الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أي: أفلا يتدبر هؤلاء المنافقون كتاب الله وما فيه من الحجج، فيعلموا خطأ ما هم عليه مقيمون من النفاق بل على قلوبهم أقفال أقفلها الله عليهم، فهم لا يعقلون ما يتلى عليهم.
قال خالد بن معدان: ما من آدمي إلا وله أربع أعين: عينان في رأسه لدنياه وما يصلحه من معيشته، وعينان في قلبه لدينه وما وعد الله عز وجل من الغيب فإذا أراد الله بعبد خيراً أبصرت عيناه اللتان في قلبه، وإذا أراد الله به غير ذلك طمس عليهما، فذلك قوله له: ﴿أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾.
وروى هشام بن عروة عن أبيه أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا يوماً: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ القرآن أَمْ على قُلُوبٍ أَقْفَالُهَآ﴾ فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله يفتحها ويفرجها، فما زال الشاب في نفس عمر حتى ولي فاستعان به.
قال: ﴿إِنَّ الذين ارتدوا على أَدْبَارِهِمْ مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى الشيطان سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي: إن الذين رجعوا القهقرى كفاراً بالله من بعدما ظهر لهم الحق فآثروا الضلالة على الهدى، الشيطان سول لهم ذلك وزينه لهم حتى ركبوه، / وأملى لهم في أعمارهم وأطال لهم ليبلغوا الأجل الذي حد لهم أن يبلغوه.
وقيل معناه: أنه تعالى لم يعاجلهم بالعقوبة وأملى لهم / فتركهم على كفرهم
ونفاقهم إلى إتيان آجالهم، ولا يكون الضمير في " أملى " يعود على الشيطان البتة في جميع القراءات، لأنه لا يقدر على أن يمد في عمر أحد ولا ينقص منه، ولم يسلطه الله على شيء من ذلك، ولذلك قرأ أبو عمرو " وأملي " على الإخبار عن الله خوفاً أن يتوهم متوهم أن الضمير للشيطان.
وقد أجاز الحسن أن يكون الضمير في " أملي " يعود على الشيطان على معنى أنه مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر.
قال قتادة: هم أعداء الله أهل الكتاب يعرفون نعت النبي عليه السلام وأصحابه عندهم في كتبهم ثم يكفرون به.
وقال ابن عباس: عني بذلك أهل النفاق، وقاله الضحاك.
والوقف الحسن المختار: ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ لأن الضميرين.
في ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ ﴿وأملى لَهُمْ﴾ مختلفان.
الأول للشيطان والثاني لله، فتفرق بينهما بالوقف، وهو قبول الكسائي والفراء وأبي حاتم.
قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لِلَّذِينَ كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر﴾.
أي: ذلك الإضلال من الله لهم بأنهم قالوا لليهود سنطيعكم في التظافر والمعونة على عداوة محمد.
قال قتادة وغيره: المنافقون ظاهروا اليهود على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم فاليهود هم الذين كرهوا ما نزل الله لأنهم حسدوا محمداً صلى الله عليه وسلم إذ بعث الله نبياً من غير ولد يعقوب، وقد أعلمهم الله في التوراة أنه يبعث نبياً من ولد أبيهم - يعني إبراهيم - فتأولوا أن الأب يعقوب فكفروا على تأويل منهم وحسد وبغي، وكرهوا نزول القرآن بنبوءة محمد صلى الله عليه وسلم، فالمنافقون هم القائلون لليهود: ﴿سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الأمر﴾ أي: في النصر على محمد.
ثم قال: ﴿والله يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ أي: يعلم ما يُسر الفريقان من عداوة المؤمنين لا
يخفى عليه شيء، ومعنى ﴿كَرِهُواْ مَا نَزَّلَ الله﴾ أي: كرهوا الفرائض التي أنزلها الله في كتابه: يعني: اليهود عليهم اللعنة.
أي: كيف تكون حالهم في الوقت الذي تتوفاهم فيه الملائكة في حال ضربهم وجوه المنافقين وأشباههم.
قال الطبري: المعنى: الله يعلم أسرار هؤلاء المنافقين فكيف لا يعلم حالهم إذا توفتهم الملائكة وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، فحالهم أيضاً لا يخفى عليه في ذلك الوقت.
قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتبعوا مَآ أَسْخَطَ الله﴾ أي: ذلك جزاؤهم لأنهم اتبعوا الأمر الذي أسخط الله وهو كفرهم بما أنزل الله.
﴿وَكَرِهُواْ رضوانه﴾ أي: كرهوا اتباع كتابه، ورسوله والدخول في شريعته.
﴿فَأَحْبَطَ أعمالهم﴾ أي: أبطلها بكفرهم فلا ثواب لهم فيها.
قال: ﴿أَمْ حَسِبَ الذين فِي قُلُوبِهِمْ مَّرَضٌ﴾ أي: شرك ونفاق.
﴿أَن لَّن يُخْرِجَ الله أَضْغَانَهُمْ﴾ أي: أحسبوا أن الله لا يخرج ويظهر ما يسرون من
النفاق والكبر والعداوة للنبي صلى الله عليه وسلم ( وموالاتهم اليهود على النبي صلى الله عليه وسلم) وأصحابه.
والأضغان: العداوة.
قال المبرد: الضغن ما يضمر من المكروه.
قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ﴾ أي: ولو نشاء يا محمد لعرفناك بهؤلاء المنافقين وأطلعناك على نفاقهم بأعيانهم.
ثم قال: ﴿فَلَعَرَفْتَهُم بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بعلامات النفاق الظاهرة فيهم.
﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ القول﴾ أي: في فحوى قولهم، وظاهر ألفاظهم وأفعالهم.
قال ابن عباس: هم أهل النفاق وقد عرفه الله إياهم في سورة براءة فقال: ﴿وَلاَ تُصَلِّ على أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَداً﴾ [التوبة: 84].
وقال: ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: 83].
فلولا أنه قد عرفه إياهم ما
خصهم بهذا المنع.
وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن عباس: فما رآى النبي صلى الله عليه وسلم منافقاً فخاطبه إلا عرفه.
ثم قال: ﴿والله يَعْلَمُ أَعْمَالَكُمْ﴾ هذا مخاطبة لأهل الإيمان.
أي: يعلم أيها الناس أعمالكم لا يخفى عليه شيء منها فيجازيكم [عليها].
هذا مخاطبة للمؤمنين لنختبركم أيها المؤمنون بالفرائض والجهاد حتى نعلم المجاهدين منكم أعدائي والصابرين على أداء فرائضي فنعرف الصدق منكم من الكاذب / فنجازي كلاًّ بعمله.
ثم قال: ﴿وَنَبْلُوَاْ أَخْبَارَكُمْ﴾.
ونختبر أعمالكم فيما تعبدتم به، ومعنى: حتى نعلم، وهو قد علم ذلك قبل خلق جميع الخلق أنه أراد به العلم الذي يقع عليه الجزاء، فالمعنى حتى نعلم ذلك
منكم علم مشاهدة يقع عليها الجزاء، وقد علم تعالى ما يكون من عبادة من الطاعة والمعصية قبل خلق الخلق.
قال: ﴿إِنَّ الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله وَشَآقُّواْ الرسول مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الهدى﴾.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله وصدوا الناس عن الإيمان بالله وبرسوله وكتابه، وخالفوا أمر الرسول من بعد ما تبين لهم أنه نبي مرسل من عند الله، لن يضروا الله شيئاً بكفرهم وصدهم عن سبيل الله، بل ضروا أنفسهم، لأن الله بالغ أمره وناصر دينه ورسوله.
﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: أبطلها ويتلفها فلا ينتفعون بها في الدنيا ولا في الآخرة.
أي: أطيعوهما فيما أمراكم به، ولا تخالفوهما فتبطلوا أعمالكم.
أي: إن الذين جحدوا توحيد الله، وصدوا الناس عن الإيمان بالله ورسوله، ثم ماتوا على هذا المذهب من كفرهم فلن يستر الله ذنوبهم في الآخرة، بل يعاقبهم
عليها، فأعلمنا الله أنه لا يغفر لمن مات على الكفر.
ودلت هذه الآية أنه من مات على خلاف هذه الحال أنه جائز أن يستر الله على ذنوبه فيغفر له ويدخله جنته؛ لأنه أكرم الأكرمين، وأرحم الراحمين، يفعل ما يشاء، وقد قال في موضع آخر ﴿إِنَّ الله يَغْفِرُ الذنوب جَمِيعاً﴾ [الزمر: 50]، فهذا مخصوص معناه إلا الشرك لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾ [النساء: 48]، فالعمدة التي بها يرتجى الفوز والنجاة من النار، الإيمان بالله وبرسوله وبكتبه واتباع لسنَّة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولقاء الله جل ذكره على ذلك غير مبدل ولا مغير أماتنا الله على ذلك وحشرنا عليه.
قال: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وتدعوا إِلَى السلم وَأَنتُمُ الأعلون والله مَعَكُمْ﴾ أي: ولا تضعفوا أيها المؤمنون عن قتال عدوكم، وتدعوهم إلى الصلح والمسألة، وأنتم الغالبون لهم الظاهرون عليهم، والله معكم بالنصر والمعونة عليهم.
وقيل: معنى ﴿وَأَنتُمُ الأعلون﴾ وأنتم أولى بالله منهم.
وقال ابن زيد: هذا منسوخ نسخة الأمر بالجهاد والغلظة عليهم.
وقوله: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ﴾.
معناه: ولن يظلمكم الله، فينقصكم أجور أعمالكم، يقال وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلاً، أو أخذت له مالاً غصباً.
قال الفراء: هو مشتق من الوتر: وهو الذحل.
وقيل: هو مشتق من الوتر وهو الفرد، فيكون المعنى ولن يفردكم بغير ثواب أعمالكم، ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسل: " من فاتته صلاة العصر فكأنما وتر أهله وماله " أي أفرد منهما، وقيل معناه: كأنما نقص أهله وماله.
قوله: ﴿إِنَّمَا الحياوة الدنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾.
أي: ابذلوا أيها المؤمنون أنفسكم وأموالكم في جهاد عدوكم ورضى ربكم، فإنما الحياة الدنيا لعب ولهو، إلا ما كان منها من عمل صالح.
ثم قال: ﴿وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ﴾ أي: تؤمنوا بربكم، وتتقوا مخالفة أمره يؤتكم أجوركم، وقد عرفهم أن أجورهم الجنة، والنجاة من النار.
ثم قال: ﴿وَلاَ يَسْأَلْكُمْ أموالكم﴾ أي: لا يطلب منك ربكم أموالكم، إنما يطلب منكم الإيمان به وجهاد عدوه.
وقيل معناه: ولا يأمركم أن تنفقوا أموالكم كلها في سبيل الله ومواساة الفقراء.
قال: ﴿إِن يَسْأَلْكُمُوهَا فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُواْ﴾ [أي: إن يطلب منكم ربكم نفقة أموالكم كلها في جهاد عدوه فيلح عليكم في ذلك تبخلوا] بها وتمنعوه منها ويخرج منكم ما خفي.
وقيل المعنى: ويخرج البُخْل أضغانكم، أي: ما تضمرونه من امتناع النفقة خوف الفقر يفضحكم.
قال قتادة: قد علم الله أن في مساءلة المال خروج الأضغان.
قال الضحاك: تخسر قلوبكم إذا سألتم أموالكم.
قال: ﴿هَا أَنتُمْ هؤلاء تُدْعَوْنَ لِتُنفِقُواْ فِي سَبِيلِ الله﴾ أي: أنتم أيها المؤمنون تدعون/ أي لتنفقوا في سبيل الله /، فمنكم من يبخل بإخراج النفقة في سبيل الله، ومن يبخل بالنفقة في سبيل الله فإنما يبخل عن نفسه، لأنه يمنعها الآجر العظيم والثواب الجزيل فبخله عليها راجع.
ثم قال: ﴿والله الغني وَأَنتُمُ الفقرآء﴾ أي: لا حاجة به إلى أموالكم لأنه غني عنها وإنما يختبركم ليعلم الطائع من العاصي، ليجازي كلا بعمله، وأنتم أيها الخلق الفقراء إلى الله.
ثم قال: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ﴾ أي: وإن تعرضوا أيها الناس عن ما جاءكم به محمد فترتدوا، يستبدل قوماً غيركم أي: يهلككم ثم يجيء بقوم آخرين بدلاً منكم يعملون ما يؤمرون به.
﴿ثُمَّ لاَ يكونوا أَمْثَالَكُم﴾ أي: لا يبخلوا بأموالهم عن النفقة في سبيل الله ولا يضيعوا شيئاً من حدود [الله].
" وروي أنه لما نزلت هذه الآية كان سلمان إلى جنب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله من هؤلاء القوم، إن تولينا يستبدلوا بنا؟ فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على منكب سلمان فقال، هذا وقومه، والذي نفسي بيده لو أن الدين معلق بالثريا لنالته رجال من أهل فارس ".
وقيل: هم أهل اليمن.
وقيل: هم الملائكة، وهو بعيد لأنه لا يقال للملائكة قوم.
وقيل المعنى إن تولى أهل مكة عن الإيمان والجهاد استبدل الله بهم أهل المدينة.
سورة
قوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً (1)﴾.
المعنى: إنا حكمنا لك يا محمد حكماً ظاهراً لمن سمعه أو بلغه أنك الغالب الظافر.
وقال قتادة معناه: إنا قضينا لك يا محمد قضاء بيناً.
روى عطاء والضحاك عن ابن عباس ان الله جل ذكره لما أنزل على النبي صلى الله عليه وسلم أن يقول: ﴿وَمَآ أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلاَ بِكُمْ﴾ [الأحقاف: 8].
فلما قالها شمت المشركون وكتبوا إلى اليهود بذلك، وقالوا كيف نتبع من لا يدري ما يفعل به ولا بمن اتبعه، فاشتد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾.
. . الآية.
فأخبره بما يكون من أمره وما كان، وبعاقبة المؤمنين به.
والفتح: يراد به ما فتح عليه من الغنائم وأخذ القرى بالحرب وغير الحرب فقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ منة من الله على نبيه صلى الله عليه وسلم، فجعل المنة سبيلاً للمغفرة؛ لأن كل ما يفعله العبد من خير، فالله الموفق له، ثم الله يتفضل بالمجازاة على ذلك الفعل، وهو وَفق إليه، وأعان عليه، فكل من عنده لا إله إلا هو، فالحسنة من العبد منة من الله عليه إذ وفقه لها، ثم يجازيه على ذلك تفضلاً بعد تفضل ومنة بعد منة، وقد قيل: إن التقدير: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً تستغفر عنده ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فيكون الغفران من الله جزاء للإستغفار منه عند إتيان الفتح، أعلمه تعالى أنه إذا جاء الفتح واستغفر غفر له (ودليل
هذا القول قوله: ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ الله والفتح.
. . فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ واستغفره﴾ [النصر: 1 - 3]. فأمره بالاستغفار عند الفتح.
والفتح في اللغة: الظفر بالمكان بالقرية أو المدينة، بحرب أو بغير حرب، عنوة أو صلحا.
قال أنس: " نزلت، ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ﴾ بعد رجوع النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد نزلت علي آية أحب إليّ من جميع الدنيا لو كانت باقية لي غير فانية، لأن الدنيا لا قدر لها فيقدر بها الأمر العظيم الجليل ثم تلا: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ الآية.
فقال رجل من المسلمين: هنيئاً مريئاً هذا لك يا رسول الله فماذا لنا؟ فأنزل الله: ﴿لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار﴾ الآية ".
وهذه الآية نزلت في فتح الحديبية، والحديبية بير، وكان في فتحها آية من الله، وذلك/ أن النبي صلى الله عليه وسلم ورد هذه البير وقد نزف ماؤها، فتمضمض صلى الله عليه وسلم وتفل فيها، فأقبل الماء حتى شرب كل من كان معه، ولم يكن بينه وبين المشركين حرب الاتراع، ثم فتح له.
وقيل معناه: إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً باجتناب الكبائر ليغفر لك الصغائر.
وقيل معناه: إنا فتحنا لك بالهداية إلى الإسلام، ولام ﴿لِّيَغْفِرَ لَكَ الله﴾: لام قسم عند أبي حاتم والمعنى: " ليغفرن لك الله ".
وقال ابن كيسان وغيره: هي لام كي، فالمعنى: وقع الفتح لك يا محمد لتقع لك المغفرة.
قال مجاهد: ما تقدم من ذنبك قبل النبوة، وما تأخر بعد النبوة.
قال الشعبي: " وما تأخر ": يعني إلى أن يموت، وقد غلط قوم فظنوا أن الفتح هنا فتح مكة، والصحيح أنه فتح الحديبية كذلك قال ابن عباس والبراء بن عازب وأنس بن مالك.
قال الطبري الفتح هنا: الهدنة التي جرت بين النبي عليه السلام وبين مشركي قريش بالحديبية ونزلت هذه السورة في منصرف النبي عليه السلام عن الحديبية [بعد الهدنة التي جرت بينه وبين قومه.
قال أنس: " لما رجعنا ن غزوة الحديبية] وقد حيل بيننا وبين منسكنا قال: / فنحن بين الحزن والكآبة قال فأنزل الله جل ذكره عليه: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً﴾ إلى
﴿مُّسْتَقِيماً﴾ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لقد أنزلت [علي] آية أحب إلي من الدنيا جميعاً.
وغزوة الحديبية هي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج معتمراً في ذي القعدة من سنة ستٍ من الهجرة، والحديبية بئر.
وفي الحديبية كانت بيعة الرضوان، فأهلوا بذي الحليفة وأهدي رسول الله صلى الله عليه وسلم البدن هو وظائفة من أصحابه وليس معهم من السلاح إلا السيوف فصدهم المشركون عن البيت فمضى لقتالهم، فبركت به ناقته فقال الناس خلأت، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ما خلأت، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكة، فتخلف عن ذلك، وأراد أن يبعث بالهدي الذي كان معهم، فمنعوه،
وجرت بينه وبين قريش مراسلات وقصة فيها طول، ثم أرسل
النبي صلى الله عليه وسلم عثمان بن عفان رضي الله عنهـ إلى قريش فكلمهم بما أمره به رسول الله عليه السلام فأرسلت معه قريش سهيل بن عمرو ليصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان بمكة ناس كثير من المسلمين فدعوا عثمان ليطوف بالبيت، فقال: ما كنت لأطوف بالبيت حتى يطوف به رسول الله صلى الله عليه وسلم - فصالح النبي صلى الله عليه وسلم قريشاً وكتب بينهم وبينه كتاب على أن يرجع النبي وأصحابه من مكانهم، فإذا كان العام القابل يأتي النبي صلى الله عليه وسلم وعثمان ويخلى بينه وبين الكعبة ثلاثة أيام لا يرد عنها، وعلى ألا يدخلها هو ولا أحد من أصحابه إلا بالسلاح، وكتبوا مع ذلك شروطاً كثيرة، وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكتاب إلى قريش مع عثمان، وبقي سهيل بن عمرو عند النبي عليه السلام، فوقع بين أصحاب النبي
صلى الله عليه وسلم والمشركين بعض قتال ورمى بعضهم بعضا بالنبل والحجارة، فحبس المشركون عثمان، وحبس المسلمون سهيلا فعند ذلك دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين إلى البيعة،، وأراد قتالهم فبايعه المسلمون تحت الشجرة على الموت، وهي بيعة الرضوان، إذ كانت بالحديبية، وهي بير، بايعوه وهم ألف وست مائة تحت شجرة، وقيل: كانوا ألفاً وأربعة مائة بايعوه على الموت، وقيل: بايعوه على ألا يفروا.
قال جابر: فبايعناه على ألا نفر وكانت الشجرة سرة وكان المسلمون ألفاً وستة مائة فيهم مائة فارس، فلما راى المشركون ذلك خافوا وبعثوا بمن كان عندهم من المسلمين وطلبوا الصلح فتركهم رسول الله والمسلمون على كآبة والمشركون خائفون.
وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه أن ينحروا بدنهم فتوقفوا حتى نحر رسول الله صلى الله عليه وسلم هدية فنحروا / هديهم وحلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وحلقت طائفة من أصحابه، وقصرت طائفة فعند ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: اللهم اغفر للمحلقين [قالوا]: والمقصرين يا رسول الله [فأعادها] ثلاث مرات، ثم قال في الرابعة
وللمقصرين "
، وعند ذلك أنزل الله على رسوله عليه السلام: ﴿وَهُوَ الذي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ في آيات فيها ذكر صد المشركين الهدي، وأخبر تعالى لأي شيء كف أيدي المؤمنين عن المشركين فقال: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَآءٌ مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِّنْهُمْ مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
يعني: ولولا أن تقتلوا من كان بمكة من المؤمنين لأطلق أيديكم أيها المؤمنون على من بمكة من الكفار، ولكن منعتم من ذلك لئلا تأثموا وأنتم لا تعلمون.
وذكر حمية المكفار وذكر تصديق رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم: لتدخلوا المسجد الحرام إن شاء الله آمنين، وذلك في العام المقبل على ما قاضاهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأما قوله: ﴿فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحاً قَرِيباً﴾ [الفتح: 27].
فقيل هو دخول النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في العام المقبل مكة آمنا وأصحابه معه للعمرة.
وقيل هو فتح خيبر.
وفي فتح خيبر نزلت: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾، ولا اختلاف في ذلك،.
وكان فتح خيبر عند مالك على رأس ست سنين من الهجرة بعد منصرفهم من الحديبية، وهو الفتح الذي أثاب الله فيه أهل بيعة الرضوان، فلم يغزُ خيبر غيرهم.
وقال غير مالك: فتحت خيبر في أول سنة سبع من الهجرة وكانت مدة / الصلح الذي صالحهم عليه النبي عليه السلام: سنتين يأمن بعضهم بعضاً.
ولما صالحهم النبي صلى الله عليه وسلم، على ذلك قال رجل من المسلمين: فمن أتاهم منا يا رسول الله فهم أحق به.
قال: نعم، وأبعده الله وأسحقه ومن أتانا منهم لم نقبله، قال: نعم، فإنه من أراد فراقهم وخلاف دينهم جعل الله له فرجاً ومخرجاً، وخرجت أم كلثوم مهاجرة إلى
رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي عاتق لم تتزوج، فقبل النبي عليه السلام هجرتها ولم يردها إلى المشركين.
وأقبل أبو جندل بن سهيل بن عمرو في الحديد مقيداً قد أسلم، وكان والده سهيل والمشركون قد قيدوه وحبسوه؛ لأنه أسلم، واجتنب الطريق وأخذ الجبال حتى هبط على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحديبية ففرح به المسلمون وتلقوه وآووه فناشدهم والده سهيل إلا ردوا عليه ابنه، فرده عليه النبي صلى الله عليه وسلم وقال: إن يعلم الله من نفسه الصدق ينجه، فرجع سهيل يضرب وجه أبي جندل ولده بعصاً شوك، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: هبه لي أو أجره من العذاب، فقال: " والله لا أفعل فأجاره مكرز ابن حفص وأخذ بيده وأدخله فسطاطه وظهر من آيات
النبي صلى الله عليه وسلم علامات معجزات في تلك الغزاة، من ذلك: أن الناس قالوا ليس لنا ماء، فأخرج النبي صلى الله عليه وسلم سهماً من كنانته فأمر به فوضع في قعر قليب ليس فيه ماء، فروى الناس حتى ضربوا بعطن، ومن ذلك أن الناس شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الجهد، فقال النبي صلى الله عليه وسلم للناس: ابسطوا أبضاعكم وعيالكم، ففعلوا، ثم قال: من كان عنده بقية من زاد أو طعام فلينشره ودعا لهم، ثم قال: قربوا أوعيتكم، فأخذوا ما شاء الله وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يأتيه أحد من عند المشركين قد أسلم، فيطلبه المشركون، إلا دفعه إليهم ولا يمضي أحد من عند المسلمين إلى المشركين مرتداً إلا تركه المسلمون لهم، فعلى ذلك وقع الصلح / فوفى بما عاهدهم عليه، فخرج قوم
أسلموا من مكة، وانعزلوا في موضع يقطعون الطريق على عير قريش، وخرج أبو جندل من مكة هارباً ومعه نفر ممن أسلم فلحقوا بأولئك الذين يقطعون الطريق على عير قريش، ولم يأت منهم أحد النبي صلى الله عليه وسلم خوفاً أن يردهم إلى المشركين، فكان أبو جندل يصلي بهم، وكان من لطف للمسلمين أنه صعب على المشركين ذلك، فوجهوا إلى النبي يسألونه أن يوجه في القوم ليقدموا عليه، وقالوا: إنا لا نسألكم في ردهم إلينا، ومن خرج إليك منا فأمسكه، ولا ترده بلا حرج عليك، فكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي جندل وأصحابه أن يقدموا عليه، وأمر من اتبعهم من المسلمين أن يرجعوا إلى بلدانهم وأهليهم، وألا يعرضوا لأحد مر بهم من قريش ففعلوا.
وقوله: ﴿وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ﴾.
معناه: يرفع ذكرك في الدنيا وينصرك على عدوك، ويغفر لك ذنوبك في الآخرة.
وقوله: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطاً مُّسْتَقِيماً﴾ أي: يرشدك ديناً لا اعوجاج فيه
فيستقيم بك إلى رضا ربك وإلى طريق الجنة.
أي: ينصرك على أعدائك نصراً لا يغلبك غالب، وقيل معناه نصراً ذا عز لا ذل معه.
قال: ﴿هُوَ الذي أَنزَلَ السكينة فِي قُلُوبِ المؤمنين﴾ أي: جعل السكون والطمأنينة في قلوب المؤمنين إلى الإيمان بالله ورسوله صلى الله عليه وسلم ليزدادوا إيماناً وتصديقاً مع تصديقهم.
قال ابن عباس: السكينة الرحمة، وقال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة أن لا إله إلا الله فلما صدق بها المؤمنون زادهم الصلاة، فلما صدقوا بها زادهم الصيام، فلما صدقوا زادهم الزكاة، فلما صدقوا بها زادهم الحج، ثم أكمل لهم دينهم فقال: ﴿اليوم أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: 4] الآية.
قال ابن عباس: فأوثق إيمان أهل السماوات والأرض وأصدقه وأكمله شهادة لا إله إلا الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾ أي: عبيده وخلقه ينتقم ممن يشاء من أعدائه.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الله عَلِيماً حَكِيماً﴾ أي: لم يزل ذا علم بما هو كائن قبل كونه وما خلقه عاملون قبل خلقهم، حكيماً في تدبيره خلقه.
قال: ﴿لِّيُدْخِلَ المؤمنين والمؤمنات جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: فتح لك يا محمد لتشكر ربك على ما أعطاك وليحمد المؤمنون / ربهم على ما وعدهم به أنه سيدخلهم بساتين تجري تحت أشجارها الأنهار ماكثين فيها أبداً.
﴿وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: بغطيها ويسترها فلا يحاسبهم بها.
﴿وَكَانَ ذَلِكَ عِندَ الله فَوْزاً عَظِيماً﴾ أي: وكان إدخالهم الجنة الموصوفة وستره على ذنوبهم عند الله ظفراً منهم بما كانوا يأملونه (ونجاة من العذاب كثيراً).
قال: ﴿وَيُعَذِّبَ المنافقين والمنافقات [والمشركين والمشركات الظآنين بالله ظَنَّ السوء]﴾.
أي: فتح الله لك يا محمد ليعذب هؤلاء المذكورين وظنهم السوء، وأنهم كانوا يظنون أن لن يعود الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبداً وزين الشيطان ذلك في قلوبهم فرد الله دائرة السوء عليهم: ومعنى دائرة السوء: (دائرة العذاب والهلاك).
وقال الخليل وسيبويه: السوء هنا: الفساد.
وقال الفراء: الفتح [في السنين: الشر في الشر، قال: وقلما تقول العرب دائرة السوء إلا بالضم، واختار الفراء الفتح في السين] لأن العرب تقول: هو رجل سوء، بالفتح، ولا تقوله بالضم.
والسُّوء بالضم اسم الفعل، وبالفتح الشيء بعينه.
ثم قال: ﴿وَغَضِبَ الله عَلَيْهِمْ﴾ أي: نالهم بغضبه ولعنهم أي: وأبعدهم من رحمته، وأعد لهم جهنم يصلونها يوم القيامة.
﴿[وَسَآءَتْ] مَصِيراً﴾ أي: ساءت جهنم منزلا لهم.
قوله: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السماوات والأرض﴾.
أي: ولله كل من في السماوات والأرض عبيداً له وأنصاراً له على أعدائه، ولم يزل الله (عزيزاً لا يغلبه غالب)، حكيما في تدبيره خلقه.
ثم قال: (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا) [8].
انتصبت الثلاثة الألفاظ على الحال، وهي حال مقدرة.
أي: مقدرين بشهادتك يا محمد (على أمتك يوم القيامة) ومقدرين تبشيرك أمتك بما أعد الله لهم من النعيم.
إن أطاعوك ومقدرين إنذارك من كفر بك ما أعد الله له من العذاب إن مات على كفره.
قال: ﴿لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾.
أي: فعل الله ذلك بك يا محمد / ليؤمن بك (من سبق في علم الله) أنه يؤمن.
قال ابن عباس: تعزروه: يعني الإجلال، وتوقروه هو التعظيم.
قال قتادة: وتعزروه: تنصروه، وتوقروه: تفخموه.
وقال عكرمة: تعزروه: تقاتلون معه بالسيف.
وقال ابن زيد: وتعزروه وتوقروه: هو الطاعة لله تعالى.
وقال المبرد: تعزروه: تبالغوا في تعظيمه، ومنه عزر السلطان الإنسان؛ أي: بالغ
في أدبه فيما دون الحد.
وقال علي بن سليمان: معنى وتعزروه: يمنعون منه وتنصرونه.
قال الطبري: معنى التعزير في هذا الموضع المعونة بالنصر.
وقرأ الجحدري: تعزروه بالتخفيف.
وقرأ محمد اليماني: وتعزّروه بالزاءين، من العز؛ أي: تجعلونه عزيزاً ويقال: عززه يعززه جعله عزيزاً وقواه، ومنه قوله: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ [يس: 13].
وقيل إن قوله: وتعزروه وتوقروه لله.
وقيل هو للنبي صلى الله عليه وسلم فأما " وتسبحوه "
فلا تكون إلا لله.
وتنزهوا الله عن السوء في بعض القراءات وتسبحوا الله.
وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ أي: ظرفان تصلون لله في هذين الوقتين.
قال: ﴿إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ أي: إن الذين يبايعونك يا محمد بالحديبية، وذلك حين حبس المشركون عثمان بن عفان بايع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على ألا يفروا عند لقاء العدو، ثم صرفهم الله عن المشركين وقتالهم، لئلا يهلك من بمكة من المسلمين ولا يعلم بهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قوله: ﴿وَلَوْلاَ رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ﴾ [الفتح: 25] إلى قوله: ﴿أَلِيماً﴾ [الفتح: 25].
وقوله: ﴿إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله﴾ أي: إنما يبايعون ببيعتهم إياك الله، لأن الله ضمن لهم الجنة.
وقوله: ﴿يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي: يده فوق أيديهم عند البيعة.
وقيل: قوة الله فوق قوتهم في نصرتهم رسوله.
وقيل: معناه يد الله في الثواب والفواء لهم فوق أيديهم في الوفاء بما بايعوك عليه.
وقيل: معناه يد الله في الهداية لهم فوق أيديهم في الطاعة.
ثم قال: ﴿فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ﴾ أي: من نكث البيعة ولم يف بما بايع عليه فإنما نكثه راجع عليه لأنه يحرم نفسه الأجر الجزيل، والعطاء العظيم في الآخرة.
ثم قال: ﴿وَمَنْ أوفى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ الله﴾ في إيمانه.
﴿فَسَيُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً﴾ أي: ومن أوفى ببيعتك وما عهد على نفسه من نصرك يا محمد فسيؤتيه [الله] أجراً عظيماً وهو الجنة والنجاة من النار.
قال: ﴿سَيَقُولُ لَكَ المخلفون مِنَ الأعراب شَغَلَتْنَآ أَمْوَالُنَا﴾.
نزلت هذه الآية في الأعراب الذين حول المدينة من مزينة وجهينة وأسلم، وغيرهم تخلفوا عن النبي صلى الله عليه وسلم عام الحديبية، فلما رجع النبي / وظفر وسلم أتوه يسألونه الاستغفار لهم وفي قلوبهم خلاف ذلك، ففضحهم الله.
أي: سيقول لك يا محمد إذا رجعت إلى الحديبية الذين (تخلفوا في أهليهم).
وقعدوا عن صحبتك والخروج معك إلى مكة معتمرين كما خرجت، معتذرين عن تخلفهم عنك: شغلتنا عن الخروج معك معالجة أموالنا، وأصلاح معائشنا وأهلينا فاستغفر لنا ربك لتخلفنا عنك، وكان النبي صلى الله عليه وسلم لما أراد الخروج إلى مكة معتمراً استنفر العرب، الذين حول المدينة ليخرجوا معه حذراً من قريش أن يعرضوا له
بحرب أن يصدوه عن البيت، ثم أحرم بالعمرة، وساق الهدي ليعلم الناس أنه لم يخرج لحرب فتثاقل عنه كثير من الأعراب فتخلفوا عنه، ففيهم نزل هذا.
وقال مجاهد: هم أعراب المدينة من جهينة ومزينة تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة غداة الحديبية ثم أنزل الله تكذيبهم في عذرهم فقال: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَّا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: يسألونك يا محمد الاستغفار من فعلهم من غير توبة تنعقد عليها قلوبهم، ولا ندم على فعلهم.
وجاء بلفظ " ألسنتهم " توكيداً وفرقاً بين المجاز والحقيقة.
ثم قال: ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكُمْ مِّنَ الله شَيْئاً﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن الخروج معك إلى مكة، من يملك لكم من الله شيئاً.
﴿إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرّاً أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعاً﴾ / أي: من يدفع عنكم الضر إذا أراده الله بكم حين عصيتم رسوله وتخلفتم عن الخروج معه، واعتذرتم بما لا تعتقده قلوبكم.
ثم قال: ﴿بَلْ كَانَ الله بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ أي: بل [لم] يزل الله ذا خبر بما تعملون وما تعتقدون، لا يخفى عليه شيء من ذلك.
قال: ﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أَن لَّن يَنقَلِبَ الرسول والمؤمنون إلى أَهْلِيهِمْ أَبَداً﴾.
هذا خطاب للأعراب الذين تخلفوا عن الخروج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى مكة لما اعتذروا وكذبوا في اعتذارهم، فأكذبهم الله ثم أعلمهم بما علم من اعتقادهم في رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين فقال: بل ظننتم أيها الأعراب أن النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين لا يرجعون إلى المدينة أبداً من غزوتهم، فلذلك تخلفتم عن الخروج معهم لأنكم شغلتكم أموالكم وأهلوكم كما زعمتم في عذركم.
ثم قال: ﴿وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنتُمْ ظَنَّ السوء﴾ أي: زين لكم الشيطان ذلك، وقال لكم لا يرجع النبي والمؤمنون إلى المدينة أبداً، وأنهم سيهلكون في غزوهم، وظننتم أن الله لا ينصر نبيّه ومن أطاعه، وذلك ظن السوء.
ثم قال: ﴿وَكُنتُمْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى باعتقادكم وظنكم.
والبور في اللغة: الشيء الذي لا قيمة له ولا فائدة فيه ك لا شيء ".
قال قتادة بوار: فاسدين.
قال ابن زيد البور: الذي لا خير فيه.
قال مجاهد بوراً: هلكى.
أي: ومن لم يؤمن منكم أيها العرب ومن غيركم بالله ورسوله فقد كفر، وقد اعتدنا لمن كفر سعيراً من النار يسعر عليهم (في جهنم) إذا وردوها يوم القيامة.
يقال سعرت النار: إذا أوقدتها سعراً، ويقال: سعرتها أيضاً إذا حركتها ومنه قولهم أنه (لمسعر حرب): أي: محركها وموقدها.
قال: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُ﴾.
أي: له سلطان ذلك، فلا أحد يقدر على رده عما يريد من تعذيبه من أراد تعذيبه ولا عن ستر من أراد الستر عليه وإدخاله الجنة، وهذا تنبيه وحق لهؤلاء الأعراب
الذين تخلفوا عن رسول الله على التوبة والمراجعة إلى أمر الله وأمر رسوله: أي: بادروا إلى التوبة فإن الله يغفر لمن تاب، لا يرده عن ذلك راد.
﴿وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾ أي: لم يزل ذا عفو عن عقوبة التائبين وذا رحمة لهم.
قال: ﴿سَيَقُولُ المخلفون إِذَا انطلقتم إلى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا﴾.
أي: سيقول لك يا محمد ولأصحابك هؤلاء الأعراب الذين تخلفوا عن محبتك والخروج معك إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ﴿ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ يعني ما وعد الله به المؤمنين من غنائم خيبر، وعدهم ذلك بالحديبة وهو قوله: ﴿وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً﴾ وهو فتح خيبر فأعلم الله نبيه عليه السلام أن المتخلفين عنه سيقولون له إذا خرج إلى فتح خيبر وأخذ غنائمها دعنا نتبعك.
ثم قال: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ / أي: يريدون أن يغيروا وعد الله الذي وعده أهل الحديبية، وذلك أن الله وعدهم غنائم خيبر بالحديبة عوضاً من غنائم أهل مكة إذا أنصرفوا على صلح.
قال مجاهد: رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم عن مكة فوعده الله مغانم كثيرة فعجلت له خيبر، فأراد المتخلفون أن يتبعوا النبي صلى الله عليه وسلم ليأخذوا من المغانم فيغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية.
وقيل إن معنى قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ الله﴾ أي: يريدون أن يخرجوا معك في غزوك (وقد قال الله): ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ [التوبة: 83].
قال ابن زيد: أرادوا أن يخرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم وأن يبدلوا كلام الله الذي قال لنبيه: ﴿فَقُلْ لَّن تَخْرُجُواْ مَعِيَ أَبَداً وَلَن تُقَاتِلُواْ مَعِيَ عَدُوّاً﴾ وذلك حين رجع من غزوة تبوك.
وأنكر هذا القول الطبري؛ لأن غزوة تبوك كانت بعد فتح خيبر وبعد فتح مكة، قال: والصواب الذي قاله قتادة ومجاهد: أنهم يريدون أن يغيروا وعد الله الذي خص به أهل الحديبية، وذلك: مغانم خيبر وغيرها.
وقوله: ﴿قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كذلكم قَالَ الله مِن قَبْلُ﴾ أي: كذلك قال لنا الله من قبل مرجعنا إليكم من الحديبية ان غنيمة خيبر لمن شهد الحديبية / دون غيرهم ممن لم يشهدها، فليس لكم أن تتبعونا لأنكم تخلفتم عن الحديبية.
ثم قال: ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنَا﴾ أي: تحسدوننا أن نصيب معكم من الغنائم، فلذلك تمنعوننا من الخروج معكم.
ثم قال: ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَفْقَهُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: لا يعقلون عن الله ما له عليهم إلا