الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿إِنَّ الله غَفُورٌ﴾، أي: غفور لذنوب عباده المؤمنين ﴿شَكُورٌ﴾ لحسناتهم يضاعفها لهم.
قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ إلى قوله ﴿إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾ أي: أيقولون افترى على الله الكذب، أي: اختلقه من عند نفسه.
﴿فَإِن يَشَإِ الله يَخْتِمْ على قَلْبِكَ﴾، أي: يطبع على قلبك فتنسى هذا القرآن يا محمد، قاله قتادة والسدي.
وقال الزجاج: معناه: فإن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم.
وقيل: المعنى: (إن يشأ الله يربط على قلبك بالصبر على أذاهم.
وقيل: المعنى: (إن يشأ الله - يا محمد - ختم على قلبك بالصدق واليقين والخير كله.
وقد فعل بك ذلك وَمَحَا ضُرَّهُ من قلبك.
وقيل: المعنى) فإن يشأ الله يمنعك من التمييز.
ثم قال: ﴿وَيَمْحُ الله الباطل﴾، أي: ويزيل الله الباطل على كل حال - وهو الشرك - ولذلك رفعه، ولو عطفه على " ما يشاء " لم يجز لأنه يصير المعنى (ولو يشاء) الله يمح الباطل، وذلك لا يجوز لأنه تعالى يمحوه على كل حال.
ويدل على رفعه أن بعده " ويحق الله الحق " بالرفع) وهذا احتجاج عليهم لنبوءة وصحة ما جاء به لا المعنى: إن الله يزيل الباطل ولا يثبته.
فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم باطلاً لمحاه الله عز وجل وأنزل كتاباً آخر على غيره.
وهكذا جرت العادة [في جميع المفترين أن الله سبحانه يمحو أباطلهم ويثبت الحق.
ومعنى ﴿وَيُحِقُّ الحق بِكَلِمَاتِهِ﴾، أي: ويثبت ما أنزل من كتابه على لسان] نبيه عليه السلام.
وقيل: المعنى ويبين الحق.
وقيل: معناه: يثبت الحق في قلبك بكلماته، أي: بالقضاء الذي قضاه لك قبل خلقك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾، أي: إنه ذو علم بما في صدور خلقه وما
تنطوي عليه ضمائرهم.
وقيل: إن معناه: لو حدثت نفسك يا محمد بأن تفتري علي كذباً لطبعت على قلبك، وأذهبت الذي أتيتك من وحيي، لأني أحق الحق وأمحو الباطل، فأخبر الله عز وجل الزاعمين أن محمداً صلى الله عليه وسلم اختلق القرآن من عند نفسه - أنه لو فعل ذلك أو حدث به نفسه - ما أخبر في هذه الآية.
وكان أبو عمرو بن العلاء يختار أن يقف القارئ على: " فإن يشأ الله يختم على قلبك "، لأن ما بعده مستأنف غير معطوف عليه ما ذكرنا، وهو اختيار الفراء.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الذي يَقْبَلُ التوبة عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُواْ عَنِ السيئات﴾ أي: والله الذي يقبل مراجعة عباده إلى الإيمان بعد كفرهم ويعفو عن ما تقدم لهم من السيئات، ويعلم ما يفعل / خلقه من خير وشر، لا يخفى عليه شيء من ذلك، فيجازيهم على كل ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ أي: ويجيب الذين آمنوا ربهم
فيما دعاهم إليه، كما قال: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ [البقرة: 186].
قال المبرد: معناه: فليستدعوا الإجابة.
فيكون " الذين " في موضع رفع على هذا التأويل.
وقيل: المعنى: ويستجيب الله الذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم، بمعنى: يستجيب الذين آمنوا إذا سألوه ودعوا إليه، ويزيدهم من فضله، هي زيادة (لم يسألوها)، إحساناً منه.
وتكون اللام محذوفة من الذين، كما قال: ﴿وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَّزَنُوهُمْ﴾ [المطففين: 3].
أي: كالوا لهم أو وزنوا لهم.
يقال: استجبت بمعنى: أجبته.
فيكون " الذين " في موضع نصب بـ " يستجيب " أنشد أهل اللغة.
فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ.
أي: لم يجبه.
واستجاب، بمعنى: أجاب، مشهور في كلام العرب.
وقيل: معنى الزيادة (أنه يزيدهم ما دعوه.
وقيل: الزيادة التي ضمن) الله تعالى هنا هي أن يشفعهم في إخوانهم إذا شفعوا فيهم.
وروى قتادة عن النخعي أنه قال في قوله: " ويستجيب الذين آمنوا " قال: يشفعون في إخوانهم.
(وقال في قوله: ﴿وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ﴾: يشفعون في إخوان إخوانهم).
ثم قال تعالى: ﴿والكافرون لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، يعني عذاب جهنم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾.
هذه الآية، روي أنها نزلت في قوم من أهل الصُّفَّةِ تمنوا سعة الدنيا والغناء، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ الله الرزق لِعِبَادِهِ لَبَغَوْاْ فِي الأرض﴾، أي: ولو وسع عليهم لجازوا الحد الذي حده الله عز وجل لهم.
﴿ولكن يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَّا يَشَآءُ﴾، أي: يسهل لهم رزقاً مقدراً يصلحهم وتصلح عليه أحوالهم.
﴿إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾، أي: ذو خبر بهم، وذو علم يعلم من يصلحه التضييق وتفسده السَّعَةُ (في الرزق، ومن يفسده التضييق وتصلحه السَّعَةُ) فيعطي كُلاًّ على قدر ما يصلحه.
قال قتادة: " كان يقال: خير الرزق ما لا يُطغيك ولا يلهيك.
ورُوي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقول: " أَخْوَفُ مَا أَخَافُ عَلَى أُمَّتِي زَهْرَة الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَثْرتهَا فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَيَأْتِي الخَيْرُ بِالشَّرِّ؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: إِنَّ الخَيْرُ لاَ يَأْتِي إِلاَّ بالخَيْرِ.
. " في حديث طويل.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي يُنَزِّلُ الغيث مِن بَعْدِ مَا قَنَطُواْ﴾، أي: يُنَزَّلُ المطر من السماء ليُحيي به الأرض من بعد مت يئس الخلق من نزوله.
﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، اي: يَبُثُّهَا في عباده، يعني بالرحمة: الغيث الذي أنزله من السماء.
ومع القنط يرجى الفرج.
وقيل: لعمر رضي الله عنهـ: " جدبت الارض وقنط الناس فقال: مطروا إذا ".
وقد قيل في قوله: ﴿وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ﴾، أي: ظهور الشمس بعد المطر.
وهو قول شاذ لم أره عن ثقة.
ثم قال: ﴿وَهُوَ الولي الحميد﴾، أي: وهو الذي يليكم بإحسانه وفضله، الحميد بأياديه عندكم ونعمه عليكم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السماوات والأرض وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾ أي: ومِنْ حُجَجِهِ (وعلامات أدلته) على وحدانيته وقدرته على إحيائكم بعد موتكم، خلقه واختراعه السماوات السبع والأرضين السبع وخلقه ما نشر فيها من حيوان.
﴿وَهُوَ على جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَآءُ قَدِيرٌ﴾، أي: وهو يقدر أن يحييهم يوم القيامة فيجمعهم إذا شاء.
وقال الفراء: قوله: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا﴾، يريد به: ما بث في الأرض دون السماء؛ وزعم أن مثله ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح دون الحلو.
وهو قول ضعيف عند البصريين، لا يجوز أن يرجع ضمير اثنين إلى واحد، بل نقول:
إن الله قد بث السماوات والأرض دواب وقد قال: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 8] وقال مجاهد: ﴿وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِن دَآبَّةٍ﴾، يعني: الناس والملائكة والعرب تقول لكل ما تحرك: دب فيه فهو داب والهاء دخلت للمبالغة، وقيل (لتأنيث) الصنعة.
قوله تعالى: ﴿وَمَآ أصابكم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿هُمْ يَغْفِرُونَ﴾.
أي: والذي أصابكم من مصيبة بما كسبت أيديكم.
وقيل: " ما " للشرط، والفاء مرادة، وحسن حذفها؛ لأن الفعل الأول لم يعمل فيه الشرط، إذ هو ماض.
وفي كون " ما " بمعنى " الذي بعد "، لأنه يصير مخصوصاً للماضي.
فكأن ما أصابنا فيما مضى من مصيبة هو بما كسبت أيدينا وما يصيبنا فيما نستقبل يحتمل أن يكون مثل ذلك، وأن يكون على خلافه، لغير ما كسبت أيدينا.
وهذا (لا يجوز، بل هو عام فيما مضى وما يستقبل، ولا يصيبنا من مصيبة ماضية أو مستقبلة إلا بما كسبت أيدينا.
وهذا المعنى لا يتضمنه) إلا الشرط لأنه العموم.
فمعنى الآية: إن الله جل ذكره أعلمنا أن ما يصيبنا من مصيبة في الدنيا في الأموال والأنفس والأهل فهو عقوبة منه لنا بما اكتسبنا من الآثام.
ثم قال / تعالى: ﴿وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: مما اكتسبنا فلا يعاقبنا عليه في الدنيا بالمصائب.
قال قتادة: ذكر لنا نبي الله عليه السلام قال: " لا يُصيب ابنَ آدمَ خَدشُ عودٍ، ولا عَثْر قَدَمٍ، ولا اختلاجُ عرقٍ إلاَّ بِذَنبٍ، وَمَا يَعْفُو عَنْهُ أَكْثَر ".
وقال ابن عباس: تعجل للمؤمنين عقوبتهم بذنوبهم في الدنيا ولا يؤاخذون بها في الآخرة.
وقال الحسن: معنى الآية في الحدود، أن الله تعالى جعل الحدود على ما يعمل الإنسان من المعاصي.
وهذا يعطي أن " ما " بمعنى " الذي ".
قال إبراهيم بن عرفة: الكثير الذي يعفو (الله عز وجل عنه) لا يحصى.
وهذه من أرجى آية في القرآن.
وقال علي رضي الله عنهـ في هذه الآية: إذا كان يكفر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فماذا يبقى من ذنوبي بين كفارته وعفوه.
وروي عن علي رضي الله أنه قال: ألا أخبركم بأرجى آية في كتاب الله؟ قالوا: بلى،
فقرأ: " وما أصابكم من مصيبة " الآية.
ثم قال: فالمصائب في الدنيا بكسب الأيدي، وما عفا الله عز وجل عنه في الدنيا فلم يعاقب به في الدنيا فهو أجود وأمجد وأكرم أن (يعذب به) في القيامة.
وروي عنه رضي الله عنهـ أنه قال: ما أحب أن لي بها الدنيا وما فيها.
(وقال أبو وائل: ما من مسلم يشاك بشوكة فما فوقها إلا رفعه الله بها درجة، وحط عنه بها خطيئة).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الأرض﴾، أي: وما أنتم أيها الناس بمُعْتِبِين ربكم بأنفسكم هرباً في الأرض حتى لا يقدر عليكم إذا أراد عقوبتكم على ذنوبكم، ولكنكم في سطانه حيث كنتم، وتحت قدرته أين حللتم، وفي مشيئته كيف تقلبتم.
ثم قال: ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ الله مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، أي: (ليس لكم) أيها الناس وَلِيٌّ يليكم فيدفع عنكم عقاب الله، ولا نصير ينصركم إذا أراد عذابكم.
قال المبرد: بمعجزين: بسابقين، يقال: أعجز إذا عدا فسبق.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الجوار فِي البحر كالأعلام﴾، أي: ومن علامات الله وأدلته، وحججه عليكم أيها الناس أنه قادر على تسيار السفن الجارية في البحر.
و ﴿الجوار﴾، جمع جارية وهي: السائرة في البحر.
﴿كالأعلام﴾: كالجبال، واحدها علم.
ثم قال تعالى: ﴿إِن يَشَأْ يُسْكِنِ الريح﴾، أي: إن يشأ الله ألا تجري هذه السفن في البحر، يسكن الرياح التي (تجري بها).
﴿فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ على ظَهْرِهِ﴾، أي: فيصرن سواكن ثوابت على ظهر البحر يجرين.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾، أي: إن في جري هذه السفن في البحر وقدرة الله على إمساكها ألا تجري بإسكانه الرياح، لعظة وعبرة وحجة على أن الله قادر على ما يشاء لكل ذي صبر على طاعة الله شكورٍ نِعَمَ ربه.
ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾، أي: يغرق هذه السفن في البحر فيهلكن أي يهلك من فيهن بذنوبهم.
ثم قال: ﴿وَيَعْفُ عَن كَثِيرٍ﴾، أي: ويصفح جل ثناؤه عن كثير من ذنوبكم لا يعاقب عليها.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَعْلَمَ الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِّن مَّحِيصٍ﴾، أي: ويعلم الذين يخاصمون محمداً صلى الله عليه وسلم في آيات الله سبحانه [ما لهم من محيل عن عقاب الله إذا أتاهم على كفرهم، قال السدي] ما لهم من محيص: من ملجأ.
قال الزجاج: " ما لهم من معدل ولا ملجأ، يقال: حاص عنه إذا تنحى عنه ".
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أُوتِيتُمْ مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الحياة الدنيا﴾، أي: فما أعطيتم أيها الناس من شيء من رياش الدنيا، ومن المال فهو متاع الحياة الدنيا تستمتعون به في حياتكم، وليس من دار الآخرة، ولا مما ينفعكم.
﴿وَمَا عِندَ الله خَيْرٌ وأبقى لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾، أي: وما عند الله لأهل طاعته، والإيمان، والتوكل عليه في الآخرة، خير مما أوتيتم في الدنيا من متاعها.
" وأبقى "، أي: وأدوم، لأنه لا زوال عنه ولا انقطاع، ومتاع الدنيا (فان وزائل) عن قليل.
ثم قال: ﴿والذين يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإثم والفواحش﴾، أي: وهو للذين يجتنبون كبائر الإثم.
" روي عن ابن مسعود أنه قال: قلت: يا رسول الله، أي: الذنب أعظم؟ قال: " أَنْ تَجْعَلَ لله نِدّاً وهو خَلَقَكَ، قلت: ثُمَّ أَيُّ؟ قال أن نَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةَ أن يَأْكُلَ مَعَكَ.
قلت: ثم أَي: قَالَ: أن تَزْنِي بِحَلِيلَةِ جَارِكَ؛ ثُمَّ ذَكَرَ أَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ، وَقَذْفَ المُحْصَنَةِ، والغلُولَ، والسِّحْرَ وَأَكْلَ الرِّبَا ".
فهذا حديث مفسر في الكبائر.
وعن ابن مسعود أنه قال: الكبائر: من أول سورة " النساء " إلى رأس ثلاثين آية منها إلى قوله: ﴿وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلاً كَرِيماً﴾ [النساء: 31].
وقال ابن عباس - وقد سئل عن الكبائر - هي كل ما نهى الله تعالى / عنه.
وروي عنه أنه قال: الكبائر: " (كل ما) ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب ".
وقال الضحاك: هي كل موجبة أوجب الله عز وجل لأهلها العذاب (وكل ما) يقام عليه الحد فهو كبيرة.
وعن ابن عباس: " والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش "، قال: هو الشرك بالله عز وجل، واليأس من روح الله سبحانه، والأمن من مكر الله جلت عظمته، ومنها: عقوق الوالدين، وقتل النفس التي حرم الله سبحانه، وقذف المحصنات، وأكل (مال اليتيم)، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين الغموس واليمين الفاجرة، والغلول، ومنع الزكاة المفروضة، وشهادة الزور، وكتمان
الشهادة، وشرب الخمر، وترك الصلاة عامداً، أو شيئاً مما افترض الله سبحانه، ونقض العهد، وقطيعة الرحم.
وقال السدي: الفواحش: الزنا.
وقوله: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُواْ هُمْ يَغْفِرُونَ﴾، أي: إذا غضبوا على من أساء إليهم غفروا وصفحوا له.
قوله: ﴿والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾، أي: أجابوه حين دعاهم رسوله صلى الله عليه وسلم إلى الإيمان به والعمل بطاعته.
﴿وَأَقَامُواْ الصلاة﴾ يعني: المفروضة أقاموها بحدودها في أوقاتها.
ثم قال: ﴿وَأَمْرُهُمْ شورى بَيْنَهُمْ﴾، أي: إذا عرض لهم أمر تشاوروا فيه بينهم.
﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾، يعني: في الصدقات، وفعل الخير، وفي سبيل الله عز وجل، وإخراج الزكاة المفروضة عليهم.
وقال ابن زيد: نزلت ﴿والذين استجابوا لِرَبِّهِمْ﴾ - الآية " في الأنصار.
ثم قال تعالى: ﴿والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾، أي: والذين إذا بغى
عليهم باغ انتصروا لأنفسهم، يعني: من المشركين، قاله ابن زيد.
وقال السدي: هي في كل باغ أبيح الانتصار منه.
وقال النخعي: " كانوا يكرهون أن يذلوا أنفسهم فيجترئ عليهم الفساق ".
وروى حذيفة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ.
قِيلَ: وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قال: يَتَكَلَّفُ من البَلاَءِ (مَا لاَ يُطِيقُ) ".
ثم قال تعالى: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾، أي: وجزاء سيئة المسيء عقوبته على ما أوجبه الله عليه.
ولهذه الآية ونظيرها أجاز الشافعي وأهل الرأي أن يأخذ الرجل من مال من
خانه (مثل ما خانه به من) غير رأيه.
واستدلوا على صحة ذلك بقوله النبي صلى الله عليه وسلم لهند زوج أبي سفيان: " خذي من ماله ما يكفيك وولدك ".
وأجاز لها أن تأخذ من ماله ما يجب لها من غير رأيه.
ولم يجز ذلك مالك إلا بعلمه.
وسميت الثانية " سيئة " وليس الذي (يعملها مسيئاً) لأنها مجازاة على الأول.
فسميت باسمها وليست بها.
وروي أن ذلك: أن يجاب القائل الكلمة القذعة بمثلها.
وقال ابن أبي نجيح: هو مثل أن يقول القائل: أخزاه الله، فيقول له المجيب مثل ذلك.
وقال السدي: إذا شتمك فاشتمه بمثل ما شتمك من غير أن تعدي.
قال ابن زيد: ﴿والذين إِذَآ أَصَابَهُمُ البغي هُمْ يَنتَصِرُونَ﴾، يعني: من المشركين، ثم قال: ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى الله﴾ قال: معناه: ليس آمركم أن تعفوا عنهم لأني لا أحبهم، أي: لا أحب الظالمين، يعني: المشركين، فمن فعل فالله
يثيبه على ما آذاه به المشركون، قال: ثم نسخ هذا كله، وأمر بالجهاد.
والآية على القول الأول محكمة عامة، مثل قوله: ﴿فَمَنِ اعتدى عَلَيْكُمْ فاعتدوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعتدى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 194]
والمعنى: فمن عفا عمن أساء إليه فغفر له ابتغاء وجه الله سبحانه وهو قادر على العقوبة فالله مثيبه.
ويكون معنى قوله: ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الظالمين﴾ على هذا القول، أي: إنه لا يحب من يتعدى على الناس فيسيء إليهم بغير إذن الله عز وجل له.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَنِ انتصر بَعْدَ ظُلْمِهِ فأولئك مَا عَلَيْهِمْ مِّن سَبِيلٍ﴾، أي: ومن انتصر ممن ظلمه من بعد ظلمه إياه، فلا سبيل للمنتصر منه على المنتصر بعقوبة ولا أذى، لأنهم انتصروا بحق وجب لهم على من تعدى عليهم.
وقال قتادة: " فيما يكون بين الناس من القصاص، فأما لو ظلمك رجل لم يحل لك أن تظلمه ".
وقال الحسن: هذا في الرجل يلقيك فتلقيه، ويسبك فتسبه، ما لم يكن حدا، أو كلمة لا تصلح.
وقال ابن زيد: عنى بذلك، الإنتصار من أهل الشرك.
وقال: هو منسوخ.
- يريد نسخ بالأمر بالجهاد - قال: ونزل في أهل الإسلام ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾ [فصلت: 34].
والقول الأول هو أن الآية محكمة / غير منسوخة.
عنى بها كل منتصر ممن ظلمه وعليه أكثر العلماء، لأن النسخ لا يحكم عليه إلا بدليل قاطع أو إجماع أو نص من سنة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَظْلِمُونَ الناس وَيَبْغُونَ فِي الأرض بِغَيْرِ الحق﴾، أي: إنما سبيل العقوبة على الذين يظلمون الناس ويتجاوزون في أرض الله عز وجل الحد الذي أباح لهم ربهم فيفسدون فيها بغير الحق.
﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: مؤلم، يعني: في الآخرة بعد عقوبة الدنيا.
وقال ابن زيد عن أبيه: هي من المشركين وهي منسوخة بقوله: ﴿ادفع بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [فصلت: 34].
وكان مالك لا يرى تحليل الظالم، ويرى تحليل من لك عليه دين ومات لا وفاء له به.
وكان ابن المسيب لا يرى تحليله.
وقال عبيد الله بن عمير: ورب هذا البيت لا يعذب الله عز وجل إلا مشركاً أو ظالماً لعباده، ثم قرأ: " إنما السبيل، الآية ".
ثم قال: ﴿وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأمور﴾، أي: ولمن صبر على إساءة من أساء إليه، وغفر للمسيئ إليه جرمه فلم ينتصر منه وهو قادر على ذلك ابتغاء وجه الله عز وجل وجزيل ثوابه، إن ذلك الفعل منه لمن عزم الأمور، لمن أعالي الأمور التي ندب الله إلى
فعلها عبادة ومن أجلها، وذلك فعل الوارعين.
ثم قال: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن وَلِيٍّ مِّن بَعْدِهِ﴾، أي: ومن يخذله الله فلا يوفقه إلى الهدى فليس من ولي يوليه فيهديه من بعد إضلال الله له.
ثم قال: ﴿وَتَرَى الظالمين لَمَّا رَأَوُاْ العذاب يَقُولُونَ هَلْ إلى مَرَدٍّ مِّن سَبِيلٍ﴾، هذا مثل قوله:
﴿وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون نَاكِسُواْ رُءُوسِهِمْ عِندَ رَبِّهِمْ رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: 12] استعتبوا في غير حين استعتاب، وسألوا الرجوع إلى الدنيا حين لا يقبل منهم، وبادروا إلى التوبة حين لا تنفعهم.
" ومن " في قوله: ﴿وَلَمَن صَبَرَ﴾ مبتدأ، والخبر: " إن ذلك لمن عزم الأمور.
. . " الجملة.
وثَمَّ محذوف، فيه ضمير يعود على المبتدأ والتقدير: إن ذلك منه لمن عزم الأمور.
(ومثل هذا) قول العرب: " البُرَّقَفِيزَانِ بِدِرْهَمٍ "، أي: قفيزان منه
بدرهم.
والتقدير: إن ذلك لمن عزم الأمور له.
ثم قال تعالى: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذل﴾، أي وترى يا محمد الظالمين يوم القيامة يعرضون على النار خاضعين مما بهم من الذلة الخوف.
ثم قال: ﴿يَنظُرُونَ مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، أي: ينظر هؤلاء الظالمون إلى النار حين يعرضون عليها من طرفي خفي، أي: من طرف ذليل من كثرة الخوف والإشفاق لتبقيهم أنهم داخلون فيها.
قال ابن عباس ومجاهد: ﴿مِن طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾، أي: ذليل وهو اختيار الطبري، قال: " وصفه الله بالخفاء للذلة التي قد ركبتهم حتى كادت أعينهم تغور فتذهب ". وقال ابن جبير، يسارقون النظر من الخوف، وقاله السدي وابن كعب.
وقال بعض أهل العربية: تقديره: من عين ضعيفة النظر والطرف عنده هنا العين.
وقال يونس " من " بمعنى الباء.
والتقدير: بطرف خفي.
وقال: إنما قال من طرف خفي لأنه لا يفتح عينه، إنما ينظر ببعضها إشفاقاً.
وقيل: " إنما قيل ذلك لأنهم ينظرون إلى النار بقلوبهم لا بأعينهم لأنهم يحشرون عمياً ".
ووقف بعض العلماء على ﴿خَاشِعِينَ﴾.
ووقف أكثرهم على ﴿خَفِيٍّ﴾.
فتكون ﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الذل﴾ إن وقفت على ﴿خَاشِعِينَ﴾ (متعلقة بـ ﴿يَنظُرُونَ﴾).
وإن وقفت على ﴿خَفِيٍّ﴾ كانت ﴿مِنَ﴾ متعلقة بـ ﴿خَاشِعِينَ﴾.
ثم قال تعالى: {وَقَالَ الذين آمنوا إِنَّ الخاسرين الذين خسروا أَنفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ
القيامة}، أي: وقال المؤمنون يوم القيامة: إن المغبونين، الذين غبنوا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة.
قال السدي: غبنوا ذلك في الجنة.
وقال ابن عباس: هم الذين خلقوا للنار وخلقت النار لهم، خلفوا أهليهم وأموالهم في الدنيا، وصاروا إلى النار فحرموا الجنة والدنيا.
وقال قتادة: خسروا أهليهم الذين أُعِدُّوا لهم في الجنة لو أطاعوا.
وقيل: لما كان المؤمنون يجتمعون مع أهليهم في الجنة وكان الكفار لا يجتمعون معهم كانوا قد خسروهم.
ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الظالمين فِي عَذَابٍ مُّقِيمٍ﴾، أي: دائم ثابت لا يزول أبداً.
قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنْ أَوْلِيَآءَ يَنصُرُونَهُم مِّن دُونِ الله﴾ - إلى آخر السورة).
أي ولم يكن لهؤلاء المشركين أولياء ينصرونهم / من عذاب الله.
ثم قال: ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِن سَبِيلٍ﴾ ومن يخذله الله فلا يوفقه إلى الحق فما له من طريق إلى الحق، لأن الهداية والضلال بيده.
ثم قال تعالى: ﴿استجيبوا لِرَبِّكُمْ مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾، أي أجيبوا
أيها الناس داعي ربكم واتبعوه وآمنوا به من قبل أن يأتيَكم يوم لا شيء يرد مجيئه إذا جاء، وهو يوم القيامة.
﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾، أي: ما لكم يوم القيامة معقل تلجؤون إليه مما نزل بكم، وما لكم من إنكار لما حل عليكم ولا تغيير.
قال مجاهد: ﴿مَا لَكُمْ مِّن مَّلْجَأٍ﴾، أي: " محرز، ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾، أي من ناصر.
فيكون نكير بمعنى: ناكر، أو: منكِر.
وقيل: المعنى في ﴿وَمَا لَكُمْ مِّن نَّكِيرٍ﴾، أي: " لا تنكرون ما وقفتم عليه من أعمالكم ".
قال الزجاج: معناه: ليس لكم مخلص من العذاب، ولا تقدرون أن تنكروا ما توقفون عليه من ذنوبكم، (ولا ما) ينزل بكم من العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُواْ فَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلاَّ البلاغ﴾، أي: فإن
أعرض هؤلاء المشركون عما جئتهم به يا محمد من الحق فلم يؤمنوا به فدعهم، فإذا لم ترسلك إليهم رقيباً عليهم تحفظهم أعمالهم، ما عليك إلا البلاغ لما أرسلت به إليهم، فإذا بلغت قضيت ما يجب عليك.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّآ إِذَآ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً﴾، أي: أغنيناه ووسعنا عليه فرح بها.
﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَإِنَّ الإنسان كَفُورٌ﴾، أي: وإن يصب الإنسان فقر، أو ضيق عيش، أو علة بما قدمت يداه من المعاصي - عقوبة له من الله عز وجل على فعله وعصيانه - جحد نعم الله سبحانه المتقدمة عنده ويئس من الخير.
والتقدير، فإن الإنسان كفور، أي: جحود لنعم ربه، يعد المصائب ويجحد النعم.
والإنسان هنا: واحد للجنس، يدل على الجمع، ولذلك قال: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾، فَجَمَعَ.
ثم قال تعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾، أي: لله سطان السموات والأرض يفعل في سلطانه ما يشاء ويخلق من يشاء، فيهب لمن يشاء - من عباده - الذكور من الأولاد، ويهب لمن يشاء منهم الإناث، ويهب لمن يشاء ذكوراًَ وإناثاً،
ويمنع من يشاء من الولد.
فيجعله أو يجعل امرأته عقيماً.
قال ابن عباس يهب بمن يشاء إناثاً لا يولَد له إلا الجواري، ويهب لمن يشاء الذكور لا (يولد له) إلا الغلمان، أو يزوجهم ذكراناً وإناثاً يولد له الجواري والغلمان، فلذلك تزويجهم، وهو قول الحسن وقتادة والضحاك ومجاهد وغيرهم.
وقال محمد بن (الحنفية) وابن زيد في قوله (أو يزوجهم) ذكراناً وإناثاً، يعني التوأم، يخلق في البطن ذكراً وأنثى ويقال: رجل عقيم لا يولد له، وامرأة عقيم
لا تلد، وريح عقيم لا تأتي بمطر ولا خير.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾، أي: إن الله ذو علم بما خلق، وقدرة على خلق ما يشاء.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْياً أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ وما ينبغي لبشر من بني آدم أن يكلمه ربه مشافهة، ولكن وحياً يوحي إليه كيف يشاء، إما إلهاماً، وإما مع ملك مقرب، أو من وراء حجاب حيث يسمع كلامه ولا يراه كما فعل بموسى صلوات الله عليه.
﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾، يعني: من الملائكة، كجبريل وشبهه.
﴿فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَآءُ﴾، أي: فيبلغ الملك إلى البشر المرسل إليه بإذن الله عز وجل ما يشاء الله أن يبلغه إليه من أمره ونهيه وخبره وما أراد.
وقال مجاهد ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾، أي: إلا أن يلقي (في قلبه) ما يشاء، ويلهمه ما يشاء، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ كموسى، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ كجبريل إلى محمد عليهما السلام.
وقيل: المعنى: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾ كما أوحى إلى الأنبياء بإرسال جبريل وشبهه من
الملائكة، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ كما كلَّم موسى، ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً﴾ - يعني: من البشر - إلى الناس كافة.
وقال القتبي: ﴿إِلاَّ وَحْياً﴾: في المنام، ﴿أَوْ مِن وَرَآءِ حِجَابٍ﴾ كما كلم موسى أي ملكاً إلى النبي من بني آدم فيبلغه عن الله (ما يشاء) الله أن يبلغه.
﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: إن الله عز وجل لذو علو على كل شيء واقتدار، ذو حكمة في تدبيره خلقه.
(وليس العلو في هذا وشبهه من المسافة إنما هو علو اقتدار، ورفعة حال وجلالة).
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾، أي: كما أوحينا إلى سائر الرسل قبلك، كذلك أوحينا إليك رحمة من أمرنا: وحياً، وهو القرآن.
قال قتادة: روحاً: رحمة.
وقال السدي: روحاً: وحياً.
وقال ابن عباس: هو
النبوة.
وقيل: المعنى: أوحينا / إليك ما تحيا به النفوس كما تحيا بثبات الروح فيها، وهو القرآن وما فيه من الإيمان والمواعظ.
ثم قال تعالى: ﴿مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكتاب وَلاَ الإيمان﴾، أي: لم تكن يا محمد تدري أي شيء الكتاب، ولا أي شيء الإيمان للذين أعطيناكهما.
ثم قال تعالى: ﴿ولكن جَعَلْنَاهُ نُوراً نَّهْدِي بِهِ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾، أي: ولكن جعلنا القرآن ضياء للناس يستضيء بنوره من يشاء الله عز وجل ومن يوفقه، ونوره هو: العمل بما فيه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾، أي: وإنك يا محمد لتهدي الناس وتدعوهم وترشدهم إلى طريق مستقيم، أي: إلى الحق والإسلام.
وقرأ الضحاك وحوشب: ﴿وَإِنَّكَ لتهدي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ بضم التاء وفتح الدال على ما يسم فاعله.
ثم بين الصراط وفسره فقال: ﴿صِرَاطِ الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات﴾، أي: طريق
الله الذي دعا إليه عباده.
وقال الضحاك: إلى صراط مستقيم، إلى دين (مستقيم، دين) الله الذي له، وفي ملكه وقدرته وسلطانه جميع ما في السماوات وما في الأرض.
ثم قال: ﴿أَلاَ إِلَى الله تَصِيرُ الأمور﴾، أي: ترد أمور جميع الخلق إلى الله عز وجل يوم القيامة فيقضى بينهم بالعدل، وأمورهم (أيضاً في الدنيا) إلى الله سبحانه.
وإنما خص ذكر يوم القيامة - هنا - لأنه يوم لا يدعي فيه أحد لنفسه شيئاً ولا يتجبر فيه أحد، ولا يدعي أحد مُلْكاً ولا سلطاناً إلا الله سبحانه.
والدنيا فيها الجبارون والملوك والمُدَّعُونَ الباطل، فلذلك خص ذكر يوم القيامة برجوع الأمور إليه تعالى ذكره، وإن كانت في الدنيا بيده وفي حُكْمِه وقَبْضَتِهِ وعن مشيئته تكون، لا إله إلا هو.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة حم، الزخرف، مكية.
قوله تعالى: ﴿حم* والكتاب المبين﴾ إلى قوله ﴿ومضى مَثَلُ الأولين﴾ قد تقدم ذكر حم.
وقوله: ﴿والكتاب المبين﴾: قسم، أي: المبين لمن تديره وفكر في عبره وعظاته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾، أي: أنزلناه بلسان العرب إذ كنتم أيها المنذرون به من العرب.
" وجعلناه " هنا، يتعدى إلى مفعولين، " فالهاء " الأول، " وقرآناً " الثاني.
وهذا مما يدل على نقض قول أهل البدع: إنه بمعنى خلقنا.
إذ لو كان بمعنى خلقنا؟ إذ لو كان بمعنى خلقنا، لم يتعد إلا إلى مفعول واحد.
ومثله قوله تعالى: ﴿الذين جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ﴾ [الحجر: 91]، فلو كان بمعنى " خلق " لصار المعنى أنهم خلقوا القرآن، وهذا محال.
ولم يُلْقِهِم في هذا الخطأ العظيم، والجهل الظاهر إلا قلّة علمهم بتصاريف اللغات وضعفهم في معرفة الإعراب.
وقوله: ﴿لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، معناه: أنزلنا القرآن بلسانكم لتعقلوا معانيه ومواعظَه، ولم ننزله بلسان العجم فتقولوا نحن عَرَبٌ، وهذا كلام لا نفقه معانيَه.
قال قتادة: " والكتاب المبين: مبين - والله - بركته وهداه ورشده ". وقيل: المبين، أي: أبان الهدى من الضلالة، والحق من الباطل.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ في أُمِّ الكتاب لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: وإن القرآن في أم الكتاب، يعني: اللوح المحفوظ: وأم الكتاب: أصله.
فالقرآن مثبت عند الله جل وعز في اللوح المحفوظ، ومن اللوح المحفوظ نُسِخَ.
وقوله: ﴿لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، أي: عندنا لذو علو ورفعة وقيل معنى " عَلِيٌّ ": قاهر لا يقدر أحد أن يدفعه ويبله، معجز لا يؤتى بمثله، حكيم أحكمت آياته ثم فصلت، فهو ذو حكمة.
وقيل: حكيم، أي: محكم في أحكامه ووصفه.
قال ابن عباس: " أو لما خلق الله عز وجل القلم: أمره أن يكتب ما يريد أن يخلق.
قال: فالكتاب عنده.
روى مالك عن (عمران عن) عكرمة أنه قال " أم الكتاب القرآن ".
ثم قال تعالى: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً﴾ " صفحاً " مصدر، كأنه قال: أفنصفح عنكم صفحاً.
وقيل: هو مصدر في موضع الحال، كأنه قال: أفنضرب عنكم الذكر صافحين.
كما تقول: جاء زيد مشياً، أي: ماشياً.
ويجوز أن يكون صفحا بمعنى: ذو صفح، كما تقول: رجل عدل (ورضى أي: عادل وراضٍ)، وذو عدل وذو رضى.
يقال: أضربت عنك بمعنى: أعرضت عنك وتركتك.
والمعنى: أفنعرض عنكم أيها الناس ونترككم سدى لا نذكركم بعقابنا من أجل أنكم قوم مشركون.
قال مجاهد: معناه، أفتذكبون بالقرآن ولا تعاقبون.
وقال السدي: معناه: " أفنضرب عنكم العذاب ".
وقال ابن عباس: معناه: " أحسبتم أن نصفح عنكم ولما تفعلوا
ما أمرتم به ".
وقال قتادة: (معنى): ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنكُمُ الذكر صَفْحاً أَن كُنتُمْ قَوْماً مُّسْرِفِينَ﴾، أي: مشركين /، والله لو كان هذا القرآن " رفع حين رده أوائل هذه الأمة لهلكوا، ولكن الله عاد بعائدته ورحمته فكرره عليهم فدعاهم إليه عشرين سنة أو ما شاء من ذلك ".
قال الضحاك: الذكر هنا: القرآن، وقال أبو صالح: الذكر: العذاب.
وقيل: " الذكر: التذكير ". والمعنى: أفنترك تذكيركم بهذا القرآن فلا نذكركم به عقاب الله وثوابه لأن كنتم قوما مسرفين.
وهو مروي عن ابن عباس.
فيكون المعنى: فنهملكم (ونذكركم) سدى ولا نذكركم (لأنكم) كنتم قوماً مسرفين.
وهذا كله على قراءة من فتح " أن "، فأما من كسر " أن " فقد رده أبو حاتم وغيره، لأنهم إنما وبخوا على شيء قد ثبت ومضى؛ فهذا موضع المفتوحة لأنها لما مضى.
والمكسورة معناها لما يأتي.
فكيف يربخون على شيء لم يفعلوه بعد.
والكسر عند الخليل وسيبويه والكسائي والفراء جيد حسن، ومعناه الحال عند الزجاج لأن في الكلام معنى التقرير والتوبيخ.
وقال سيبويه: سألت الخليل عن (قول الشاعر وهو) الفرزدق: