجون من ديارهم / لشدتهم واجتماع كلمتهم.
﴿وظنوا أَنَّهُمْ مَّانِعَتُهُمْ حُصُونُهُم مِّنَ الله﴾ روي أن المنافقين بعثوا إليهم من المدينة لما حاصرهم النبي صلى الله عليه وسلم يأمروهم بالثبات في حصونهم ويعدونهم النصرة، وهو قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين نَافَقُواْ يَقُولُونَ لإِخْوَانِهِمُ الذين كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الكتاب﴾ [الحشر: 11] الآية.
وقوله: ﴿لأَوَّلِ الحشر﴾ هو إخراج النبي بني النضير من المدينة إلى خيبر، وآخر الحشر هو إخراجهم من خيبر إلى أريحا وأذرعات، وذلك على يد عمر رضي الله عنهـ. وقيل آخر حشرهم يوم القيامة.
ثم قال: ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾ أي: فجاءهم أمر الله، فقذف في قلوبهم الرعب عند نزول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه بهم، فذهب ما كانوا يظنون أن حصونهم مانعة لهم من النبي عليه السلام وأصحابه.

وقال أبو صالح: معنى: ﴿فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُواْ﴾: هو قتل كعب ابن الأشرف.
وروى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نصرت بالرعب على مسيرة شهر ". ومعنى ﴿يَحْتَسِبُواْ﴾: يظنوا.
وقيل: يعلموا، من قول الناس: حسبه الله: أي: العالم بخبره الله، وهو الذي يجازيه.
وقيل: معناه: كافي إياك الله.
من قولهم: أحسب الشيء: إذا كفاه وقيل حسبك الله: معناه: محاسبك، كشريب بمعنى شارب.
وقيل: حسبك الله معناه،

المقتدر عليك الله، ومنه قوله: ﴿كَانَ على كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً﴾ [النساء: 86] أي: مقتدرا.
ثم قال: ﴿يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ﴾.
من خفف فمعناه: [يتركونها معطلة، والبيت المعطل خراب، وقيل معناه يهدمونها، ومن يشدَّد فمعناه: يهدمونها أياً: كأذكرت الرجل وذكرته (وأبلغته)، ومعناه: أن المؤمنين كانوا يهدمون الحصون ليدخلوا عليهم البيوت واليهود [يهدمون بيوتهم ويبنون ما هدم المؤمنون من الحصن فهم والمؤمنون يهدمون] مساكنهم وبيوتهم قاله ابن عباس والضحاك.
وقيل: إنهم / لما صولحوا على ما حملت إبلهم كان أحدهم ينظر إلى الخشبة في منزله فيستحسنها والعمود والباب.
فينزع ذلك ويهدمه فيحمله معه، والمؤمنون يهدمون ما بقي.

قال قتادة: جعل المؤمنون يخربون من ظاهر وجعلوا هم يخربون من داخل.
قال الزهري لما صالحوا كانوا لا تعجبهم خشبة إلا أخذوها، فكان ذلك خرابهم لبيوتهم، وهو معنى قول ابن زيد.
قال قتادة: كان المسلمون يخربون من خارج ليدخلوا على اليهود، واليهود يخربون من داخل.
ثم قال ﴿فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ أي: فاتعظوا يا معشر ذوي الأفهام بما أحل الله بهؤلاء اليهود.
وقيل معناه: يا من أبصر بعينه، والأول أحسن.
والاعتبار اشتقاقه من عبر إلى كذا: إذا جاوز إليه، والعبرة منه لأنها متجاوزة من العين إلى الخد.
ثم قال ﴿وَلَوْلاَ أَن كَتَبَ الله عَلَيْهِمُ الجلاء لَعَذَّبَهُمْ فِي الدنيا﴾ أي: لولا أن الله عز وجل ( قضى وحتم على هؤلاء اليهود الجلاء) لعذبهم في الدنيا بالسيف [والسبي]، ولهم مع ذلك في الآخرة عذاب النار.
قال الزهري: كان النضير من سبط لم يصبهم جلاء قط فيما مضى، وكان الله عز وجل قد كتب عليهم الجلاء، فأتم فيهم قضاءه، ولولا ذلك لعذبهم بالسيف والسبي في الدنيا.

والجلاء: الانتقال من مكان إلى مكان، يقال جلا القوم من منازلهم وأجليتهم.
وحكى أحمد بن يحيى: أُجْلِي القوم من منازلهم.
بمعنى: جُلُوا.
وحكى غيره: جلوا عن منازلهم يجلون، قال ابن عباس كان النبي عليه السلام قد حاصرهم حتى بلغ بهم كل مبلغ فأعطوا ما أراد منهم، فصالحهم على أن يحقن لهم دماءهم، وأن يخرجهم من أرضهم ويسيرهم إلى أذرعات الشام، وجعل لكل ثلاثة منهم بعيرا وسقاء.

قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَآقُّواْ الله وَرَسُولَهُ﴾ أي: الأمر ذلك، لأنهم خالفوا أمر الله عز وجل، وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، فصاروا في شق والمؤمنون في شق، ويجوز أن يكون التقدير: فعلنا بهم ذلك لأنهم شاقوا الله ورسوله، " فذلك " على القول [الأول] في موضع رفع خبر الابتداء المضمر، وعلى هذا القول في موضع نصب بالفعل المضمر.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَآقِّ الله فَإِنَّ الله شَدِيدُ العقاب﴾ أي: ومن يخالف الله في أمره فإن الله شديد العقاب له في الآخرة.
قال: ﴿مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً على أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ الله﴾.
أي: ما قطعتم من ألوان النخل أو تركتموها قائمة فلم تقطعوها.
واللينة

جمع ألوان النخل سوى العجوة، قال عكرمة، وقاله يزيد بن رومان وقتادة وهو قوله ابن عباس وابن جبير والزهري.
وقال مجاهد: اللينة: النخل كله من العجوة وغيرها، وقال: نهى بعض المهاجرين بعضاً عن قطع النخل، وقال: إنما هي مغانم المسلمين، فنزل القرآن بتصديق من نهى عن قطعه وتحليل قطع من قطع، فاعلموا أن ما قطع منه وما ترك بإذن الله كان.
وقال ابن زيد اللينة: النخلة عجوة كانت أو غير عجوة.

وعن ابن عباس: اللينة: لون من النخيل.
وعن سفيان الثوري: اللينة: كرام النخل.
وقال أبو عبيدة: هي ألوان النخل ما لم تكن العَجْوَةُ واُلْبَرْنِي.
وروي: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حاصرهم فتحصنوا [وأبوا أن يخرجوا، قطع نخلهم وأحرقها، فقالوا يا محمد أنت تنهى عن الفساد] فما معنى هذا؟ فوقع في قلوب المسلمين من ذلك شيء فأنزل الله عز وجل ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِّن لِّينَةٍ﴾ " الآية ". وروى: أن أبا بكر نهى المسلمين عن قطع النخل [حين] وجه بهم لفتح الشام، وإنما ذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم [ أعلمهم] أن الشام ستفتح عليهم، فلما تيقن

بفتحها لم يحتج إلى إخراب ما ينتفع به المسلمون.
والياء في " لينة " منقلبة عن واو / لأنها من اللون، وقيل هي مشتقة من لأن يلين، فتكون الياء أصلية غير منقلبة.
ومعنى: ﴿فَبِإِذْنِ الله﴾ أي: فبأمر الله قطعت نقمة من أعدائه وخزياً لهم وهو قوله: ﴿وَلِيُخْزِيَ الفاسقين﴾ ليذلهم، وهم بنو النضير.
قال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ أي: الذي رد الله على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال بني النضير فلم توجفوا على غنيمته وأخذه خيلاً ولا إبلاً، أي: لم تلقوا في ذلك حرباً ولا مئونة، لأنهم معكم في بلدكم.
قال قتادة: ما قطعتم إليهم وادياً، ولا سرتم مسيراً، إنما كانت حوائط بين النضير طعمة لكم من عند الله.
/ (وقد قيل إنما عني بذلك) أموال بني قريظة، إذ قتلهم النبي صلى الله عليه وسلم، وسباهم لما استولى عليهم، قاله الضحاك.
وأكثر المفسرين على أنهم بنو النضير، لأنهم

صولحوا على الجلاء وتركوا أموالهم بغير إيجاف من خيل ولا ركاب.
والإيجَاف: ضرب من السير سريع.
يقال: وَجَفَ: إذا أسرع، وأَوجَفَه غيره.
قال مجاهد: في قوله ﴿فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ ذكرهم ربهم عز وجل أنه نصرهم وكفاهم.
قال ابن عباس: " أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم بالمسير إلى قريظة والنضير، وليس للمسلمين يومئذ كبير خيل ولا ركاب يوجف عليها فملكوا من ذلك خيبر وفدك

وقرى ثم أمر الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم أن يعمد لينبع فأتاها فاحتواها كلها عدة (النفقة ومصالح) المسلمين ولم يقسمها، فكان يفعل فيها ما يرى فيجعل الباقي بعد مصلحته في السلاح الذي يقاتل به العدو، وفي الكراع، فلما توفي النبي صلى الله عليه وسلم طلبت فاطمة أبا بكر في إرثها من ذلك، فقال أبو بكر أنت أعز علي [غير] أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " لا نورث " ما تركنا صدقة ". ولكني أقره على ما كان في (عهد رسول الله) صلى الله عليه وسلم فقال ناس: هلا قسمها النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله عز وجل ﴿ مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا﴾.

ثم قال: ﴿ولكن الله يُسَلِّطُ رُسُلَهُ على مَن يَشَآءُ﴾ أي: يفعل ذلك كما سلط محمداً صلى الله عليه وسلم على بني النضير، فكان له خاصة ما غنم منهم يعمل فيه ما يرى.
ثم قال: ﴿والله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: ذو قدرة على كل شيء، لا يعجزه شيء، وبقدرته سلط محمدا صلى الله عليه وسلم على بني النضري وغيرهم.
قال: ﴿مَّآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ القرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي القربى﴾.
أي: الذي رد الله عز وجل على رسوله صلى الله عليه وسلم من أموال مشركي القرى [فلله وللرسول يعني القرى] التي غنمت بقتال وإيجاف خيل وركاب، ثم نسخ ذلك في سورة الأنفال بقوله: ﴿واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ للَّهِ﴾ [الانفال: 41] الآية.
وقيل: أي: هذا فيما غنمتم بصلح من غير إيجاف خيل أو ركاب فيكون مثل الأول في المعنى، إلا أن الأول مخصوص في (بني النضير) خاصة يتفرد به

النبي صلى الله يفعل فيه ما يرى، وكذلك فعل، وهذا الثاني يكون للأصناف التي ذكر الله عز وجل والذي في سورة الأنفال في ما غنم بخيل وركاب وقتال، فالثلاث الآيات محكمات على هذا القول.
وقيل: أن هذا غير الأول لأن هذا إنما هو في ما كان من الجزية.
والخراج يكون لهؤلاء الأصناف المذكورين، والأول للنبي عليه السلام خاصة، وما في الأنفال هو ما غنم بإيجاف خيل وركاب وقتال يكون للأصناف المذكورين، وهذا القول قاله معمر.
ثم قال: ﴿كَيْ لاَ يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الأغنيآء مِنكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك في هذه الغنائم كي لا يقتسمه الأغنياء منكم ويتداولوه بينهم دون من ذكر الله عز وجل.
ثم قال: ﴿واتقوا الله﴾ أي: اتقوه أن تخالفوا رسوله.

قوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ﴾.
أي ولكن يكون ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى للفقراء المهاجرين، يعني مهاجرة قريش.
قال مجاهد: / جعل / الله عز وجل ما أفاء الله على رسوله من قريظة لمهاجرة قريش الذين أخرجهم المشركون من ديارهم وأموالهم، فخرجوا ملتمسين فضلاً، أي: ثوابا من الله ورضونا منه عليهم، وناصرين دين الله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ أولئك هُمُ الصادقون﴾ أي: صدقوا في فعلهم وقولهم.
قال: ﴿والذين تَبَوَّءُوا الدار والإيمان مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ﴾ أي: الذين سكنوا الدار، وهي المدينة، أي: اتخذوها مسكناً، واتخذوا الإيمان دينا من قبل إتيان المهاجرين، يعني الأنصار يحبون من هاجر إليهم، يعني من مكة وغيرها.
ثم قال: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ أي: ولا يجد الأنصار في قلوبهم حسداً

مما أعطي المهاجرون دونهم من الفيء.
روي: أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم أموال بني النضير بين المهاجرين الأولين دون / الأنصار إلا رجلين من الأنصار أحدهما سهل بن حنيف والآخر أبو دجانة سماك بن خرشة ذكرا فقراً فأعطاهما النبي صلى الله عليه وسلم لفقرهما، وإنما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن الله كان قد أعطاه أموالهم يفعل فيها ما يشاء، وقد تقدم ذكر ذلك، قاله عبد الله بن أبزى.

وقال ابن زيد: " لما خص رسول الله صلى الله عليه وسلم بأموال بني النضير المهاجرين الأولين، تكلم في ذلك بعض الأنصار، فعاتبهم الله عز وجل، فقال: ﴿وَمَآ أَفَآءَ الله على رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلاَ رِكَابٍ﴾ الآية.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن إخوانكم قد تركوا الأموال والأولاد وخرجوا إليكم، فقالوا أموالنا بينهم قطائع، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو غير ذلك قالوا وما ذلك يا رسول الله قال هم قوم لا يعرفون العمل فتكفونهم وتقاسمونهم الثمر فقالوا نعم يا رسول الله ". قال الحسن: ﴿وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّآ أُوتُواْ﴾ [يعني الحسنة.
ثم قال تعالى:] ﴿وَيُؤْثِرُونَ على أَنفُسِهِمْ﴾ هذا من صفة الأنصار، وصفهم الله عز وجل أنهم يعطون المهاجرين أموالهم إيثاراً لهم بها على أنفسهم.
﴿وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ أي: يؤثرون المهاجرين على أنفسهم بما عندهم، وإن كان بهم فاقة وحاجة.
روى أبو هريرة: " أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليضيفه، فلم يكن عنده ما

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل