الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وروى علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " في سدرة المنتهى: نَبَقُها كَقِلال هَجَر ".
وقال الربيع بن أنس: إليها تنتهي أرواح الشهداء، فلذلك سميت سدرة المنتهى.
وقال قتادة: أخبرني أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " رأيت سدرة منتهاها في السماء السابعة نَبَقُهَا كَقِلالٍ هَجَرَ وورقها كأذان الفيلة يخرج من ساقها نهران باطنان ونهران ظاهران فقال: يا جبريل / ما هذا؟ فقال: أما
الباطنان ففي الجنة وأما الظاهران فالنيل والفرات ".
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " في صفتها: يسير الراكب في ظلها سبعين عاماً لا يقطعها ".
أي: عند سدرة المنتهى جنة مأوى أرواح الشهداء.
قال ابن عباس: هي عن يمين العرش وهي منزل الشهداء، وقاله قتادة وغيره.
وقرأ ابن الزبير ﴿جَنَّةُ المأوى﴾ بالهاء، أي جنهُ المساء عندها أي: عند السدرة.
جنَّ المساء يجنُّ: أي: سَتَرَهُ.
يقال جنَّه الليل وأَجَنَّه.
وأنكر هذه القراءة ابن عباس ودعا على من يقرأ بها، وأنكرتها أيضاً عائشة رضي الله عنها.
وقال الفراء هي شاذة.
أي: ولقد رأى محمد جبريل صلى الله عليه وسلم في صورته مرة أخرى حين يغشى السدرة ما يغشى.
قال عبد الله ومسروق ومجاهد والنخعي: غشي السدرة فراش من ذهب.
قال يعقوب بن زيد " سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن قوله تعالى: ﴿إِذْ يغشى السدرة مَا يغشى﴾.
فقال: رأيتها يغشاها فراش من ذهب، ورأيت على كل ورقة من ورقها ملكاً قائماً يسبح الله ".
وقال ابن عباس: غشيها رب القوة.
قال مجاهد: كانت (أغصان السدرة) لؤلؤاً وياقوتاً وزبرجداً فرآها محمد ورأى ربه بقلبه.
وقال الربيع بن أنس: غشيها نور الرب والملائكة يقعون عليها كما تقع الغربان على الشجر.
أي: ما مال بصر محمد صلة الله عليه وسلم عن ما رأى ولا عدل ولا جاوز ما رأى.
قال ابن عباس: معناه ما زاغ بصر محمد يمسناً ولا شمالاً، وما طغى.
ما جاوز أمر ربه.
أي: لقد رأى محمد صلى الله عليه وسلم هناك من أعلام ربه سبحانه وأدلته الأدلة الكبرى.
إن جعلت " من " زائدة كانت " الكبرى " نعتاً للآيات على اللفظ أو على الموضع، وإن جعلت " من " للتبعيض كانت " الكبرى " في موضع نصب برأَى، والكبرى في الأصل نعت تقديره: لقد رأَى الآية الكبرى من آيات ربه.
قال عبد الله: رأَى رفرفاً أخضر من / الجنة قد سَدَّ الأُفُق.
وقال ابن زيد: رأى جبريل في خلته التي خلق عليها في السماوات والأرض بينه وبينه قدر قوسين أو أدنى.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى﴾.
رأيت من رؤية العين، ولذلك نصب بها، ولو كانت التي للسؤال والاستفتاء لم تتعدد نحو قوله ﴿أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وتولى﴾ [العلق: 13] فالمعنى: أفرأيتم أيها المشركون هذه الأصنام التي جعلتموها بنات الله.
أي: أتجعلون له البنات ولكم الذكور (أي: هذه إذاً).
﴿قِسْمَةٌ ضيزى﴾ أي: قسمة جائرة على الحق، وذلك أن المشركين أخذوا اسم الباري وهو الله، وزادوا فيه التأنيث وسموا به أصنامهم فقالوا اللات، وكذلك أخذوا العزى من العزيز وأخذوا منات من: منى الله الشيء: إذا قدره، وزعموا أنها بنات الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً، فجعلوا لله ما لا يرضون لأنفسهم.
قال أبو عبيدة: هي أصنام كانت في جوف الكعبة يعبدونها.
وقرأ مجاهد " اللات " بالتشديد، وكذلك قرأ ابن عباس، وقالا: كان رجلاً يلِت السَّويق أيام الحج فلما مات عكفوا على قبره فعبدوه.
وقيل: كان يقوم على ألهتهم ويلِت السويق لهم، وكان بالطائف قاله أبو صالح والسدي.
وقيل: كان يلِت السويق ويبيعه عند ذلك الصنم، فسمى الصنم اللات بتشديد التاء.
وحكى خلف عن سليم عن حمزة وأبو عبد الرحمن عن
(اليزيدي) عن أبي عمرو أنهما وقفا على اللات بالتاء، اتباعاً للمصحف، وكذلك وقف نافع.
وروي عن الكسائي أنه وقف بالهاء، والمشهور عن جميعهم الوقف على التاء اتباعاً للمصحف وإبعاداً أن يشبه الوقف على الله.
والعُزّى: حجراً أبيض كانوا يعبدونه قاله ابن جبير.
وقال مجاهد: العُزى شجرة كانوا يعبدونها.
وقال ابن زيد: العُزى بيت بالطائف لثقيف كانوا يعبدونه.
وقال قتادة: هو نبت كان ببطن نخلة، وأما منات فصنم كان لخزاعة.
وقال قتادة: [التقدير] آلهة يعبدونها وهي اللات والعزى ومنات.
قال أبو إسحاق: " منات " صخرة لهذيل وخزاعة كانوا يعبدونها من دون الله / جل وعز وتعالى عن ذلك.
وقيل: الَّلات صنم كان لثقيف، والعزى سمرة عبدوها.
وقوله: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾ أي: قسمة جائرة ناقصة إذ رضيتم أن تجعلوا لخالقكم ورازقكم ما تكرهونه لأنفسكم وآثرتم أنفسكم بما تحبون.
(وضيزى فُعلى) ولكن كسرت، وإنما كان أصلها الضم إذ ليس في الكلام فعلى صفة وفيه (فُعلى وفَعلى) فكسرت الضاد لتصح الياء، كما قالوا بيضٌ وأصله بوض.
ومن همزه فهي لغة يقال ضَازَهُ يَضِيزُهُ ويَضُوزُهُ وضَأَزَهُ يَضْأَزَهُ.
ويقال: ضِزتَهُ وضَزْته إذا نَقَصتَهُ حَقَّهُ، فيقال على هذا ضِئزَى بالهمز وضُؤْزَى أيضاً.
وجواب الاستفهام محذوف، والتقدير: أفرأيتم هذه الأصنام هل لها من هذه القدرة التي تقدم ذكرها شيء.
وقال أبو عبيدة: التقدير أَلَكُمْ الذكر وله الأُنثى كيف يكون هذا لأنهم قالوا الملائكة بنات الله جل ذكره.
وقيل الجواب: ﴿تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى﴾.
قال: ﴿إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْمَآءٌ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُم﴾ أي: ما اللات والعزى ومنات الثالثة الأخرى إلا أسماء أحدثتموها أيها المشركون أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بهذه الأسماء من سلطان أي: من حجة في هذه الأسماء.
ثم قال: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾؛ أي: ما يتبع هؤلاء المشركون في هذه [الأسماء] إلا الظن، وهوى أنفسهم فاخترقوا ما لم يؤمروا به من قبل أنفسهم ومن ما وجدوا عليه آباءهم الكفار بالله عز وجل.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الهدى﴾ أي: جاءهم محمد من عند ربهم عز وجل بالبيان والوحي الحق.
قال: ﴿أَمْ لِلإِنسَانِ مَا تمنى﴾ أي: ليس ذلك فيكون الأمر على ما يشتهون، بل الله عز وجل يعطي من يشاء ما شاء، إذ له الآخرة والأولى.
قال: ﴿وَكَمْ مِّن مَّلَكٍ فِي السماوات لاَ تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئاً﴾ أي: وكثير / من الملائكة في السماوات لا تنفع شفاعتهم لمن شفعوا لمن شفعوا إلا من بعد أن يأذن الله عز وجل لهم فتنفع شفاعتهم إذا رضي الله سبحانه بها، وهذا توبيخ لعبدة الأوثان والملائكة من قريش وغيرهم لأنهم قالوا ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى، فأخبر تعالى ذكره أن الملائكة مع فضلهم وكثرة طاعتهم لا تنفع أحداً شفاعتهم إلا من (بعد إذن الله عز وجل لهم) ورضاه، فكيف تشفع الأصنام لكم.
قال: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة لَيُسَمُّونَ الملائكة تَسْمِيَةَ الأنثى * وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾.
أي: أن الذين لا يصدقون بالبعث ليسمون الملائكة تسمية الإناث لأنهم كانوا يقولون هم بنات الله تعالى (الله عن ذلك علواً كبيراً).
﴿وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ أي: ما يقولون [ذلك] إلا ظناً بغير علم، والهاء تعود على السماء لأن التسمية والأسماء واحد، ﴿وَإِنَّ الظن لاَ يُغْنِي مِنَ الحق شَيْئاً﴾ [أي] يقوم مقام الحق.
قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَن مَّن تولى عَن ذِكْرِنَا﴾ أي: فدع من أدبر عن الإيمان بما جئته به
من القرآن.
﴿وَلَمْ يُرِدْ إِلاَّ الحياة الدنيا﴾ أي: طلب الدنيا ولم يطلب ما عند الله.
﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِّنَ العلم﴾ أي: ليس لهم علم إلا علم معائشهم وإلا إيثار الدنيا على الآخرة وقولهم الملائكة بنات الله.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ أي: هو عالم لهم قد علمهم في سابق علمه أنهم لا يؤمنون، وهو أعلم في سابق علمه بمن يهتدي فيؤمن.
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض لِيَجْزِيَ الذين أَسَاءُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيِجْزِيَ الذين أَحْسَنُواْ بالحسنى﴾ أي: لله ملكهما وما فيهما.
ولام ليجزي (متعلقة بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يوحى﴾ ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾.
وقيل المعنى: ولله ما في السماوات وما في الأرض يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فهو أعلم بهم ليجزي الذين أساءوا ويجزي الذين أطاعوا.
وقيل هي متعلقة بقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهتدى.
. . لِيَجْزِيَ﴾.
وقوله: ﴿بالحسنى﴾ يعني بالجنة.
قال زيد بن أسلم: ﴿الذين أَسَاءُواْ﴾: المشركون، ﴿الذين أَحْسَنُواْ﴾ المؤمنون.
ثم بيَّن المؤمنين ونعتهم فقال: ﴿الذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش﴾ أي: يبعدون عن ارتكاب الكبائر التي نهى الله عنها، وقد تقدم القول فيها في " النساء ". ويبعدون عن ارتكاب الفواحش التي نهى الله عنها وهي الزنا وشبهه مما أوجب الله فيه حداً.
وقوله: ﴿إِلاَّ اللمم﴾ قال ابن عباس: إلا ما سلف منهم في الجاهلية قبل الإسلام.
وقال زيد بن أسلم: الكبائر: الشرك، والفواحش، والزنا، تركوا ذلك حين أسلموا فغفر الله عز وجل لهم ما كانوا أتوا به وأصابوه من ذلك قبل الإسلام.
وقيل: اللمم: الصغائر.
/
وقيل: هي أن تلم بالشيء ولا تفعله.
وقيل اللمم كنظر العين والتقبيل والجس.
وقال الشعبي: هو ما دون الزنا، وقيل: " إلا " بمعنى الواو، وليس بشيء هذا نقض كلام العرب.
وقال أبو هريرة: هو مثل القبلة والغمزة والنظرة والمباشرة.
وعن ابن عباس أن اللمم أن تأتي الذنب ثم تتوب منه ولا تعود.
وعن أبي هريرة أيضاً مثله، (وهو قول أهل اللغة قالوا: اللمم بالذنب أن تناول منه ولا تمر عليه، ويقال ألْمَمْتُ أتيت ونزلت عليه).
(وعن ابن عباس وابن الزبير) هو ما بين الحدين، حد الدنيا والآخرة وبه قال عكرمة وقتادة والضحاك.
وروى ابن وهب عن عبد الله بن عمر وابن العاص أنه قال: اللَّمم ما دون الشرك.
ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ المغفرة﴾ أي: لمن اجتنب الكبائر.
﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ يعني آدم عليه السلام.
﴿وَإِذْ أَنتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أجنّة: جمع جنين، اي: أعلم بكم في ذلك الوقت وفي كل وقت، وهو أعلم بمن أتقى.
وقيل اللمم هو الذنب [بين] الحدين مما لم يأت عليه حد في الدنيا، ولا توعد عليه بنار في الآخرة تكفره الصلوات الخمس.
والكبائر مثل الزنا وقتل النفس التي حرم الله، وشرب الخمر وعقوق الوالدين، (وأكل مال اليتيم).
وقال نفطويه: اللمم هو أن تأتي ذنباً لم يكن لك بعادة، والعرب تقول: ما تَأْتِينَا إلاَّ لِماماً: أي: في الحين بعد الحين.
قال: ولا يكون اللمم أن تهم ولا تفعل؛ لأن العرب إذا قالت: ألم بنا فلان معناه فعل الإتيان لا أنه همَّ ولم يفعل، ويدل على أنه فعل الذنب قوله ﴿وَاسِعُ المغفرة﴾ فهل تكون المغفرة إلا لمن فعل ذنباً /، وهل يغفر ما لم يفعل.
وروى الحسن أنه قال: اللمم هو أن يلم الرجل اللمة من الخمر واللمة من الزنا، واللمة من السرقة ثم لا يعوده.
قال عمرو بن العاص: اللمم ما دون الشرك.
وقوله: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: 31] يدل على أن اللمم: الصغائر يغفرها الله لمن اجتنب الكبائر حتماً.
وقوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48] هذه المغفرة ليست بحتم إنما هي إلى مشيئة الله يفعلها لمن يشاء، ومغفرة الصغائر لمن أجتنب الكبائر حتم من الله جل ذكره (فعلها).
ثم قال: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض﴾ أي: الله عالم بما تعملون حين خلق أباكم آدم من الأرض، وحين أنتم أجنة في بطون أمهاتكم يعلم ما تصير إليه أموركم، وما أنتم عاملون، فلا تزكوا أنفسكم فإن الله يعلم المتقي من الفساد.
وأجنة جمع جنين.
قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الذي تولى﴾.
أي: أفرأيت يا محمد الذي أدبر عن الإيمان بالله عز وجل وأعرض وأعطى صاحبه قليلاً من ماله ثم منعه فلم يعطه وبخل عليه.
هذه الآية نزلت في الوليد بن المغيرة وذلك أنه عاتبه بعض المشركين لما أتبع
رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما جاء به فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه شيئاً من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الآخرة ففعل وأعطى الذي عاتبه على ذلك بعض ما كان ضمن له ثم بخل ومنعه تمام ما ضمن له.
ومعنى وأكدى: قطع العطية ولم يتمها قاله ابن عباس ومجاهد، وقتادة.
أي: أعند هذا الذي ضمن له العذاب أن يتحمله عنه في الآخرة علم الغيب فهو يرى حقيقة قوله ووفائه بما وعده.
وقيل: المعنى أعَلِمَ الوليد أن هذا الذي يتحمل عنه العذاب في الآخرة كما قال: ويرى: بمعنى: يعلم.
أي: أم لم يخبر هذا المضمون له أن يحتمل عنه العذاب في الآخرة بالذي في صحف موسى.
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الذي وفى﴾ أي: وفي الرسالة وبلغها إلى من أرسلت إليه.
وقيل معناه: وَفَّى ما عهد إليه ربه من تبليغ الرسالة وهو ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أي: بلغ ألا يحمل أحد ذنب أحد.
قال ابن عباس: كانوا قبل إبراهيم يأخذون الولي بالولي حتى كان إبراهيم عليه السلام فبلغ ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾، ﴿وَأَنَّ عَلَيْهِ النشأة الأخرى﴾.
وقال قتادة: وفى طاعة الله ورسوله إلى خلقه.
وقال ابن جبير: بلَّغ ما أمره به ربه وهو قول (ابن زيد وسفيان) والنخعي.
وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم وفَّى بما أمره ربه عز وجل من الذبح والرؤيا، والذي في صحف موسى: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾.
وعن ابن عباس أيضاً: أن إبراهيم وفى شرائع الإسلام ثلاثين سهماً، وما ابتلي بهذا الذين أحد فأقامه إلاَّ إبراهيم فإنه وفَّى به.
وقال مجاهد: وفى ما فرض عليه، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ألا أخبركم لم
سمَّ الله جل ذكره إبراهيم خليله " الذي وفَّى ". لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى ﴿فَسُبْحَانَ الله حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ * وَلَهُ الحمد فِي السماوات﴾ الآية ".
وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " وفى إبراهيم بحمد ربه أربع ركعات في النهار ".
وقوله: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ أكثر المفسرين على أنه ما في صحف موسى وإبراهيم، وفَّى بالشرائع والأوامر على ما تقدم من الاختلاف.
قال أبو مالك الغفاري: ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ إلى قوله: ﴿هذا نَذِيرٌ مِّنَ النذر الأولى﴾ هذا كله في مصحف إبراهيم وموسى.
وعنى بقوله: / ﴿أَلاَّ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾ الذي ضمن للوليد أن يتحمل عنه عذاب الآخرة يقول الله ألم نخبر هذا المضمون.
أي: بهذا الذي في صحف إبراهيم وموسى أن أحداً لا يحمل ذنب أحد.
ثم قال: (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) [38].
قال ابن عباس الآية منسوخة لأن الله عز وجل أنزل بعد ذلك ﴿والذين آمَنُواْ واتبعتهم ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: 21] فرفع الله الأبناء في درجات الآباء بعمل الآباء، وهو اختيار الطبري.
وروى ابن عباس عن النبي / صلى الله عليه وسلم أنه قال " إن الله جل ذكره ليرفع ذرية المؤمن معه في درجته إن كان لم يبلغها بعمله لِتَقَرَّبِهِم عينه ".
وقال قوم: الآية محكمة، ولا ينفع أحداً عمل أحد لا من صدقة ولا من حج ولا صلاة ولا غير ذلك، وقد أجمع العلماء أن الصلاة لا يجوز فيها أن يصلي أحد عن أحد وقد أتت أخبار عن النبي صلى الله عليه وسلم في إجازة الحج عن الحي والميت والصيام عن الميت والصدقة عن الميت.
ومذهب مالك أن عمل الأبدان لا يجوز أن يعمله أحد عن أحد، فإن أوصى بالحج ومات جاز أن يحج عنه.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يرى﴾ أي: وإن عمل كل عامل سوف يراه الله يوم القيامة، فيجازيه عليه الجزاء الأوفى من خير أو شر يثاب على عمله.
أي: وإن إلى ربك يا محمد انتهاء جميع خلقه ومرجعهم، وهو المجازي جميعهم بأعمالهم صالحهم وطالحهم.
أي: أضحك أهل الجنة بالجنة، وأبكى أهل النار بالنار.
وقيل معناه أضحك من شاء في الدنيا بأن سره، وأبكى من شاء بأن غمه.
أي: هو أمات من أمات من خلقه، وهو أحيا من أحيا منهم.
قال: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزوجين الذكر والأنثى﴾ أي: ابتدع إنشاء الذكر والأنثى.
يقال لكل واحد من الذكر والأنثى زوج.
خلقهما: ﴿مِن نُّطْفَةٍ إِذَا تمنى﴾ أي: إذا أمناها الرجل والمرأة.
وقيل معناه: إذا مناها الله عز وجل، أي: قدرها أن تكون نسمة.
أي: عليه إعادتهم بعد موتهم خلقاً جديداً.
أي: أغنى بالمال من شاء، واقناه: أي: جعله يقتني الأشياء ويدخرها.
وقيل أقنى: ادخر.
وهو قول مجاهد والحسن وقتادة.
وعن ابن عباس (وأقنى: أي: أرضى، وأغنى: وأعطى).
وعن مجاهد أيضاً: أغنى: تولى، وأقنى: أرضى.
وقال السدي: اقنى من القنية، يعني ادخار الأشياء.
وقال سفيان بن عيينة معناه: أغنى ورضي.
وقال أبو صفوان بن عوانة: أغنى وأقنى: (أخذ من الغنيمة).
وقال المعتمر بن سليمان: أغنى الإنسان وأقنى أي: أفقر الخلق إليه.
وقال ابن زيد " أعنى وأقنى أي: أغنى من شاء من خلقه وأفقر من شاء.
أي: وإن ربك يا محمد هو رب الشعرى، وهو نجم يسمى بهذا الاسم كان بعض أهل الجاهلية يعبده.
قال مجاهد: هو الكوكب الذي خلف الجوزاء كانوا يعبدونه، فقيل لهم: اتركوا عبادته واعبدوا ربه وهو الشعرى: العبور الخارج عن المجرة عبدت في الجاهلية، وقالوا: رأينا ما (عبرت عن المنازل) فأعلم الله أنه ربها وأنه خالقها الذي تجب له العبادة.
وهو عاد بن آدم بن عوص بن سام بن نوح وعاد الثانية من ولد عاد الأكبر، وكانت عاد الآخرة ساكنة بمكة مع أخوالهم من العمالقة ولد عمليق بن لاود بن سام بن نوح، فلم يصبهم من العذاب ما أصابه عاداً الأولى ثم هلكت [عاد] الآخرة بعد ذلك بغى بعضهم على بعض فتفانوا بالقتل، وعادٌ الأولى هي التي هلكت بالريح.
وقال ابن زيد: إنما قيل لها عاد الأولى لأنها أول الأمم هلاكاً بعد نوح.
وقيل: إن عاداً الآخرة هي ثمود.
وقد قال زهير: " كَأَحْمُرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعُ فَتَفْطَم " يريد عاقر الناقة فسمى ثمود عاداً.
أي: ولم يبق الله ثموداً ولكن أهلكهم بكفرهم.
أي: ولم يبقَ الله قوم نوح من قبل عاد وثمود بل أهلكهم بكفرهم بربهم وظلمهم لأنفسهم.
قال قتادة: (لم يكن) قبيل من الناس هم أظلم وأطغى من قوم دعاهم نبي الله تعالى نوح إلى الإيمان ألف سنة إلا خمسين عاماً كلما هلك قرن نشأ قرن، حتى ذكر لنا
أن الرجل كان يأخذ بيد ابنه ويأت به إلى نوح صلى الله عليه وسلم فيقول: يا بني لا تقبل من هذا فإنَّ أُبي مشى بي إلى هذا وأنا مثلك يومئذ وأوصاني بما أوصيتك [به] تتابعاً / على الضلالة وتكذيباً لأمر الله.
أي: والمقلوب أعلاها أهوى /، وهي سدوم قرية قوم لوط أمر الله جبريل فرفعها من الأرض السابعة بجناحه ثم أهواها مقلوبة.
يقال: هوى إذا سقط، وأهواه غيره أسقطه.
قال مجاهد: رفعها جبريل صلى الله عليه وسلم إلى السماء ثم أهواها.
قال ابن زيد أهواها جبريل عليه السلام [ثم أتبعها تلك الصخر].
أي: جلاها الله عز وجل بعد أن انقلبت بالحجارة المنضودة المسومة فأمطرها عليهم حجارة من سجيل.
قال قتادة: غشاها بصخر منضود، في قوله ﴿مَا غشى﴾ معنى التعظيم.
أي: فبأي نعم ربك يا ابن آدم أنعمها عليك تشك وترتاب وتجادل وهذا لمن شك وكذب.
ومن نصب المؤتفكة بأهوى (أجاز أن يبدأ بها) ومن نصبها على العطف على قوم نوح وثمود لم يبتدئ بها.
أي: محمد نذير لقومه كما أنذرت الرسل من قبله قاله قتادة.
وقيل المعنى: محمد نذير من النذر الأولى في أم الكتاب.
وقال أبو مالك معناه: هذا الذي خوفتم به من القرآن في هذه السورة نذير لكم
من النذر الأولى التي كانت في صحف إبراهيم وموسى، وهو اختيار الطبري.
أي: دَنَت وقَرُبَت القيامة، يقال: أَزِفَ الأمر إذا دَنَا وقَرُبَ، وسميت القيامة بالأزفة لقربها.
أي: ليس تنكشف القيامة فتقوم إلا بإقامة الله إياها وكشفه لها من دون سواه من خلقة؛ لأنه لم يطلع عليها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً.
وقيل: كاشفة.
كما قيل: ﴿فَهَلْ ترى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ﴾ [الحاقة: 8] أي: من بقاء.
والمعنى: ليس لها من دون الله كاشف لها.
وقيل " الهاء " للمبالغة، وكاشفة بمعنى كشف وتكون على القول الأولى بمعنى أنكشف.
هذا خطاب لمشركي قريش؛ أي: أفمن هذا القرآن تعجبون مما نزل على محمد وتضحكون استهزاء
به، ولا تبكون لما فيه من الوعيد لمن كفر به.
أي: لاهون عما فيه من العبر والتذكر، معرضون عن آياته، والإيمان به يقال: سمد يسمد: إذا لها.
وروى شعبة عن المغيرة عن إبراهيم ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ قال: القيام [قبل الإمام] إلى الصلاة.
وحكي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: أنه دخل الصلاة فرأى الناس قياماً فقال ما لهم، أو قال ما شأنهم سامدين.
وقال ابن عباس: [سامدون] هو الغناء، وكانوا إذا سمعوا القرآن تغنوا وهي لغة أهل اليمن من خيبر يقولون: أسمد لنا (أي: تغنى لنا).
وقيل: سامدون: شامخون.
قال الضحاك كانوا يمرون على النبي صلى الله عليه وسلم شامخين، والشامخ المتكبر.
وعن ابن عباس: سامدون: لاهون.
وقال قتادة: سامدون: غافلون.
وقال مجاهد: سامدون: معرضون، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم لما قرأ هذه الآية لم ير ضاحكاً ولا متبسماً [حتى مات].
أي: اسجدوا لله في صلاتكم أيها الناس دون من سواه من الآلهة واعبدوه دون غيره.
(قال ابن عباس: سجد النبي صلى الله عليه وسلم بالنجم وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس).
(وقال ابن مسعود: أول سورة نزلت فيها السجدة، والنجم، قال: فسجد النبي وسجد من خلفه إلا رجلاً رأيته أخذ تراباً فسجد عليه، فرأيته بعد ذلك قتل كافراً وهو أمية بن خلف).
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة القمر مكية قوله تعالى ﴿اقتربت الساعة﴾.
معناه دنت القيامة وقربت.
روى أنس " أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب وقد كادت الشمس تغيب فقال ما بقي من دنياكم فيما مضى إلا مثلاً ما [بقي] من هذا اليوم فيما مضى وما نرى من الشمس إلا يسيراً ".
وقال كعب ووهب الدنيا ستة آلاف سنة.
قال وهب قد مضى منها خمسة آلاف وستمائة، وهذا إنذار من الله بدنو القيامة وقرب فناء الدنيا.
وقوله: / ﴿وانشق القمر﴾ أي: انفلق وكان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وهو بمكة قبل الهجرة، وذلك أن كفار قريش سألوه آية فأراهم انشقاق القمر، فدل على صحة قوله، فلما أراهم ذلك (أعرضوا وكذبوا).
وقالوا هذا سحر مستمر سحرنا له محمد، ففي ذلك يقول الله جل ذكره.
ومعنى مستمر: أي: ذاهب.
وقيل مستمر: شديد.
وقيل معناه: يشبه بعضه بعضاً.
قال أنس: انشق القمر فرقتين.
وقال ابن مسعود انشق القمر ونحن مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى ذهبت فرقة منه خلف الجبل فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أشهدوا.
قال: ﴿وَكَذَّبُواْ واتبعوا أَهْوَآءَهُمْ﴾ أي: كذبت قريش واتبعت أهواءها.
﴿وَكُلُّ أَمْرٍ مُّسْتَقِرٌّ﴾ أي: كل أمر يستقر إن خيراً في الجنة، وإن شراً ففي النار.
أي: ولقد جاء قريشاً من الأخبار والقصص والوعد والوعيد ما فيه متعظ لهم.
قال ﴿حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ﴾ يعني القرآن.
﴿فَمَا تُغْنِ النذر﴾ أي: فليست تغن النذر لإعراضهم عنها.
والنذر جمع نذير أو بمعنى الإنذار، ويجوز أن تكون " ما " استفهاماً.
والمعنى فأي شيء يغني النذر عنهم وهم معرضون عنها.
ثم قال فتول عنهم يوم يدع الداع / إلى شيء نكر أي: فأعرض عنهم: تم الكلام
على قوله ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ﴾، ثم ابتدأ فقال ﴿يَوْمَ يَدْعُ الداع إلى شَيْءٍ نُّكُرٍ﴾ أي: منكر يخرجون من الأجداث.
" فيم " منصوب " بأذكر يوم تخرجون.
والأجداث: القبور.
﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ كأنهم في انتشارهم من القبور إلى موقف الحساب جراد منتشر.
وقوله ﴿خُشَّعاً أبصارهم﴾ حال من الضمير في (يخرجون من قبورهم) فينتشرون لموقف العرض يوم يد الداع خشعا إبصارهم، أي هي ذليلة خاضعة، ولا يجوز أن يكون حالا من المضمر في عنهم، لأن الأمر بالتوالي في الدنيا، والإخبار بخشوع أبصارهم بعد بعثهم.
وقوله ﴿كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ﴾ وقال في موضع آخر ﴿يَوْمَ يَكُونُ الناس كالفراش المبثوث﴾ [القارعة: 3] فذلك صنفان مختلفان، وإنما ذلك لأن كون ذلك في وقتين مختلفين أحدهما عند البعث بالخروج من القبور يخرجون فزعين لا يهتدون أين يتوجهون، فيدخل بعضهم في بعض لا جهة لأحد منهم يقصدها نشبههم عند
ذلك بالفراش لأن الفراش لا جهة يقصدها، وإنما هي بعضها في بعض فلا يزال الناس كذلك حتى يسمعوا المنادي يدعوهم فيقصدونه، فتصير لهم وجهة يقصدونها، فشبههم في هذا الوقت بالجراد المنتشر، وهكذا الجراد لها (وجهة تقصدها) وهي منشرة.
ويروى أن مريم سألت ربها أن يطعمها لحماً لا دم فيه فأطعمها الجراد فدعت للجراد فقالت: اللهم أعشها بغير رضاع (وتابع بنيها بغير شياع، أي: بغير دعاء بينها).
ثم قال ﴿مُّهْطِعِينَ إِلَى الداع﴾ قال قتادة: عامدين.
وقال أبو عبيدة: مسرعين مقبلين خائفين.
ولا يكون الإهطاع إلا مع خوف، ويقال: هطع وأهطع بمعنى أسرع مقبلاً خائفاً.
وقال سفيان شاخصة أبصارهم إلى السماء.
وقال ابن عباس ناظرين.
﴿يَقُولُ الكافرون هذا يَوْمٌ عَسِرٌ﴾ أي: شديد هول المطلع.
قال: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ أي: كذب قبل قومك قوم نوحا.
﴿فَكَذَّبُواْ عَبْدَنَا﴾ يعني نوحاً.
﴿وَقَالُواْ مَجْنُونٌ﴾ أي: هو مجنون.
وقوله ﴿وازدجر﴾ أي: زجروه بالشتم والوعيد والرجم.
قال ابن زيد اتهموه وزجروه وأوعدوه، وقالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين.
وقال الحسن قالوا مجنون وتوعدوه بالقتل.
ثم قال ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فانتصر﴾ أي: قال يا رب قد غلبت وقهرت فانتصر لي منهم بعذاب من عندك.
قال تعالى: ﴿فَفَتَحْنَآ أَبْوَابَ السمآء بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ﴾ أي: مندفع منصب.
قال ﴿وَفَجَّرْنَا الأرض عُيُوناً فَالْتَقَى المآء على أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ﴾ أي: فالتقى ماء السماء وماء الأرض على أمر قد قدره الله وقضاه في اللوح المحفوظ.
ثم قال ﴿وَحَمَلْنَاهُ على ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ﴾ / أي: وحملنا نوحا إذا التقى الماء على سفينة ذات ألواح ودسر.
والدسر: المسامير، وهو جمع دسار.
وقيل الدسر: صدر السفينة
لأنها تدفع الماء بصدرها: [أي] تدسره قاله الحسن.
وقال مجاهد: الدسر: أضلاع السفينة.
وقال الضحاك الدسر: طرف السفينة، وأصل الدّسْر: الدّفع.
قال ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ أي: بمرأى منا ومبصر.
وقوله ﴿جَزَآءً لِّمَن كَانَ كُفِرَ﴾ أي: فعلنا بهم ذلك جزاء لنوح للذي كفر بالله فيه.
وقيل " من " بمعنى " ما " والمعنى: جزاء لمن كان كفر بنعم الله وأياديه.
وقال مجاهد: معناه (جزاء الله لأنه كفر به).
وقيل معناه جزاء لنوح ولمن آمن به لأنهم كفروا بهم، فتوحد " كفر " على هذا على لفظ " من ". ثم قال
﴿وَلَقَدْ تَّرَكْنَاهَا آيَةً﴾ أي: تركنا السفينة آية وعبرة لمن بعد نوح.
وقال قتادة رفعت الفسينة على الجودي حتى رآها أوائل لهذه الأمة.
قال مجاهد: إن الله جل ذكره حين غرق قوم نوح جعلت الجبال تشمخ، وتواضع الجودي فرفعه الله عز وجل على الجبال، وجعل قرار السفينة عليه.
وقيل معناه: ولقد تركنا هذه الفعلة آية.
﴿فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ﴾.
أي: فهل من متعظ يخاف أن يناله من العقوبة مثل ما نال قوم نوح.
ثم قال ﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ أي: وإنذاري، وهذا تحذير من الله لمن نزل عليه القرآن وكفر به أن يصيبه مثل ما أصاب قوم نوح.
ثم قال ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا القرآن لِلذِّكْرِ﴾ أي: سهلناه وبيناه وفصلناه لمن يريد أن يتذكر به ويعتبر.
وقيل معنى: فهل من مذكر: هل من طالب علم فيعان عليه: وقال محمد بن كعب معناه: هل من مذكر عن معاصي الله.
قال ابن زيد يسرنا: بينا.
وقال مجاهد: يسرنا: هونا.
وقيل معناه: فهل من طالب علم أو خير فيعان عليه.
قال ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ﴾ أي: كذب أيضاً عاد هوداً نبيهم فيما أتاهم / به.
﴿فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ﴾ (أي عذبتهم لذلك، وأهلكتهم، فلتحذر قريش ان يصيبهم بتكذيبهم محمدا مثل ما أصاب قوم هود.
قال ﴿إِنَّآ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً﴾ أي: ريحاً شديدة العصوف باردة لها صوت، وأصله صَرَرً فأبدل من أحدى الراءات ماداً، فكبْكِبُوا من كَبَبَ.
قوله ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُّسْتَمِرٍّ﴾ أي: في يوم شر وشؤم لهم (استمر بهم فيه البلاء) والعذاب إلى أن (أوفى بهم العذاب).
قال قتادة استمر بهم إلى نار جهنم.
أي: تقتلع الناس ثم ترمي بهم على رؤوسهم فتندق رقابهم وتبين من أجسادهم.
قال ابن إسحاق: لما هبت الريح قام سبعة من عاد فقالوا نرد الريح، فأتوا ضم الشعب الذي منه تأتي الريح، فوقفوا عليه، فجعلت الريح تهب وتدخل تحت واحد منهم ثم تقلعه من الأرض فترمي به على رأسه فتندق رقبته، ففعلت ذلك بستة منهم كما قال الله ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُّنقَعِرٍ﴾، وبقي رجل اسمه الخلجان، فأتى هوداً فقال يا هود ما هذا الذي أرى في السحاب كهيئة البخاتي، قال تلك ملائكة ربي، [قال مالي إن أسلمت، قال: تسلم!، قال أفينقذني ربك من هؤلاء، قال: ويلك أرأيت ملكاً ينقد من جنده]، فقال وعزته لو فعل ما رضيت، قال ثم مال إلى جانب الجبل فأخذ بركن منه يهزه، فاهتز في يده ثم جعل يقول:
أَلاَ لَمْ يَبْقَ إِلاّ الخِلْجَانَ نَفْسُه ... يَالَك من يوم دَهَاني أَمْسُه.
بِثَابِتِ الوَطء شديدٍ أَمْسُه ... لو لم يجِئني جِئته أَجُسه.