الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال الحسن: هي في أهل الإسلام ممن بقي بعد النبي صلى الله عليه وسلم قال: لقد كانت بعد نبي الله صلى الله عليه وسلم نقمة شديدة فأكرم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم أن يريه في أمته ما كان من النقمة بعده.
وقال قتادة: لم تقع النقمة، بل قد أذهب الله نبيه ولم ير في أمته إلا الذي تقر به عينه.
قال / وليس من نبي إلا وقد رأى في أمته ما لا يشتهي.
قال قتادة: ذُكِر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم أُرِيَ ما يصيب أمته بعده، فما زال منقبضاً ما استبسط ضاحكاً حتى لقي الله جل ذكره.
وقال السدي: هذه الآية عُني بها أهل الشرك من قومه صلى الله عليه وسلم، وقد أراه النقمة فيهم وأظهره عليهم.
فالمعنى: فإن نذهب بك يا محمد من بين أظهر هؤلاء المشركين، فإنا منهم
منتقمون كما فعلنا ذلك بالأمم المكذبة قبلهم، أو نريك الذي وعدناهم من النقمة منهم وإظهارك عليهم، فإنا عليهم مقتدرون.
ومعنى: الذي وعدناهم: الذي وعدناك فيهم من النصر.
وقيل: هو راجع إلى قوله: ﴿والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: 35].
فيكون المعنى: أو نريك الذي وعدنا المتقين من النصر.
ثم قال تعالى: ﴿فاستمسك بالذي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ يعني القرآن، أي: الزمه واعمل بما فيه أنت ومن آمن بك.
ثم قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، أي: وإن هذا القرآن لشرفٌ لك ولقومك، يعني: قريشاً، وسوف تسألون عن الشكر على ما فضلكم به من إنزال كتابه عليكم.
وقيل: المعنى: وسوف تسألون عما عملتم فيه من قبولكم لأوامره ونواهيه.
ثم قال تعالى: ﴿وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرحمن آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾، يعني: اسأل يا محمد أهل الكتابين عن ذلك.
فالتقدير: وأسال من أرسلنا إليهم قبلك رسلنا.
و " من " زائدة.
وفي قراءة ابن مسعود: وسئل الذين ارسلنا من قبلك من رسلنا، هذا قول مجاهد والسدي، وقال قتادة: معناه: سل يا محمد أهل التوراة والإنجيل هل جاءتهم الرسل إلا بالتوحيد.
وقال الضحاك، أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل مؤمني أهل الكتاب.
وقال ابن زيد: أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يسأل الأنبياء عن ذلك ليلة جُمُعوا له في الإسراء إلى بيت المقدس.
فكان النبي صلى الله عليه وسلم أشد إيماناً ويقيناً أن الله عز وجل لم يأمر بعبادة غيره من أن يحتاج أن يسأل احداً.
" فمن " على هذا القول غير زائدة.
" ويروى أن النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل عليه ذلك قال له جبريل: سل يا محمد الأنبياء الذين أريتهم في الإسراء قال: " لاَ أَسْأَلُ قَدِ اكْتَفِيْتُ ".
فالمعنى: على هذا القول: (إنه يا محمد) سيسري بك ربك فأسأل الرسل هل أمر الله عز وجل أن يُعْبَدَ غيره.
وقيل: تقدير الآية: واسأل يا محمد أمم من أرسلنا قبلك (من رسلنا)، ثم حذف المضاف.
فيكون المسؤول أهل الكتابين وغيرهم من جميع الأمم، أي: سلهم هل وجدوا في كتبهم أن الله عز وجل أمر أن يعبد معه غيره.
والتقدير في الآية عند ابن قتيبة: واسأل من أرسلنا إليك قبلك رسلاً من رسلنا، فحذف " إليه " لأن في الكلام ما يدل عليه فالخطاب عنده للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد: المشركون.
وحذف رسلاً لأن ﴿مِن رُّسُلِنَآ﴾ يدل عليه كما قال:
كَأَنَّكَ مِنْ جِمَالِ بَنِي أُقَيْشٍ.
أي: كأنك جَمَلٌ من جمال بني أقيش، وحذف " إليه " عند أهل العربية بعيد في القياس.
وقيل: المعنى: " سلنا عن الأنبياء الذين أرسلناهم قبلك ".
ويتم الكلام على " رسلنا " و " عن " محذوفة، ثم ابتدأ بالاستفهام على طريق الإنكار، أي: ما جعلنا آلهة تعبد من دون الله.
وأخبر الآلهة كما يخبر عمن، فقال: " يعبدون " ولم يقل " تعبد " ولا " يعبدون "، لأن الآلهة جرت عندهم مجرى من يعقل فعظموها كما يعظمون الملوك فأجرى الخبر عنها مجرى الخبر عن من يعقل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بآياتنآ إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾، أي: ولقد أرسلنا موسى بالحجج والآيات إلى أشراف قوم فرعون وآل فرعون كما أرسلناك يا محمد إلى قومك.
فقال لهم موسى: إني رسول رب العالمين.
فلما جاءهم موسى بآياتنا وأدلتنا إذا هم منها يضحكون، أي: يهزءون ويسخرون كما فعل بك قومك يا محمد.
وهذا كله تسلية وتصبير للنبي صلى الله عليه وسلم على ما ناله من قومه، فأعلمه أن ما نزل به من قومه قد نزل بمن كان قبله من الأنبياء فندبه تعالى إلى الصبر فقال: ﴿فاصبر كَمَا صَبَرَ أُوْلُواْ العزم مِنَ الرسل﴾ [الأحقاف: 35].
قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيِهِم مِّنْ آيَةٍ إِلاَّ هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ إلى قوله - ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: وما نرى آل فرعون من حجة على صدق ما جاءهم به موسى إلا هي أكبر من أختها، أي: هي أبين وآكد عليهم في الحجة من التي مضت قبلها.
ثم قال: ﴿وَأَخَذْنَاهُم بالعذاب لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: (وأخذنا آل) فرعون بالجدب والسنين والجراد والقمل والضفادع والدم، لعلهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتركون الكفر.
/
ثم قال: ﴿وَقَالُواْ يا أيه الساحر ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ﴾، أي: وقال فرعون وملأه لموسى لما مسهم الضر بالجراد والقمل والضفادع والدم والسنين: يا أيها الساحر ادع لنا ربك بعده الذي عهد إليك إنا آمنا بك واتبعناك إن كشف عنا الزجر.
وإنما خاكبوه بالساحر وهم يسألونه أن يدعو الله لهم ويعدوه بالإيمان، لأن الساحر عندهم: العالم، ولم يكن الساحر عندهم ذماً، فكأنهم قالوا له: يا أيها العالم.
وقيل: خاطبوه بذلك على عادتهم معه، ووعدوه أنهم سيؤمنون به فيما يستقبل، ومعنى: إننا لمهتدون، أي: إننا لمتبعوك ومصدقوك إن كشفت عنا العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ العذاب إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ﴾.
في الكلام حذف،
والتقدير: فدعا موسى ربه أن يكشف عنهم العذاب فكشفه الله عنهم.
فلما كشفه عنهم نكثوا وعدهم وتمادوا على كفرهم وتكذيبهم لموسى فنقضوا العهد الذي عاهدوا موسى عليه إن كشف الله عنهم العذاب.
قال قتادة: ينكثون: يغدرون.
ثم قال تعالى: ﴿ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ الآية، أي: ونادى فرعون في قومه من القبط ﴿قَالَ ياقوم أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وهذه الأنهار تَجْرِي مِن تحتي﴾، أي: من بين يدي في الجنات.
قال قتادة: تجري من تحتي، قال: كانت له جنات وأنهار ماء.
وقوله: ﴿أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾: (معناه: أفلا تبصرون أيها) القوم ما أنا فيه من النعيم والملك وما فيه موسى من الفقر وَعَيَّ اللسان.
وقدره الأخفش: " أفلا تبصرون، أم تبصرون "، وقدره الخليل وسيبويه: " أفلا تبصرون، أم أنتم بصراء ".
ويكون " أم أنا خير " بمعنى: أم أنتم بصراء، لأنهم لو قالو له أنت خير لكانوا عند بصراء.
وقوله: ﴿أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِّنْ هذا الذي هُوَ مَهِينٌ وَلاَ يَكَادُ يُبِينُ﴾، أي: قال فرعون لقومه: بل أنا خير من موسى الذي هو مهين لا عِزَّ له ولا ملك ولا مال يمتهن نفسه في حاجته.
" ولا يكاد يبين "، (أي: لا يبين) كلامه، للعقدة التي كانت فيه.
قال أحمد بن جعفر: تقف على " أفلا تبصرون "، ثم تبتدئ " أم أنا خير "، بمعنى: بل أنا خير.
قال أبو عبيدة: مجاز " أم " هنا، مجاز " بل ".
وقال يعقوب: الوقف: " أفلا تبصرون أم " ويبتدئ: " أنا خير ". وروى عن مجاهد أنه قال: " أفلا تبصرون أم " انقطع الكلام ثم قال: أنا خير من هذا الذي هو مهين "، وكذلك روي عن عيسى بن عمر.
والتقدير على هذا الوقف: أفلا تبصرون أم تبصرون فيتم الكلام.
ثم حذف " تبصرون " الثاني لدلالة الأول عليه فتقف على " أم " لأنها منتهى الكلام.
وقيل: إن من وقف على " أم " جعلها زائدة، وكأنه وقف على " تبصرون " من
قوله: " أفلا تبصرون ".
ولا يتم الكلام على " تبصرون " عند الخليل وسيبويه لأن " أم " تقتضي الاتصال بما قبلها.
وقوله: " أنا خير من هذا الذي هو مهين " مع " أم " في موضع قوله: أم أنتم بصراء.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول فرعون: ﴿فَلَوْلاَ أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: فهلا كان في يد موسى أساورة ذهباً وواحد الأساورة: إسوار.
وفي قراءة أبي: أَسَاوِرُ من ذَهَبٍ.
فهذا يدل على أن الواحد إسوار.
ولكن لما دخلت الهاء في أساورة حذفت الياء لأنهما يتعاقبان في هذا النحو، نحو: دهاقين ودهاقنة، (وجحاجيح وجحاحجة)، وزناديق وزنادقة، الهاء عوض من الياء، والواحد دهقان وجحجاح وزنديق، وحسن انصرافه لدخول هاء التأنيث فيه.
وقال الزجاج: إنما انصرف لأنه له في الواحد نظيراً نحو علانية وعباقيه.
وفيه ثلاث لغات حكاها الكسائي وغيره، يقال: إِسْوَار وسِوَار وسُوَار بمعنى.
وقيل: إن أساورة يجوز (أن يكون) جمع أسورة، وأسورة جمع سُوار وَسِوَار.
والعرب تسمي الرجل الحاذق بالرمي (بِأُسْوَارُ) إذا كان من رجال العجم.
وقوله: ﴿أَوْ جَآءَ مَعَهُ الملائكة مُقْتَرِنِينَ﴾.
هذا من قول فرعون، أي: لو كان موسى صادقا لجاء معه الملائكة، قد اقترن بعضهم ببعض متتابعين، يشهدون بصدقه فيما يقول.
قال مجاهد: مقترنين: " يمشون معه ".
وقال قتادة: مقترنين: متتابعين، وقال السدي: " يقارن بعضهم بعضاً ".
قال الله: ﴿فاستخف قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ﴾، أي: فاستخف فرعون عقول قومه من القبط بقوله فقبلوا منه فأطاعوه على الكفر وتكذيب موسى.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً فَاسِقِينَ﴾، أي: خارجين عن طاعة الله سبحانه بكفرهم وتكذيبهم لموسى وتركهم قبول ما جاء هم به.
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا انتقمنا مِنْهُمْ﴾ - إلى قوله -: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: فلما أغضبونا حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر / أجمعين.
قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا.
وعن ابن عباس: " آسفونا: أسخطونا ". وعنه: أغضبونا.
حلت بهم العقوبة فأغرقوا في البحر / أجمعين.
قال مجاهد وقتادة والسدي وابن زيد: آسفونا: أغضبونا.
وعن ابن عباس: " آسفونا: أسخطونا ". وعنه: أغضبونا.
ثم قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفاً وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾.
السَّلَف، جمع سَالِف، كخَادِم
وَخَدَم، وتَابع وَتَبَع، وَغَائِب وغيب.
والعرب تقول: هؤلاء سلفنا.
وقرأ الكسائي وحمزة: " سُلُفًا " بضمتين وهو جمع سليف حكاه الفراء.
وقرأ حميد الأعرج: " سُلَفاً " بضم السين وفتح اللام، وجمع سلفة، والسلفة: الفرقة المتقدمة.
والمعنى: فجعلنا هؤلاء الذين أغرقنا مقدمة يتقدمون إلى النار كما سنفعل بكفار قومك يا محمد.
وقيل: المعنى: فجعلنا قوم فرعون سلفا لكفار قومك يا محمد يتقدمونهم إلى النار: قاله مجاهد.
وقوله: ﴿وَمَثَلاً لِّلآخِرِينَ﴾، أي: عبرة وعظة لمن يأتي بعدهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾، أي: ولما شبه الله عز وجل عيسى في إحداثه إياه من غير فحل بآدم إذا قومك يا محمد منه يضحكون ويقولون: ما يريد منا إلا أن نتخذه إلها كما تخذت النصارى المسيح، قاله مجاهد.
" وقال ابن عباس لما قال الله عز وجل لقريش: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾، قالت قريش للنبي صلى الله عليه وسلم فما ابن مريم؟ فقال: ذلك عبد الله ورسوله: فقالوا: والله ما يريد هذا إلا أن نتخذه رباً كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم رباً.
فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ﴾ ".
وقيل: إن الآية نزلت في ابن الزبعرى، وذلك أنه لما أنزل الله جل ذكره ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: 98].
قال فالنصارى تعبد المسيح.
فقال الله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾ أي: قد علموا أنه لا يراد بالآية عيسى، وإنما يراد بها الأصنام.
قال الكسائي والفراء: " يصدون " (بالضم والكسر) لغتان، بعمنى يعرضون.
وقال قطرب هما لغتان بمعنى يضحكون.
وقال أبو عبيد: " يَصِدُّون " بالكسر: يضجون، وبالضم يعرضون، وهو قول يونس وعيسى الثقفي.
والاختيار في القراءة عند أبي عبيد بالكسر على معنى يضجون لأنها لو كانت بالضم على معنى يعرضون لكان اللفظ: إذا قومك عنه يَصُدُّون.
ثم قال تعالى: ﴿وقالواءَأَ الهتنا خَيْرٌ أَمْ هُوَ﴾، أي: وقال مشركو قومك يا محمد: أآلهتنا خير أم محمد، فنعبد محمداً ونترك آلهتنا.
وفي خرف أُبي: " ءالهتنا خير أم هذا "، يعني: محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقال السدي معناه: أآلهتنا خير أم عيسى قال: وذلك أنهم خاصموه فقالوا:
أتزعم أن كل من عبد من دون الله في النار، فنحن نرضى أن تكون آلهتنا مع عيسى ابن مريم وعزير والملائكة، هؤلاء قد عُبدوا من دون الله.
قال: فأنزل الله براءة عيسى وشِبْهِهِ في قوله: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى﴾ [الأنبياء: 101] الآية.
وقوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلاً﴾، أي: ما مثلوا لك هذا المثل يا محمد إلا للجدل والخصومة.
أي: لم يقولوا هذا على طريق المناظرة ولا على (وجه التثبت)، إنما قالوه طلباً للخصومة في الباطل.
وهذا فرق بين الجدال والمناظرة، لأن المتناظرين كل واحد منهما يطلب الصواب.
والمتجادلين إنما يطلبان تثبيت ما لم يتيقنا صحته، أو ما قد علما باطله.
فالمجادل يحاول إثبات الباطل على نفسه، والمناظر يحاول إظهار الصواب عند نفسه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه قال): " مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدىً كَانُوا عَلَيْهِ إِلاَّ أُوتُوا الجَدَلَ ".
قال سفيان: " بل هم قوم خصمون "، حُدِّثْتُ أنها نزلت في ابن الزبعرى.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، أي: ما عيسى إلا عبد أنعم الله عليه بالتوفيق بالإيمان، وجعله الله آية لبني إسرائيل، وحجة عليهم، وهو قوله، ﴿وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لبني إِسْرَائِيلَ﴾.
وقيل معنى مثلاً، أي بشراً مثلهم، فضل عليهم.
ثم قال: ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَجَعَلْنَا مِنكُمْ مَّلاَئِكَةً فِي الأرض يَخْلُفُونَ﴾، أي: ولو نشاء يا معشر بني آدم أهلكناهم وجعلنا منكم بدلاً في الأرض من الملائكة يعبدون الله، وهو نحو قوله: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: 133]، و ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ﴾ [الأنعام: 133].
وقال ابن عباس: " يخلفون، " يخلفون، أي: يخلف بعضهم بعضاً "، وقاله قتادة.
وقال
غيرهما: " يخلفون " معناه: يكونون خلفاً من بني آدم.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِّلسَّاعَةِ﴾، أي: وإن ظهور عيسى علم يعلم به قرب قيام الساعة أي: هو من أشراطها، ونزوله إلى الأرض دليل على فناء الدنيا وإقبال الآخرة هذا معنى قول ابن عباس والحسن ومجاهد، وهو قول قتادة والضحاك وابن زيد.
فالهاء في: " وإنه " تعود على عيسى على قولهم.
وقد قرأ مجاهد: " وإنه لَعَلَمٌ " بفتحتيت على معنى: وإن نزول عيسى لعلامة لقرب الساعة.
ورُوي عن الحسن أنه قال معناه: وإن هذا القرآن لعلم للساعة، وحكي مثله
عن قتادة.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً فَلَيَكْسِرْنَّ الصَّلِيبَ وَلَيَقْتُلَنَّ الخِنْزِيرَ ".
وروى مالك عن ابن شهاب عن حنظلة بن علي الأسلمي عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
" لَيَهلَّنَّ ابْنُ مَرْيَمَ بِفَجِّ (الرَّوْحَاءِ حَاجّاً ومُعْتَمِراً) أَوْ لَيُثَنِّهِمَا جَميعاً ".
وروى مالك عن زيد بن أسلم عن أبي هريرة قال: " لاَ تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَماً عَدْلاً وَإِمَاماً مُقْسِطاً، فَيَكْسرُ الصَّليبَ، وَيَقْتُلُ الخِنْزيرَ، وَيضعُ الجِزْيةَ، وَتَضَعُ الحَرْبَ أَوْزَارَهَا، وتَكُونُ السَّجْدَةُ وَاحِدَةً لله ربِّ العَالَمينَ ". وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " يَقْتُلُ ابْنُ مَرْيَمَ الدَّجَالَ (بِبابِ لُدٍّ) ". قال ابن القاسم عن مالك: بينهما الناس (بباب لد) إذ يسمعون الإقامة، فتغاشهم غمامة، فإذا عيسى ابن مريم قد نزل.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يَنْزِلُ عِيسَى عِنْدَ المَنَارَةِ البَيْضَاءِ شَرْقيّ دِمَشْقَ ".
وروي (عن ابن عمر) أنه قال: " يخرج الدجال، ويبعث الله عيسى ابن مريم كأنه عروة بن مسعود الثقفي، فيطلبه ويهلكه.
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ تَهْلَكُ أُمَّةً أَنَا أَوَّلُها والمَسِيحُ آخِرُهَا ".
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: " يموت عيسى (في المدينة) فيدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم ومع أبي بكر وعمر، وقد ترك موضع قبره بينهم.
قال عبد الله بن سلام: نجد في التوراة أن عيسى يدفن مع محمد صلى الله عليه وسلم.
وكان بعض الصحابة يتوقع قرب نزوله.
وروي عن أبي هريرة أنه كان يلقى الغلام الشاب فيقول له: إن لقيت عيسى بن مريم فأَقْرَه عني السلام، وقاله أبو ذر لبعض جلسائه.
وقيل: المعنى: وإن محمداً لعلم للساعة لأنه خاتم النبيين.
فيكون معناه: يُعْلِمُ بَعْثُهُ قُرْبَ قيام الساعة.
وهي في قراءة أبي: " وإِنَّهُ لَذِكْرٌ للسَّاعَةِ ".
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾، أي: لا تشكن في قيام الساعة أيها الناس.
ثم قال: ﴿واتبعون هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: وأطيعون أيها الناس، هذا الذي جئتكم به طريق لا عوج فيه.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَصُدَّنَّكُمُ الشيطان﴾ - إلى قوله -: ﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: ولا يمنعكم الشيطان من اتباع الحق.
﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أي: ظاهرة العداوة.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ عيسى بالبينات قَالَ قَدْ جِئْتُكُم بالحكمة﴾، أي: ولما جاء عيسى) بني إسرائيل) بني إسرائيل بالآيات الواضحات.
يعني: المعجزات.
وقيل: بالبينات: بالإنجيل: قاله قتادة، قال لهم قد جئتكم بالحكمة.
قال السدي: الحكمة ها هنا النبوءة.
وقيل: الحكمة، الإنجيل.
ثم قال: ﴿وَلأُبَيِّنَ لَكُم بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
قال أبو عبيدة: " بعض " بمعنى: " كل " وَرَدَّ ذلك أكثر العلماء لأن فيه التباسَ المعاني وفسادَ الأصول ونقضَ العربية.
والمعنى عند الزجاج: ولأبين لكم في الإنجيل بعض الذي تختلفون فيه.
(فبين
لهم من غير الإنجيل ما احتاجوا إليه.
وقيل معناه: إنه يبين لهم بعض الذي اختلفوا فيه من أحكام التوراة على مقدار ما سألوه عنه، ويجوز أن يختلفوا في أشياء غير ذلك لم يسألوه عن بيانها.
قال مجاهد/ معناه: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه من تبديل التوارة.
وقيل المعنى إن بني إسرائيل اختلفوا بعد موسى في أِشياء من أمر دينهم، وأشياء من أمر دنياهم/ فبين لهم عيسى بعض ما اختلفوا فيه وهو أمر دينهم خاصة، فلذلك قال: ﴿بَعْضَ الذي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾.
ثم قال: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾، أي: فاتقوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه، وأطيعون فيما أقول لكم.
﴿إِنَّ الله هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فاعبدوه﴾، أي: إن الذي يستوجب الإفراد بالعبادة هو الله.
﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾، أي: هذا الذي أمرتكم به هو الطريق المقوم الذي لا يوصل إلى رضى الله إلا باتباعه.
ثم قال تعالى: ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾.
قال قتادة: الأحزاب هنا، هم الأربعة الذين أخرجهم بنو إسرائيل يقولون في عيسى.
فكر ابن حبيب أن النصارى افترقت في عيسى بعد رفعه على ثلاث فرق:
فرقة قالت: هو الله، هم اليعقوبية قال الله عنهم:
﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قآلوا إِنَّ الله هُوَ المسيح ابن مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 17].
وفرقة ثانية قالت: هو ابن الله، وهم النسطورية.
وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَقَالَتِ اليهود عُزَيْرٌ ابن الله﴾ [التوبة: 30].
وفرقة ثالثى قالت: هم ثلاثة: الله إله، وعيسى إله، وأمه إله وهم الملكانية.
وهم الذي قال الله فيهم: ﴿لَّقَدْ كَفَرَ الذين قالوا إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ﴾ [المائدة: 73].
فالنصارى إلى اليوم على هذه إلى اليوم على هذه الثلاث فرق.
وكانوا فيه - إذ كان بين أظهرهم - على فرقتين: فرقت آمنت به، وفرقة كفرت به - وهم الأكثر - ثم لما رفع اختلفوا/ فيه على هذه الأقوال الثلاثة.
وقال السدي: " الأحزاب: اليهود والنصارى ".
ومعنى من بينهم، أي: من بين من دعاهم عيسى إلى ما دعاهم إليه من اتقاء الله والعمل بطاعته.
ثم قال تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾، أي: فالوادي السائل من القيح والصديد في جهنم للذين كفروا بالله من عذاب يوم أليم، وهو يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ الساعة أَن تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾، أي: هل ينظر هؤلاء الأحزاب المختلفون في عيسى إلا الساعة (بغتى، أي: فجأة).
" وأن " في موضع نصب بدل من " الساعة " بدل الاشتمال.
﴿وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: لا يعلمون بمجيئها.
ثم قال تعالى: ﴿الأخلاء يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلاَّ المتقين﴾ أي: المتخالون على
معاصي الله في الدنيا يوم تقوم الساعة يتبرأ بعضهم إلإ الذين تخالوا فيها على تقوى الله.
قال ابن عباس: " كل خلة في الدنيا هي عداوة يوم القيامة، إلا خلى المتقين ".
وقال مجاهد، معناه: الأخلاء في الدنيا على معصية الله متعادون يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ وفي الكلام حذف، أي: إلا المتقين، فإنه يقال لهم يا عبادي لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون على فراق الدنيا، لأنكم قَدِمْتُمْ على ما هو أفضل منها.
وروي (أن الناس) ينادون بهذا النداء يوم القيامة فيطمع فيها من ليس من أهلها، حتى إذا سمع قوله: ﴿الذين آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾ (فييئس منها عند ذلك كل أحد إلا المسلمين ومعنى " وكانوا مسلمين "، أي: وكانوا أهل خضوع لله عز وجل
بقلوبهم.
وقيل: ﴿فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ﴾ [النمل: 13، غافر: 83] الرسل واستسلام له.
وروي عن بعض التابعين أنه قال يخرجون من القبور وكلهم مدعين فيناديهم منادٍ: ﴿ياعباد لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ اليوم وَلاَ أَنتُمْ تَحْزَنُونَ﴾ فيطمع فيها الخلق كلهم/ فيتبعها: ﴿الذين آمَنُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ مُسْلِمِينَ﴾.
فيئس منها الخلق إلا أهل الإسلام.
قال (ابن عباس): يخرجون فينطرزن إلى الأرض غير الأرض التي عهدوا، (وإلى الناس غير الناس الذين عهدوا).
وكان ابن عباس يتمثل بعد هذا القول بقول الشاعر:
فَمَا النَّاسُ بِالنَّاسِ الذِينَ عَهِدتَّهُمْ ولا الدَّارُ بِالدَّارِ الَّتِي كَنْتَ تَعْرِفُ
ثم قال تعالى: ﴿ادخلوا الجنة أَنتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ﴾، أي: تكرمون، قاله ابن عباس.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل هل تحبرون فقال: " اللَّذَّةُ والسَّماعُ بِمَا شَلءَ اللهُ (مِن ذِكْرِهِ) ".
" فالذين " يحتمل أن يكون مبتدأ " وادخلوا " الخبر على حذف القول، أي: يقال لهم: ادخلوا الجنة.
ويجوز أن يكون نعتاً " للعباد " في موضع نصب، يدل على ذلك قوله: ﴿ادخلوا الجنة﴾ وما بعده.
فأتى بلفظ الخطاب.
ويدل على الوجه الأول قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ﴾ وما بعده، فأتى بلفظ الغيبة.
فالعباد مخاطبون لأن المنادى مخاطب.
" والذين " لفظهم لفظ غيبة.
فكلا (الوجهين له) دليل.
ثم قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِّن ذَهَبٍ﴾، أي: يطاف على هؤلاء الذين آمنوا في الجنة بقصاع من ذهب وأكواب من ذهب، أي: يطوف عليهم بذلك الغلمان.
والأكواب التي ليست لها آذان "، قاله السدي.
وقال قتادة: هي دون الأباريق.
وقيل: الكوب الإبريق المستدير الذي لا أذن له ولا خرطوم.
والمعنى: يطاف عليهم في الجنة بصحاف الطعام وأكواب الطعام وأكواب الشراب من ذهب.
فاستغنى بذكر الصحاف والأكواب عن ذكر الطعام والشراب لمعرفة السامعين بمعناه.
قال ابن جبير: إن أدنى أهل الجنة منزلة مَنْ له قصر فيه سبعون ألف خادم، في يد كل خادم صحفة سوى ما في يد صاحبتها.
لو فَتَحَ بابه فضافَه أهل الدنيا لوسعهم، ر يستعين عليهم بشيء من غيره، وذلك قوله: ﴿لَهُم مَّا يَشَآءُونَ فِيهَا﴾ [ق: 35] ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾.
قال عبد الله بن عمر: (وما أحد) من أهل الجنة إلا يسعى عليه ألف غلام، (كل غلام على) عمل خلاف ما عليه صاحبه.
وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الأنفس﴾، أي: وفي الجنة ما تشتهي نفوسكم أيها المؤمنون وتلذ أعينكم.
﴿وَأَنتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، أي: ماكثون أبداً.
" وروى سفيان أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله، إني أحب الخيل، فهل في الجنة خيل؟ فقال له: " إنْ يُدْخِلكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَلاَ تَشَاءُ أََنْ تَرْكَبَ فَرَساً مِنْ يَاقُوتَةٍ حَمْرَاءَ يَطيرُ بِكَ في أَيِّ الجَنَّةِ شِئْتَ إِلاَّ فَعَلْتَ.
فقال الأعرابي: يا رسول الله، إني أحب الإبل، فهل في الجنة إبل؟ فقال: يَا أَعْرَابِيُّ، إِنْ يُدْخِلَكَ اللهُ الجَنَّةَ - إِنْ شَاءَ اللهُ - فَفِيها مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ لَكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ ".
وقال أبو أمامه: إن الرجل من أهل الجنة ليشتهي الطائر وهو يطير فيقع في كفه نضيحاً فيأكل منه (حيث تشتهي) نفسه / ثم يطير، ويشتهي الشراب، فيقع الإبريق في يده فيشرب منه ما يريد، ثم يرجع إلى مكانه.
وقال أبو طيبة السلمي: إن الشَّرْبَ من أهل الجنة لَتُظِلُّهُم السحاب، فقال فتقول: ما ما أمطركم؟ قال: فما يدعو داع شيئاً إلا أمطرتهم، حتى إن القائل منهم ليقول أمطرينا كواعب أتراباً.
ثم قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الجنة التي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، (أي: وتلك الجنة أورثكموها الله عن أهل النار، بما كنتم تعملون) في الدنيا من الخير.
﴿لَكُمْ فِيهَا﴾، أي: في الجنة.
﴿فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ﴾، أي: من كل نوع.
﴿مِّنْهَا تَأْكُلُونَ﴾، أي: من الفاكهة تأكلون ما اشتهيتم.
وقد قال ابن خالويه: إنما أشار إلى الجنة بإِارة البعيد فقال: " وتلك " وأشار إلى جهنم في (قوله: هذه) جهنم بإشارة القريب لتأكيد التخويف من جهنم لأن الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب الله عز وجل قد يتفضل على عباده فيدخلهم الجنة بغير عمل كالأطفال والمجانين، ولا يعذب أحد منهم إلى على ذنب اكتسبه، فحذرهم الله عز وجل في النار وقَرَّب الإشارة إليها، (أكثر مما شوقهم) إلى الجنة، فجعل جهنم كأنه يُنظر إليها كالحاضرة، تخويفاً منها.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ المجرمين فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ﴾، إلى آخر السورة، أي: إن الذين اكتسبوا الكفر في الدنيا يوم القيامة في عذاب جهنم ماكثون أبداً، لا يخفف عنهم العذاب.
وهم في العذاب مبلسون، قال قتادة: مستسلمون.
وقال السدي: " مُبلسون: متغير حالهم ".
وقال الزجاج: " الملبس: الساكن، الممسك إمساك يائس من فرجٍ ".
وقال الطبري: المبلس: اليأس من النجاة.
وقال النحاس: المبلس: المتحير الذي قد يئس من الخير.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين﴾، أي لم نظلمهم في عذابنا لهم (ولكن هم) ظلموا أنفسهم بكفرهم في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَوْاْ يامالك لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أي: ونادى المجرمون بعد دخولهم جهنم مالك خازن فقالوا: يا مالك لِيُمِتْنَا رَبُّكَ فيفرغ من إماتتنا.
روي أن مالك لا يجيبهم في وقت دعائهم، ويدعهم ألف عام ثم يجيبهم
فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: إن أهل جهنم يدعون مالكاً أربعين عاماً فلا يجيبهم ثم يقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾، ثم ينادون ربهم: ﴿رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ [المؤمنون: 107] فيدعوهم مثل الدنيا ثم يرد عليهم ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [الؤمنون: 108] فما نفس القوم بعد ذلك بكلمة، إن كان إلا الزفير والشهيق في نار جهنم.
وقال نوف البكالي يتركهم مالك مائة سنة مما تعدون (ثم يناديهم)
فيستجيبون له، فيقول: ﴿إِنَّكُمْ مَّاكِثُونَ﴾.
وقال السدي: يمكثون ألف سنة مما تعدون، ثم يجيبهم بعد ألف عام، إنكم ماكثون.
قال ابن زيد وغيره: ليقض علينا ربك: ليمتنا.
القضاء هنا الموت.
ثم قال: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُم بالحق﴾، أي: لقد جاءتكم الرسل من عند ربكم.
﴿ولكن أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، أي أكثرهم لا يقبل الحق فهذا الذي أنتم فيه جزاء فعلكم.
ثم قال: ﴿أَمْ أبرموا أَمْراً فَإِنَّا مُبْرِمُونَ﴾، (أي: أم أبرم) هؤلاء المشركون من قريش أمراً يكبدون به الحق فإنا مبرمون.
أي: نخزيهم ونذلهم ونظفرك
يا محمد بهم.
قال مجاهد: معناه إن كادوا بشرٍّ كدناهم مثله.
وقال قتادة: معناه: (أم أجمعوا) أمراً فإنا مجمعون ".
وقال ابن زيد معناه: (أم أحكموا) أمرهم فإنا محكمون لأمرنا.
وقال الفراء معناه: أم أحكموا أمراً ينجيهم من عذابنا على قولهم فإنا نعذبهم.
يقال: أبرم الأمر إذا بالغ في إحكامه.
وأبرم الفاتل إذا أدغم، وهو الفتل الثاني والأول يقال له سحيل كما قال زهير: