الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 7193-7233
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 7193-7233
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

ثم هبت الريح فحملته، فألحقته بأصحابه.
(وروي عن أبي هريرة أنه قال أن كان الرجل ليغمز قدميه فيدخل في الأرض) من قوم عاد ليتخذ المصراعين من حجارة لو اجتمع عليه خمس مائة من هذه الأمة لم يستطيعوا أن يحملوه، وأن كان الرجل (ليغمز قدميه فتدخل في الأرض).
وقوله ﴿تَنزِعُ الناس كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾ أي: تنزعهم من الحفر التي كانوا حفروها كأنهم أعجاز نخل منقعر.
قال الطبري في الكلام حذف، والتقدير: تنزع الناس فتتركهم كأنهم أعجاز نخل، " فالكاف " على هذا في موضع نصب بالمحذوف.
وقال الزجاج وغيره " الكاف " في موضع الحال، أي: تنزع الناس مشبهين / بأعجاز نخل.
ومعنى

" منقعر " أي: منقلع من قعره.
(وقال الحسن لما جاءت الريح إلى قوم هود قاموا إليها فاستقبلوها وأخذ بعضهم بيد بعض).
(وركزوا أقدامهم في الوادي، وقالوا لهود من يزيل أقدامنا عن أماكنها إن كنت صادقاً، فأرسل الله عليهم الريح فنزعت أقدامهم كأنهم أعجاز نخل منقعر).
قال مجاهد: بانت أجسامهم من رؤوسهم فصاروا أجساماً بلا رؤوس.
وقيل التشبيه هنا إنما هو للحفر التي كانوا فيها قياما، صارت الحفر كأنها أعجاز نخل وهذا قول ضعيف، ولزم هذا القائل أن يقول " كأنهن ". أي: فانظر يا معشر كفار قريش كيف كان عذاب قوم هود إذ كذبوا هوداً، وكيف كان إنذاري إياكم أن ينزل بكم ما نزل بهم.
قوله (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ) إلى قوله (كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ) الآيات [22 - 31].

﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.
أي: ولقد بينا وسهلنا القرآن لمن أراد أن يذكر ويتعظ، فهل من طالب علم فيعان عليه.
قال ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بالنذر﴾ [أي] كذب قوم صالح بنذر الله (التي أتتهم) من عنده، فقالوا مكذبين لرسولهم صالح ﴿أَبَشَراً مِّنَّا وَاحِداً نَّتَّبِعُهُ﴾ أي: نحن الجماعة الكثيرة كيف نتبع بشراً واحداً.
﴿إِنَّآ إِذاً لَّفِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ أي: إن أتبعناه لفي ذهاب عن الصواب وسعر: أي: وعناد، قاله قتادة.
وقيل: وسعر: وجنون.
قال ﴿أَءُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِن بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ هذا إخبار من الله جل ذكره عما قاله قوم صالح، أي: قالوا أأنزل الوحي عليه من بيننا على طريق الإنكار.
﴿بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ﴾ أي: كذاب لا يبالي ما قال: وأصل الأشر: الريح والبطر، قال الله عز وجل ﴿ سَيَعْلَمُونَ غَداً مَّنِ الكذاب الأشر﴾.

أهم أم هو، بل هم الكذابون الأشرون، وهذا تهدد ووعيد من الله لهم ولمن فعل فعلهم.
وقرأ أبو قلابة ﴿الكذاب الأشر﴾ بالتشديد وفتح الشين ولا يجوز مثل هذا في الأولى لأنه لا يقال منه أفعل، وإنما جاز في الثاني لأنه من قولهم: زيد الأشر (ومَنْذِزٌ لِشَر) كما يقال: (الأْخَيرُ وَاُلَخُورَى).
وقرأ ابن جبير ومجاهد: " من الكذاب الأشر " بضم الشين والتخفيف، وهي لغة في الأشر.
كما يقال رجل " خَوِرُ وَخَورً ". ثم قال تعالى ﴿إِنَّا مُرْسِلُواْ الناقة فِتْنَةً لَّهُمْ﴾

أي: باعثوا الناقة التي سألها ثمود صالحاً آية لهم وحجة (من الله) لصالح ابتلاء لهم واختباراً هل يؤمنون به أو يكذبونه.
ثم قال ﴿فارتقبهم واصطبر﴾.
هذا أمر من الله لصالح، أي: فانتظرهم وتبصر ما هم صانعون بالناقة، واصبر على ارتقابهم ولا تعجل.
وكان ابتلاؤهم في ذلك أن الناقة خرجت لهم من صخرة صماء فآمن بعضهم، وكانت عظيمة كثيرة الأكل /. فشكوا ذلك إلى صالح وقالوا قد أفنت الحشائش والأعشاب ومنعتنا من الماء، فقال ذورها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء، ترد الماء يوماً وتردون يوماً، فكانت هذه الفتنة، وهو قوله: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ المآء قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ﴾ أي: وخبر (قومك يا صالح) أن الماء يوم لهم يشربون ويتزودون، ويوم للناقة ترد فيه.
وقيل المعنى أن الماء يوم غِبّ الناقة قسمة بينهم يشربون ويتزودون.
ثم قال: ﴿كُلُّ شِرْبٍ مُّحْتَضَرٌ﴾ أي: كل حظ من الماء يحضره من هو له.
وقيل المعنى: كل من له الماء يوماً يحضره، وتحضره الناقة يوماً.
وقال مجاهد: يحضرون يومهم، ويحضرون اللبن يوم الناقة.
[أيٍ] فنادت ثمود صاحبهم قَدَاراً

عاقر الناقة لعقرها فحضوه على ذلك فتناول الناقة فعقرها.
قال ابن عباس تناولها بيده، ويقال إنه كان ولد زينة، وهو من التسعة الذين كانوا يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وهم الذين قالوا، لصالح ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: 49].
فمعنى فتعاطى: أي: فتناول الفعل ففعل فقتلها، وهو من قولهم: عطوت: إذا تناولت.
كما قال أمرؤ القيس: (وَتَعْطوُ بَرخص غير شَتْنٍ كأنه ... أَسَارِيعُ ظَبْيٍ أو مَسَاوِيكُ إِسْحَل).
وفي الحديث: " أن عاقر الناقة كان عزيراً (منيعا كأنه رفعة) / " قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ هذا الخطاب لقريش [أي] فكيف كان

عذابي إياهم وإنذاري لهم.
وقيل معناه: وإنذاري لكم أَنّا أرسلنا عليهم صيحة واحدة، وقد تقدم خبر عذابهم كيف كان.
وقوله ﴿فَكَانُواْ كَهَشِيمِ المحتظر﴾ أي: فكان قوم صالح لما أخذتهم الصيحة صاروا رفاتاً كهيئة الشجر المحتظر بعد (نعمته وغضارته).
وقيل معناه: فصاروا كالعظام المحترقة، قاله ابن عباس.
وقيل صاروا كالتراب المتناثر من الحائط في يوم ريح: قاله ابن جبير.
وقال ابن زيد صاروا كهشيم حظيرة الراعي التي تتخذ الغم فتيبس فتصير هشيماً.
وقال مجاهد: صاروا كهشيم الخيمة وهو ما تكسر من (خشبها).
وقال سفيان (هو ما يتناثر من الحصير إذا ضربتها بالعصا.

وحقيقة الهشيم أنه فعيل بمعنى مفعول أي: مهشوم وهو ما يبس وتحات من ورق الشجر، والمحتظر بكسر الظاء: الذي يحتظر على الهشيم، أي: يحوزه ليجمعه ويحظر عليه ليمنع من أخذه، فهو محتظر بكسر الظاء، والهشيم محتظر بفتح الظاء وصف له.
أي: كذبت جماعة قوم لوط بما أنذرهم به لوط من الإيمان والوعد والوعيد.
قال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِباً﴾ أي: حجارة من السماء وقد تقدم ذكره في غير موضع.
﴿إِلاَّ آلَ لُوطٍ﴾ يعني بناته ﴿نَّجَّيْنَاهُم بِسَحَرٍ﴾.
قال ﴿نِّعْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ نصب " نعمة " على أنها مفعول لها، ولذلك لا يتم الوقف على " سحر " أي: أنجيناهم من العذاب للنعمة من الله عليهم.
ثم قال ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي مَن شَكَرَ﴾ أي: كما أنجينا آل لوط من العذاب، كذلك نجزي

من شكر الله سبحانه، وآمن بإنذاره واتبع أمره وانتهى عن نهيه.
أي: حذرهم لوط قبل حلول العذاب لهم نقمة الله عز وجل لهم، فشكوا فيما توعدهم به وأنذرهم إياه.
قال: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ أي: راود قوم لوط لوطاً في أضيافه ليفعلوا بهم ما كانوا يفعلون بمن دخل قريتهم من الذكور.
﴿فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ أي: طمس على أعينهم، أي: غطينا عليها.
وروي أن جبريل عليه السلام استأذن ربه عز وجل في عقوبتهم ليلة أتوا لوطاً وأنهم عالجوا الباب ليدخلوا عليه فصفقهم بجناحه فتركهم عمياً لا يرون يترددون.
قال ابن زيد: هؤلاء قوم لوط حين أرادوا من ضيفه طمس الله أعينهم.
وقد كان ينهاهم عن عملهم الخبيث الذي كانوا يعملون فقالوا له إنه لا نترك عملنا فإياك أن تنزل أحداً أو تضيفه أو تدعه ينزل عندك فإنا لا نتركه، قال فلما جاءه المرسلون خرجت امرأته الشقية فأتتهم فدعتهم وقالت لهم تعالوا فأنه قد جاء قوم لم

أر قوماً أحسن ثياباً ولا أطيب أرواحاً منهم، قال فجاءوه يهرعون إليه فقال: " إِنّ هَؤلاَءِ ضَيْفِي فَلاَ تَفْضَحُونِ وَأُتّقَواَ اُّللهَ / وَلاَ تُخزُوُنِ فِي ضَيْفِي قالَوُاْ أَوَ لَمْ تَنْهَكَ عَنِ اُلْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلاَءِ بَنَاتِيَ هنّ أَطُهَرُ لَكُمْ " فقال له جبريل ما يهولك من هؤلاء، قال أما ترى ما يريدون، قال إنا رسل ربك لن يصلوا إليك، لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك، قال فنشر جبريل عليه السلام جناحاً من أجنحته فاختلس به أبصارهم، وطمس أعينهم، فجعلوا يجول بعضهم في بعض.
وكذلك ذكر مجاهد مثل معنى هذا.
ثم قال ﴿فَذُوقُواْ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: ذوقوا عذابي الذي حل بكم، وعاقبة إنذاري لكم، وقيل إنه من قول الملائكة لهم أي: قالت الملائكة لهم فذوقوا عذاب الله، وعاقبة ما أنذركم به.
أي: ولقد صبحهم قوم لوط عند طلوع الفجر عذاب ثابت إلى يوم القيامة، وهو أن قلبت عليهم المدينة، وأرسلت الحجارة عليهم وعلى من غاب من المدينة وحلوا في عذاب إلى يوم القيامة.
قال قتادة: استقر بهم العذاب إلى نار جهنم.
/ قد تقدم تفسير كل هذا.

ثم قال (وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ) [41] أي: جاء أتباع فرعون إنذارنا بالعقوبة لكفرهم بالله ورسوله.
(كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ) [42] أي: كذبوا بكل ما جاءهم به موسى صلى الله عليه وسلم فأخذهم الله بالعذاب أخذ منيع قادر على ما يريد، فأغرقهم أجمعين.
ثم قال ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِّنْ أُوْلَئِكُمْ﴾ أي: أكفاركم يا قريش، (أي الذين إن يروا آية) يعرضوا ويقولوا سحر مستمر، خير من هؤلاء الذين تقدم ذكرهم، وأخذهم العذاب لكفرهم، فيقولوا إنا ننجوا لشرفنا، بل ليس هم بخير منهم، فإذا كانوا قد هلكوا بكفرهم فما يؤمنك أن يصيبكم مثل ما أصابهم من العذاب [وهذا] لفظ استفهام معناه التوقيف.
حكى سيبويه: الشقاء أحب إليك أم السعادة.
قال ابن عباس معناه ليس كفاركم خيراً من وقوم نوح وقوم لوط.
ثم قال ﴿أَمْ لَكُم بَرَآءَةٌ فِي الزبر﴾ [أي] أم لكم كتاب فيه براءة لكم من العذاب في كتاب الله عز وجل.
﴿ أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُّنتَصِرٌ﴾ أي: أم يقول كفار

قريش نحن جماعة ينصر بعضنا بعضاً على ما نريده.
فصدق الله عز وجل رسوله صلى الله عليه وسلم وعده، وهزم المشركين يوم بدر وولوا هاربين.
قال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ لما نزلت ﴿سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر﴾ جعلت أقول أي: جمع يهزم، فلما كان يوم بدر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول سيهزم الجمع ويولون الدبر.
وأكثر المفسرين على أنه يوم بدر هزموا فيه وولوا الدبر.
(قالت عائشة رضي الله عنها لقد نزل على محمد صلى الله عليه وسلم بمكة وإني لجارية أَلْعَب.
﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ الآية أي: يوم القيامة موعدهم للعذاب بل ذلك الوقت أدهى وأمر من الهزيمة التي كانت عليهم في الدنيا وتوليتهم الدبر.
وأدهى من الداهية والداهية (الأمر العظيم) الذي لا ينفع فيه دواء.
وَأَمْرُ من المَرَارة.

أي: في حيرة وتجاوز عن الحق.
﴿وَسُعُرٍ﴾ أي: واحتراق من شدة العناد، والنصب في الباطل وقيل وسعر: وعناد.
روى أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " قال: هم القدرية الذين يقولون الخير والشر بأيدينا ليس لهم في شفاعتي نصيب ولا أنا منهم ولا هم مني ". وقيل القول هنا محذوف.
والمعنى يقال لهم: ذوقوا مس سقر.
ومعنى يسحبون: أي: يجرون إلى النار.
وفي قراءة ابن مسعود " إِلَى اُلنّاِر " على التفسير، " وسَقَى " إسم من أسماء أبواب جهنم أعاذنا الله منها.
وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: لوددت أن عندي رجلا من أهل القدر فوجأت رأسه، قال: ولم ذلك لأن الله عز وجل خلق لوحاً محفوظاً من درة بيضاء، دفتاه ياقوتة حمراء وقلمه ذهب وكتابه نور، وعرضه ما بين السماء والأرض ينظر الله فيه كل يوم ستين وثلاث مائة نظرة يخلق في كل نظرة، ويحيي ويميت ويقدر ويدبر،

ويفعل ما يشاء.
وقوله ﴿ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ﴾ هو على المجاز، كما يقال وجدت مس الحمى، وذاق طعم الموت.
وقوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ أي: بمقدار قدرناه وقضيناه وفي هذا بيان بالتوعد للقائلين بالقدر.
وقال ابن عباس: إني لأجد في القرآن قوما يسحبون في النار وعلى وجوههم، يقال لهم ذوقوا مس سقر لأنهم كانوا يكذبون بالقدر وإني لأراهم فما أدري أشيء [كان] قبلنا أم شيء فيما بقي.
وقال أبو هريرة خاصمت مشركو قريش النبي صلى الله عليه وسلم في القدر، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
(وقال أبو عبد الرحمان السلمي لما نزلت هذه الآية: إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ)، قال رجل يا رسول الله ففيم العمل، أفي شيء نستأنفه، أم في شيء قد فرغ

منه فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أعملوا (فكل مُيَسّرً لما خُلق له فسينسره لليسرى وسنيسره للعسرى).
وقال محمد بن كعب القرطبي / لما تكلم الناس في القدر نظرت وإذا هو في هذه الآية أنزلت فيهم: ﴿إِنَّ المجرمين فِي ضَلاَلٍ وَسُعُرٍ﴾ إلى ﴿خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾.
قال أبو محمد وقد أملانا الكلام على إعراب هذه الآية، والاستدلال منها على أن الله خلق كل شيء، وأنه لفظ عام لا خصوص فيه في غير هذا الكلام.
[أي وما أمرنا للشيء إذا أمرنا به وأردنا تكوينه إلا قولة واحدة كن فيكون كلمح البصر] من السرعة لا يتأخر ولا مراجعة فيها.
هذا خطاب لمشركي قريش الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم، أي: ولقد أهلكنا نظراءهم من الأمم الماضية المكذبة لرسلها كما كذبتم رسولكم، فما يؤمنك أن تهلكوا كما هلك من كان قبلكم، فهل من متعظ يتعظ فيزدجر عن كفره.
ثم قال ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزبر﴾ أي: وكل شيء فعله أشياعكم من

الأمم الماضية فهو في الكتب كتبته عليهم الحفظة، وكذلك فعلت بكم.
وقيل الزبر هنا أم الكتاب، هو في أم الكتاب من قبل أن يخلقوا.
﴿وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ﴾ أي: وكل صغير من الأعمال أو كبير مثبت في الكتاب مكتوب في أسطر.
قال تعالى ﴿إِنَّ المتقين فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ أي: إن الذين اتقوا عقاب الله وآمنوا برسله، وبما جاءتهم به الرسل، في بساتين يوم القيامة.
والنهر ونَهر بمعنى أَنْهَار كما قال: " فِي حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وقد شَجينا " وقيل نهر معناه وضياء وسعة، يقال أنهرته إذا وسعته.
وقرأ الأعمش ونهر بالضم جعله جمع " نهار " كقَذَالِ وقُذَالَ.

وروي أنه ليس في الجنة ليل إنما هو نور كله، إنما يعرفون الليل بإغلاق الأبواب وإرخاء الستور، [والنهار بفتح الأبواب ورفع الستور].
ثم قال ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ﴾ أي: في مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم.
﴿عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ﴾ أي: عند ذي ملك يقدر على ما يشاء لا إله إلا هو.

بسم الله

الرحيم سورة الرحمن مكية سورة الرحمن جل ذكره مكية قوله: (الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ) إلى قوله (وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ) [1 - 11]. الرحمن اسم من أسماء الله لا يشاركه فيه أحد، ومعناه: الكثير الرحمة بشرط المبالغة، والمعنى: الرحمان أيها الناس برحمته إياكم علمكم القرآن، فبصركم فيه الحلال والحرام.
وقيل معناه علم محمدا القرآن، والإنسان " محمداً " [حتى أداه إلى جميع

الناس والثاني سهل عليه جميع الناس صلى الله عليه وسلم] . وقيل لا حذف فيه، والمعنى (الرحمان أيها الناس) جعل القرآن علامة، وآية يعتبر بها.
والأول أحسن لقوله ﴿خَلَقَ الإنسان * عَلَّمَهُ البيان﴾.
ثم قال: (خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ) [2] يعني آدم صلى الله عليه وسلم.
وقيل هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل الإنسان بمعنى الناس.
" وعَلّمَهُ البيَان " أي: الحلال والحرام، وقاله قتادة.
وقيل معناه: علمع الخير والشر، وما يأتي وما يدع.
وقال ابن زيد: معناه علمه الكلام فجعله مميزاً.
وقيل معناه علمه بيان ما به الحاجة إليه من أمر دينه ودنياه.
وقيل (الخط: وهو مأثور).
ثم قال: (الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ) [3] أي: يجريان بحساب ومنازل لا يعدوانها، قاله ابن عباس وقتادة وغيرهما.

وقال ابن زيد حسبانهما الدهر والزمان، لولا الليل والنهار والشمس والقمر لم يدرِ أحد كيف يحسب.
وقال الضحاك معناه: يجريان بقدر.
وقال مجاهد: معناه: أنهما يدوران في مثل قطب الرحا.
والحسبان مصدر حسبت الشيء حِساباً وحُسْبَانا مثل الغفران والكفران.
وقيل الحسبان جمع حساب كشهاب وشهبان.
قال: ﴿والنجم والشجر يَسْجُدَانِ﴾ النجم ما نجم من النبات وانبسط على غير ساق، مثل البقل وشبهه، هذا قول ابن عباس وابن جبير وغيرهما، والشجر ما قام على ساق.
وقال مجاهد: النجم نجم السماء، وهو قول قتادة والحسن.
وقوله / ﴿يَسْجُدَانِ﴾ يعني يسجد ظلهما، وهو اختيار الطبري كما قال: ﴿وَظِلالُهُم بالغدو والآصال﴾ [الرعد: 15]

وهو قول ابن جبير وغيره.
/ وقال قتادة: لم يدع الله عز وجل شيئاً إلا عبده له.
وقال مجاهد: يسجدان بكرة وعشياً، يريد أن سجوده: دوران ظله.
وقال الحسن النجم نجم السماء، والشجر كله يسجد لله عز وجل.
واصل السجود: الاستسلام والانقياد لله سبحانه.
فهو من الموات كلها استسلامها لأمر الله [ عز وجل] وانقيادها له سبحانه، ومن الحيوان كذلك.
ثم قال ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان * وَأَقِيمُواْ الوزن﴾ أي: العدل، فهو خبر فيه معنى الأمر بالعدل ودل على ذلك قوله ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ وقيل هو الميزان الذي يتناصف به الناس.
ثم قال ﴿أَلاَّ تَطْغَوْاْ فِي الميزان﴾ أي: وضع الميزان لئلا تبخسوا وتظلموا في الوزن.
وقال قتادة: اعدل يا بن آدم كما تحب أن يعدل عليك، أَوْفِ كما تحب أن يُوَفّى لك فإن بالعدل صلاح الناس.

ثم قال ﴿وَأَقِيمُواْ الوزن بالقسط وَلاَ تُخْسِرُواْ الميزان﴾ أي: أقيموا الميزان بالعدل ولا تنقصوا الوزن إذا أوزنتم.
ثم قال ﴿والأرض وَضَعَهَا لِلأَنَامِ﴾ أي: والأرض وطأها للخلق.
﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ والنخل ذَاتُ الأكمام﴾ أي: في الأرض فاكهة، وفيها النخل ذات الطلع قاله القرظي.
وقال الحسن وقتادة والضحاك الأكمام: الِلّيفُ، وأصل الكَمِ أن يكون غلافا للشيء، ومنه قيل كم القميص لأنه يغطي اليد.
ثم قال ﴿والحب ذُو العصف والريحان﴾ [أي] وفيها الحب يعني حب البر والشعير، والعصف.
ورق الزرع الأخضر الذي قطع رؤوسه يسمى العصف إذا يبس.
وقيل هو التبن قاله قتادة والضحاك.
وقال ابن جبير العصف: البقل من الزرع.
وقوله: (والريحان) يعني والرزق.
قال ابن عباس كل ريحان في القرآن فهو رزق وهو قول مجاهد والضحاك.

وعن ابن عباس أيضاً أنه الريحان الذي يشم، وهو قول الحسن وابن زيد.
وعن ابن عباس أيضاً أنه خضرة الزرع.
وقال ابن جبير الريحان ما قام على ساق.
وحكى الفراء عن بعضهم العصف: المأكول من الحب، والريحان الذي لا يؤكل.
وقال الفراء: العصف بقل الزرع، تقول العرب: خرجنا نعصف الزرع: إذا قطعوا منه شيئاً قبل أن يدرك، فذلك العصف، (والريحان هو ورق والحب الذي يؤكل).
أي: فبأي نعم ربكما يا معشر الجن والإنس تكذبان وتجحدان، والآلآء: النعم في قول ابن عباس والحسن وقتادة وغيرهم.
وقال ابن زيد الآلاء: القدرة، وإنما أضمر الجن والإنس ولم يتقدم للجن ذكر، لأن الأنام واقع على الجميع.
وقيل لما أتى بعده وخلق الجانّ، بين ذلك ما

تقدم من التثنية.
وقيل إنه مخاطبة للواحد: حكي عن العرب أنهم يقولون: اُدْخُلاَهَا يا غلام.
وعن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ سورة الرحمن أو قُرئت عنده فقال: " مالي أسمع الجن أحسن جواباً منكم، قالوا وما ذلك يا رسول الله قال ما أتيت على قول الله عز وجل ﴿ فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالت الجن ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". وقال جابر بن عبد الله تلاها.
رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى آخرها فقال: " مالكم سكوتاً الجن كانت أحسن رداً منكم، ما تلوتها عليهم مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا ولا بشيء من نعمة ربنا نكذب فلك الحمد ". ومن رواية جابر بن عبد الله أيضا في حديث آخر أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم " ما قرأت هذه الآية على الجن من مرة ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ إلا قالوا لا بشيء من

نعمائك نكذب ربنا ولك الحمد ". (يعني آدم صلى الله عليه وسلم) من طين يابس لم يطبخ فله صلصة من يُبْس إذا حُرِكَ ونَقْرٍ كالفخار، فهو من يُبْسِه، وإن لم يكن كطبوخاً كالذي طُبخ بالنار، فهو يُصَلصل كما يصلصل الفخار الذي قد طبخ من الطين.
قال ابن عباس خلق الله جل ذكره آدم صلى الله عليه وسلم من طين لازب.
واللازب: اللزج الطيب من بعد حماء مسنون، وإنما كان حماً مسنونا بعد التراب فخلق منه آدم بيده، قال فمكث أربعين ليلة جسداً ملقى، وكان إبليس يأتيه فيضربه برجله فيصلصل، ويصوت.
وقال عكرمة من صلصال /: كالفخار: هو من طين خلط برمل فصار كالفخار.
وقال قتادة: الصلصال: التراب اليابس الذي تسمع له صلصلة

كالفخار.
وعن ابن عباس هو ما عسر فخرج من بين الأصابع.
واصل صلصال: صلال، من صلى اللحم إذا نتن وتغيرت رائحته، كصَرْصَر وكَبَكَب من صرَ وكَبَ، فأبدل في جميع ذلك من الحرف المكرر الثاني حرفاً من جنس الأول.
قال ﴿وَخَلَقَ الجآن مِن مَّارِجٍ مِّن نَّارٍ﴾ المارج ما اختلط بعضه ببعض من بين أصفر وأخضر وأحمر من قولهم: مرَج أمر القوم: إذا اختلط.
وقال ابن عباس من أوسط النار وأحسنها، وعنه خلقه من لهب النار من أحسن النار.
وعنه من خالص النار، وعنه من لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت.
وقال مجاهد: المارج اللهب الأصفر والأخضر الذي يعلو النار إذا أوقدت.
/ وذكر عنه ابن وهب أن المارج الحمرة التي تكون في طرف النار.
ويروى أن الله جل ذكره خلق نارين فمزج إحداهما بالأخرى، فأكلت إحداهما

الأخرى وهي نار السموم، فخلق إبليس اللعين منها، وكل هذا من أول السورة، نعم أنعم الله بها على خلقه ذكرها وعددها فلذلك قال بعد ذلك.
﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ أي: فبأي نعم ربك تكذب الأنس والجن.
فالضمير في ﴿تُكَذِّبَانِ﴾ في جميع السورة يعود على الأنس والجن الذين مضى ذكرهما في قوله ﴿خَلَقَ الإنسان﴾ ﴿وَخَلَقَ الجآن﴾ لكنه تقدم فيه ضميرهما قبل ذكرهما في الأول خاصة لأن المعنى مفهوم.
ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقد تقدم شرحه.
قال ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ يريد مشرق الشمس في اشتاء ومشرقها في الصيف وكذلك مغربها، ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم، وليس ذلك كله بتكرير، لأنه تعالى يذكر لهما غير النعم المتقدمة.
ثم ينبه عليها قوله ﴿مَرَجَ البحرين يَلْتَقِيَانِ﴾.
أي: أرسلَهُما وخلاّهما.

يقال مرج فلان دابته: إذا خلاها وتركها، وهما بحران أحدهما في السماء والآخر في الأرض، قاله ابن عباس، وقال يلتقيان في كل عام.
وقال الحسن: هما بحرا فارس والروم، وقاله قتادة.
قال ﴿بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لاَّ يَبْغِيَانِ﴾ أي: بين البحرين حاجز لا يصيب أحدهما صاحبه، وكل شيء كان بين شيئين فهو برزخ عند العرب، فما بين السماء والأرض برزخ.
وقيل معناه: بينهما بعد لا يبغي أحدهما على الآخر قد حجز المالح عن العذب والعذب عن المالح.
وقال ابن زيد: بينهما بعد الأرض فلا يختلطان.
وقيل لا يبغيان: لا يبغي أحدهما على الآخر.
وقال قتادة: لا يبغيان على الناس.
قال الحسن: لا يبغيان على الناس فيغرقانهم، جعل بين الناس وبينهما اليبس.
وقال ابن زيد: لا يبغيان أن يلتقيا.
﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ أي: يخرج من

أحدهما [وهو المالح ثم حذف المضاف مثل " وَاسْئَلِ اَلْقَريَة ". وقيل ما يخرج منهما] جميعاً لأن الصدف التي في المالح لا يتكون اللؤلؤ فيها إلا عن قطر السماء، وهو قول الطبري.
وروى معناه عن ابن عباس قال: إن السماء إذا أمطرت فتحت الأصداف أفواهها فما وقع فيها من مطر فهو لؤلؤ.
والمرجان صغار اللؤلؤ واللؤلؤ ما عظم منه، هذا قول علي ين أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما وقتادة والضحاك وأبي عبيدة وغيرهم (رحمهم الله).
وقال مجاهد: " المرجان ما عظم من اللؤلؤ، وروى ذلك عن ابن عباس.
وقال ابن مسعود: المرجان حجر أحمر.
وقيل المرجان: جيد اللؤلؤ.
ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ وقد تقدم شرحه.

قال ﴿وَلَهُ الجوار المنشئات فِي البحر كالأعلام﴾ أي: ولرب المشرقين والمغربين السفن الجارية في البحر كأنها الجبال.
قال مجاهد: المنشآت ما رفع قلعه من السفن، وما لم يرفع قلعه فليست بمنشآت.
قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ / يعني من على وجه الأرض ومن يكون فيها بالموت، وأضمرت الأرض ولم يتقدم ذكرهما لظهور المعنى.
قال ﴿ويبقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الجلال والإكرام﴾ أي: معناه ويبقى ربك.
ثم قال ﴿يَسْأَلُهُ مَن فِي السماوات والأرض﴾ أي: إليه يفزع من في السماوات والأرض في حوائجهم لا غنى لأحد عنه.
ثم قال ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ قال أهل المعرفة بالله معناه أنه ينفذ ما قدر أن يكون مما سبق في علمه وأثبته في اللوح المحفوظ، وليس هو إحداث أمر لم يتقدم في علمه بل جرى القلم بما هو كائن إلى يوم القيامة لا يزاد في ذلك ولا ينقص، لكنه تعالى يثبت ما يشاء ويمحو ما يشاء، وكل ذلك تقدم علمه به بلا أمد.
وقال قتادة: معناه: يحيي حياً ويميت ميتاً، ويربي صغيراً، ويفك أسيراً.

وقال أبو صالح معناه: يسأله من في السماوات الرحمة، ومن في الأرض المغفرة والرزق.
وقال علي بن سليمان معناه: يسأله من في السماوات والأرض عن شأنه كل يوم هو فيشأن.
وقال عبيد بن عمر كل يوم هو في شأن يجيب داعيا ويعطي سائلاً، ويفك عانياً ويشفي سقيماً.
وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم: كل يوم هو في شأن " (أي في شأن) يغفر ذنباً ويكشف كرباً، ويجيب داعياً.
وقال قتادة: كل يوم هو في شأن: أي: في شأن خلقه وصلاحهم، وتدبير أمورهم.
قال ابن عباس أن الله جل ذكره لوحا محفوظا ينظر فيه كل يوم (ثلاث مائة وستين) نظرة، يعز مع نظرة من يشاء ويذل من يشاء ويغني من يشاء، ويفقر من يشاء.
وقال أبو سليمان الداراني إنما إنفاذ ما قدر أن يكون في ذلك اليوم، وليس

شيء من أمره تعالى يحدث إلا قد جرى القلم بما هو كائن.
ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ثم قال ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ هذا وعيد من الله لعباده وتهدد، ومعناه: سآخذ في مجازاتكم ومحاسبتكم وليس هو تفرغ من شغل.
وقيل المعنى سنفرغ لكم من وعيدكم ما وعدت لكم من الثواب والعقاب.
والفراغ في اللغة على وجهين: إحداهما الفراغ من الشغل /، والآخر القصد إلى الشيء تقول سأفرغ لك: أي: سأقصد إليك.
قال جرير: (فرغت إلى العبد المقين في الحجل).
وقال أبو عبيدة: سنحاسبكم.
وقرأ يوماً عمر بن ورق ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً﴾ [الفجر: 24]، وقرأ

﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثقلان﴾ ثم قال أما وعده ربي لقد جاء من غير غيبة، ولقد تفرغ من غير شغل.
قال ﴿يامعشر الجن والإنس إِنِ استطعتم أَن تَنفُذُواْ مِنْ أَقْطَارِ السماوات والأرض فانفذوا﴾ أي: إن استطعتم] أن تجوزوا أقطار السماوات والرض فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر عليكم فجوزوا فإنكم لا تجوزون لذلك إلا بحجة من ربكم، يقال لهم ذلك يوم القيامة.
والمعنى سنقصد لكم يوم القيامة فيقال لكم إن قدرتم أن تجوزوا أقطار السماوات والأرض فتعجزوا ربكم فلا يصل إلى عذابكم فجوزوا فإنكم لا تقدرون على ذلك إلا بحجة من عند ربكم تنجيكم.
قال الضحاك إذا كان يوم القيامة أمر الله جل وعز السماء الدنيا [فتشققت] بأهلها ومن فيها من الملائكة فأحاطوا بالأرض ومن عليها، ثم ثالثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة، ثم الخامسة، ثم السادسة، ثم السابعة فصفوا صفاً دون صف ثم ينزل الملك الأعلى على مجنبته اليسرى جهنم، فإذا رآها أهل الأرض نادوا فلا يأتون قطراً من أقطار الأرض إلا وجدوا سبعة صفوف من الملائكة فيرجعون إلى المكان الذي كانوا

فيه فذلك قوله عز وجل ﴿ إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التناد﴾ [غافر: 32] على قراءة من قرأ بالتشديد ﴿يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ﴾ [غافر: 33]، وذلك قوله تعالى: ﴿وَجَآءَ رَبُّكَ والملك صَفّاً صَفّاً * وجياء يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾ [الفجر: 24] وهو قوله ﴿يامعشر الجن والإنس﴾.
. الآية وذلك قوله ﴿وانشقت السمآء فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ * والملك على أَرْجَآئِهَآ﴾ [الحاقة: 16 - 17]. وعن الضحاك أيضاً أن المعنى: أن استطتم أن تهربوا من الموت فاهربوا فغنه مدرككم.
وقال ابن عباس معناه: إن استطعتم أن تعلموا ما في السماوات والأرض فأعلموا ولن تعلموا إلا بسلطان، أي: ببينة من الله تعالى.
وعن ابن عباس أيضا أن معناه: لا تخرجون من سلطاني وقدرتي عليكم.
والأقطار جمع قطر وهي الأطراف والنواحي، ويقال فيها الأقتار بالتاء يقال قطر الدار وقترها.
قال مجاهد: إلا بسلطان: إلا بحجة.
وقال قتادة: إلا بملك / وليس لكم

ملك.
ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم تفسيره.
ثم قال: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِّن نَّارٍ وَنُحَاسٌ﴾ قال ابن عباس المعنى يرسل عليكم أيه الثقلان يوم القيامة لعب من نار ودخان.
فالشوظ: اللهيب، والنحاس، الدخان، وقال مجاهد والضحاك وقتادة وابن زيد: وعن الضحاك الشواظ: الدخان.
قال ابن عباس النحاس: الدخان، وعنه أنه قال النحاس: الصفر يعذبون به.
وقال مجاهد: يذاب الصفر من فوق رؤوسهم.
وقال قتادة: النحاس: الصفر يعذبون به، وهو قول الحسن.
وقوله ﴿فَلاَ تَنتَصِرَانِ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً أيها الجن والأنس.
وكسر الشين

في شواظ لغة، ومن خفض " نحاس " فعلى معنى يرسل عليكما لهب يتشعب من نار ومن دخان، وهذا التقدير حسن.
قوله ﴿فَإِذَا انشقت السمآء فَكَانَتْ وَرْدَةً كالدهان﴾.
أي: فإذا انفطرت السماء وذلك يوم القيامة وكان لونها كلون الفرس الورد الأحمر.
قال ابن عباس فكانت وردة كالدهان: كالفرس الورد.
وقال الضحاك تتغير السماء فيصير لونها كلون الدابة الوردة.
ومعنى كالدهان: كالدعن صافية، قال سجاد والضحاك.
وقال أبو الجوزاء تكون كصفاء الدهن.
وقال زيد بن أسلم

تكون كعكر الزيت.
" والدهان " جمع " دهن "، وقيل الدهان الجلد الأحمر.
ثم قال ﴿فَبِأَيِّ آلاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قد تقدم شرحه.
﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ أي: لا تسأل الملائكة أحداً عن ذنوبه، لأن الله عز وجل قد حفظها [عليهم] وأحصاها فليس يؤخذ علمها من عندهم.
قال ابن عباس معناه: لا أسألهم عن ذنوبهم، ولا أسأل بعضهم عن ذنوب بعض وهو مثل قوله ﴿وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون﴾ [القصص: 78] وهو مثل قوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الجحيم﴾ [البقرة: 119] على قراءة من رفع.
وقال مجاهد: معناه أن الملائكة لا تسأل عن المجرمين لأنهم يعرفونهم بسيماهم.
وقال قتادة: قد كانت مسألة، ثم ختم الله على السنة القوم فتكلمت ايديهم

وأرجلهم بما كانوا يعملون، فكأنها مواقف مختلفة على قول قتادة.
وقال قتادة: أيضاً هم معروفون بسواد وجوههم، وزرقة عيونهم.
ودل على صحة (هذا التفسير) أن بعده يعرف المجرمون بسيماهم.
والسيماء: العلامة وهو قول الحسن أيضاً.
قال ﴿يُعْرَفُ المجرمون بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: / تعرف الملائكة المجرمين بعلامتهم وذلك سواد وجوههم، وزرقة الأعين، قاله أهل التفسير كلهم.
وقوله ﴿فَيُؤْخَذُ بالنواصي والأقدام﴾ أي: مجمع (بين رجلي الرجل) وناصيته حتى يدق ظهره ثم يلقى في النار، فذلك أشد لعذابه وأعظم في التسوية به.
قال ابن عباس يجمع بين ناصيته وقدميه فيكسر كما يكسر الحطب في التنور.

قال ﴿هذه جَهَنَّمُ التي يُكَذِّبُ بِهَا المجرمون﴾ أي: يقال لهم هذه جهنم التي كنتم (بها تكذبون).
وفي قراءة ابن مسعود هذه جهنم التي [كنتما] بها تكذبون، تصليانها لا تموتان فيها ولا تحييان مخاطبة للكفار من الجن والإنس.
ثم قال ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: يطوف هؤلاء المجرمون في جهنم بين أطباقها.
﴿وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ﴾ أي: وبين ماء قد أسخن وأغلى حتى انتهى حره ونضجه.
[وقال الضحاك: بلغ غليه، وعنه أيضاً قد انتهى نضجه منذ خلق الله السماوات والأرض.
وقال ابن زيد: الآني: الحاضر.
وقال الحسن ما ظنك باقوام وقفوا في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فلما انقطعت أعناقهم وأجوافهم من العطش والجوع أمر بهم إلى نار جهنم].
ثم قال ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾.
أي: ولمن اتقى الله جلذ كره، وخاف مقامه بين يدي ربه عز وجل فأطاعه بستانان.
قال مجاهد: هو الرجل يهم بالذنب فيذكر مقام ربه فينزع منه، وهو قول النخعي وقتادة.

وقال أبو الدرداء " قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم يوماً الآية ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ فقلت وإن زنا وسرق يا رسول الله [فقلت كذلك إلى ثلاث مرات فقال النبي صلى الله عليه وسلم] وإن رغم أنف أبي الدرداء " قال ابن زيد مقامه حين يقوم العباد بين يديه [يوم] القيامة.
فالمعنى ولمن ترك المعصية خوفاً من الله جنتان، قيل هما جنة خلقت له وجنة ورثها كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72].
وروى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " هل تدرون ما الجنتان قالوا الله ورسوله أعلم.
فقال بستانان في أرض الجنة، كل بستان مسيرة مائة عام في وسط / كل بستان دار من نور على نور، وليس منها شيء إلا يهتز (نعمة وخضرة) قرارها ثابت وشجرها ثابت.
ثم قال ﴿ذَوَاتَآ أَفْنَانٍ﴾ هذا نعت للجنتين " قال ابن عباس: ذواتا ألوان.
وقال عكرمة ذواتا أفنان: ظل

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل