الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6951-6990
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6951-6990
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

يسيراً، ولو كانوا يعقلون ما قالوا ذلك.
قوله: ﴿قُل لِّلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعراب سَتُدْعَوْنَ﴾.
أي: قل يا محمد لهؤلاء الذين تخلَّفوا من الأعراب عن أن يخرجوا معك إلى الحديبية، وطلبوا أن يتبعوك إلى أخذ غنائم خيبر ستدعون إلى قوم أولي بأس شديد تقاتلونهم أو يصلحون.
قال ابن عباس: أهل فارس، وهو قول مجاهد وابن زيد.
وقال الحسن، وابن أبي ليلى: هم فارس والروم.

وقال عكرمة: هم هوازن يوم حنين، وكذلك (قال ابن جبير) هوازن وثقيف.
وقال الزهري: هم بنو حنيفة مع مسيلمة الكذاب.
وقال أبو هريرة: لم تأت هذه الآية بعد.
وقال كعب: هم الروم يقاتلهم هؤلاء القوم أو يسلمون بغير قتال.

ومن قرأ " يسلموا " فمعناه: حتى يعلموا أو إلا أن يسلموا.
ثم قال: ﴿فَإِن تُطِيعُواْ يُؤْتِكُمُ الله أَجْراً حَسَناً﴾ أي: يعطيكم الله على إجابتكم لقتال هؤلاء القوم الجنة.
﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِّن قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: وإن تتخلفوا عن قتال هؤلاء القوم كما تخلفتم عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى الحديبية يعذبكم عذاباً أليماً في الآخرة.
قال: ﴿لَّيْسَ عَلَى الأعمى حَرَجٌ وَلاَ عَلَى الأعرج حَرَجٌ وَلاَ عَلَى المريض حَرَجٌ﴾ ليس عليهم ضيق إذا تخلفوا عن الجهاد مع المؤمنين للعذر الذي نزل بهم، قاله ابن عباس وقتادة ومجاهد وغيرهم.
ثم قال: ﴿وَمَن يُطِعِ الله وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جنات تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ أي: تحت أشجارها الأنهار.

﴿وَمَن يَتَوَلَّ﴾ أي: يعص الله ورسوله، ويدع الجهاد إذا دعي إليه يعذبه عذاباً أليماً في الآخرة.
قال: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾.
يعني: بيعة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية سنة ست، وفتح خيبر سنة سبع، وقال مالك: سنة ست أو هو الفتح القريب، واعتمر [رسول الله صلى الله عليه وسلم] سنة سبع، وفتح مكة سنة ثمان، وحج أبو بكر ونادى علي براءة سنة تسع، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة عشر.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة ". وقد قال الله عز وجل: ﴿ لَّقَدْ رَضِيَ الله عَنِ المؤمنين إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشجرة﴾.
ومن رضي الله عنهـ لم يدخل النار أبداً، وكانوا بايعوه على منابزة قريش لما حبسوا عثمان، وظن المؤمنون أنه قتل وأشاع إبليس في عسكر الرسول صلى الله عليه وسلم أن عثمان قتل وصدوا النبي عن البيت فبايعوه على ألا يفروا ولا يولوهم الأدبار أسفاً

على عثمان وكان النبي عليه السلام أرسله إلى المشركين بمكة في عقد الصلح وإعلامهم أنه إنما جاء ليعتمر معظماً للبيت وللحرم فأبطأ عثمان، فقيل قد قتل فبايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه على قتالهم ثم بلغه أن عثمان سالم لم يقتل وهي بيعة الرضوان، وكانت الشجرة سرة فكان الذين بايعوه ألفاً وأربع مائة، وقي ألفاً وخمس مائة، وقيل ألف وثلاث مائة، وقيل ألف وست مائة.
وقال ابن عباس: كانوا ألفاً وخمس مائة وخمسة وعشرين.
وقوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: علم الله ما في قلوب المؤمنين من صدق النية في مبايعتهم والوفاء بذلك: ﴿فَأنزَلَ السكينة عَلَيْهِمْ﴾ [أي]: فأنزل الله الطمأنينة عند علمه بصدق فعلهم عليهم.
قال قتادة: / أنزل عليهم الصبر والوقار.

ثم قال: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي: وعوضهم من غنائم مكة غنائم خيبر بعقب رجوعهم من الحديبية سنة ست عند مالك، والفتح: فتح خيبر قاله قتادة وغيره وعليه أكثر المفسرين.
وقال بعضهم هو فتح الحديبية وذلك سلامة المؤمنين، ورجوعهم سالمين مأجورين /. ثم قال: ﴿وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا﴾ (أي: وأثاب هؤلاء الذين بايعوا النبي صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة بما أكرمهم به من الرضا ورجوعهم سالمين)، وبغنائم كثيرة يأخذونها من أموال اليهود بخيبر.
﴿وَكَان الله عَزِيزاً حَكِيماً﴾ أي: لم يزل ذا عزة في انتقامه من أعدائه، حكيماً في تدبيره خلقه.
قال: ﴿وَعَدَكُمُ الله مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ يعني: غنائم خيبر عجلها الله لأهل بيعة الرضوان بعد منصرفهم من الحديبية سنة ست.
وقيل أول سنة سبع، وهذه مخاطبة لأهل بيعة الرضوان (خاصة أنهم) سيغنمون مغانم كثيرة.

قال مجاهد: هي من لدن نزلت هذه الآية إلى اليوم.
وحكى ابن زيد عن أبيه: أنها مغانم خيبر.
ثم قال: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾.
قال قتادة: هي غنائم خيبر عجلت، والمؤخرة كل غنيمة يغنم [المؤمنون] من ذلك الوقت إلى أن تقوم الساعة.
وقال ابن عباس: ﴿فَعَجَّلَ لَكُمْ هذه﴾ هو الصلح الذي كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وقريش ودلَّ على ذلك قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ﴾ أي: وكف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون بالحديبية.
روي: " أن المشركين بعثوا عروة بن مسعود الثقفي إلى النبي صلى الله عليه وسلم لما

أتاهم عام الحديبية فأكرم النبي عليه السلام إتيانه وأدناه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أتريد أن تقسم البيعة التي أعزها الله، هذه والله قريش لبست، لك جلود النسور وقلوب السباع تقسم بالله لا تدخل مكة أبداً.
هذا خلق على الخيل في كراع الغميم وهذه العوذ المطانيل: يعني النساء التي لهن أطفال، تتعوذ بالله من إتيانك مكة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: يا أبا سعود لم نأت لهذا، وإنما أتينا معتمرين نحل من عمرتنا وننحر هدينا، ونرجع إلى بلدنا، فاذهب إلى أخوانك وأعلمهم ذلك "، فرجع عروة إلى مكة فقال لهم: إني قد رأيت بختنصر في ملكه، ورأيت كسرى في ملكه ورأيت ملك اليمن، والله ما رأيت ملك قط مثل محمد في أصحابه، والله ما تقع منه شعرة إلا صدوها ولا نخامة إلا ابتلعوها والله ليملكن ما فوق رؤوسكم وما تحت أرجلكم، فابعثوا إليه من يقاضيه على ترك الحرب فيما بينكم وبينه، فبعثوا وقاضوه على أن يرجع ويعتمر في العام المقبل.
وقال قتادة: كف الله أيدي اليهود عن المدينة حين صار النبي صلى الله عليه وسلم إلى

الحديبية وإلى خيبر وهو اختيار الطبري، لأن كف أيدي المشركين من أهل مكة عن المؤمنين قد ذكره الله بعد هذه الآية، فقال: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24] فدل أن الكف الأول غير هذا، فهو كف أيدي اليهود عن المدينة في غيبة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وروي عن ابن عباس والحسن في قوله: ﴿وَكَفَّ أَيْدِيَ الناس عَنْكُمْ﴾ قال: هو عيينة بن حصن الفزاري وقومه وعوف بن مالك النضري ومن معه جاءوا لينصروا أهل خيبر ورسول الله صلى الله عليه وسلم محاصر لهم فألقى الله في قلوبهم الرعب وكفهم عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وقوله: ﴿وَلِتَكُونَ آيَةً لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: ولتكون المغانم (آية للمؤمنين ودلالة) على صدق النبي صلى الله عليه وسلم لأنه أخبرهم بما سيكون.

وقال الطبري معناه: وليكون كف أيدي اليهود عن عيالكم عبرة للمؤمنين وهو قول قتادة.
ثم قال: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: ويرشدكم الله أيها المؤمنون طريقا واضحاً لا اعوجاج فيه وهو أن تتقوا في أموركم كلها ربكم، إذ هو الحائط عليكم ولعيالكم.
قال: ﴿وأخرى لَمْ تَقْدِرُواْ عَلَيْهَا﴾ [أي: وعدكم فتح بلدة أخرى لم تقدروا عليها].
قال ابن عباس وابن أبي ليلى والحسن: هي فارس والروم.
وعن ابن عباس أيضاً: هي خيبر، وقاله الضحاك وابن زيد وابن إسحاق.
وقال قتادة: هي مكة قد أحاط الله بها أي: بأهلها.
﴿وَكَانَ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً﴾ أي: لم يزل ذا قدرة على كل شيء.
قال: ﴿وَلَوْ قاتلكم الذين كفَرُواْ لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ أي: ولو قاتلكم يا أهل بيعة

الرضوان مشركو مكة لانهزموا عنكم وولوكم أدبارهم، ثم لا يجدون ولياً / يواليهم عليكم، ولا نصيراً ينصرهم عليكم.
قال: ﴿سُنَّةَ الله التي قَدْ خَلَتْ﴾ أي: سن الله انهزام المشركين بين يدي المؤمنين سنة قد خلت من قبلكم في الأمم الماضية، " فَسُنّة " مصدر عملت فيه جملة ليت من لفظه، وهي قوله /: ﴿لَوَلَّوُاْ الأدبار﴾ ولن يجد يا محمد لسنة الله التي سنها في الأمم الماضية تبديلاً بل ذلك دائم في كل أمة يخذل المشركين وينصر المؤمنين.
قال: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾.
والله الذي كف أيدي المشركين عنكم أيها المؤمنون بالحديبية إذ خرجوا ليصيبوا منكم، وكف أيديكم عنهم: أي: أرضاكم بالصلح وترك قتال المشركين.
قال أنس بن مالك: هبط ثمانون رجلاً من أهل مكة من جبل التنعيم عند صلاة الفجر على رسول الله عليه السلام وأصحابه ليقتلوهم فأخذهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم

أعتقهم فنزلت الآية فيهم.
فالله كف أيديهم عن قتل رسول الله وأصحابه وكف أيدي المؤمنين عن قتلهم حين أخذوهم فأعتقوهم وهو قوله.
﴿مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: كف أيديكم عن قتلهم من بعد أن أخذتموهم أسرى وظفرتم بهم فأعتقتموهم.
قال قتادة: بعث المشركون أربعين رجلاً أو خمسين وأمروهم أن يطوفوا بعسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم ليصيبوا لهم من أصحابه أحداً، فأخذوا أخذاً فأتي بهم رسول الله فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم بعد أن رموا في عسكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجارة والنبل.
قال قتادة: بطن مكة: الحديبية.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيراً﴾ أي: لم يزل بصيراً بأعمالكم وأعمالهم لا يخفى عليه منها ولا من غيرها شيء.

قوله: ﴿هُمُ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾.
أي: هؤلاء المشركون من قريش هم الكافرون الصادون لكم عن دخول المسجد الحرام، والصادون الهدي محبوساً على أن يبلغ محله.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم لما منع دخول مكة عام الحديبية، وهي سنة ست قال عمر لأبي بكر رضي الله عنهما: أليس قد وعدنا الله أن ندخل، فقال أبو بكر: أوعدك الدخول في هذا العام، وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال مثل ذلك.
والعامل في " أن " ﴿مَعْكُوفاً أَن﴾ ويجوز أن يكون ﴿صَدُّوكُمْ﴾، والمعنى صدوكم عن دخول المسجد الحرام لتمام عمرتكم، وصدوا الهدي عن أن يبلغ موضع نحره، وذلك دخول الحرام، وكان النبي صلى الله عليه وسلم ساق معه حين خرج إلى مكة في سفرته تلك سبعين بدنة، وكان الناس سبع مائة رجل فكانت البدنة عن عشرة، قال ذلك المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، (وقد تقدم الاختلاف) في عدتهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه خرجوا معتمرين في ذي القعدة ومعهم الهدي حتى إذا كانوا بالحديبية وهي بير يقرب مكة صدهم المشركون عن دخول الحرم فصالحهم النبي صلى الله عليه وسلم على أن يرجع من عامه ذلك إلى المدينة وذلك سنة ست، ثم يرجع من العام المقبل وهو سنة سبع فيكون بمكة ثلاث ليال ولا يدخلها إلا بسلاح الراكب ولا يخرج بأحد من أهلها، فنحر هديه في مكانه وحلقوا في مكانهم، فلما كان العام المقبل سنة سبع أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه فدخلوا مكة معتمرين في ذي القعدة فعوضهم الله من صدهم في ذي القعدة ودخولهم مكة في ذي القعدة من العام المقبل فهو قوله تعالى: ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قِصَاصٌ﴾ [البقرة: 194]. ثم قال: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
أي: لولا أنه بمكة رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لا تعلمون أيها المؤمنون مكانهم وأشخاصهم فتقتلوهم بغير علم فتأثموا ويعيركم بذلك المشركون وتلزمهم

الدية.
والباء في " بغير " متعلقة " فتطئوهم "، " وأن " في قوله " أن تطئوهم " بدل من رجال بدل الاشتمال وقيل هي بدل من الهاء، والميم في " تعلموهم " والمعنى يرجع إلى شيء واحد: لسلطكم الله عليهم، فجواب " لولا " محذوف دل عليه الكلام.
/ والتقدير لولا أن تطئوا رجالاً مؤمنون (ونساء مؤمنات) لم تعلموهم لأذن الله لكم في دخول مكة، ولسلطكم عليهم ولكنه تعالى حال بينكم وبين ذلك.
﴿لِّيُدْخِلَ الله فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَآءُ﴾ أي: لم يأذن لكم في قتالهم وقتلهم ليسلم من كفار مكة من قدر الله له أن يسلم فيدخل في رحمة الله.
وقيل المعنى: لولا رجال مؤمنون في أصلاب المشركين وأرحام المشركات ونساء مثل ذلك لعذبنا الذين كفروا.
ثم قال /: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ أي: لو زال من بمكة

من المؤمنين وخرجوا من بين ظهراني المشركين لقتلنا من بقي بمكة من المشركين بالسيف.
وقال الضحاك: لو تزيلوا: يعني من كان بمكة من المؤمنين المستضعفين.
والمعرَّة: المفعلة من العرِّ وهو الجَرَبْ، والمعنى فيصيبكم من قتلهم ما يلزمكم من أجله كفارة قتل الخطأ، وذلك عتق رقبة مؤمنة على من أطاق، أو صيام شهرين متتابعين.
" وأن " في قوله: ﴿أَن تَطَئُوهُمْ﴾ بدل من رجال أو بدل من الهاء والميم في ﴿تَطَئُوهُمْ﴾ وهو بدل الاشتمال.
قال: ﴿إِذْ جَعَلَ الذين كَفَرُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الحمية حَمِيَّةَ الجاهلية﴾.
نزلت هذه الآية في سهيل بن عمرو وجهه المشركون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليحضر

كتاب الصلح فامتنع أن يكتب في الكتاب ﴿بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ﴾، وأن يكتب فيه ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾، وقال: لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، وامتنع هو وأصحابه من دخول النبي وأصحابه مكة.
قال الزهري: كانت حميتهم أنهم لم يقروا أن محمداً نبي الله ولم يقروا بباسم الله الرحمن الرحيم، وحالوا بينه وبين البيت.
والعامل في قوله: " إذا جعل ": " لعذبنا " فلا يبتدأ بها، ويجوز أن يكون العامل فعلاً مضمراً معناه: اذكر إذ جعل، فتبتديء بها إن شئت.
والحمية: الأنفة والإنكار.
ثم قال: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾ أي: أنزل عليهم الصبر والطمأنينة.
ثم قال: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى وكانوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا﴾ أي: وألزم الله المؤمنين قول لا إله إلا الله، وكانوا أحق بها من المشركين، وكانوا هم أهلها.
قال علي بن أبي طالب وابن عباس: كلمة التقوى لا إله إلا الله.
وكذلك

روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول مجاهد وقتادة، والضحاك وعكرمة وعطاء وابن عمر وابن زيد.
وزاد عطاء فقال: هي لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وقال الزهري: كلمة التقوى بسم الله الرحمن الرحيم وهو قول المسور ومروان لأن المشركين منعوا علي بن أبي طالب أن يكتب في كتابه الصلح: " بسم الله الرحمن الرحيم ". وعن مجاهد وعطاء أنها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
وفي قراءة عبد الله " وكانوا أهلها وأحق [بها] ". ثم قال: ﴿وَكَانَ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيماً﴾ أي: لا يخفى عليه شيء من جميع أحوالكم.
ثم قال: ﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق لَتَدْخُلُنَّ المسجد الحرام إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾.

لقد صدق الله رسوله رؤياه التي أراه في منامه.
أراه الله أنه يدخل هو وأصحابه بيت الله الحرام آمنين لا يخافون أهل الشرك، يقصروا بعضهم رأسه، ويحلقا بعضهم.
قال مجاهد: " رآى النبي صلى الله عليه وسلم في نومه بالحديبية أنه يدخل مكة وأصحابه محلقين، فقال أصحابه حين نحروا بدنهم بالحديبية: أين رؤيا محمد صلى الله عليه وسلم؟ قال ابن زيد: قال النبي لأصحابه: إني رأيت أنكم ستدخلون المسجد الحرام محلقين رءوسكم ومقصرين " فلما نزل بالحديبية ولم يدخل ذلك العام طعن المنافقون في ذلك، وقالوا ابن رؤياه فأنزل الله ﴿لَّقَدْ صَدَقَ الله رَسُولَهُ الرءيا بالحق﴾ فأعلمهم أنهم سيدخلون من غير ذلك العام، وأن رؤيا محمد حق.
وقوله: ﴿إِن شَآءَ الله آمِنِينَ﴾.
فحكى ما جرى في الرؤيا من قول الملك له في منامه.
وقيل: إنما جرى لفظ الاستثناء لأنه خوطب في منامه على ما أدبه الله به في قوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23 - 24] فخوطب في منامه، وأخبر بها يلزمه

أن يقول لأصحابه كما لو كان هو المخبر بذلك لهم من عند نفسه.
وقيل /: إنما وقع الاستثناء على من يموت منهم قبل الدخول لأنهم على غير يقين من بقائهم كلهم حتى يدخلوا، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: " وإنا إن شاء الله بكم لاحقون " فوقع الاستثناء على من قد لا يموت على دينه.
[وقيل: بل خاطبهم على ما يعقلون].
وقيل: بل خاطبهم على ما أدبه الله به وأمره به في قوله: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ الآية.

وقيل: هو استثناء من آمنين، أي: لتدخلن المسجد الحرام آمنين إن شاء الله ذلك، ولا يجوز أن يكون ذلك استثناء من الله، لأن الله عالم بعواقب الأمور، وإنما يكون مثل هذا الاستثناء من المخلوقين الذين لا يعلمون عواقب الأمور، ولا يدرون بأن ذلك الشيء يكون أو لايكون، والله عالم بما يكون وبما لا يكون.
وقال بعض العلماء: إنما أتى الاستثناء في هذا لأن الله خاطب / الناس على ما يعرفه وعلى ما يجب لهم أن يقولوا.
وقيل معنى " إن شاء الله ": إن أمركم الله بالدخول.
وقال نفطويه المعنى فيه: كائن الدخول إن شاء الله ذلك، فليس فيه ضمان على الله أنه لا بد من الدخول، ولكن لما قال: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ دل على

إنفاد المشيئة، وكان الدخول لأنه أخبر أن دون المشيئة فتحاً قريباً فعلم بهذا الوعد أن المشيئة [نافذة] والدخول كائن، فيصير المعنى لتدخلن المسجد الحرام إذا جاءت المشيئة.
قال نفطويه: كانت العدة من الله للمؤمنين بالدخول سنة ست، وصدوا سنة سبع، ودخلوا سنة ثمان، وحج أبو بكر بالناس سنة تسع وفيها نادى على علي رضي الله عنهـ ببراءة، وفتحت مكة سنة عشر، وحج النبي صلى الله عليه وسلم سنة إحدى عشرة.
والحلق للرجال والتقصير للنساء، وقد يجوز للرجال أن يقصروا.
والحلق أفضل ومن أجل جواز التقصير للرجال قال: ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ ولم يقل ومقصرات، فغلَّب المذكر.
وقيل: إن الاستثناء في الآية أنما وقع على من مات منهم أو قتل وقيل إنّ " إنْ " بمعنى " إذ ". ثم قال ﴿لاَ تَخَافُونَ﴾ أي: تدخلون غير خائفين.

قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُواْ فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾.
أي: علم الله أن بمكة رجالاً ونساءً مؤمنين، فلو دخلتموها أيها المؤمنون ذلك العام لقتلتم منهم فتلزمكم الديات ويقرعكم بذلك المشركون، فردكم عن مكة من أجل ذلك.
ثم قال: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ أي: فجعل الله لكم من دون صدكم عن البيت فتحاً قريباً، وهو فتح خيبر فتحها النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في ذلك العام واقتسم أهل الحديبية خاصة مغانمها.
وقال مجاهد: الفتح القريب نحرهم الهدي بالحديبية، ورجعوا فافتتحوا خيبر، ثم قضوا عُمرتهم في السنة المقبلة.
وقيل المعنى: فجعل الله من دون رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فتحاً قريباً وهو فتح خيبر.

قال: ﴿هُوَ الذي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بالهدى وَدِينِ الحق لِيُظْهِرَهُ عَلَى [الدين كُلِّهِ]﴾.
يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم أرسله بالرشد إلى الصراط المستقيم، وبالدين القوي الحق وهو الإسلام ليظهره على الدين كله، ليبطل به الملل كلها، فلا يكون دين إلا دينه، وذلك أمر سيكون عند نزول عيسى صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إنه كان هذا إعلان النبي صلى الله عليه وسلم قد قهر أهل الأديان كلها في وقته، وفي خلافة أبي بكر وعمر.
وقال ابن عباس معناه: ليظهره على أمر الدين كله.
ثم قال: ﴿وكفى بالله شَهِيداً﴾ أي: كفى به شهيداً على نفسه أنه سيظهرك على أمر الدين الذي بعثك به.
هذا قول الحسن، وهو اختيار الطبري.
ففي هذا إعلام من الله لنبيه عليه السلام أنه سيفتح مكة وغيرها من البلدان.
قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: وأتباعه من أصحابه هم أشداء على الكفار، أي: ذوو غلظة عليهم وشدة وذوو رحمة فيما بينهم يرحم بعضهم بعضاً ويغلظون على الكفار عداوة في الله.
قال قتادة: ألقى الله في قلوبهم الرحمة لبعضهم من بعض.
ثم قال: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً﴾.

أي: ترى أصحاب محمد تارة ركعاً وتارة سجداً يلتمسون بذلك من فعلهم في ركوعهم وسجودهم وغلظتهم على الكفار، ورحمة بعضهم لبعض فضلاً من الله / أن يدخلهم في رحمته ويرضى عنهم.
ثم قال: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾.
قال ابن عباس معناه: أثر صلاتهم تبدو في وجوههم يوم القيامة.
قال عطية: مواضع السجود في وجوههم يوم القيامة أشد بياضاً من اللبن وهو قول مقاتل.
قال الحسن: هو بياض في وجوههم يوم القيامة، وعنه هو بياض في

وجوههم، وعن ابن عباس: أن ذلك في الدنيا وهو السمت الحسن.
وقال مجاهد: أما أنه ليس الذي ترون، ولكنه سيماء الإسلام، وسمته وخشوعه وتواضعه.
وقال الحسن: هو الصفرة التي تعلو الوجه من السهر والتعب، وهو قول ابن عطية.
وقال ابن جبير وعكرمة: هو أثر التراب (وأثر الطهور).
وقال ابن وهب: أخبرني مالك أنه ما يتعلق بالجبهة من تراب الأرض.

ورواه مطرف عن مالك أيضاً.
وأصل السيمي: العلامة.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة﴾.
أي: هذا الذي تقدم من صفاتهم ونعتهم في التوراة.
ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ﴾.
أي: وصف أصحاب محمد في الإنجيل ونعتهم فيه كزرع أخرج شطئه، أي: فراخه.
يقال: أَشْطَأَ الزَّرْعُ يُشْطِيءُ أَشْطاً: إِذا أَفْرَخَ.
فشبههم الله في الإنجيل بالزرع الذي أخرج فراخه، وذلك أنهم في أول

دخولهم الإسلام كانوا عدداً قليلاً / كالزرع في أول ما يخرج، ثم جعلوا يتزايدون ويكثرون، كالزرع إذا أخرج فراخه فكثر وعظم بها، ونما، فيكون الأصل ثلاثين وأربعين وأكثر بالفراخ فكذلك أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قليلاً ثم تزايدوا وكثروا فكانت هذه صفتهم في التوراة والإنجيل من قبل أن يخلق الله السماوات والأرض فكان مثلهم في التوراة غير مثلهم في الإنجيل، هذا قول أكثر المفسرين، وهو اختيار الطبري، وروى عن مجاهد أنه قال: المثلان منصوصان فيهم في التوراة والإنجيل.
قوله: ﴿فَآزَرَهُ﴾ أي: قواه، يعني فقوى الشطء الزرع، وذلك أن الزرع أول ما يخرج رقيق الأصل ضعيفاً، فإذا أخرج فراخه غلظ.
أصله وتقوى فكذلك

أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا قلة ضعفاء ومستضعفين، فلما كثروا وتقووا قتلوا المشركين.
ثم قال: ﴿فاستغلظ﴾ أي: فاستوى الزرع على سوقه لما غلظ وتقوى بخروج الفراخ.
والسوق جمع ساق، وسوقه: أصوله.
وعن ابن عباس أنه مثل للنبي صلى الله عليه وسلم بعثه الله وحده كخروج الزرع مفرداً، ثم بعث الله قوماً آمنوا به فتقوى بهم كالزرع إذا أخرج فراخه فتقوى بها وغلظ.
هذا معنى قوله.
وقيام معنى: ﴿فاستوى على سُوقِهِ﴾ أي: تلاحق الفراخ بالأصول فاستوى جميع ذلك، كم تلاحق من آمن من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعضهم ببعض فاستوى جميعهم في الإيمان.

قال ابن زيد: " فآزره "، فاجتمع ذلك فالتفت كالمؤمنين كانوا قليلاً ثم تزايدوا فتأيدوا.
ثم قال: ﴿يُعْجِبُ الزراع لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ أي: يعجب هذا الزارع حين استغلظ واستوى على سوقه، فحسن عند زارعيه.
وقوله: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ فاللام متعلقة بمحذوف، والتقدير: فعل ذلك بهم ليغيظ بهم الكفار، والتقدير: فعل ذلك ليغيظ بمحمد وأصحابه الكفار، فالمعنى فعل ذلك بمحمد وأصحابه ليغيظ الكفار.
ثم قال: ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية.
أي: وعد الله الذين صدقوا محمداً وعملوا الأعمال الصالحات من أصحاب محمد أجراً عظيماً ففضلهم بذلك على غيرهم.
وقيل: معنى وعد الله الذين تثبتوا على الإيمان من أصحاب محمد أجراً عظيماً، وستراً على ذنوبهم.
وقد روى سفيان الثوري عن ابن جريج عن عطاء عن ابن عباس في قوله:

﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله﴾ إلى آخر السورة، أن ﴿الذين مَعَهُ﴾ أبو بكر ﴿أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار﴾ عمر بن الخطاب ﴿رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ﴾: عثمان ابن عفان، ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً﴾، علي بن أبي طالب ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ الله وَرِضْوَاناً﴾: طلحة والزبير ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السجود﴾ / عبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص،

﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التوراة وَمَثَلُهُمْ فِي الإنجيل﴾: أبو عبيدة بن الجراح، ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ﴾ بأبي بكر الصديق، فاستغلظ بعمر، ﴿فاستغلظ فاستوى على سُوقِهِ يُعْجِبُ الزراع﴾ بعثمان، ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الكفار﴾ بعلي، ﴿وَعَدَ الله الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد روى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لا يجتمع حب أبي بكر وعمر وعثمان وعلي إلا في قلب مؤمن ". وسئل: أبو هريرة عن القدر فقال: اكتف منه بآخر سورة الفتح، يريد ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله والذين مَعَهُ (أَشِدَّآءُ عَلَى الكفار)﴾ آخر السورة، ثم قال أبو هريرة: " إن الله نعتهم قبل أن يخلفهم ".

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

سورة الحجرات مدنية قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ﴾ إلى قوله: ﴿بَيْنَ يَدَيِ الله وَرَسُولِهِ واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ الآية.
روى سفيان عن الأعمش عن خيثمة قال: هل تقرؤون ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ﴾ إِلا وهي في التوراة " يا أيها المساكين ". فالمعنى: يا أيها

الذين صدقوا محمداً صلى الله عليه وسلم لا تعجلوا بقضاء أمركم في دينكم قبل أن يقضي الله عز وجل ورسوله لكم فيه.
حكي عن العرب: فلان تقدم بين يدي إمامه؛ أي: تعجل الأمر والنهي دونه.
قال ابن عباس معناه: لا تقولوا خلاف الكتاب والسنة.
وعنه أنه قال: نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه.
وقال مجاهد معناه: لا تفتاتوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيء حتى يقضيه الله عز وجل على لسان رسوله.

وقال قتادة: كان أناس يقولون لو نزل في كذا، أو صنع كذا وكذا، فكره الله عز وجل ذلك.
وقال الحسن: ذبح أناس من المسلمين قبل صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم النحر، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيدوا ذبحاً آخر لتقدمهم.
ففي هذا دليل أنه لا يجوز أن يؤدى فرض قبل وقته.
قال الضحاك: لا تقدموا بين يدي الله ورسوله: يعني بذلك في القتال، وما كان من أمر دينهم، لا يصلح لهم أن يتقدموا في أمر حتى يأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم.
وروى ابن أبي مليكة: أن الآية نزلت في رأي، أشار به عمر على النبي صلى الله عليه وسلم،

وذلك أن النبي / صلى الله عليه وسلم أراد أن يستخلف على المدينة رجلاً إذ مضى إلى خيبر، فأشار عليه عمر برجل آخر.
وقيل: نزلت في سبب كلام دار بين أبي بكر وعمر رضي الله عنهما وذلك أن (وفداً من بني تميم) قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم، فقال له أبو بكر: أمِّر القعقاع بن معبد، وقال عمر: بل أمِّر الأقرع بن حابس، فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال له عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما فنزلت هذه الآية في ذلك.

ثم قال: ﴿واتقوا الله إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [أي: يسمع قولكم ويعلم فعلكم فاتقوه وخافوه].
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ ترفعوا أَصْوَاتَكُمْ﴾.
أي: لا تسابقوه بالكلام وتغلظوا له في الخطاب.
﴿وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بالقول كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾.
أي: لا تنادوه باسمه كما ينادي بعضكم بعضاً باسمه، ولكن عظموه ووقروه ونادوه بأشرف ما يحب أن ينادى، قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله.
وهذا كله أمر من الله عز وجل للمؤمنين بتعظيم النبي صلى الله عليه وسلم وإجلاله، وهو مثل قوله: ﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: 63].
روي: أن أبا بكر لما نزلت هذه الآية قال: أقسمت بالله ألا أكلم رسول الله

صلى الله عليه وسلّم إلا كأخي السرار.
وقد كره جماعة من العلماء رفع الصوت عند قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم وبحضرة العلماء اتباعاً لأدب الله عز وجل وتعظيماً لرسول الله بعد موته كما كان يحب في حياته، وتشريفاً للعلم، إذ العلماء ورثة الأنبياء.
وقد روى عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا ويعرف بعالمنا ". وروي: أن هذه الآية نزلت في ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري وكان

خطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم / في مفاخرة بني تميم للأقرع بن حابس وكان في أذنيه صمم، فكان إذا تكلم أعلى صوته، فلما نزلت هذه الآية أقام في منزله، وخشي أن يكون حبط عمله.
فعند ذلك شاكى أبو بكر ألا يكلم النبي صلى الله عليه وسلم إلا كأخي السرار فأنزل الله عز وجل في أبي بكر ومن فعل فعله.
﴿إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى﴾.
أي: طهرها من كل دنس وجعل فيها التقوى.
وثابت هذا هو الذي وقعت جويرية: أم المؤمنين في سهمه فكاتبته على نفسها.

قالت عائشة رضي الله عنها: وكانت جويرية امرأة حلوة مليحة لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه، قالت عائشة رضي الله عنها: فأتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو - إلا أن رأيتها على باب حجرتي كرهتها وعلمت أن النبي صلى الله عليه وسلم سيرى منها ما رأيت، تريد من حسنها وحلاوتها.
قالت عائشة: فدخلت جويرية على النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار سيد قومه، وقد أصابني من البلاء ما لم يخف عنك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس، وكاتبته عن نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: فهل (لك خير) من ذلك، قالت: وما هو يا رسول الله، قال: أقض كتابتك وأتزوجك، قالت: نعم يا رسول الله، قال: قد فعلت، فخرج الخبر في الناس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم تزوج جويرية، فقال الناس: أصهار رسول الله، فأرسلوا ما بأيديهم من الأسرى إجلالاً لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل