الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6707-6746
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6707-6746
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ ... ثم قال تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بلى﴾، أي: نسمع ذلك ونعلم ما أخفوا وما أعلنوا.
ثم قال: ﴿وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ﴾، أي والحَفَظَةُ عندهم يكتبون ما نطقوا به.
ويروى " أن هذه الآية نزلت في ثلاثة نفر تدارءوا في سماعالله عز وجل كلام عبادة ". قال محمد بن كعب القرظي: بينا ثلاثة نفر بين الكعبة وأستارها قرشيان وثقفي، أو ثقفيان، وقرشي، فقال واحد من الثلاثة: ترون أن الله يسمع كلامنا؟! فقال: إذا جهرتم سمع، وإذا أسررتم لم يسمع.

فقال الثاني: إن كان يسمع إذا أعلنتم فإنه يسمع إذا أسررتم قال: فنزلت: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لاَ نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾، أي: قل يا محمد إن كان للرحمن ولد على زعمكم فأنا أول المؤمنين بالله في تكذيبكم فقولوا ما شئتم، هذا معنى قول مجاهد.
وقال ابن عباس / معناه: لم يكن ولد فأنا أول الشاهدين " (فمعنى الكلام) على قول ابن عباس: ما كان ذلك ولا ينبغي أن يكون، وهو معنى قول قتادة وابن زيد، وهو قول زيد بن أسلم.
ف " إن " معنى: (" ما " التي للنفي).

وقيل معنى: ﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾، أي: أول من يعبد الله عز وجل بالإيمان والتصديق أنه ليس للرحمن ولد، أي: على (هذا عبد) الله سبحانه وقال السدي معناه: " لو كان له ولد كنت أول من عبده (بأن له ولداً) ولكن لا ولد له ". فجعل " إن " للشرط، وهو اختيار الطبري، لأنك إذا جعلت " إن " بمعنى " ما " أوهمت أنك إنما نفيت عن الله سبحانه الولد فيما مضى دون ما هو آت.
وإذا جعلت " إن " للشرط أخبرت أنه كان له ولد على قولكم فأنا أول من عبده على ذلك ولكن لا ولد، ولا ينبغي أن يكون، وهذا عنده (من الإلطاف) في الكلام، وحسن المخاطبة بمنزلة قوله: ﴿وَإِنَّآ أَوْ إِيَّاكُمْ لعلى هُدًى أَوْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: 24]، وقد

علم أن الحق معه وأن مخالفيه في الضلال.
وقيل معنى " العابدين " الآنفين.
حكى: ما عبد فلان إن فعل كذا، أي: ما أنف.
وهذا قول مردود لأنه يلزم منه أن يقول العابدين.
إنما يقال، فلان عبد من كذا، أي: آنف منه.
ولا يقال عابد بمعنى: أنف.
وقال: أبو عبيد مجازها: فأنا أول العابدين، أي: الجاحدين من عبد يعبد إذا حجد.
وحكى: فلان عَبَدَني حَقّاً، أي: جحدني.
ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السماوات والأرض﴾، أي: تبرئة له وتنزيهاً له من الولد وغير ذلك من الأشياء المذمومة.
وقوله: ﴿رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾، أي يكذبون.
وحكى أبو حاتم أن قوماً يقفون ﴿قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ﴾، ثم يبتدؤون:

﴿فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين﴾ على معنى: قل يا محمد: ما كان للرحمن ولد: وهو قول يعقوب وغيره.
ثم قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُواْ وَيَلْعَبُواْ حتى يلاقوا يَوْمَهُمُ الذي يُوعَدُونَ﴾.
هذا تهدد ووعيد من الله جل ذكره للمشركين، أي: سيعلمون يوم القيامة جزاء لعبهم خوضهم في الباطل.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي فِي السمآء إله وَفِي الأرض إله﴾، أي: هو المعبود في السماء وفي الأرض، فلا شيء تصلح له الألوهية إلا هو.
قال قتادة: معنى الآية: وهو الذي يعبد في السماء ويعبد في الأرض.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الحكيم العليم﴾، أي: وهو الحكيم في تدبيره خلقه، العليم بمصالحهم.
وفي حرف ابن مسعود: (وهو الذي في السماء وفي الأرض الله)، وهي

مروية عن عمر وأُبي.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَبَارَكَ الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، أي: وتعالى الذي في ملكه ذلك وكله وفي تدبيره وبيده.
وقوله: ﴿وَعِندَهُ عِلْمُ الساعة﴾، أي: وتفرد بعلم قيام الساعة، ﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾، أي: تردون بعد مماتكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَمْلِكُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشفاعة﴾، أي، ولا تملك الآلهة التي يعبدها هؤلاء المشركون من دون الله عز وجل شفاعة لمن عبدهم، قال مجاهد.
والقول الأول قاله قتادة.
﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق﴾، أي: بالتوحيد لله والطاعة له.
﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾، أي: يعلمون (أن ما أقروا به حق).
وقيل معنى ﴿إِلاَّ مَن شَهِدَ بالحق﴾، يعني: عيسى وعزيرُ والملائكة فإنهم

يشفعون لمن أراد الله عز وجل.
قال مجاهد، معناه: لا يشفع المسيح وعزير والملائكة إلا من شهد بالحق، أي: قال لا إله إلا الله.
فهذا يدل على أنه استثناء ليس من الأول.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ الله﴾، أي ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين بالله من قومك من خلقهم ليقولون خلقهم الله.
ثم قال: ﴿فأنى يُؤْفَكُونَ﴾، أي: فمن أي وجه يصرفون عن عبادة الله الذي خلقهم، ويحرمون أتباع رضاه.
ثم قال تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يارب إِنَّ هؤلاء قَوْمٌ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ من نصب " وقيله " عطفه، عند الأخفش على " سرهم ونجواهم " (أي: نسمع سرهم ونجواهم وقيله.
وقيل إنما) يجوز نصبه على المصدر.

وقال الزجاج: هو معطوف على موضع الساعة، (لأن معنى " وعنده علم الساعة ") ويعلم وقت الساعة ويعلم قيله.
وقيل هو معطوف على مفعول " يعلمون " المحذوف، والتقدير: هم يعلمون الحق وقيله.
وقيل معطوف على مفعول " يكتبون " المحذوف، والتقدير: ورسلنا لديهم يكتبون ذلك وقيله.
ومن خفضه عطفه على لفظ " الساعة "، أي: وعنده علم الساعة وعلم قيله.

والرفع فيه جائز على الابتداء.
والمعنى: ونسمع شكوى محمد وقيله: يا رب، إن هؤلاء الذين أمرتني أن تدعوهم وننذرهم لا يؤمنون.
وهذا قول كان يقول له النبي صلى الله عليه وسلم لما امتنعت عليه قريش من الإيمان فأنزله الله جل ذكره.
قال مجاهد وقتادة: هذا قول نبيكم صلى الله عليه وسلم يشكو / قومه إلى ربه، حكاه الله جل ذكره لنا في كتابه.
والهاء في " وقيله " عائد على النبي صلى الله عليه وسلم وقيل: تعود على عيسى، فترجع على قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً﴾ [الزخرف: 57]- الآية.
ثم قال تعالى: ﴿فاصفح عَنْهُمْ وَقُلْ سَلاَمٌ﴾، أي: دعهم واغفر لهم قولهم

وفعلهم، وقل: مسالمة ومتاركة مني إليكم، وتقديره: وقل أمري سلام.
وهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال، ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال.
وقال الفراء: التقدير: وقل سلام عليكم، ثم حذف، وهو بعيد لم يؤمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن يجيبهم، إنما أمر (بأن يسالمهم) حتى يأتيه أمر الله عز وجل.
وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يبدأ النصارى واليهود بالسلام فكيف يأمره الله بذلك للمشركين وينهاه عنه.
قال ابن عباس: " فاصفح عنهم، أي: أعرض عنهم ". ثم قال: (فسوف تعلمون).
هذا تهدد ووعيد، أي: سوف تلقون ما يسوؤكم إن تماديتم على كفركم.

سورة

مكية قال الحسن: "من قرأ سورة الدخان ليلة الجمعة غفر له".
ومن رواية ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (من قرأ يس وحم الدخان في ليلة جمعة إيماناً واحتِسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).

وقال - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ قَرَأَهُمَا فِي يَوْمٍ في أَولَ نَهَارهِ لَم يُدْرِكُهُ ذَنْب إِلاّ الشّرْكُ بالله سُبْحَانَهُ".
قال تعالى: ﴿حم* والكتاب المبين﴾ - إلى قوله -: ﴿إِنَّكُمْ عَآئِدُونَ﴾، قد تقدم ذكر حم.
وقوله: ﴿والكتاب المبين﴾ معناه، وحق الكتاب الظاهر، يعني: القرآن.
وجواب القسم في وقوله: ﴿والكتاب المبين﴾ قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾.
وقيل: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾.
وقيل: لا يجوز أن يكون الجواب ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ﴾ لأنه صفة للمقسم به.
ولا يكون صفة المقسم به جواباً للقسم.

ثم قال: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ﴾، يعني: القرآن أنزل إلى السماء الدنيا جملة ليلة القدر، وهي الليلة المباركة، ثم نزل على النبي صلى الله عليه وسلم في نيف وعشرين سنة نجوماً، نجم بعد نجم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1]، أي: والقرآن إذا نزل، وهو معنى قوله أيضاً: ﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75]، اي: أقسم بنزول القرآن و " لا " صلة.
قال قتادة: الليلة المباركة: ليلة القدر.
ونزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، (ونزلت التوارة لست ليالٍ مضين من رمضان، ونزل الزبور لاثنتي عشرة ليلة مضت من رمضان)، ونزل الإنجيل الثماني عشرة ليلة مضت من رمضان، ونزل القرآن لأربع وعشرين مضت من رمضان.

قال ابن عباس: أنزل الله عز وجل القرآن في ليلة القدر إلى السماء الدنيا جملة واحدة، ثم نزل به جبريل في عشرين سنة.
وقيل المعنى: إنا ابتدأنا إنزاله في ليلة القدر.
وقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾.
قال عكرمة: هي ليلة النصف من شعبان فيها يبرم أمر السنة.
وظاهر التلاوة يدل على أنها ليلة قد تفرق فيها الأرزاق وتقضي الآجال إلى مثلها من قابل.
قال أبو العالية: ليلة القدر بركة كلها، لا يوافقها عبد مؤمن يعمل إحساناً إلا غفر له ما مضى من ذنوبه.
قال عكرمة: يكتب في ليلة النصف من شعبان حاج بيت الله الحرام فلا يغادر منهم أحداً ولا يزاد فيهم أحد.

والبركة في اللغة: الثبات والدوام والزيادة.
وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ﴾، أي: منذرين خلقنا بهذا القرآن الذي أنزلناه في ليلة القدر أن يجل بهم العذاب بكفرهم.
ثم قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾، أي في تلك الليلة المباركة يقضى كل أمر محكم، وهو أمر السنة كلها، من يموت ومن يولد، ومن يُعَزُّ ومن يُذَلُّ، وغير ذلك.
سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، سئل الحسن: هل ليلة القدر في كل رمضان؟ فقال: أي، والله إنها لفي كل رمضان، وإنها الليلة التي يفرق فيها كل أمر حكيم، فيها يقضي الله كل أجل وأمل ورزق إلى مثلها، وهو قول مجاهد وقتادة، وقاله ابن عباس وغيره.
وقيل معنى " يفرق ": يفصل بين المؤمن والكافر والمنافق فيقال للملائكة هذا فيعرفونه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " (تُقْطَعُ الآجَالُ) مِنْ شَعبَانَ إِلى شَعْبَانَ حَتَّى أَنَّ الرَّجُلَ لَيَنْكِحُ وَيُولَدُ لَهُ وَلَقَدْ خَرَجَ اسْمُهُ فِي المَوْتَى "، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ: إِنَّهَا لَيْلَةُ

النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ ". ثم قال تعالى: ﴿أَمْراً مِّنْ عِنْدِنَآ﴾، أي: قضاء قضيناه، أي: أمراً نأمر به تلك الليلة.
وانتصب أمراً على أنه مصدر في موضع الحال عند الأخفش، أي: إنا أنزلناه آمرين أمراً وراحمين رحمةً.
وقال المبرد: نصبه نصب المصدر على معنى: أنزلناه إنزالاً فالأمر يشتمل على الإخبار.
وقال الجرمي: هو حال من نكرة، وأجاز هذا رجلٌ مُقْبِلاً.

وقال الزجاج: هو مصدر: والتقدير: فيها يفرق فرقاً / فأمر، بمعنى: فرق.
وقيل: إن " يفرق " يدل على " يؤمر " فانتصب " أمراً " على المصدر وعمل فيه المعنى.
وقوله: ﴿رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السميع العليم﴾.
انتصب الرحمة على الحال - عند الأخفش -، ونصبه الفراء على أنه مفعول ل " مرسلين "، وجعل " الرحمة " هي النبي صلى الله عليه وسلم وأجاز الزجاج أن تنصبه على أنه

مفعول من أجله.
وقيل: هي بدل من " أمراً ". وقيل: نصبها على المصدر.
والمعنى: إنا كنا مرسلين رسولا وهو الرحمة.
إن الله هو السميع لما يقول المشركون في رسوله، العليم بما ينطق (في علمه) ضمائرهم وغير ذلك من أمورهم.
" وإنا أنزلناه جواب القسم.
ثم قال تعالى: ﴿رَبِّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: الذي أنزل الكتاب على محمد صلى الله عليه وسلم وهو رب السماوات والأرض وما بينهما، أي: هو مالك ذلك كله ومبتدعه ومدبره.
﴿إِن كُنتُم مُّوقِنِينَ﴾، أي: إن كنتم توقنون بحقيقة ما أخبرتكم به من أن ربكم رب السماوات والأرض.
وقوله: ﴿لاَ إله إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَآئِكُمُ الأولين﴾، أي: هو مالككم ومالك من مضى قبلكم من آبائكم الأولين.

ثم قال: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ﴾، أي ما هم على يقين مما يقال لهم (لكنهم في شك منه، فهم يلعبون لشكهم.
ثم قال تعالى: ﴿فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ أي: فانتظر يا محمد) النقمة منهم وقت يحول بينهم وبين السماء دخان من شدة الجوع.
بلغ بهم الجوع إلى أن كانوا يأكلون الغلهز، والغلهز أن يفقأ القُراد في الصوف.
ويشوى ذلك الصوف بدم القراد ويؤكل.
والقُراد: الحلم.
فرحمهم النبي صلى الله عليه وسلم وبعث إليهم بصدقة ومال.
ومفعول: " فارتقب " محذوف، وهو النقكة وشبهها.
وقيل: التقدير هذا عذاب أليم فارتقبه يوم تأتي، وفيه بُعْدٌ لحذف الهاء من غير صلة ولا صفة، ولأنه رفع " العذاب " مع حذف الهاء، وذلك لا يحسن إلا في الشعر.
" وقد حَلَّ (بقريش ذلك كله)، إذ دعا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال: " اللَّهُمَّ سِنِينَ

كَسِني يُوسُفَ ". فأُخِذُوا بالجوع.
فكان الرجل يحول بينه وبين النظر إلى السماء دخان من شدة الجوع، فيصير كهيئة الدخان، هذا قول ابن مسعود وغيره من المفسرين.
وقيل: الدخان آية من آيات الله يرسله الله عز وجل على عباده قبل مجيء الساعة فيدخل في أسماع أهل الكفر ويعتري أهل الإيمان كهيئة الزكام، روي ذلك عن ابن عمرو والحسن.
وروى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَوَّلُ الآياتِ الدُّخَانُ، وَنُزُولُ عِيسَى، وَنَارٌ تَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ عَدَنُ أبين تَسُوقُ النَّاس إِلَى المَحْشَرِ تَقِيلُ مَعَهُمْ إِذا

قَالُوا.
قال حذيفة: يا رسول الله وما الدخان؟: فتلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ - الآية، ثم قال: (يُمْلَكُ بِالدُّهَانِ) مَا بَيْنَ (المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ)، يَمْكُثُ أَرْبَعِينَ يَوْماً وَلَيْلَةً.
أَمَّا المُؤْمِنُ فَيُصِيبَهُ مِنْهُ كَهَيْئَةِ الزَّكْمَةِ، وَأَمَّا الكَافِرُ فَكَهَيْئَةِ السَّكْرَانِ، يَخْرُجُ مِنْ مَنْخَرَيْهِ وَأُذُنَيْهِ وَدُبُرِهِ ". وقيل: إن الدخان هو ما ينتظر بهم يوم القيامة من العذاب، قاله زيد بن علي.
ثم قال: ﴿يَغْشَى الناس هذا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: يغشى ذلك الدخان الناس يقولون هذا عذاب أليم.
ثم قال: ﴿رَّبَّنَا اكشف عَنَّا العذاب إِنَّا مْؤْمِنُونَ﴾، أي: يقولون ربنا اكشف عنا العذاب إنا مؤمنون.
ثم قال تعالى: ﴿أنى لَهُمُ الذكرى وَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: من أي وجه لهم

التذكر بالإيمان عند حلول العذاب بهم، وقد تولوا عما جاءهم به رسولهم.
﴿وَقَالُواْ مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ﴾، أي: علم هذا الذي جاءنا به ليس هو من عند الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العذاب قَلِيلاً﴾، أي: إنا نكشف عنكم العذاب الذي نزل بكم بالخصب والرخاء وقتاً قليلاً، إنكم عائدون إلى كفركم إذا كشفناه عنكم، (وتنقضون ما عهدتم) به أنكم تؤمنون إذا كشف عنكم.
وقيل معناه: إنكم عائدون في عذاب الله (في الآخرة) إن لم تؤمنوا.
وقيل معناه: عائدون إلى الشرك.
قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، أي: ننتقم منكم إن عدتم إلى كفركم عند كشفنا عنكم ما أنتم فيه من الجهد يوم نبطش البطشة الكبرى، وهو يوم بدر عند أكثر المفسرين، قاله ابن مسعود وابن عباس ومجاهد والضحاك وابن زيد وأبو العالية، وهو قول وهو قول أُبي بن كعب، أمكن الله عز وجل منهم المؤمنين يوم بدر فقتلوا منهم سبعين وأسروا سبعين.

والعامل في " يوم نبطش ": " منتقمون ". / وقيل: العامل فيه فعل مضمر، تقديره: اذكر يا محمد يوم نبطش.
وهو الأحسن، لأن الظرف لا يعمل فيه ما بعد أن عند البصريين.
وقيل: التقدير: ننتقم يوم نبطش، ودل عليه " منتقمون ". وفيه أيضاً بُعْدٌ لأن ما بعد " إنَّ " لا يفسر ما قبلها كما لا يفعل (ما بعدها) فيه.
فإضمار " اذكر " أحسن الوجوه، وذلك أن الله جا ذكره كشف عنهم ما كانوا فيه من الجهد فعادوا إلى كفرهم فأهلكهم قتلا بالسيف يوم بدر.
فيكون العامل في " يوم نبطش " فعلاً مضمراً يفسره " إنا منتقمون ". ولا يحسن أن يعمل فيه " منتقمون "، لأن ما بعد " أن " لا يعمل فيما قبلها.
ويجوز أن يكون العامل " اذكر " مضمرة.
وقال عكرمة: البطشة الكبرى هي بطشة الله عز وجل بأعدائه يوم القيامة.

وكذلك روى قتادة عن الحسن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، أي اختبرناهم وابتليناهم قبل مشركي قومك يا محمد.
﴿وَجَآءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ﴾ يعني موسى صلى الله عليه وسلم أي " كريم عند ربه عز وجل.
وقيل كريم من قومه.
وقيل: الفتنة في هذا العذاب.
وفي الكلام تقدير وتأخير، والتقدير، ولقد جاء قوم فرعون رسول كريم.
وفتناهم، أي: عذبناهم بالغرق، لأن العذاب - وهو الغرق - كان بعد مجيء موسى إليهم وإنذاره إياهم وكفرهم . ثم قال تعالى: ﴿أَنْ أدوا إِلَيَّ عِبَادَ الله إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ﴾.
قال ابن عباس معناه: (أن اتبعوني) إلى ما أدعوكم إليه يا عباد الله فيكون " عباد ": نصب على النداء المضاف على هذا القول.

وقال مجاهد معناه: أن أرسلوا معي عباد الله وخلوا سبيلهم، يعني بني إسرائيل، وهو مثل قوله: ﴿فَأَرْسِلْ مَعَنَا بني إِسْرَائِيلَ وَلاَ تُعَذِّبْهُمْ﴾ [طه: 47].
وقيل التقدير: وجاءهم رسول أمين يقول لهم: أدوا إِليَّ عباد الله أي: خلوا

سبيلهم إني لكم رسول من الله إليكم، أنذركم بأسه إن لم تؤمنوا، أمين على وحيه ورسالته إليكم.
ثم قال: ﴿وَأَن لاَّ تَعْلُواْ عَلَى الله إني آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: وجاءكم رسول كريم بأن أدوا إلي عباد الله وبألا تعلوا على الله، أي: لا تطغوا على ربكم فتكفروا به.
﴿إني آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾، أي: بحجة ظاهرة تدل على صحة ما جئتكم به.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَن تَرْجُمُونِ * وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون﴾، أي: قال لهم موسى ": وإني اعتصمت واستعذت بربي وربكم من أن تشتمون بألسنتكم، قاله ابن عباس والضحاك.
وقال أبو صالح: أن ترجمون معناه: أن تقولوا لي شاعر (أو كاهن) أو ساحر.

وقال قتادة معناه: " أن ترجمون بالحجارة ". وقال الفراء: " الرجم - هنا - القتل ". استجار بالله عز وجل واعتصم به سبحانه من أن يقتلوه.
ثم قال لهم: ﴿وَإِن لَّمْ تُؤْمِنُواْ لِي فاعتزلون﴾، أي: أذا أنتم لم تصدقون فيما أقول لكم فخلوا سبيلي (ولا تؤذون).
وقيل معناه: فدعوني كفافاً، لا عَلَيَّ ولا لي.
قال: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هؤلاء قَوْمٌ مُّجْرِمُونَ﴾، أي: فدعا موسى ربه إذ كذبوه ولم يؤمنوا وهموا بقتله.
وفي الكلام حذف تتصل الفاء به.
والتقدير: فكفروا فدعا ربه ولو لم يكن هذا الإضمار لم تتصل الفاء بشيء ومثله في قوله: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي﴾.
قوله: ﴿أَنَّ هؤلاء﴾، أي فدعا ربه فقال إن هؤلاء قوم مجرمون لا يؤمنون بما

جئتهم به.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلاً إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ﴾.
في هذا الكلام حذف.
والتقدير: فأجابه ربه عز وجل بأن قال له: فأسر بعبادي ليلاً، يعني: بني إسرائيل، أي: فأسر بعبادي الذين صدقوك وآمنوا بك ليلاً إنهم متبعون، أي: إن فرعون وجنوده من القبط يتبعونكم إذا سريتم من عندهم.
ثم قال: ﴿واترك البحر رَهْواً﴾، أي: إذا قطعت البحر (أنت وأصحابك) فاتركه ساكناً على حاله حين دخلته.
هذا لفظه لفظ الأمر ومعناه الخبر.
لم يكن في (وسع موسى) ترك ذلك، ولم يكن الله عز وجل ليأمره بما لا يقدر عليه، فهو وعد من الله عز وجل لموسى أن يفعله له، وكأنه قال: ويبقى البحر على حاله ساكنا حتى يدخله فرعون وجنوده فيغرقون.
قال ابن عباس، معناه: واتركه طريقاً.
وقال الضحاك: سهلاً.
وقال مجاهد معناه: واتركه ساكناً لا يرجع إلى ما كان عليه حتى يحصل فيه

آخرهم، وهو معنى قول ابن عباس: اتركه طريقاً، وروي عن مجاهد أيضاً " رهواً ": يابساً، وحكى المبرد: عيش (راهٍ، أي): خفض وادع.
قال: فمعنى رهواً: ساكناً، حتى يحصلوا فيه وهو ساكن فلا (ينفروا منه).
وقيل الرهو: المتفرق ويقال: جاء القوم رهواً، أي: على نظام واحد.
وروي أن الله جل ذكره قال هذا لموسى بعد أن قطع البحر بنو إسرائيل.
فعلى / هذا القول يكون في الكرم حذف.
والتقدير: فسرى موسى بعبادي

ليلاً وقطع بهم البحر فقلنا له بعدما قطعه وأراد رد البحر إلى هيئته التي كان عليها قبل اتفلاقه: اتركه رهواً، أي: ساكناً على حاله لا ترده إلى (هيئته الأولى) حتى يدخلوا كلهم فيه ويطمئنوا.
هذا القول هو قول قتادة.
قال قتادة: لما خرج آخر بني إسرائيل أراد نبي الله موسى عليه السلام أن يضرب بالبحر بعصاه حتى يعود كما كان مخافة أن يتبعه فرعون وجنوده، فقيل له: اتركه اكناً على حاله إنهم جند مغرقون، فغرقهم الله عز وجل في البحر.
ثم قال تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُواْ مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ﴾، أي: كم ترك آل فرعون - يعني: القبط المغرقين - من بساتين وينابيع ماء تتفجر في بساتينهم وزروع قائمة.
﴿وَمَقَامٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: مقام الملوك والأمراء، كانوا يعظمونه ويشرفونه، يعني به المنابر، (قاله ابن عباس وقيل: هي المنازل الحسنة.
ومعنى كريم: حسن).
ثم قال: ﴿وَنَعْمَةٍ كَانُواْ فِيهَا فَاكِهِينَ﴾، أي: وأخرجوا من نعمة كانوا فيها متفكهين.
قال قتادة: فاكهين: ناعمين.
وعن ابن عباس: فاكهين: فرحين والنعمة - بالفتح - التنعم.
وقرأ أبو رجاء العطاردي والحسن " فَكِهينَ " بغير ألف، على معنى: كانوا فيها بطرين أشرين.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾، أي: هكذا فعلنا بهم أيها الناس، وأورثنا ما تركوا مما تقدم وصفه قوماً آخرين يعني: بني إسرائيل.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾، أي: ما بكى عليهم حين هلكوا بالغرق أهل السماء، ولا أهل الأرض.
ثم حذف.
وقيل: إن بكاء السماء حمرة أطرافها.

قال السدي: " لما قُتل الحسين بن علي عليه السلام بكت السماء عليه وبكاؤها حمرتها ". وقال عطاء: " بكاؤها " حمرة أطرافها ". وقيل: معنى ذلك أن المؤمن إذا مات بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحاً، فأعلمنا الله أنهم لم يكونوا مؤمنين فتبكي عليهم السماء والأرض.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " بَدَأَ الإسْلاَمُ غَرِيباً وَسَيَعُودُ غَرِيباً،

أَلاَ لاَ غُرْبَةَ عَلَى المُؤْمِنِ [مَا] مَاتَ مُؤْمِنٌ في غُرْبَةٍ غَابَتْ عَنْهُ فِيهَا بَوَاكِيهِ إِلاَّ بَكَتْ عَلَيْهِ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ.
ثُمَّ قَرَأَ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السمآء والأرض﴾ ثم قال: إِنَّهُمَا لاَ يَبْكِيَانِ عَلَى الكَافِرِ ". ومن قال أن السماء والأرض تبكيان على المؤمن ولا تبكيان على الكافر، علي بن أبي طالب (رضي الله عنهـ) وابن عباس والحسن والضحاك وقتادة.
قال ابن عباس: ليس أحد من الخلائق إلا له باب في السماء (ينزل منه) رزقه

وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء ففقده بكى عليه، وإذا أفقده مصلاه من الأرض والموضع الذي كان يذكر الله عز وجل فيه بكى عليه.
وإن قوم فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض ولا في السماء فلم يبك عليهم شيء حين هلكوا هذا معنى قوله.
وقوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُنظَرِينَ﴾، معناه: لم يكونوا مؤخرين حين أتاهم العذاب وتم الأجل.
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بني إِسْرَائِيلَ﴾ - إلى قوله - ﴿هُوَ العزيز الرحيم﴾، أي: ولقد نجى الله عز وجل بني إسرائيل من العذاب المذل والإهانة التي كان فرعون وقومه يعذبونهم بها.
قال قتادة: عذابهم لبني إسرائيل هو قتلهم أبناؤهم واستحياء نساءهم.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ المسرفين﴾ أي: إن فرعون كان جباراً مستكبراً على ربه سبحانه مسرفاً متجاوزاً إلى غير ما يحب له من الكفر والطغيان.
قال ابن عباس: من المسرفين: من المشركين.
وقال الضحاك:

من القتالين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدِ اخترناهم على عِلْمٍ عَلَى العالمين﴾، أي: ولقد اخترنا بني إسرائيل على علم منا بهم على عالم زمانهم وقيل معناه: اخترناهم للرسالة والتشريف على علم منا بهم فذكر تعالى أنه أختارهم لكثرة الأنبياء منهم.
قال قتادة ومجاهد معناه: اخترناهم على أهل زمانهم ذلك ولكل زمان عالم.
ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُم مِّنَ الآيات مَا فِيهِ بَلاَءٌ مُّبِينٌ﴾، أي: وأعطيناهم من العبر والعظات ما فيه اختبار يبين لمن تأمله أنه اختبار اختبرهم الله عز وجل به.

وقيل المعنى: آتيناهم نعماً عظيمة وعبراً ظاهرةً.
روي أن الله عز وجل أنزل ببيت المقدس سلسلة معلقة من السماء فكانوا يتحاكمون في حقوقهم وخصوماتهم ودعاويهم إلى السلسلة.
فمن كان محقاً أدرك بيده مس السلسلة، ومن كان مبطلاً لم يدرك بيده مسها، فلم يزالوا كذلك حتى مكروا / فرقعت، وذلك فيما روي أن رجلاً منهم أودع رجلاً مالاً فجحده المودع عنده، فتحاكما إلى السلسلة فعمد الذي جحد الوديعة إلى كلخ فقأ داخله، ثم أدخل فيه الوديعة.
فلما أتيا إلى السلسلة قال الجاحد للوديعة لرب المال: أمسك لي هذه الكلخة (في يدك) حتى أمس السلسة، فأمسكها رب المال وهو لا يعلم بما فيهاغ.
ثم تقدم الجاحد بحضرة الناس، وقال: اللهم إن كنت تعلم أني قد وضعت ماله في يده وقبضه مني فأسألك ألا تفضحني ومَدَّ يده فأدرك السلسة فأقبل صاحب المال يقول: والله يا بني إسرائيل (إن هذه السلسلة لباطل وزور، فرفع الله السلسلة من ذلك الوقت.
ويروى أنه كان لهم عمودان، فإذا أتهم أحد بزنى فَأَقَرَّ رُجِمَ، وإن جحد أدخل بين) العمودين فإن كان كاذباً انضما عليه فقتلاه، وإن (كان بريئاً) سلم.
وكان الرجل منهم يعمل الذنب لا يعلم به أحد فيصبح ويجده مكتوباً على بابه.
قال قتادة: البلاء هو أنه (تعالى نجاهم) من عدوهم، ثم أقطعهم البحر وظلل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى.
فيكون البلاء هنا على قول قتادة، النعمة.
وقال ابن زيد: ابتلاهم بالخير والشر، يختبرهم فيما آتاهم من الآيات، من يؤمن بها ومن يكفر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هؤلاء لَيَقُولُونَ * إِنْ هِيَ إِلاَّ مَوْتَتُنَا الأولى وَمَا نَحْنُ بِمُنشَرِينَ﴾، أي:

إن مشركي قريش يا محمد ليقولن ما هي إلا موتتنا التي نموتها، وما نحن بعد مماتنا بمبعوثين تكذيباً منهم للبعث والثواب والعقاب.
ثم قال: ﴿فَأْتُواْ بِآبَآئِنَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾، أي: قالوا لمحمد عليه السلام ومن آمنوا به فأتوا بآبائنا، أي: فأحيهم لنا لنسألهم عن صدقكم إن كنتم صادقين.
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: أهؤلاء المشركون يا محمد خير أم قوم تبع الحميري.
وقالت عائشة رضي الله عنها: كان " تبع " رجلاً صالحاً، فذم الله قومه ولم يذمه.
قال كعب: كان " تبع " ملكاً من الملوك، وكان قومه كهَّاناً، وكان معه قوم من أهل الكتاب [فكان قومه يكذبون على أهل الكتاب عنده.
فقال لهم جميعاً: قربوا قرباناً فَقَرَبُوا.
فتقبل قربان أهل الكتاب] ولم يتقبل

قربان قومه فأسلم، فلذلك ذكر الله عز وجل قومه ولم يذكره.
قال أبو عبيدة: " تبع " اسم ملك من ملوك اليمن، سمي بذلك لأنه يتبع صاحبه.
وروي سهل بن سعد الساعدي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لاَ تَلْعَنُوا تُبَّعاً فَإِنَّهُ (قَدْ كَانَ) " أَسْلَمَ ". وقوله: ﴿والذين مِن قَبْلِهِمْ﴾، أي: من قبل قوم تُبَّع من الأمم الكافرة

بربها.
يقول الله جل ذكره: فليس هؤلاء المشركون من قومك يا محمد بخير من أولئك الذين أهلكوا بكفرهم، فطمعوا أن (نصفح عنهم) ولا نعذبهم وننتقم منهم بكفرهم.
وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ إِنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾، أي: أهلكنا قوم تبع والذين من قبلهم من الأمم الكافرة إنهم كانوا قوماً مجرمين.
فإذا انتقمنا من الأفضل لكفره فما ظنك بالأدون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾، أي: لم نخلق ذلك لعبا، بل خلقناه لإقامة العمل والحق الذي لا يصلح التدبير إلا به.
ينبه جل ذكره وخلقه على صحة كون البعث والثواب والعقاب، وأنه لم يخلق الخلق عبثاً، بل خلقهم ليبلوهم أيهم أحسن عملاً وأقبل للطاعة، فيجازي المحسن بالإحسان والمسيء بما أراد، وهو قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَآ إِلاَّ بالحق﴾، أي للحق والعدل.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾، أي: أكثر هؤلاء المشركين لا يعلمون أن الله خلق (ذلك لذلك) فهم لا يخافون عقاباً (ولا يرجعون لتكذيبهم) بالمعاد والثواب والعقاب.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل