الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7315-7354
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7315-7354
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: ماكثين فيها لا يتحولون عنها.
﴿ذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ أي: خلودهم في الجنة التي وصفت هو النجاح العظيم.
قوله: ﴿يَوْمَ يَقُولُ المنافقون﴾.
أي ذلك هو الفوز العظيم في يوم يقول هؤلاء المنافقون.
﴿لِلَّذِينَ آمَنُواْ انظرونا﴾ أي: تمهلوا علينا.
﴿نَقْتَبِسْ مِن نُّورِكُمْ﴾ أي: نستصبح من نوركم.
و ﴿انظرونا﴾ في قراءة من وصل الألف من نظر ينظر: إذا انتظر.
وقرأ حمزة بقطع الألف، جعله من أنظره: إذا أخره، وهو بعيد في المعنى إذا حملته على التأخير، وإنما يجوز على مهنى تمهلوا علينا.
يقال أنظرني: بمعنى تمهل عليّ وترفق، حكاه علي بن سليمان فعلى هذا تجوز قراءة حمزة.

وحكى غيره أنظرني: بمعنى اصبر علي، كما قال (عمرو بن كلثوم): (وانظرنا نخبرك اليقينا) [أي اصبر علينا]، فعلى هذا أيضاً تصح قراءة حمزة.
ثم قال: ﴿قِيلَ ارجعوا وَرَآءَكُمْ فالتمسوا نُوراً﴾.
يقال لهم ارجعوا من حيث [جئتم] فاطلبوا لأنفسكم هنالك نوراً [فإنه] لا سبيل إلى الاقتباس من نورنا.
قال ابن عباس بينما الناس في ظلمة إذا بعث الله جل ثناؤه نوراً، فلما رأى المؤمنون النور توجهوا نحوه، وكان النور لهم دليلاً من الله جل وعز إلى الجنة، فلما رآى المنافقون المؤمنين قد انطلقوا اتبعوهم فأظلم الله على المنافقين، فقالوا حينئذ: انظرونا نقتبس من نوركم فإنا [كنا] معكم في الدنيا قال المؤمنون ارجعوا من حيث جئتم من الظلمة

التمسوا هنالك النور.
ثم قال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ﴾ أي: فضرب الله بين المؤمنين والمنافقين بسور وهو حاجز بين أهل الجنة [وأهل] النار.
قال ابن زيد هذا السور هو الذي قال جل وعز ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾ [الأعراف: 46].
ويقال أن ذلك السور ببيت المقدس عن موضع يعرف بوادي جهنم.
وروي ذلك عن عبد الله بن عمرو بن العاص وعن ابن عباس.
وكان كعب يقول في الباب الذي يسمى باب الرحمة: في بيت المقدس أنه الباب الذي قال الله عز وجل ﴿ لَّهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة﴾ والرحمة هنا الجنة، والعذاب: النار.
/ قال: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ﴾.
أي ينادي المنافقون المؤمنين حين حجز بينهم بالسور فبقوا في الظلمة والعذاب، ألم نكن معكم في الدنيا نصلي ونصوم ونناكحكم ونوارثكم، قال لهم

المؤمنون، بلى، ولكنكم فتنتم أنفسكم فنافقتم والفتنة هنا: النفاق، قاله مجاهد.
قال شريك بن عبد الله فتنتم أنفسكم بالشهوات واللذات وتربصتم قال بالتوبة.
﴿وارتبتم﴾ أي: شككتم.
﴿حتى جَآءَ أَمْرُ الله﴾ يعني الموت.
﴿وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾ أي الشيطان.
وقال غيره وتربصتم وتثبطتم بالإيمان، والإقرار بالله ورسوله قال قتادة: وتربصتم: أي: بالحق وأهله.
وقيل معناه: وتربصتم بالنبي صلى الله عليه وسلم وبالمؤمنين الدوائر.
وقيل تربصتم بالتوبة.

وقوله: ﴿وارتبتم﴾ أي: شككتم في توحيد الله سبحانه وفي نبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال قتادة: كانوا في شك من الله سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿وَغرَّتْكُمُ الأماني﴾.
أي وخدعتكم أماني أنفسكم فصدتكم عن سبيل الله.
وأضلتكم.
وقيل معناه: تمنيتم أن تنزل بالنبي صلى الله عليه وسلم الدوائر.
﴿حتى جَآءَ أَمْرُ الله﴾.
﴿حتى جَآءَ﴾ نصر الله نبيه ودينه.
وقيل حتى جاء أمر الله يقبض أرواحكم عند تمام آجالكم.
قال قتادة وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله، قال: كانوا على خدعة من الشيطان، والله ما زالوا عليها حتى قذفهم الله في النار.

وقوله: ﴿وَغَرَّكُم بالله الغرور﴾.
أي وخدعكم بالله الشيطان فأطمعكم في النجاة من عقوبته والسلامة من عذابه.
قال: ﴿فاليوم لاَ يُؤْخَذُ مِنكُمْ﴾.
(قال ابن سلام وذلك أنهم يعطون الإيمان يوم القيامة فلا يقبل منهم).
هذا قول المؤمنين لأهل النفاق، فاليوم لا يقبل منكم فداء ولا عوض بدلا من عقابكم وعذابكم، ولا يؤخذ من الذين كفروا.
﴿مَأْوَاكُمُ النار﴾.
أي مثواكم ومسكنكم.
﴿هِيَ مَوْلاَكُمْ﴾ أي: النار أولى بكم.
/ ﴿وَبِئْسَ المصير﴾ أي: المرجع، بئس المصير من صار إلى النار.
قوله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمنوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾.
أي ألم يحن للذين صدقوا الله ورسوله أن تلين قلوبهم لذكر الله (وتذل من خشية الله).
﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحق﴾ وهو القرآن.
قال ابن عباس ﴿أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ الله﴾، قال: تطيع قلوبهم.
روي عن ابن مسعود أنه قال: عاتبنا الله بهذه الآية بعد إسلامنا بسبع سنين.
وقال غيره بأربع سنين.
وقال قتادة: ذكر لنا أن شداد بن أوس كان يروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أول ما يرفع الله من الناس الخشوع ". ثم قال: ﴿وَلاَ يَكُونُواْ كالذين أُوتُواْ الكتاب مِن قَبْلُ﴾ يعني: بني إسرائيل، والكتاب: التوراة والإنجيل.
﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأمد فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.

والأمد الدهر الذي بينهم وبين موسى عليه السلام.
ثم قال: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: من أهل الكتاب.
قال: ﴿اعلموا أَنَّ الله يُحْيِي الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.
أي بالمطر فتنبت بعد يبسها وموتها، فكما قدر على ذلك، فهو قادر على أن يحيي الموتى بعد إفنائهم.
وقال صالح المري يحيي الأرض بعد موتها: يلين بكم، القلوب بعد قسوتها.
ثم قال: ﴿قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيات﴾ (أي الحجج والأدلة).
﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
قال: ﴿إِنَّ المصدقين والمصدقات وَأَقْرَضُواْ الله قَرْضاً حَسَناً﴾.
أي انفقوا في سبيل الله وفيما ندبهم إليه.

﴿يُضَاعَفُ لَهُمْ﴾ (أي فيضاعف لهم) الثواب يوم القيامة.
﴿وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾.
أي ثواب كريم وهو الجنة، ومن خفف " المصدقين " فمعناه إن الذين صدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم وآمنوا ثم تصدقوا من أموالهم وأنفقوا في طاعة الله عز وجل يضاعف لهم.
قوله: ﴿والذين آمَنُواْ بالله وَرُسُلِهِ﴾.
أي والذين أقروا بوحدانية الله وإرساله رسله، وصدقوا الرسل ﴿أولئك هُمُ الصديقون﴾ أي: الذين كثر صدقهم وتصديقهم.
ثم قال: ﴿والشهدآء عِندَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ﴾ أي: لهم أجر أنفسهم ونور أنفسهم.
ومذهب ابن عباس ومسروق والضحاك أن " الشهداء " منفصل من " الصديقين " منقطع منه.

وروى البراء بن عازب قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " مؤمنو أمتي شهداء، ثم تلا النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية ". فهذا يدل على أنه متصل بالصديقين، أي: أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم، أي: لهم أجر الشهداء، ونورهم: أي: للمؤمنين أي: من أمة محمد صلى الله عليه وسلم أجر الشهداء ونورهم.
وروى سعيد عن أبيه عن أبي هريرة أنه قال: كلكم صديق وشهيد فقيل له انظر ماذا تقول يا أبا هريرة، فقال اقررأوا هذه الآية فذكرها.
وروي " أن رجلاً من قضاعة جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إن شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الصلوات الخمس وصمت شهر رمضان، وآتيت الزكاة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم من كان على هذا كان من الصديقين والشهداء ".

وعن ابن عباس أنه قال يرفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم " أنه قال كل مؤمن صديق، ويزكي الله بالقتل من يشاء ثم تلا هذه الآية ". قال مجاهد: هو متصل، وكل مؤمن شهيد.
وروي ذلك عن ابن عمر، روي عنه أنه، قال في حديث له.
والرجل يموت على فراشه هو شهيد، وقرأ هذه الآية.
وقيل " الشهداء " في هذا الموضع: النبيون الذين يشهدون على أممهم وهو قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً﴾ [النساء: 41].
هذا قول الفراء، والقول الأول هو اختيار الطبري، ويكون تمام الكلام: " الصديقون ".

ثم يبتدئ الإخبار عن الشهداء، وإنما سمي المقتول في سبيل الله عز وجل شهيداً، لأنه يشهد له بالجنة.
وقيل سمي شهيداً لأنه يشهد عند الله على الأمم.
قال تعالى ﴿وَتَكُونُواْ شُهَدَآءَ عَلَى الناس﴾ [الحج: 76].
وقال مجاهد: سمي المؤمن شهيداً، لأنه يشهد عند الله على نفسه بالإيمان.
ثم قال: ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ أولئك أَصْحَابُ الجحيم﴾.
أي جحدوا ما أنزل الله عز وجل وكذبوا بالقرآن هم أصحاب النار.
قال: ﴿اعلموا أَنَّمَا الحياوة الدنيا لَعِبٌ [وَلَهْوٌ]﴾ أي /: اعلموا أيها الناس أن ما عجل لكم في الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة زائلة مضمحلة، فأنتم تفاخرون بها وتتكثرون بها فمثلكم كمثل مطر أعجب الكفار نباته، أي: أعجبه الزراع نباته فهو على نهاية الحسن.
وقيل الكفار هنا هم المكذبون، لأنهم بالدنيا أشد إعجاباً، أي لا يؤمنون

بالبعث.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ﴾ أي: يبتدئ في الصفرة.
﴿فتراه مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حطاما﴾ أي: متحطماً لا نفع فيه لأحد، فضرب الله عز وجل مثلا للدنيا وزينتها وزوالها بعد الإعجاب بها.
(ثم أخبر تعالى بما في الآخرة من العذاب لمن ركن إلى الدنيا واختارها على الآخرة بالبعث فقال: ﴿وَفِي الآخرة عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ الله ورضوان﴾ لأهل الإيمان بالله ورسوله.
قال: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السمآء والأرض﴾.
أي: سابقوا أيها الناس وسارعوا إلى الأعمال الصالحة التي توجب [لكم] دخول الجنة سعتها كسعة السماوات [والأرض خالدين فيها أعدت للذين آمنوا بالله ورسله.
وقيل عرضها الذي هو خلاف الطول مثل عرض السماوات] والأرضين إذا وصل كل سماء بسماء وكل أرض بأرض، فإن قيل فأين السماوات والأرضون إذاً، فالجواب أن الليل إذا أقبل ذهب النهار في علم الله، وإذا أقبل النهار ذهب الليل في علم الله.

قال مكحول في قوله: ﴿سابقوا إلى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية، هو المسارعة إلى التكبيرة الأولى من الصلاة.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ الله يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: هذه الجنة التي تقدمت صفتها فضل من الله تفضل به على المؤمنين، والله يؤتي فضله من يشاء من خلقه، وهو ذو الفضل [العظيم] عليهم بما وفقهم له من الإيمان به والعمل الصالح وبسط لهم من الرزق، وعرفهم موضع الشكر.
قال: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ﴾.
أي: ما أصابكم أيها الناس من مصيبة في جدب الأرض وقحطها وفساد ثمارها ولا في أنفسكم بالأوصاب والأوجاع إلا هو في كتاب، يعني أم الكتاب.
" من قبل أن نبرأ الأنفس " أي: نخلقها.
قال ابن عباس هو شيء قد فرغ عنه من قبل أن تخلق الأنفس، قال: وبلغنا أنه

ليس أحد يصيب خدش عود، ولا نكبة قدم، ولا خلجان عرق، إلا بذنب وما يعفو الله أكثر.
وقال الحسن في معنى الآية: كل مصيبة (من السماء) هي في كتاب الله جل ثناؤه من قبل أن نتبرأ القسمة، وهو قول الضحاك وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً هو ما أصاب من مصيبة في الدين والدنيا هي في كتاب عند الله من قبل أن تخلق الأنفس.
وقيل الضمير في " نبرأها " بالمصائب، وقيل للأرض.
ورجوعها إلى الأنفس أولى لأنه أقرب إليها.
وقوله: ﴿إِلاَّ فِي كتاب﴾ معناه: إلا هي في كتاب، ثم حذف الضمير.
قال ابن عباس أمر الله عز وجل القلم فكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ أي: إن خلق الله عز وجل الأنفس وإحصاء ما هي

ملاقيته من المصائب على الله سهل، لأنه إنما يقول لشيء كن فيكون.
قال: ﴿لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ﴾.
أي: أعلمكم الله عز وجل أن الأمور كلها قد فرغ منها، لكيلا تأسوا على ما فاتكم من أمر دنياكم، ولا تفرحوا بما جاءكم منها، وذلك الفرح الذي يؤدي إلى المعصية والحزن الذي يؤدي إلى المعصية.
قال عكرمة: هو الصبر عند المصيبة، والشكر عند النعمة، قال وليس (أحد إلا وهو) يحزن ويفرح، لكن من أصابته مصيبة فجعل / حزنه صبراً ومن أصابه خير فجعل فرحه شكراً، فهو ممدوح لا مذموم.
فالمعنى: أعلمكم بفراغه مما يكون وتقدم علمه به قبل خلقكم / كيلا تحزنوا حزناً تتعدون فيه على ما [لا] ينبغي، ولا تفرحوا فرحاً تتجاوزون فيه ما (ينبغي).
ثم قال: ﴿والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: لا يحب كل متكبر بما أوتي من الدنيا، فخور به على الناس.
وقيل: معناه: لا يحب كل مختال في مشيته تكبراً وتعظماً فخور على الناس بماله ودنياه.

قال: ﴿الذين يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ الناس بالبخل﴾.
أي: يبخلون أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم، ويأمرون الناس ألا يؤمنوا به.
وقيل معناه: يبخلون بإخراج حق الله عز وجل من أموالهم ويأمرون الناس بذلك، وهذه الآية نزلت في اليهود، عرفوا أن محمداً صلى الله عليه وسلم حق وما جاء به حق، وكانوا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم يحدثون الناس ويبشرونهم بقرب مبعثه، وينتصرون على أعدائهم به، ويقولون: اللهم بحق النبي المبعوث أنصرنا فينتصرون فلما بعث كتموا أمره وكفروا به وبخلوا أن يصدقوه، وأمروا الناس بتكذيبه.
قوله: ﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعرض عن قبول ما أمر الله عز وجل به من الإنفاق في سبيل الله، وإخراج الزكاة، والإيمان بالله وبرسوله.
﴿فَإِنَّ الله هُوَ الغني الحميد﴾ أي: الغني عن ماله ونفقته وغير ذلك، الحميد إلى خلقه بما أنعم عليهم من نعمة.

قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بالبينات﴾ إلى قوله: (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) الآيات [24 - 27]. أي لقد أرسلنا إلى أمم بالآيات المفصلات وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، والميزان بالعدل.
قال ابن زيداً (الميزان) ما يعمل به، ويتعاطون عليه في الدنيا من معائشهم في أخذهم وإعطائهم، فالكتاب فيه شرائع دينهم وأمر أخراهم، والميزان فيه تناصفهم في دنياهم.
﴿لِيَقُومَ الناس بالقسط﴾ أي: ليعمل الناس بينهم بالعدل.
ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ أي: قوة شديدة.
﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ أي: وفيه منافع للناس، وذلك ما ينتفعون به عند لقائهم العدو وغير ذلك من المنافع مثل السكين والقدوم.
قال ابن زيد البأس الشديد: السيوف والسلاح التي يقاتل بها الناس والمنافع

هو حفرهم وحرثهم بها وغير ذلك.
قال مجاهد: أنزله ليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، وأرسلنا الرسل وأنزلنا الكتاب والميزان ليعدلوا بينهم وليعلم حزب الله من ينصر دينه ورسله بالغيب منهم.
﴿إِنَّ الله قَوِيٌّ﴾ أي: على الانتصار ممن بارزه بالمعاداة، وخالف أمره عزيز في انتقامه منهم.
قال مجاهد: أنزل الحديد ليعلم من ينصره.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً وَإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.
أي أرسلهما تعالى إلى قومهما، وجعل في ذريتهما النبوة والكتاب، ولذلك كانت النبوة في ذريتهما، وعليهم أنزل الله كتبه التوراة والزبور والإنجيل وأكثر الكتب.
ثم قال: ﴿فَمِنْهُمْ مُّهْتَدٍ﴾ أي: فمن ذريتهما مهتد إلى الحق.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: ضلال عن الحق.

قال: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا على آثَارِهِم﴾ (أي: اتبعنا آثارهم برسلنا) أي: آثار الذرية، وقيل الضمير يعود على نوح وإبراهيم وإن كانا اثنين لأن الاثنين جمع.
ثم قال: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابن مَرْيَمَ﴾ أي: واتبعنا الرسل بعيسى ابن مريم.
﴿وَآتَيْنَاهُ الإنجيل﴾ روي أنه نزل جملة.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الذين اتبعوه رَأْفَةً وَرَحْمَةً﴾ أي اتبعوا عيسى رأفة وهي أشد الرأفة.
﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابتدعوها﴾ وأحدثوا رهبانية أحدثوها.
﴿مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: ما افترضنا (عليهم الرهبانية).
﴿إِلاَّ ابتغآء رِضْوَانِ الله﴾ أي: لم تكتب عليهم إلا أن يبتغوا رضوان الله " فابتغاء بدل من الضمير في " كتبناها ". وقيل هو منصوب على الاستثناء المنقطع.
وقال الحارث المحاسبي: لقد ذم الله قوماً من بني إسرائيل ابتدعوا رهبانية لم

يؤمروا بها، ولم يرعوها حق رعايتها.
وحكى عن مجاهد أنه قال في الآية معناها كتبناها عليم ابتغاء رضوان الله.
(قال أبو أمامة الباهلي وغيره / معنى الآية: لم نكتبها عليهم ولم يبتدعوها إلا ابتغاء رضوان الله، فعاتبهم الله بتركها.
قال الحارث: وهذا أولى التفسيرين بالحق، يريد قول أبي أمامة قال وعليه أكثر العلماء، وقال الحارث فذمهم الله عليه بترك رعاية ما ابتدعوا، فكيف بمن ضيع رعاية ما وجب الله عليه).
ثم قال: ﴿فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ هذا عام يراد به الخصوص إذ ليس كلهم فرطوا في الرهبانية، وذلك أن (الله كتب) عليهم القتال قبل أن يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم فلما قل أهل الإيمان وكثر أهل الشرك وذهبت الرسل وقهروا اعتزلوا في الغيران، فلم يزل ذلك شأنهم حتى كفرت طائفة منهم، وتركوا أمر الله وأخذوا بالبدعة، هذا قول الضحاك.

وقيل الذين لم يرعوها هم قوم جاءوا بعد الأولين الذين ابتدعوا الرهبانية.
ثم قال: ﴿فَآتَيْنَا الذين آمَنُواْ مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ أي: فأعطينا الذين آمنوا بالله ورسوله من هؤلاء الذين ابتدعوا الرهبانية ثوابهم على فعلهم.
﴿وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ أي: أهل معاص وخروج عن طاعة الله.
وقال ابن زيد هم الذين رعوا ذلك الحق.
قال قتادة: الرأفة والرحمة من الله / وهم الذين ابتدعوا الرهبانية.
وقد قيل أن الرهبانية معطوفة على رأفة.، وأنها مما آتاهم الله فابتدعوا فيها وغيروها وبدلوها.
قال: ﴿يا أيها الذينءَامَنُواْ﴾ أي: صدقوا بما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم من أهل الكتابين.
﴿اتقوا الله﴾ أي: خافوه بأداء فرائضه واجتناب معاصيه.

﴿وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ﴾ يعني محمداً صلى الله عليه وسلم.
﴿ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: يعطيكم ضعفين من الأجر بإيمانكم بعيسى ومحمد صلى الله عليه وسلم، وأصل الكفل: الحظ.
قال ابن عباس كفلين: أجرين بإيمانكم بعيسى ومحمد عليه السلام وبالقرآن والإنجيل.
قال: " بن جبير بعث النبي صلى الله عليه وسلم جعفراً في سبعين راكباً إلى النجاشي يدعوه، فقدم عليه فدعاه فاستجاب له وآمن به، فلما كان عند انصرافه قال ناس ممن آمن به من أهل مملكته وهم أربعون رجلاً إئذن لنا فنأتي هذا النبي فنلم به ونركب بهؤلاء في البحر، فأنا أعلم بالبحر منهم، فقدموا مع جعفر على النبي صلى الله عليه وسلم وقد تهيأ النبي صلى الله عليه وسلم لوقعة أحد، فلما رأوا ما بالمسلمين من الخصاصة (وشدة الحال استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا يا رسول الله إن لنا أموالاً ونحن ما نرى ما بالمسلمين من خصاصة) فأن أنت أذنت لنا انصرفنا فجئنا بأموالنا فواسينا المسلمين بها، فأذن لهم فانصرفوا فأتوا بأموالهم فواسوا بها المسلمين، فأنزل الله عز وجل فيهم ﴿الذين آتَيْنَاهُمُ الكتاب مِن قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ [القصص: 52] إلى قوله ﴿يُؤْتُونَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُواْ وَيَدْرَؤُنَ بالحسنة السيئة وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: 54]: أي: يريد النفقة التي واسوا بها المسلمين فلما سمع أهل الكتاب ممن لم يؤمن بالنبي عليه السلام، هذا فخروا على المسلمين فقالوا يا معشر المسلمين أما من آمن [منا] بكتابكم وكتابنا فله أجره مرتين ومن لم يؤمن بكتابكم فله أجره كأجوركم فما فضلكم علينا، فأنزل الله عز وجل: ﴿ يا أيها الذينءَامَنُواْ اتقوا الله وَءَامِنُواْ بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ فجعل لهم أجرين، وزادهم النور والمغفرة.
قال الضحاك ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾ أي: أجرين بإيمانكم بالكتابة الأول وبالكتاب الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم.

قال ابن زيد " كفلين من رحمته " أجر الدنيا وأجر الآخرة.
وقال ابن عمر " كفلين " ثلاث مائة جزء من الرحمة وستة وثلاثون جزءاً رواه عنه نعيم بن حماد.
وقال الشعبي الناس يوم القيامة على أربع منازل: رجل كان مؤمناً بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجران، ورجل كان كافراً بعيسى فآمن بمحمد صلى الله عليه وسلم فله أجر، ورجل كفر بعيسى وبمحمد عليهما السلام فباء بغضب على غضب، ورجل كان كافراً بعيسى من مشركي العرب فمات بكفره قبل محمد صلى الله عليه وسلم / فباء بغضب واحد.
وسئل سعيد بن عبد العزيز عن الكفل فقال: " ثلاثمائة وخمسون حسنة

وقال سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ سأل حبراً من أحبار اليهود فقال له: كم أفضل ما ضعفت له الحسنة، فقال كفل ثلاث مائة وخمسون حسنة.
قال: فحمد الله عمر على أنه تعالى أعطانا كفلين فضاعفه لنا الحسنة إلى سبع مائة ضعف.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين رجل آمن بالكتاب الأول والكتاب الآخر، ورجل كانت له أمة، فأدبها، فأحسن تأديبها ثم أعقتها وتزوجها، وعبد مملوك أحسن عبادة ربه عز وجل ونصح لسيده ". وقال عمر سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " وإنما آجالكم في آجال من خلا من الأمم كما بين صلاة العصر إلى مغرب الشمس، وإنما مثلكم ومثل اليهود والنصارى كرجل استأجر عمالاً فقال من يعمل [من] بكرة إلى نصف النهار على قيراط قيراط

فعملت اليهود ثم قال: من يعمل من نصف النهار إلى صلاة العصر على قيراط قيراط فعملت النصارى ثم قال من يعمل من صلاة العصر إلى مغرب الشمس على قيراطين قيراطين ألا فعملتم ". ثم قال: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ﴾.
قال ابن عباس النور: القرآن واتباعهم النبي عليه السلام، وقاله ابن جبير.
وقال مجاهد: ﴿وَيَجْعَل لَّكُمْ﴾ أي: هى.
وقيل معناه: ويجعل لكم نوراً تمشون به يوم القيامة، وهو النور الذي يكون للمؤمنين يوم القيامة.
وقوله: ﴿وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ أي: يصفح عنكم ويستر ذنوبكم.
﴿والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ذو مغفرة ورحمة.
قوله: ﴿لِّئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الكتاب﴾.
إلى اخر السورة.

قيل معناه ليعلم أهل الكتب، و " لا " زائدة صلة، دل على ذلك أن بعده: / ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾.
وقد قرأ ابن عباس ليعلم.
وهي قراءة الجحدري.
وقرأ ابن مسعود وابن جبير " لكي يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ "، وذلك على التفسير، والمعنى فعل ذلك، لكي يعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون على شيء من فضل الله الذي خصكم به لأنهم كانوا يرون أن الله فضلهم على جميع خلقه، فأعلمهم تعالى ذكره أنه قد أتى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الفضل والكرامة ما لم يؤتهم من زيادة النور والمغفرة والأجر.
قال قتادة: لما نزلت [هذه الآية يعني: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ حسد أهل الكتاب المسلمين عليها] فأنزل الله " لئلا يعلم أهل الكتاب.
. [إلى آخرها، أي: فعلت ذلك لكي يعلم أهل الكتاب أنهم

لا يقدرون] على شيء من فضل الله، يؤتي فضله من يشاء ويخص به من يشاء من خلقه.
قال قتادة: ذكر أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقول: " إنما مثلنا ومثل أهل الكتاب من قبلنا كمثل رجل استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط، فلما انتصف النهار سئموا عمله وملوا فحاسبهم وأعطاهم نصف قيراط، (ثم استأجر أجراء يعملون إلى الليل على قيراط فعملوا إلى العصر ثم سئموا وملوا عمله، فاعطاهم على قدر ذلك ثم استأجر أجراء إلى الليل على قيراطين يعملون بقية عمله فقيل له ما شأن هؤلاء أقل عملاً وأكثر أجراً؟ قال هو مالي أعطي من شئت ". وقوله: ﴿وَأَنَّ الفضل بِيَدِ الله﴾ أي: بيده دونهم ودون غيرهم، يؤتيه من يشاء من

خلقه، فلذلك أعطى أمة محمد صلى الله عليه وسلم من الأجر على مدتهم القريبة ما لم يعط غيرهم.
﴿والله ذُو الفضل العظيم﴾.
أي ذو الفضل على خلقه، العظيم فضله.
وقيل أنهم قالوا: الأنبياء منا، كفروا بعيسى وبمحمد صلى الله عليه وسلم فأعلم الله خلقه أن الفضل بيده يؤتيه من يشاء، وليس فضله بموقوف على بني إسرائيل دون غيرهم فلا يرسل رسولاً إلا منها يرسل الرسول ممن يشاء على من يشاء، وإلى من يشاء، يفعل ما يشاء ويتفضل على من يشاء لا إله إلا هو.

سورة

مدنية قوله: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله﴾ إلى قوله: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [الآية 1].
هذه الآية نزلت في خولة بنت ثعلبة، وقيل اسمها خويلة.
وقيل اسم أبيها خويلد، وقيل الصامت.
وقيل الذبيح، وهي امرأة من الأنصار.
قال قتادة: كان زوجها أوس بن الصامت.
روي " أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه /، فقالت يا رسول

الله طالت صحبتي مع زوجي وظاهر مني، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه.
وكان الظهار في الجاهلية طلاقاً بائناً، وكان بينها وبين زوجها قرابة فقالت أشكو إلى الله فاقتي إليه، ثم جعلت تكرر عليه المسألة ويجاوبها بمثل ذلك، فتقول أشكو إلى الله فاقتي إليه، فنزل الوحي وقد قامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر، فأومأت إليها [عائشة] أن اسكتي قالت وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات فلما قضى الوحي قال اذهبي فادعي زوجك، فدعته فتلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ ثم قال له: أتستطيع رقبة، قال لا، فتلا عليه ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾، فقال يا رسول الله إني أذا لم أكل في اليوم ثلاث مرات خشيت أن يعشو بصري، فتلا عليه ﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، ثم قال له أتستطيع أن تطعم ستين مسكيناً، قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني، فأعانه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأطعم ". روى عروة بن الزبير قال، قالت عائشة رضي الله عنها، " الحمد لله الذي وسع سمعه الأصوات، إن خولة تشتكي زوجها للنبي صلى الله عليه وسلم فيخفى (علي أحياناً بعض ما

تقول، فأنزل الله جل ذكره: ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وتشتكي إِلَى الله والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ الآية.
وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: خولة في محاورتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم إني أشكو إليك ذلك فهو قوله وتشتكي إلى الله.
وروى أيضاً عن عروة عن عائشة أنها قالت: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها، إن المرأة لتناجي رسول الله صلى الله عليه وسلم، اسمع بعض كلامها، ويخفى علي [بعضه]، إذا أنزل عز وجل ﴿ قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآية.
قال قتادة: أتت خويلة بنت ثعلبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم تشتكي إليه زوجها أوس بن الصامت فقالت: يا رسول ظاهر مني حين كبرت سني ورق عظمي، فانزل الله عز وجل فيها ما تسمعون، ثم تلا ﴿قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ التي تُجَادِلُكَ﴾ إلى قوله ﴿لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ [المجادلة: 3] أي: يريد المظاهر يغشى (امرأته بعدما ظاهر

منها).
وروى أنه " لما قال له النبي صلى الله عليه وسلم أتستطيع أن تطعم ستين مسكينا قال لا يا رسول الله إلا أن تعينني منك بعون وصلاة / يريد ودعاء فأعانه (رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر صاعاً ". قال ابن عباس كان الرجل إذا قال لأمراته في الجاهلية: أنت عليِّ كظهر أمي حرمت عليه، فمضى ذلك في الإسلام، وكان أول من ظاهر في الإسلام أوس وكانت تحته ابنة عم له يقال لها خولة بنت خويلد فظاهر منها، فأسقط في يده فقال ما أراك إلا قد حرمت علي، وقالت له مثل ذلك، قال فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فوجدت عنده ماشطة تمشط رأسه فأخبرته فقال يا خويلة ما أمرنا في أمرك بشيء فأنزل الله عز وجل على رسول الله صلى الله عليه وسلم قد سمع الله.
. . الآيات، فقال يا خويلة أبشري، قالت خيراً، فقرأ عليها ﴿قَدْ سَمِعَ الله﴾ إلى قوله ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾، قالت وأي رقبة لنا، والله ما يجد رقبة غيري، فقرأ عليها: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ فقالت: والله لولا أنه يشرب في اليوم ثلاث مرات لذهب بصره، فقرأ عليها

﴿فَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِيناً﴾، فقالت من أين، ما هي إلا أكلة إلى مثلها قال فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بشطر وسق وست ثلاثسن صاعاً، والوسق ستون صاعاً، فقال ليطعم ستين مسكيناً وليراجعك.
وقال محمد بن كعب القرطي هي خولة بنت ثعلبة امرأة أوس بن الصامت، وكان رجلاً به لهم فقال في بعض هجراته: أنت علي كظهر أمي، ثم ندم على ما قال فقال لها ما أظنك إلا قد حرمت علي، فقالت لا تقبل ذلك، فوالله ما أحب طلاقا فقالت إئت رسول الله فسله، فقال: إنني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، قالت إئت رسول الله فسله، فقال: إني أجدني أستحيي منه أن أسأله عن هذا، قالت فدعني أنا أسأله /، فقال، فجاءت إلى رسول الله فقالت يا رسول الله إن أوس بن الصامت أبو ولدي وأحب الناس إلي قد قال كلمة، والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقاً، قال أنت علي كظهر أمي.
فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ما أراك إلا قد حرمت عليه، فقالت لا تقل ذلك يا نبي الله، والله ما ذكر طلاقا، فرادت النبي مرارا، ثم قالت: اللهم إني أشكو [اليوم] إليك شدة حالتي ووجدي وما يشق علي من فراقه، اللهم فأنزل على لسان نبيك، فأنزل

الله مكانه: قد سمع الله.
. . الآيات.
وقوله: ﴿وتشتكي إِلَى الله﴾ هو ما شكت من تأسفها على فراق زوجها.
وقوله: ﴿والله يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمآ﴾ أي: يسمع تحاور النبي وخولة.
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ﴾ أي: يسمع ما يتحاور به كل اثنين فأكثر.
﴿بَصِيرٌ﴾ بما يعملون، فيجازيهم عليه يوم القيامة.
قوله: ﴿الذين يُظَاهِرُونَ مِنكُمْ مِّن نِّسَآئِهِمْ﴾.
أي: الذين يحرمون نساءهم على أنفسهم بقولهم: انت علي كظهر أمي.
﴿مَّا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلاَّ اللائي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنكَراً مِّنَ القول وَزُوراً﴾.
أي: وإن الأزواج ليقولون إلى نسائهم (قولاً منكراً، وقولاً زوراً) أي: كذباً.
قال أبو قلابة وغيره: كان الظهار طلاق أهل الجاهلية طلاق بتات، لا يرجع إلى

امرأته من قاله أبداً.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾ أي: ذو عفو وصفح عن ذنوب عباده إذا تابوا منها، وذو ستر عليهم فلا يعاقبهم عليها بعد التوبة.
قال: ﴿والذين يُظَاهِرُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي: والكفارة على من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي ويريد الرجوع إلى الوطء تحرير رقبة من قبل أن يطأها، فإن لم يجد فعليه صيام شهرين متتابعين أي: متصلين من قبل أن يطأها، فإن لم يستطع فعليه إطعام ستين مسكيناً.
وقوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ معناه: ثم يرجعون في تحريم ما حرموا على أنفسهم فيجعلونه حلالا وذلك الوطء.
قال قتادة: يريد أن يغشى بعد قوله.
وقال أهل الظاهر معناه: يعود للفظ مرة أخرى، فلا تلزمه الكفارة عندهم حتى يقول لها مرة أخرى أنت علي كظهر أمي.
ولا يلزمه شيء من قوله ذلك لها مرة واحدة.
وقيل المعنى والذين كانوا يظاهرون من نسائهم في الجاهلية ثم يعودون في

الإسلام إلى مثل ذلك القول، فعلى من فعل ذلك في الإسلام تحرير رقبة من قبل أن يتماسا.
وقيل معناه: ثم يصيرون لما كانوا يقولون في الجاهلية.
وقيل معناه: ثم يعزمون على إمساك النساء بعد المظاهرة.
وقيل معناه: أن يقيم مدة لا يطلق ثم يعود إلى فعل ما ترك فيخالفه.
وقال طاوس لما قالوا: للوطء.
وقال الأخفش سعيد: في الكلام تقديم وتأخير وتقديره: والذين يظهرون من نسائهم فتحرير رقبة لما قالوا من قبل أن يتماسا، والمعنى يصيرون إلى ما كانوا عليه من الجماع، فعليهم تحرير رقبة من أجل قولهم.
وقال الزجاج معناه ثم يعودون إلى إرادة الجماع من اجل ما قالوا.

وقال الفراء لما قالوا وإلى ما قالوا وفيما قالوا أي: يرجعون عن قولهم وتحريمهم نساءهم / فيريدون الوطء.
وقال القتبي هو أن يعود لمثل ما كان يقال في الجاهلية (ولا تجزيه في الكفارة) عند مالك إلا رقبة مسلمة، ولا يجوز عنده عتق المدَبَّر والمكاتَب عن الظهار، ولا عتق أم الولد، فأما عتق الصبي فقد أجازهمالك عن الظهار إذا كان ذلك من قصر النفقة، وعتق من يصلي ويصوم أحب إليه، ولا يجزي عن الظهار عتق من يعتق على الإنسان إذا ملكه كالأب والابن والأم والجد والأخ، فإن أعتق عن ظهاره ما في بطن أمه فولدته حياً ثم مات لم يجزه عند مالك، ولا يجزي عند مالك عتق الأعمى ولا المعقد ولا المقطوع اليدين ولا أشلهما أو الرجلين، والمقطوع أحدهما، ولا الأعرج الشديد العرج، ولا الأخرس، ولا المجنون المطبق، ولا الذي يجن ويفيق، ولا عتق من أعتقه قبل ذلك إلى مدة، ولا عتق من اشتري بشرط أن يعتق على الرقاب الواجبة، ولا يجزي عتق الأصم ولا المقطوع الإبهام، ولا المقطوع الأذنين، ولا المفلوج الشق، ولا المقطوع الأصبع الواحدة فأكثر، ولا الأجذم، ولا الأبرص،

ولا عتق / كل من فيه عيب يضر به وينقص من ثمنه نقصاً فاحشاً، ويجزئ عتق الأعور.
وقوله ﴿مِّن قَبْلِ أَن يَتَمَآسَّا﴾ أي: فعليه الكفارة من قبل أن يطأها، ولا يحل له وطئها إذا ظاهر منها حتى يكفر عن ظهاره، وإذا علق ظهاره بشرط لم يلزمه الظهار إلا مع فعل ذلك الشرط، وذلك أن يثول لامرأته أنت علي كظهر أمي إن دخلت دار فلان، فهو مظاهر حتى تدخل تلك الدار، فإذا دخلت لزمه الظهار، ولا طلاق في الظهار، ولم ير الحسن بأساً أن يقبل ويغش فيما دون الفرج قبل الكفارة.
وقاله الثوري، ومنع مالك من ذلك، ومنعه من النظر إلى شعرها قبل الكفارة.
وقوله ﴿ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: أوجب عليكم، ربكم من الكفارة عِظَةً لكم، لتنتهوا عن الظهار وقول الزور.
﴿والله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ أي: ذو خبر بأعمالكم لا يخفى عليه منها شيء، فانتهوا عن قول الزور.
قوله: ﴿فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ أي: فمن لم يجد ما يشتري به رقبة، فعليه صيام شهرين متتابعين لا يفصل بينهما ولا بين شيء من أيامهما بإفطار وهو متعمد، فإن أفطر لعذر بنى على ما صام ولا شيء عليه، فإن أفطر لغير عذر ابتدأ

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل