الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
أَتَغْضَبُ أَنْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا ... جِهَاراً وَلَمْ تَغْضض لِقَتْلِ ابْنِ حَازِمِ.
فقال: هي مكسورة لأنه قبيح أن يفصل بين أن والفعل، يريد أنّ " أَنْ " المفتوحة لا يفرق بينها وبين الفعل وهو " حزتا ".
وأن المكسورة يجوز ذلك فيها على إضمار فعل آخر، قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ المشركين استجارك﴾ [التوبة: 6] (أي: وإن استجارك أحد من المشركين واستجارك).
فعلى هذا التقدير البيت إن كسرت والتقدير: إن حُزَّتْ أُذْنَا قُتَيْبَة حُزَّتَا.
ويجوز عند تكثير من النحويين أن تكسر الألف.
ويكون المعنى للماضي في البنية واللفظ للاستقبال.
وعلى ذلك قرأ أبو عمرو، وابن كثير: ﴿أَن صَدُّوكُمْ عَنِ المسجد الحرام﴾ [المائدة: 2] بالكسر.
وعلى ذلك يتأول قول الله جل ذكره ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ على آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ﴾ [الكهف: 6] والكسر في هذا إجماع من القراء وتركهم للإيمان أَمْرٌ قَدْ تَقَدَّمَ وَكَانَ.
فهو - لو حمل على نظائره - في موضع المفتوحة.
ولم يقرأ به أحد.
فدل ذلك على جواز الكسر وحسنه في هذه السورة وفي المائدة (وفي غيرها) على معنى: إن وقع ذلك.
وعلى ذلك اختلف القراء في قوله: ﴿وامرأة مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا﴾ [الأحزاب: 50].
والمشهورون من القراء على الكسر أجمعوا.
وقد قرئ بالفتح على أنه أمر قد كان وانقضى.
والكسر على معنى: إن وقع ذلك فيما يستقبل، وعلى هذا يجوز في البيت الكسر وفي (الآيات المذكورات).
ثم قال تعالى: ﴿أَرْسَلْنَا مِن نَّبِيٍّ فِي الأولين﴾، أي: وكثيراً أرسلنا من الأنبياء في الأمم الماضية كما أرسلناك يا محمد إلى قومك.
﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّنْ نَّبِيٍّ إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أي: ما يأتي الأمم الماضية من نبي يدعوهم إلى الهدى إلا كذبوه واستهزءوا به كما استهزأ بك قومك يا محمد.
فلا يعظمن عليك ما يفعل بك قومك، فإنما سلكوا من مضى من الأمم المكذبة لرسلها.
فهذا نص يُسَلِّ الله عز وجل به نبيه صلى الله عليه وسلم ويصبره على ما يلقى من المكذبين له، ويعلمه أنه قد فُعِلَ ذلك بمن بُعِثَ قبله من الأنبياء.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَآ أَشَدَّ مِنْهُم بَطْشاً﴾، أي: فأهلكنا الأمم الماضية على تكذيبهم واستهزائهم بالرسل وهم أشد من قومك قة وآثاراً وتصرفاً في الأرض، فلم
يمتنعوا من العذاب لما أتاهم.
فكذلك نصنع بقومك - على نقص قوتهم عمن تقدمهم - والتقدير: فأهلكنا أمماً أشد من قريش بطشاً، فقريش أحرى ألا يقدروا على الامتناع إذا حلت بهم العقوبة لضعفهم ونقص حالهم عمن تقدم.
ثم قال: ﴿ومضى مَثَلُ الأولين﴾، أي: ومضى لهؤلاء المشركين المستهزئين بك، يا محمد مثل (ما مضى للأمم) قبلهم من العقوبات إن أقاموا على شركهم وتكذيبهم لك.
قال قتادة: ﴿مَثَلُ الأولين﴾: عقوبتنا لهم.
وقال مجاهد: سنتنافيهم.
وقيل: " مثل " هنا، بمعنى: صفة، أي: صفتهم بأنهم أهلكوا على كفرهم.
قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السماوات والأرض﴾ إلى قوله: ﴿لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: ولئن سألت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك، من خلق السماوات
والأرض؟ ﴿لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العزيز العليم﴾، أي: العزيز في انتقامه وسلطانه، العليم بكل شيء.
ثم قال تعالى: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾، أي بساطاً فسهل عليكم / التصرف فيها من بلد إلى بلد.
﴿وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلاً﴾، أي: طرقاً.
﴿لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، أي: كي تهتدوا في تصرفكم بتلك الطرق فتتوجهوا حيث شئتم.
ولولا ذلك (لم يطق) أحد برَاحاً من موضعه ومنشئه.
قوله: ﴿الذي جَعَلَ لَكُمُ الأرض مَهْداً﴾ ليس بمتصل بما قبله، لأن ما قبله من جواب المشركين - حكاه الله عنهم.
ولو اتصل بما قبله لكام: " الذي جعل لنا الأرض ".
لكن معناه: إن الله جل ذكره وصف نفسه بنعمه بعد جواب المشركين.
فثم إضمار " هو "، هو الذي جعل لكم الأرض مهاداً، ثم وصف نعمه -
نعمةً (بعد نعمةٍ) - تنبيه وتقرير.
ثم قال تعالى: ﴿والذي نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً بِقَدَرٍ﴾، أي: مطر بمقدار الحاجة بكم إليه.
ولم يجعله كالطوفان فيكون عذاباً بغرق، (ولا جعله) قليلاً (لا ينبت) به الزرع والنبات، ولكنه جعله بمقدار حاجتكم إليه.
وقوله تعالى: ﴿فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾، أي: فأحيينا بذلك المطر بلداً لا نبات فيه ولا زرع فأنبت، فهو كالحياة له.
فكما أحيى الأرض بالمطر فأنبتت ولم يكن فيها نبات يحيي الموتى بالمطر فيخرجون من قبورهم (إلى ربهم).
وروى ابن مسعود أنه قال: يرسل الله جل ثناؤه ماء مثل مني الرجال، وليس شيء مما خلق الله من الأرض إلا وقد بقي منه شيء، فينبت بذلك الماء: الجسمان واللحوم، تنبت من (الثرى والمطر)، ثم قرأ ابن مسعود:
﴿والذي نَزَّلَ مِنَ السمآء مَآءً﴾ - إلى - ﴿تُخْرَجُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿والذي خَلَقَ الأزواج كُلَّهَا﴾، أي: الأجناس والأصناف من الخلق.
وقيل: معنى خلق كل شيء فزوجه، بأن خلق الذكور من الإناث أزواجاً، وخلق الإناث من الذكور أزواجاً.
وواحد الأزواج على " فَعْل " وكان بابه أن يجمع على " أَفْعُلٌ " إلا أنهم استثقلوا الضمة في الواو فنقلوه إلى جمع " فعل " فجمعوه على " أفعال " (وبابه " أفعال ") فشبه فعلاً بفعل إذ عدد الحروف متساوية، وعلى ذلك (أيضاً شبهوا) " فَعَلاً " بـ " فَعْل " وجمعوه على " أَفْعُل " وبابه " أَفْعَال " قالوا: زَمَنٌ وَأَزْمُنٌ.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الفلك والأنعام مَا تَرْكَبُونَ﴾ يعني: السفن في البحر، والإبل والخيل والبغال والحمير في البر، تركبون ذلك حيث شئتم.
ثم قال تعالى: ﴿لِتَسْتَوُواْ على ظُهُورِهِ﴾، (أي: على ظهور) ما تركبون، فلذلك وحدت الهاء.
وقال الفراء: معناه: على ظهور هذا الجنس، فهو عنده بمنزلة " كَثُرَ الدِّرْهَمُ.
والأحسن أن تكون مردودة على لفظ " ما " في قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ﴾ و " ما " مذكرة اللفظ موحدة.
ومثله الهاء في قوله: ﴿إِذَا استويتم عَلَيْهِ﴾.
وإنما أتى " ظهوره " بالجمع، لأنه رد على المعنى الواحد فيه بمعنى الجمع، ورجعت الهاء على " ما " على اللفظ.
وهذا نادر قدم فيه الحمل على المعنى (على الحمل على اللفظ وباب " من " و " ما " أن يقدم فيه الحمل على اللفظ قبل الحمل على المعنى) ونظيره قوله
تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا﴾ [الأنعام: 139] (فقدم الحمل على المعنى قبل الحمل على اللفظ.
وهذا على قراءة من قرأ) خالصة بتاء التأنيث، ونظيره أيضاً: ﴿كُلُّ ذلك كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾ [الإسراء: 139] فأنث " سيئة " حملاً على معنى " كل "، ثم قال: " مكروهاً " فذكَّر، حملاً على لفظ " كل ". وهو كله (نادر لم أجد) له نظيراً.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ تَذْكُرُواْ نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا استويتم عَلَيْهِ﴾، أي: نعمة ربكم التي أنعم عليكم بها إذا سخر لكم ما تركبون في البر والبحر.
ثم قال: ﴿وَتَقُولُواْ سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا﴾، أي: وتقولوا تنزيها لله (وبراءة له) من السوء الذي سخر لنا هذا الذي ركبناه.
قال قتادة: علمكم الله كيف تقولون إذا ركبتم الفلك: تقولون:
﴿بِسْمِ الله مجراها وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [هود: 41]، وإذا ركبتم الإبل تقولون: ﴿سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾.
وعلمكم (ما تقولون) إذا نزلتم من الفلك والأنعام جميعاً، تقولون: اللهم انزلنا ﴿مُنزَلاً مُّبَارَكاً وَأَنتَ خَيْرُ المنزلين﴾ [المؤمنون: 29].
وكان طاوس إذا ركب يقول: اللهم هذا من فضلك ومنك ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾.
ومعنى ﴿مُقْرِنِينَ﴾: مطيقين، قاله ابن عباس وقتادة والسدي وابن زيد، أي لم نطق على الانتفاع بهذه الأنعام إلا بك.
وحكى أهل اللغة: أقرن له، إذا أطاقه.
وحكوا أنا مقرن لهذا أي: مطيق له.
وقال أبو عبيدة، مقرنين: ضابطين له.
وحكى أنه يقال: فلان مقرن لفلان، أي: ضابط له ".
وقد روي عن علي بم أبي طالب رضي الله عنهـ أنه كان (إذا جعل رجله في الركاب يقول): بسم الله، فإذا استوى راكباً قال: الحمد لله، ثم يقول: ﴿سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ﴾ اللهم لا إله إلا أنت قد عملت سوءاً (وظلمت نفسي) فاغفر لي إنه لا يغفر الذنوب إلا أنت.
ثم يقول: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل كفعلي.
وقال مجاهد: من ركب ولم يقل: ﴿سُبْحَانَ الذي سَخَّرَ لَنَا هذا.
. .﴾ الآية، قال له الشيطان تَغَنَّهْ؛ فإن لم يحسن قاله تَمَنَّهْ.
وقوله: ﴿وَإِنَّآ إلى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ﴾، أي: ويقولون أيضاً هذا.
ومعناه: راجعون بعد الموت، مبعوثون.
وهذا كله في معنى الأمر بذكر نعم الله عز وجل على خلقه وشكره عليها.
وقد قيل: إن التقدير: ليأمركم إذا استويتم على ظهوره أن تذكروا نعمته، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الجن والإنس إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]، أي: لأمرهم أن يعبدون، فقد أمرهم تعالى ذكره بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، يعني: ما أضاف المشركون إلى الله جل ذكره من البنات تعالى عن ذلك علواً كبيراً.
ومعنى ﴿وَجَعَلُواْ﴾ (ها هنا:) قالوا ووصفوا، وهو قولهم: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى، قاله مجاهد والسدي.
قال قتادة: الجزء هنا: العدل، أي: جعل له المشركون عدلاً، وهي الأصنام.
وقال عطاء: جزءاً، أي: نصيباً، شريكاً وهو قول الضحاك والربيع بن أنس،
وهو معنى قول ابن عباس.
وقال زيد بن أسلم: هي الأصنام.
وذكر الزجاج أن الجزء هنا: البنات وأنشد:
إِن أَجْزَتْ (حُرَّةُ) يَوْماً فَلاَ عَجَبَ ... قَدْ (تُجْزِئُ الحُرَّةُ المِذْكَارُ أَحْيَاناً
أي: إن ولدت إناثاً.
وقال المبرد: الجزء: البنت.
وقوله تعالى بعد الآية: ﴿أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ [الزخرف: 16]، وقوله: {وَجَعَلُواْ الملائكة الذين
هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً} [الزخرف: 19] يدل على صحة قول مجاهد والسدي.
وقوله: ﴿إِنَّ الإنسان لَكَفُورٌ مُّبِينٌ﴾، أي: إن الإنسان لجحود لنعم ربه، يتبين كفرانه للنعم لمن تأمله بفكر قلبه، وتدبر حاله.
وهو هنا الكافر.
(ثم قال تعالى: ﴿أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾، إلى قوله: ﴿عَاقِبَةُ المكذبين﴾، معناه، لم يتخذ ذلك فأنتم أيها المشركون مبطلون في قولكم (تعالى عن ذلك علواً) كبيراً.
وهذا لفظ استفهام معناه التوبيخ، أي: كيف يتخذ البنات على قولكم وأنتم (لا ترضونهن) لأنفسكم (أفأصفاكم واختصكم) بالبنين.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً﴾ أي: وإذا بشر أحدكم هؤلاء الجاعلين لله سبحانه من عباده جزءاً بما وصف ربه به من اتخاذ البنات سبحانه وتعالى صار وجهه مسوداً وهو كظيم، أي حابس لغمه وحزنه وكربه.
قال قتادة: " وهو كظيم، أي: حزين ".
ثم قال: ﴿أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الحلية وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ﴾ " من " في موضع رفع بالابتداء.
ويجوز أن يكون في موضع نصب ترده على ﴿أَمِ اتخذ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ فتبدله من البنات.
ويجوز أن يكون في موضع خفض (تبدله من " ما ") في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُم بِمَا ضَرَبَ للرحمن مَثَلاً﴾.
وفي جواز هذين الوجهين في البدل ضعف لدخول ألف الاستفهام قبل " من " فهي تحول بين البدل والمبدل منه.
والمعنى: أجعلتم لله جزءاً ممن يرى في الحلية ويتزين بها، وهو في مخاصمة
من خاصمه غير مبين لحجته وبرهانه لعجزه وضعفه.
ففي الكلام حذف استغني عنه - بدلالة ما ذكر بعده.
والتقدير: أو من ينشأ في الحلية يجعلون لله نصيباً.
قال ابن عباس: عنى بذلك المرأة.
وقال مجاهد: " رخص للنساء في الحرير والذهب، وهن الجواري؛ جعلوهن للرحمن ولداً؛ كيف يحكمون ".
وقال قتادة: وقوله: ﴿وَهُوَ فِي الخصام غَيْرُ مُبِينٍ﴾ يعني النساء فقلما تتكلم امرأة فتريد أن تتكلم بحجتها إلا تكلمت بالحجة عليها.
وقال ابن زيد (عنى) بذلك أوثانهم التي كانوا يعبدونها من دون الله، يضربونها من (فضة وذهب) ويعبدونها، فهم أنشؤوها ضربوها من تلك الحلية ثم عبدوها، وهي لا تتكلم ولا تبين عن نفسها شيئاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾، أي: ووصفوا الملائكة بهذا الوصف.
فجعل هنا بمعنى " وصف " تقول: جعلت فلان أعلم الناس /، أي: وصفته بهذا يتعدى إلى مفعول واحد (في الأصل).
ثم قال: ﴿أَشَهِدُواْ خَلْقَهُمْ﴾ هذا على التقرير والتوبيخ لهم، ومعناه: لم يشهدوا خلق الملائكة، فكيف تجرؤوا على وصفهم بالإناث.
ثم قال تعالى: على التهدد والوعيد لمن فعل ذلك (ولمن يقول ذلك): ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ﴾، أي: يسألون عن قولهم وافترائهم يوم القيامة، ولن يجدوا إلى الاعتذار من قولهم سبيلاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون: لو شاء الرحمن، ما عبدنا أوثاننا من دونه، وإنما لم تحل بنا العقوبة على عبادتنا إياها لرضاه عنا.
قال مجاهد: لو شاء الرحمن ما عبدناهم يعني الأوثان، والمعنى: هو أمرنا بعبادتها، دل على ذلك: قوله: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يكذبون.
فهذا الرد عليهم لا يحتمل أن يكون رد الظاهر من قولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، لأنه قول صحيح لا يرد ولا ينكر.
كما أن قولهم - إذا سُئِلُوا عمن خلق السماوات والأرض فقالوا خلقهن العزيز العليم لا يرد ولا ينكر.
ثم قال تعالى: ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾ هذا مردود إلى أول الآية.
والتقدير: ﴿وَجَعَلُواْ الملائكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إِنَاثاً﴾ ﴿مَّا لَهُم بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ﴾، أي: ما لهم بقولهم الملائكة إناثاً من علم، وقيل: إن ذلك مردود على ما قبله، والتقدير: وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان، ثم قال الله: ما لهم بذلك من علم، أي: من عذر يقوم لهم في عبادتهم الأوثان لأنهم رأوا أن ذلك
عذرهم.
فرد الله عز وجل عليهم.
فالمعنى: ما لهم من علم بحقيقة ما يقولون: (من ذلك)، إنما يقولونه تخرصاً واختراعاً من عند أنفسهم لأنهم لا خبر عندهم من الله عز وجل أن الله سبحانه شاء عبادتهم الأوثان، ورضي بذلك منهم.
ثم قال تعالى: ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ﴾، أي: يخرصون ويكذبون في قولهم: لو شاء الرحمن ما عبدنا هذه الأوثان.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً مِّن قَبْلِهِ فَهُم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ أي: آتينا هؤلاء المتخرصين كتاباً يدل على حقيقة ما يقولون فيحتجون به.
والهاء في " من قبله " تعود على القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قالوا إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ﴾، أي: لم يأتهم كتاب بعبادتهم الأوثان ولكنهم قالوا: إنا وجدنا آباءنا على دين وملة، فنحن نتبع ما كانوا عليه.
وقرأ مجاهد وعمر بن عبد العزيز " على إمّةٍ " بكسر الهمزة قال الكسائي:
هما لغتان وقال غيره: هو مصدر أممت القوام إمة.
وحكي عن العرب: " ما أحسن إِمَّتَهُ وعِمَّته وجِلسته ".
ثم قال: ﴿وَإِنَّا علىءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: قالوا: وجدنا آباءنا على دين، فنحن متبعون لما كانوا عليه.
هذا كله حكاية عن قريش.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلاَّ قَالَ مُتْرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا علىءَاثَارِهِم مُّقْتَدُونَ﴾، أي: كما قال لك (يا محمد قومك) إنهم متبعون في دينهم لما كان عليه آباؤهم كذلك قال من كان قبلهم من مترفي الأمم لرسلهم الذين ينذرونهم من عقاب الله عز وجل.
والمترفون: الرؤساء
والأشراف منهم.
فسلك فعلهم سبيل من كان قبلهم من الأمم المكذبة.
ومعنى " مقتدون " أي: تقتدي بفعلهم، فاتبعوهم على الكفر.
ثم قال تعالى: ﴿قال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بأهدى مِمَّا وَجَدتُّمْ عَلَيْهِ آبَآءَكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء المتبعين ما وجدوا عليه آباءهم من الدين، أَوَلَوْا جِئْتُكُمْ أيها المشركون - من عند ربكم - بأهدى مما كان عليه آباؤكم من (الدين تتبعون) ما وجدتم عليه آباءكم، وغيره أهدى إلى الحق وأصوب منه!
ثم قال تعالى: ﴿قالوا إِنَّا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: فقال محمد صلى الله عليه وسلم ذلك لهم فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون، أي: جاحدون منكرون.
وجمع في قوله: " أرسلتم " لأن من كذب نبياً فقد كذب جميع الأنبياء.
ثم قال تعالى: ﴿فانتقمنا مِنْهُمْ﴾، أي: فانتقمنا من هؤلاء الذين كذبوا رسلهم، فانظر يا محمد كيف كان عاقبة المكذبين، فكذلك ننتقم من قومك إن تمادوا على تكذيبك.
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ﴾ - إلى قوله - ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، " براء " مصدر فلا يثنى ولا يجمع ولا يؤنث.
تقول:
نحن البراء منك، وهي البراء منك.
والمعنى / أنني ذو البراء منك، ونحن ذو البراء كما تقول: رجل عدل، (وامرأة عدل، وقوم عدل)، أي: ذوو عدل.
ونظيره: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾ [البقرة: 177]، أي: ولكن ذو البر.
وقرأ ابن مسعود: " إنني بريء " على " فعيل ". فتجوز التثنية والجمع والتأنيث على هذه القراءة.
وجمعه في التكسير: " بُرَآء " (ك " كُرَمَاء ").
وحكى الكوفيون " براء " على حذف الياء وهو شاذ.
وقوله: ﴿إِلاَّ الذي فَطَرَنِي﴾، هذا استثناء من قوله " مما تعبدون ".
ويجوز أن يكون ايتثناء ليس من الأول منقطعاً.
ومعنى الآية: واذكر يا محمد إذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إذ كانوا يعبدون ما بعيد قومك: إنني براء مما تعبدون من دون الله، إلا من الذي فطرني، أي: خلقني، فإني لا أبرأ منه.
﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾، أي سيقونا للحق في ديني.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.
قال قتادة: الكلمة هي شهادة ألا إله إلا الله، لم يزل في ذريته من يقولها من بعده، وقاله السدي، وقال ابن زيد: الكلمة: الإسلام، وهو قوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ العالمين﴾ [البقرة: 131].
وقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ المسلمين مِن قَبْلُ﴾ [الحج: 78]، وقال: ﴿واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً﴾ [البقرة: 128].
والضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾ عائد على قوله: ﴿إِلاَّ الذي فَطَرَنِي﴾ وضمير الفاعل يعود على الله جل ذكره، أي: وجعلها الله سبحانه كلمة باقية في عقب إبراهيم، فلا يزال من ولد إبراهيم من يوحد الله.
وقيل: الضمير المرفوع يعود على إبراهيم، أي: وجعل إبراهيم الكلمة باقية في عقبه، أي: عرفهم التوحيد والبراءة من كل معبود سوى الله وأوصاهم به، وهو قوله: ﴿ووصى بِهَآ إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ.
. .﴾ [البقرة: 132] الآية.
فتوارثوا ذلك فلا يزال من ذريته موحد لله.
ويقال عَقِبَ وعقب، بمعنى واحد.
والعَقِبُ هنا: الولد في قول مجاهد.
وقال ابن عباس: العقب هنا من يأتي بعده.
وقال السدي: في عقب إبراهيم: آل محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن شهاب: العقب: " الولد، وولد الولد ".
وقال ابن زيد: " عقبه: ذريته ".
وقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، معناه يرجعون إلى طاعة ربهم ويتوبون إليه.
﴿قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَآءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلاَّ الذي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ * وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، أي: قال لهم ذلك لعلهم يتوبون عن عبادة غير الله.
ففي الكلام تقديم وتأخير.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى جَآءَهُمُ الحق وَرَسُولٌ مُّبِينٌ﴾، أي: بل منعت يا محمد هؤلاء المشركين من قومك وَمَتَّعْتُ آباءهم من قبلهم بالحياة ولم أعاجلهم (بالعقوبة على كفرهم حتى جاء الحق، يعني: القرآن، ورسول مبين، يعني: محمد صلى الله عليه وسلم، لم أعاجلهم)، بالعذاب حتى أنزلت عليهم كتاباً وبعثت فيهم رسولاً يعرفونه، يبين لهم الحجج والبراهين ويبلغ اليهم ما أرسل به.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق قَالُواْ هذا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ﴾، أي: ولما جاء هؤلاء المشركين القرآن إعذاراً وإنذاراً، ورسول منهم يبين ما أرسل به ويبلغه إليهم، قالوا: هذا الذي جاءنا به سحر، وليس بوحي من عند الله، وقالوا إنا به جاحدون، أي: ننكر أن يكون من عند الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾، أي: وقال مشركو قريش هلا نزل هذا القرآن الذي جاءنا به محمد على رجل من القريتين، (أي: القريتين، ثم) حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82]، يعنون الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وحبيب بن عمرو الثقفي من أهل الطائف، قاله ابن عباس.
وقيل: التقدير: من إحدى القريتين، ثم حذف.
وقال مجاهد: هما: عتبة بن ربيعة من مكة، وابن عبد ياليل من الطائف.
وقال قتادة: هما: الوليد بن المغيرة من أهل مكة و (عنبة بن مسعود من أهل الطائف.
وقيل هو) عروة بن مسعود من أهل الطائف، والوليد بن المغيرة من أهل مكة، قاله ابن زيد.
وقال السدي: هما الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وكنانة (ابن عبد بن عمرو بن) عمير من أهل الطائف.
وعن مجاهد أنهما: عتبة بن ربيعة من أهل مكة، وأبو مسعود الثقفي من أهل
الطائف، واسم أبي مسعود (عمير بن عمر) بن مسعود.
وقيل: هما الوليد بن بن المغيرة من أهل مكة، وأبو سعيد عمر بن عمير الثقفي سيد ثقيف.
ثم قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ (أي: أهؤلاء القائلون هلا نزل القرآن على أحد رجلي القريتين يقسمون رحمة ربك) يا محمد بين خلقه، فيجعلون إكرامه لمن شاءوا، وعند من أرادوا، بل الله يقسم ذلك فيعطيه من أراد، ويحرمه من شاء.
قال ابن عباس: لما بعث الله جل ذكره محمداً صلى الله عليه وسلم أنكرت العرب ذلك، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله / بشراً مثل محمد، فأنزل الله جل ذكره: {أَكَانَ
لِلنَّاسِ عَجَباً أَنْ أَوْحَيْنَآ إلى رَجُلٍ مِّنْهُمْ أَنْ أَنذِرِ الناس} [يونس: 2] وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ فاسألوا أَهْلَ الذكر﴾ [النحل: 43]، يعني: أهل الكتب الماضية فيخبرونكم أن الرسل التي كانت تأتي، بشر مثلكم، فلا يجب لكم أن تنكروا إرسال مثل محمد إليكم، إذ هو بشر مثلكم.
وقال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾
[يوسف: 109]، أي ليسوا من أهل السماء كما قلتم فال: فلما كرر (عليهم تعالى) الحُجَج، قالوا: فإن كان بشراً فغير محمد أحق بالرسالة فلولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم، أي: كل واحد منهما أشرف من محمد في المال والذكر، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي - وكان يسمى ريحانة قريش - من أهل مكة، ومسعود بن عمرو بن عبيد الثقفي من أهل الطائف، قال الله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، أي: ربك يا محمد يفعل ما يشاء.
قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَّعِيشَتَهُمْ فِي الحياة الدنيا﴾، أي: نحن نقسم الرحمة بين من شئنا من خلقنا فنجعل من شئنا نبياً، ومن شئنا مؤمناً، ومن شئنا كافراً، كما قسمنا بينهم معيشتهم التي يعيشون فيها في دنياهم، فجعلنا بعضهم أرفع من بعض، فوسعنا على بعض وضيقنا على بعض، وجعلنا بعضهم ملوكاً وبعضهم مملوكين.
﴿لِّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضاً سُخْرِيّاً﴾، أي: جعلنا بعضهم حراً وبعضهم مملوكاً، وبعضهم غنياً وبعضهم فقيراً ليستخدم بعضاً بأجرة وقد كانوا بني آدم كلهم.
وقيل: إنها مخصومة في المماليك، روى ذلك عن ابن عباس، أي: فضل بعضهم على بعض فجعل بعضهم مالكاً وبعضهم مملوكاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾، يعني: الجنة خير مما يجمعون في دنياهم من الأموال.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن يَكُونَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ القرين﴾، أي: ولولا أن يكون الناس كلهم (كفاراً) لجعل الله لبيوت من يكفر سقفاً من فضة، ولكن لم يفعل ذلك ليكون في الخلق مؤمنون وكافرون على ما تقدم في علم الله عز وجل وتقديره فيهم.
وقيل: المعنى: لولا أن يميل الناس كلهم إلى طلب الدنيا ورفض الآخرة
لجعل الله لبيت الكافر سقفا من فضة، ومن وحد السقف فعلى إرادة الجمع.
يدل الواحد على الجمع كما نقول: زيد كثير (الدرهم والدينار) وكثير الشاة والبعير.
فيرد الواحد على الجنس كله.
وقيل: المعنى عند من وحد: لجعلنا لبيت كل من كفر بالرحمن سقفاً.
فوحد على المعنى.
وقيل: المعنى: لولا ما قدرنا من اختلاف الأرزاق في الناس فيكون في
المؤمنين غتي وفقير، وفي الكافرين مثل ذلك لجعلنا من يكفر بالرحمن أغنياء كلهم.
ففي هذا الفعل تنبيه على تحقير الدنيا وتصغير ما فيها.
ومن قرأ بالجمع فإنه حمل على اللفظ، فجمع السقف لجمع البيوت، وجمع السرر والأبواب، وهو جمع سقيفة، كقطيفة وقُطُف.
وقيل: هو جمع الجمع، كأنه جمع " سقْفاً " على " سُقُوف ". كفَلْس وفُلُوس.
ثم جمع سقوفاً على سُقُف كحمار وحُمُر.
وقال أبو عبيدة: (سُقُف جمع كرُهُن ورَهْن، ورُهُن عند أكثر النحويين إنما هو جمع رِهَان، ورهان جمع رَهْن فرُهُن أيضاً، جمعُ جمعٍ.
وجعل الله السقوف للبيوت كما جعل الأبواب للبيوت.
فهو يدل على أن السقف لاَحَقَّ لِرَبِّ العلو فيه، وهو قول مالك وأصحابه.
وتحقيق المعنى في الآية أن الله جل ذكره أراد تهوين أمر الدنيا وأنها لا قيمة لها، فقال: لولا أن يميل الناس كلهم إلى الدنيا ويتركوا الآخرة لأعطينا الكافر من الدنيا أفضل مراده، وذلك لهوان الدنيا عليه، إذ هي شيء زائل مضمحل.
وقال الكسائي: معناها لولا إرادتنا أن يكون في الكفار غني وفقير، وفي المسلمين مثل ذلك لأعطينا الكفار من الدنيا أن نجعل سقوف بيوتهم من فضة وذلك لهوان الدنيا عند الله، وقال الفراء: لبيوتهم: على بيوتهم.
قال الشعبي: سُقُفاً من فضة، أي: جذوعاً.
ومعارج، أي: دُرُجاً من فضة.
عليها يظهرون، أي: يصعدون على السُّقُفِ والغُرَفِ.
وقال ابن زيد وغيره: المعارج: درج من فضة.
وقوله: ﴿وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَاباً﴾، يعني: من فضة.
﴿وَسُرُراً﴾، أي: من فضة عليها يتكئون، قاله ابن زيد وغيره.
وقوله: ﴿وَزُخْرُفاً﴾، أي: ولجعلنا لهم مع ذلك زخرفاً، يعني: الذهب، قاله ابن عباس والحسن وقتادة والسدي والضحاك وقال ابن زيد: الزخرف: ما يتخذه الناس في منازلهم من الفرش والأمتعة والأثاث.
وقال مجاهد: كنت لا أدري ما الزخرف حتى وجدته في قراءة عبد الله ذهباً.
والزخرف في اللغة: الزينة، يقال: زخرف داره، أي: زينها.
والتقدير في الآية عند من جعل الزخرف الذهب: لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفاً من فضة ومن
زخرف.
ثم حذف " من " فنصب الزخرف.
قال الطبري: لو كانت القراءة في الزخرف بالخفض لكان حسناً على معنى: / من فضة ومن زخرف.
وقيل: التقدير: وجعلنا لهم زخرفاً - بغير حذف خفض - وهو أقوى وأحسن.
والمعارج: الدرج، وجمعت على مفاعل وواحدهما معراج، وكان حقها معاريج بالياء، كمناديل جمع منديل، لكنها جمعت على الواحد معرج وهي لغة، يقول: (مَعْرَجٌ وَمِعْرَاجٌ) كَمَفْتَح ومِفْتَاح.
ولذلك تقول في جمع مَفْتَح: (مَفَاتِح، وإن شئت)، مفاتيح على جمع مَفْتَاح.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الحياة الدنيا﴾ هذا تقليل وتصغير لأمر الدنيا، إذ هي زائلة عن قليل، ولا خير في شيء لا يدوم.
والمعنى: وما كل ما تقدم ذكره من (الفضة والذهب) والسرر وإلا مسافة
متاع يستمتع به أهل الدنيا في دنياهم.
﴿والآخرة عِندَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾، أي: وزينة الآخرة ونعيمها خير عند ربك لمن اتقاه فَجَدَّ في طَاعَتِهِ وَتَجَنَّبَ مَعَاصيَه.
والمعنى: وثواب الآخرة وجزاء الآخرة خير عند ربك للمتقين.
واللام (من و " لما ") عند الكوفيين بمعنى إلا، وهي لام التوكيد عند البصريين.
و " ما ". زائدة، وقيل: هي بمعنى: " شيء ".
ثم قال تعالى: جل ذكره: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرحمن نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾، أي: ومن يعرض عن الإيمان بما أنزل الله عز وجل من كتابه.
هذا قول قتادة، وهو قول الفراء، وقال المبرد: " يَعشُ: يتعامى ".
ومنه قول الشاعر:
متى تأتِهِ تعْشو إلى ضوء ناره ... إلى ضوء ناره (تَجِدْ خَيْرَ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ)
وقيل: معنى (يَعْشُ: يَعْمَ)، روي ذلك عن ابن عباس.
ولا يصح على هذا المعنى (إلا بفتح) الشين.
يقال: عشى يعشى عشى، إذ قرب من العمى.
والأعشى: الذي قد ركب بصره ضُعْفٌ وظُلْمةٌ.
ومنه يقال: جاء فلان إلى فلان يعشو، إذا جاءه ليلاً لما يركب بصره من الظلمة.
وعلى ذلك أيضاً يتأول قول الشاعر.
مَتَى تَأْتِهِ تَعْشُو إلى ضَوْءِ نارِهِ ... (تَجِدْ خَيْرَ نَارٍ عِنْدَهَا خَيْرٌ مُوقِدِ)
أي: متى تأتيه ليلاً.
وحكى بعض أهل اللغة: عشى عن ذكر الله، إذا لم ينتفع به، كما أن الأعشى لا
ينتفع بكل بصره في الضوء.
ويقال: عشى يعشى، إذا صار أعشى.
وعشا يعشو إذا لحقه ما يلحق الأعشى، وهو من ذوات الواو لقولهم: امرأة عشواء.
فالياء هي عشى منقلبة من واو.
ولذلك قال النحويون: العشا في البصر يكتب بالألف.
فتحقيق معنى الآية: ومن لا ينظر في حجج الله عز وجل قريناً من الشياطين.
قال السدي: ومن يعش: من يُعْرِض.
وقال ابن عباس وابن زيد: ومن يعش: يعم.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السبيل﴾، أي: وإن الشياطين ليصدون هؤلاء الذين يعرضون عن ذكر الله سبحانه فيحببون لهم الضلالة، ويحسب هؤلاء الكفار
الضالون أنهم على هدى في قبولهم ما تأمرهم به الشياطين.
ثم قال: ﴿حتى إِذَا جَآءَنَا﴾، يعني: الكافر وقرينه من الشياطين.
ومن وَحَّدّ " جاء " أراد الكافر وحده، وقد علم أن شيطانه ملازم له فاستغنى عن ذكره.
ثم قال تعالى: ﴿ياليت بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ المشرقين﴾، أي: حتى إذا جاء الكافر وقرينه من الشياطين: قال الكافر للشيطان حين أورده النار: يا ليت بيني وبينك بعد المشرقين، يعني مشرق الشتاء ومشرق الصيف.
وقيل: عنى بذلك المشرق والمغرب، وثنى بلفظ (" مشرق " كما) قيل: سيرة العمرين في أبي بكر وعمر.
قال الله جل ثناؤه: ﴿فَبِئْسَ القرين﴾، أي: فيبس الشيطان قريناً لمن قارنه لأنه
يورده إلى النار.
قوله تعالى: ﴿وَلَن يَنفَعَكُمُ اليوم إِذ ظَّلَمْتُمْ﴾ - إلى قوله: - ﴿فَلَمَّا جَآءَهُم بِآيَاتِنَآ إِذَا هُم مِّنْهَا يَضْحَكُونَ﴾، أي: ولن ينفعكم اشتراككم في العذاب، (أي: لن يخفف) عنكم ما أنتم فيه من العذاب لاشتراككم فيه، بل كل واحد منكم يناله نصيبه من العذاب.
فَحَرَمَ الله عز وجل أهل النار هذا المقدار من التأسي فلا راحة لهم في شيء، حتى في التأسي لا راحة لهم فيه.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم أَوْ تَهْدِي العمي وَمَن كَانَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، أي: أفأنت يا محمد تسمع من أصمه الله عن مساع الهدى على شريطه الانتفاع به، أو تهدي من أعمى الله قلبه وبصره على أن يرى ما يهتدى به، أو تهدي من هو في جور عن الحق بعيد عن الصواب، ليس ذلك إليك يا محمد إنما هو إلى الله عز وجل الذي يوفق من يشاء فيهتدي بتوفيقه إياه، ويخذل من يشاء فيضل بخذلانه إياه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُم مُّنتَقِمُونَ﴾.