الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
والضيق عن الكافر أعرض عن ما جاءه من عند الله عز وجل ولم يؤمن به وبعد من الإجابة إلى ما دعي إليه.
ومعنى " بجانبه ": قال السدي: أعرض: صد بوجهه، ونأى بجانبه: تباعد عن القبول.
ثم قال: ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَآءٍ عَرِيضٍ﴾، أي: وإذا مسه الضر والفقر والجهد ونحوه فهو ذو دعاء (كثير إلى ربه.
فأن الرجل إذا كان في نعمة تباعد عن ذكر الله ودعائه، فإذا مسه الشر فهو ذو دعاء) عريض، أي كثير.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله﴾ - إلى آخر السورة.
أي: قل يا محمد للمكذبين للقرآن، أرأيتم إن كان هذا القرآن الذي كذبتم به ولم تؤمنوا به من عند الله ثم كفرتم به ألستم في فراق للحق وبعد من الصواب.
وهو معنى قوله: ﴿مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ إلا أنه جعل الخبر في مكان التقدير وفي الكلام حذف، والتقدير: ثم كفرتم به أمصيبون أنتم أم ضالون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ﴾، أي: سنرى هؤلاء المكذبين بما أنزلنا آياتنا في الآفاق، يعني: وقائع النبي صلى الله عليه وسلم بالمشركين.
قال السدي: هي ما يفتح الله للنبي عليه السلام وقوله: ﴿وفي أَنفُسِهِمْ﴾، يعني: ما يفتح للنبي صلى الله عليه وسلم من مكة وهو اختيار الطبري.
وقال ابن زيد: آياتنا في الأفاق يعني: في السماوات ونجومها وشمسها وقمرها.
وقيل: معنى " وفي أنفسهم " هو: سبيل الغائط والبول وقيل المعنى: سيرون ما أخبرهم به (النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون من فتن وفساد وغلبة الروم فارس، وغير ذلك مما أخبرهم به) أنه سيكون لهم حتى يبين لهم أن كلما أخبرهم به أنه هو الحق.
وقيل: " المعنى: سنريهم آثار صنعتنا في الآفاق الدالة على أن لها صانعاً حكيماً، وفي أنفسهم من أنهم كانوا نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً إلى أن بلغوا وعلقوا حتى يتبين لهم أن الله هو الحق لا ما يعبدون من دونه ".
وعن ابن جبير أن معنى " في الآفاق " هو ظهور النبي صلى الله عليه وسلم على الناس سوى قريش، وفي أنفسهم: ظهوره على قريش، وهو اختيار النحاس.
وقيل معنى الآية: سنريهم آثار من مضى من الأمم ممن كذب الرسل من قبلهم وآثار خلق الله عز وجل في البلاد، وفي أنفسهم، يعني: أنهم كانوا نطفاً ثم علقاً ثم مضغاً ثم عظاماً ثم كسيت لحماً، ثم نقلوا إلى التمييز والعقل.
وذلك كله (يدل على) توحيد الله عز وجل وقدرته حتى يعلموا أن ما أنزلنا على محمد صلى الله عليه وسلم حق.
ثم قال تعالى ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أي: أو لم يكف ربك أنه شاهد على كل شيء مما يفعله خلقه لا يعزب عنه علم شيء منه.
و " إنه " في موضع رفع بدل من " ربك " على الموضع.
ويجوز أن يكون في موضع خفض على البدل من " ربك " على اللفظ.
ويجوز أن يكون في موضع " أن " نصباً على معنى الآية.
ومعنى الاية: أو لم يكف ما دل من قدرته وحكمته، ففي ذلك كفاية.
(وقيل: المعنى: أو لم يكف ربك في معاقبة الكفار وقيل: المعنى: أو لم (يكف ربك يا محمد) أنه شاهد على أعمال هؤلاء الكفار ففي ذلك كفاية لك.
ثم قال تعالى ﴿أَلاَ إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَآءِ رَبِّهِمْ﴾، أي: في شك من البعث بعد الموت، والمجازاة على الأعمال.
ثم قال تعالى ﴿أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيط﴾، أي: ألا إن الله محيط بعلمه بكل شيء خلقه، لا يعجزه علم شيء منه.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة عسق مكية
قوله تعالى: ﴿حم* عسق * كَذَلِكَ يوحي إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿العزيز الحكيم﴾.
قد تقدم إعراب أوائل السور وتفسيرها.
وقد روى عطاء والضحاك كلاهما عن ابن عباس في تفسير ﴿حم* عسق﴾ أن معناه: قذف ومسخ وخسف وسنون، الله أعلم ما سيكون فيها.
وقوله: ﴿كَذَلِكَ يوحي﴾ الكاف في موضع نصب نعت لمصدر محذوف ولا موضع للكاف الثانية، واسم الله رفع " بيوحي ".
وقيل: معنى الآية: إنه لم ينزل كتاب من عند الله إلا وفيه حم عسق.
فالمعنى على هذا: كالذي أوحي إليك من هذه السورة، أوحي إلى الذين من قبلك من الرسل.
وهذا مذهب الفراء.
وقرأ ابن كثير: ﴿كَذَلِكَ يوحي إِلَيْكَ﴾ (على ما لم) يسم فاعله.
فيكون الوقف على هذه القراءة: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ ثم يبتدئ: ﴿الله العزيز الحكيم﴾ على الابتداء، والخبر، وإن شئت على الابتداء والصفة، أو يكون ﴿لَهُ مَا فِي السماوات﴾ [الشورى: 4] الخبر.
وروى الشموني عن أبي بكر: " نُوحي " بالنون.
فتقف أيضاً على
﴿مِن قَبْلِكَ﴾، ثم يبتدئ " الله " على ما قدر ذكرنا.
وقد يجوز على قراءة ابن كثير أن يرتفع على فعل مضمر كأنه قيل: من يوحي؟ فقيل: يوحي الله كقول الشاعر: لِيُبْكَ يَزِيدُ ضارعٌ لِخُصُومَةٍ.
كأنه قال: ليبك يزيد.
قيل: من يبكيه؟ / قيل: يبكيه ضارع لخصومة.
قال قتادة: حم عسق اسم من أسماء الله.
وروى حذيفة أنها نزلت في رجل يكون من بني هاشم من أهل بيت
ابن عباس يقال له عبد الله ينزل على نهر من أنهار المشرق يبنى عليه مدينتان، يشق النهر بينهما شقا، فإذا أَذِنَ الله في زوال ملكهم، وانقطاع دولتهم ومدتهم بعث على إحداهما ناراً ليلاً فتصبح سوداء مظلمة قد احترقت كأنها لم تكن مدينة مكانها وتصبح صاحبتها متعجبة كيف أفلتت فما هو إلا بياضُ يومها ذلك حتى يجمع الله فيها كل جبار منهم ثم يخسف الله بها وبهم جميعاً فذلك قوله: ﴿حم* عسق﴾، يعني: عزيمة (من الله) وقضاء.
سين، يعني: سيكون.
قاف، يعني: واقعاً بهاتين المدينتين.
وروى عن ابن عباس أنه قرأ " حم سق " بغير سين، وكان يقول: إن السين كل فرقة كائنة، وأن القاف كل جماعة كائنة.
ويقول: إن علياً رضي الله عنهـ إنما كان يعلم الفتن بها.
وفي مصحف عبد الله: ﴿حم* عسق﴾ بغير عين كقراءة ابن عباس.
ومعنى ﴿العزيز﴾، أي: العزيز في انتقامه من أعدائه ﴿الحكيم﴾: في تدبيره خَلْقَه.
قوله تعالى: ﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَهُوَ العلي العظيم﴾، إلى قوله: ﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: له ملك ما فيها من جميع الأشياء كلها.
﴿وَهُوَ العلي﴾ أي: ذو علو وارتفاع على كل الأشياء، ارتفاع مُلْكٍ وقُدْرَةٍ وسُلطانٍ، لارتفاع انتقالٍ.
﴿العظيم﴾: وله العظمة والكبرياء.
ثم قال تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِن فَوْقِهِنَّ﴾، أي: تكاد تشقق من فوق الأرضين من عظمة الرحمن وجلالته.
هذا قول جميع المفسرين.
وقيل: المعنى: تكاد السموات يتشققن من أعلاهن من عظمة الله فيكون الضمير في ﴿فَوْقِهِنَّ﴾ (على القول) الأول يعود على الأرضين.
وعلى هذا القول الثاني يعود على السماوات.
وكان علي بن سليمان يقول: الضمير في فوقهن للكفار، أي: من فوق الكفار.
وهذا قول بعيد، لا يجوز في المذكرين من بنى آدم: " رأيتهن ".
وقيل: المعنى: يكاد السماوات يتفطرن من فوق الأرضين من قول المشركين
وكفرهم.
﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ تعظيما لله سبحانه وتعجباً من مقالة المشركين وهم مع يستغفرون لمن في الأرض، يعني المؤمنين.
ثم قال تعالى: ﴿والملائكة يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ أي: يُصَلُّونَ بطاعة ربهم شكراً له وجلالةً وهيبةً، هذا قول الطبري.
وقال الزجاج: معناه: والملائكة يُعظمون الله وينزهونه عن السوء.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الأرض﴾، أي: ويسألون ربهم المغفرة لذنوب من في الأرض من المؤمنين.
وهذا اللفظ ومعناه الخصوص قاله السدي وغيره.
ولا يجوز أن يكون (عاما فيدخل) في ذلك الكفار لأنه تعالى قد قال:
﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ الله والملائكة والناس أَجْمَعِينَ﴾ [البقرة: 161] فغير جائز أن يستغفر لهم الملائكة.
وروي عن وهب بن منبه أنه قال: هي منسوخة (نسختها الآية) التي في سورة المؤمن.
قوله تعالى جل ذكره: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ [غافر: 7].
وهذا عند أهل النظر لا يجوز فيه نسخ لأنه خبر، ولكن تأويل قول وهب ابن منبه في هذا أنه أراد أن هذه الآية نزلت على نسخ تلك الآية.
ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ الله هُوَ الغفور الرحيم﴾، أي: الغفور لذنوب مؤمني عباده، الرحيم بهم أن يعذبهم بعد توبتهم.
وأجاز أبو حاتم الوقف على " من فوقهن ". وذلك جائز إن جعلت ما بعده منقطعاً منه.
فإن جعلته في موضع الحال لم يجز الوقف دونه.
ثم قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ الله حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾، أي: والذين اتخذوا يا محمد من قومك آلهة يعبدونها من دون الله، الله حفيظ لأعمالهم، مُحْصِيهَا عليهم ومُجازيهم بها يوم القيامة.
﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْهِم بِوَكِيلٍ﴾، أي: ولست يا محمد بالوكيل عليهم تحفظ أعمالهم، إنما أنت مُنْذِرٌ ومُبَلِّغٌ ما أُرسِلت به إليهم، فعليك البلاغ وعلينا الحساب.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ قُرْآناً عَرَبِيّاً لِّتُنذِرَ أُمَّ القرى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي: أوحينا إليك يا محمد قرآناً بلسان العرب لتنذر عذاب الله أهل أم القرى، وهي مكة.
سميت بذلك لان الأرض دحيت منها.
وقيل: سميت (أم القرى لأنها أول ما عُظِّمَ وِشُرِّفَ من القرى.
وقيل: سميت) بذلك لأنها أول ما وُضِعَ.
كما قال: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: 96].
وقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾، أي: ومن حول أم القرى من سائر الناس.
ثم قال تعالى: ﴿وَتُنذِرَ يَوْمَ الجمع لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾، أي: وتنذرهم عقاب الله الكائن في يوم الجمع لا شك فيه، وهو يوم القيامة.
وهذا في الحذف مثل قوله تعالى / ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: 175]، أي: يخوفكم بأوليائه، فكذلك المعنى: وتنذرهم عقاب الله الكائن يوم الجمع، ثم حذف.
فيكون " يوم " على هذا نصباً على الظرف.
ويجوز أن يكون النصب على المفعول به كما قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾ [مريم: 39] وكما قال: ﴿وَأَنذِرِ الناس يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب﴾ [إبراهيم: 44] فكل هذا انتصب على أنه مفعول به
وليس بظرف للإنذار، لأن الإنذار لا يكون يوم القيامة إنما الإنذار في الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الجنة وَفَرِيقٌ فِي السعير﴾، أي: منهم فريق في الجنة وهم المؤمنون، وفريق في السعير - وهي جهنم - وهم الكفار.
وسميت جهنم بالسعير لأنها تسعر على أهلها.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه: " خَرَجَ يَوْماً عَلَى أَصْحَابِهِ وَفِي يَدِهِ كِتَابَانِ، فَقَالَ: هَلْ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقُلْنَا: لاَ، إِلاَّ اَنْ (تُخْبِرَنَا يَا رَسُولَ الله).
قَالَ: هَذَا كِتَابٌ مِن رَبِّ العَالَمِينَ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الجَنَّةِ وأَسْمَاءُ آبِائِهِمْ وَقَبَائِلِهِم، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِمْ فَلاَ يُزَادُ فِيهِم وَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُمْ اَبَداً (وَهَذَا كِتَابُ أَهْلِ النَّارِ بِأَسْمِائِهِمْ وَأَسْمَاءِ أبَائِهِمْ، ثُمَّ أُجْمِلَ عَلَى آخِرِهِم فَلاَ يُنْقَصُ مِنْهُم أَبَداً) فَقَالَ أَصْحَابُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: فَفيمَ العُمُلُ إِذَا كَانَ هَذَا أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: بَلْ سَدَّدُوا وَقَارِبُوا، فَإِنَّ صَاحِبَ الجَنَّةِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الجَنَّةِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمضلٍ، وَإِنَّ صَاحِبَ النَّارِ يُخْتَمُ لَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنْ عَمِلَ أَيَّ عَمَلٍ.
فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ العِبَادِ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِيَدِهِ فَنَبَذَهُمَا.
فَرَغَ رَبُّكُمْ مِنَ الخَلْقِ، فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ، وَفَرِيقُ فِي السَّعِيرِ قَالُوا: سُبْحَانَ الله،
فَلِمَ نَعْمَلُ وَنَنْصَب؟! فَقَالَ رَسُولُ الله: العَمَلُ إِلَى خَوَاتِمِهِ ".
وكان ابن عمر يقول: " إن الله جل ثناؤه لما خلق آدم نفضه نفض المزود فأخرج منه كل ذرية، فخرج أمثال النَّغَفِ فقبضهم قبضتين، وقال: شقي وسعيد، ثم ألقاهما، ثم قبضهما فقال: فريق في الجنة وفريق في السعير ".
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ الله لَجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾، أي: على دين واحد.
﴿ولكن يُدْخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾، أي يوفقه إلى الإيمان والطاعة فيرحمه.
ثم قال: ﴿والظالمون مَا لَهُمْ مِّن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾، أي: والكافرون ما لهم يوم القيامة من ولي يتولى معونتهم، ولا نصير ينصرهم من عقاب الله سبحانه.
ثم قال تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾، أي بل اتخذ هؤلاء المشركون من دونه أولياء يعبدونهم من دونه.
﴿فالله هُوَ الولي﴾، أي: هو الولي لأوليائه (لأنه يضر وينفع) ﴿وَهُوَ يُحْيِي الموتى﴾: (بعد موتهم يوم القيامة.
﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، أي: قادر على إحياء الموتى وعلى غير ذلك مما يريد.
قوله تعالى: ﴿وَمَا اختلفتم فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى الله﴾ إلى قوله: ﴿مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾، أي: وما تنازعتم أيها الناس فيه من شيء فحكمه إلى الله، أي: هو يقضي فيه بما يشاء إما بنص في كتابه، وإما بدليل على النص.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكُمُ الله رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾، أي: ذلكم الذي ذكرت لكم هو ربي وإلهي وإلهكم.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ في أموري.
﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾، أي: وإليه أرجع في أموري، وأتوب من ذنوبي.
ثم قال: ﴿فَاطِرُ السماوات والأرض﴾، أي: هو (خالقهما ومبتدعهما).
﴿جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾، أي: زوجكم ربكم من أنفسكم أزواجاً،
يعني: خلق حواء من ضلع آدم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الأنعام أَزْواجاً﴾ يعني: من الضأن اثنين، ومن المَعْزِ اثنين، ومن الإبل اثنين ومن البقر اثنين.
ثم قال: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (أي: بخلقكم فيما جعل لكم من أزواجكم، وبعيشكم فيما جعل لكم من الأنعام).
قال مجاهد: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ (فيه، نسل بعد نسل من الناس والأنعام ".
وقال السدي: يذرؤكم: يخلقكم.
وقال ابن عباس: " جعل الله فيه معيشة تعيشون بها ".
قال قتادة: يذرؤكم فيه، قال: " عيش من الله جل ثناؤه يعيشكم فيه ".
وقال الزجاج: " يذرؤكم فيه أي: يكثركم فيه " (ف " في ") عنده في موضع الباء.
والمعنى على قوله: يكثركم، يخلقكم أزواجاً.
وقال القتبي: يذرؤكم فيه، أي: في الزوج.
(فالمعنى: يخلقكم في بطون الإناث.
وقال علي بن سليمان: " يذرؤكم: ينبتكم من حال إلى حال ".
وحكى أبو زيد) وغيره عن العرب، ذرأ الله الخلق يذرؤهم، أي: خلقهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف في " كمثله " زائدة للتوكيد لا موضع لها.
وموضع " كمثله كله موضع نصب خبر " ليس ".
وقيل المعنى: ليس هو شيء، ولكن دخلت " المثل " في الكلام للتوكيد.
ثم قال: ﴿وَهُوَ السميع البصير﴾، أي: السميع لما ينطق به من خلقه من قول،
البصير بأعمالهم، لا يخفى عليه منها شيء.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السماوات والأرض﴾، أي: له مفاتيح خزائن السماوات والأرض.
وواحد المقاليد إقليد وجمع على مقاليد على غير قياس كمحاسن، والواحد حسن.
وقيل: واحدها مقليد.
فهذا على لفظ الجمع.
فتحقيق المعنى: بيده خزائن الخير والبشر.
فما يفتح من رحمته فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده /.
قال مجاهد: مقاليد: مفاتيح بالفارسية.
وقوله: ﴿يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ وَيَقْدِرُ﴾، أي: يوسع الرزق على من يشاء من عباده، ويضيق على من يشاء، يفعل ما يريد، ويعلم مصالح خلقه فيوسع على من لا تصلح حاله إلا (بالتوسيع) (ويضيق على من لا تصلح حاله إلا بالتضييق).
﴿إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، أي عالم بأحوال خلقه وما يصلحهم.
ثم قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدين مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾ (أي: بيَّن الله لكم أيها الناس من الدين ما وصى به نوحاً) أن يعمله.
﴿والذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ﴾ يا محمد، أي: وشرع لكم من الدين الذي أوحينا إليك يا محمد، وهو كتاب الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وموسى وعيسى أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾، أي: وشرع لكم من الدين أن أقيموا الدين.
" فأن " في موضع نصب على البدل من " ما " في قوله: ﴿مَا وصى بِهِ نُوحاً﴾.
فالتقدير: شرع لكم أن أقيموا الدين.
ويجوز أن يكون " أن " في موضع (رفع على معنى هو: أن أقيموا الدين.
ويجوز أن تكون في موضع خفض على البدل من الهاء في " به ") قال أبو
العالية: الذي وصى به نوحاً لله عز وجل، وعبادته لا شريك له.
قال الحكيم: جاء نوح بالشريعة وتحريم الأمهات والبنات والأخوات.
وقال قتادة: جاء نوح بالشريعة بتحليل الحلال وتحريم الحرام.
وقوله: ﴿أَنْ أَقِيمُواْ الدين﴾: معناه: اعملوا به على ما شرع لكم وفرض عليكم.
وقال السدي: اعملوا ولا تتفرقوا فيه (فتختلفوا فيه) كما اختلف الأحزاب من قبلكم.
فتحقيق المعنى في [الآية: ﴿شَرَعَ لَكُم﴾] أن أقيموا [لله الدين] الذي
ارتضاه لأنبيائه، ولا تتفرقوا فتؤمنوا ببعض الرسل وتكفروا ببعض.
وهذا الدين هو الإسلام.
ومذهب أكثر المفسرين أن نوحاً صلى الله عليه وسلم أول من جاء بالشريعة من تحريم الأمهات، والبنات، والأخوات، والعمات.
ثم قال تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى المشركين مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾، أي: عظم يا محمد على المشركين من قومك ما تدعوهم إليه من الإخلاص لعبادة الله عز وجل، والإقرار له بالألوهية، والبراءة مما سواه من الآلهة.
وقال قتادة: كبر على المشركين شهادة ألا إله إلا الله.
ثم قال تعالى: ﴿الله يجتبي إِلَيْهِ مَن يَشَآءُ﴾، أي: يصطفي لدينه من يشاء من خلقه، ويختار لولايته ودينه من أحب، قال السدي: يستخلص من يشاء، وقال أبو العالية: يخلص من الشرك من يشاء.
والتقدير: الله يجتبي إليه من يشاء أن يجتبيَه.
ثم قال تعالى: ﴿ويهدي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ﴾، أي: ويوفق للعمل بطاعته من يتوب إليه من الشرك.
وقوله: ﴿وعيسى﴾ وقف إن جعلت " أن أقيموا " في موضع رفع على الابتداء،
فإن جعلت " أن " بدلاً مما قبله لم تقف إلا على ﴿فِيهِ﴾ أو على: ﴿إِلَيْهِ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا تفرقوا إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ العلم بَغْياً بَيْنَهُمْ﴾، أي: وما تفرق المشركون في أديانهم فصاروا أحزاباً إلا من بعد ما جاءهم العلم، أي: إن الذي جاءتهم به الأنبياء هو الدين الحق، فتفرقوا من أجل البغي (من بعدما جاءهم الحق.
وقيل: المعنى: ما تفرق قريش عن الإيمان بما جئتم به يا محمد إلا من أجل البغي عليك) من بعد ما جاءهم القرآن دلالة على صحة ما جئتهم به.
وقيل: معنى: بغياً بينهم، أي: بغياً من بعضهم على بعض وحسداً وعداوة على طلب الدنيا.
وقيل: المعنى: ما تفرق مشركو قريش إلا من بعد ما جاءهم العلم وذلك أنهم كانوا يتمنون أن يبعث إليهم نبي.
فلما بعث إليهم محمد صلى الله عليه وسلم كفروا به.
وهو مثل قوله: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم.
.﴾ [فاطر: 42] الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى لَّقُضِيَ بِيْنَهُمْ﴾، أي: لولا أن
الله عز وجل أخر عذابهم - في سابق علمه - إلى يوم القيامة لقضي بينهم فيما اختلفوا فيه، فيهلك الكافر وينجي المؤمن.
قال الزجاج: الكلمة: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 46].
قال السدي: يوم القيامة.
وقال الطبري: معناه: لولا قول سبق: يا محمد من ربك إلا يعاجلهم بالعذاب لقضي بينهم، ولكنه أخر ذلك إلى يوم القيامة.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الذين أُورِثُواْ الكتاب مِن بَعْدِهِمْ﴾، أي: وإن الذين أورثوا الكتاب من بعد هؤلاء المختلفين في الحق لفي شك منه، يعني: اليهود والنصارى.
والكتاب هنا: التوراة والإنجيل.
ومعنى: ﴿لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ﴾ أي: لفي شك من الدين الذي وصى الله عز وجل به نوحاً وأوحاه إليك يا محمد وأمرك بإقامته مريب.
وقيل، المعنى: إن اليهود والنصارى الذين أورثت قريش الكتاب من بعدهم، أي: من بعد اليهود والنصارى - لفي شك منه، أي: من القرآن.
وقيل: من محمد صلى الله عليه وسلم: فالشك على هذا لليهود والنصارى.
وقيل: هو لقريش، الذين أورثوا الكتاب من بعد اليهود والنصارى وهم في شك من القرآن.
قوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فادع واستقم﴾ إلى قوله: ﴿لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾، أي: فإلى ذلك الدين يا محمد فادع الناس واستقم.
فاللام في " فلذلك " / بمعنى " إلى " كما قال: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5]، أي:
إليها.
﴿واستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾ أي: واستقم يا محمد على العمل بذلك الدين، واثبُت عليه كما أمرك ربك.
(وقيل: " ذلك " بمعنى: هذا.
والتقدير: فلهذا القرآن فادع الناس يا محمد واستقم على العمل به كما أمرك ربك.
وقيل: اللام) على بابها، والمعنى: ومن أجل ذلك الذي تقدم ذكره فادع إلى عبادة الله واستقم على (ما أمرك) ربك.
وفي الكلام تقديم وتأخير.
والتقدير فيه: كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه فلذلك فادع، أي فإلى ذلك (الدين فادع) عباد ابيه واستقم كما أمرت.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَآءَهُمْ﴾، أي: ولا تتبع أهواء المشركين في الحق الذي شرعه الله لكم من الدين.
﴿وَقُلْ آمَنتُ بِمَآ أَنزَلَ الله مِن كِتَابٍ﴾ أي: وقل يا محمد صَدَّقْتُ بما أنزل الله من كتاب، كائنا ذلك الكتاب ما كان لا أُكَذِّبُ بشيء منه، كما كذبتم أيها المشركون ببعضه، وصدقتم ببعضه.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ لأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾، أي: وأن أسير فيكم أجمعين بالحق الذي بعثني (الله به).
قال قتادة: " أُمِرَ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعدل، فعدل، حتى مات صلى الله عليه وسلم.
والعدل ميزان الله في الأرض، به يأخذ المظلوم من الظالم، والضعيف من الشديد " وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ثَلاثَ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَنْجَنَهُ: القَصْدُ فِي الْفَاقَةِ وَالغِنَى، والْعَدْلُ فِي الْرِّضَى والغَضَبِ، وَالخَشْيَةُ فِي الْسِّرِّ وَالعَلاَنِيَةِ.
وَثَلاَثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ أَهْلَكْتُهُ: شُحٌّ مَطَاعٌ، وَهَوَى مُتَّبَعٌ، وَإِعْجَابُ المَرْءِ بِنَفْسِهِ.
وَأَرْبَعٌ مَنْ أُعْطِيهُنَّ فَقَدْ أُعطِي خَيْرَ الْدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: لِسَانٌ ذاكِرٌ، وَقَلْبٌ شَاكِرٌ، وَبَدَنٌ صَابِرٌ، وَزَوْجَةٌ مُوَافِقَةٌ ".
ثم قال تعالى: ﴿الله رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾، أي: مَالِكُنَا ومَالِكُكُم.
وهذا كله خطاب لجميع الأحزاب من أهل الكتابين.
﴿لَنَآ أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ﴾، أي: لنا ثواب ما اكتسبنا من الأعمال، ولكم ثواب ما اكتسبتم منها.
﴿لاَ حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾، أي: " لا خصومة ": قاله مجاهد وابن زيد.
وقيل: (المعنى: لا خصومة بيننا) لأن الحق قد تَبَيَّنَ لَكُمْ صوابه.
فاحتجاجكم إنما هو عناد في أمر قد تبين لكم صوابه (فاحتجاجكم إنما هو في فيما قد علمنا أنكم) تعلمونه وتنكرونه بعد علمكم بصحته.
ثم قال تعالى: ﴿الله يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ المصير﴾، أي: يجمع بيننا في موقف يوم يوم القيامة فيقضي بيننا بالحق فيما اختلفنا فيه، وإليه مصيرنا أجمعين.
ثم قال تعالى: ﴿والذين يُحَآجُّونَ فِي الله مِن بَعْدِ مَا استجيب لَهُ﴾، أي: والذين يخاصمون في دين الله عز وجل الذي بعث به محمداً صلى الله عليه وسلم، من بعد ما استجيب له الناس ودخلوا فيه.
﴿حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبِّهِمْ﴾ أي: خصومتهم باطلة ذاهبة عند ربهم.
﴿وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ﴾ من ربهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الآخرة، وهو عذاب النار.
وقيل المعنى: والذين يخاصمون الناس في دين الله، من بعد مت استجيب للنبي.
فتكون " الهاء " للنبي صلى الله عليه وسلم في هذا القول.
وهي لله عز وجل في القول الأول.
ومعنى: استجيب له - في هذا القول - استجيب دعاؤه، لأنه دعا على أهل بدر فاستجيب له، ودعا على أهل مكة ومضر.
بالقحط فاستجيب له، ودعا للمستضعفين أن ينجيهم الله من قريش فاستجيب له في أشباه لهذا.
وقال مجاهد: هم قوم من الكفار خاصموا المؤمنين في وحدانية الله سبحانه من بعدما استجيب له المؤمنون.
وذكر الطبري أن هذه الآية " نزلت في قوم من اليهود خاصموا أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في دينهم وطعموا أن يصدوهم عنه إلى الكفر "، وهو قول ابن عباس.
وقال قتادة: نزلت في اليهود والنصارى، قالوا: ديننا قبل دينكم، ونبينا قبل نبيكم، ونحن خير منكم.
ثم قال: ﴿الله الذي أَنزَلَ الكتاب بالحق والميزان﴾، أي: الله الذي أنزل هذا الكتاب - يعني: القرآن - بالحق وأنزل الميزان.
قال مجاهد وقتادة: الميزان: العدل، ليقضي بين الناس بالإنصاف بحكم الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ الساعة قَرِيبٌ﴾، أي: وأي شيء يعلمك يا محمد لعل الساعة التي تقوم فيها القيامة قريب.
وفي الكلام معنى التهديد والتخويف لمن أنزل عليه القرآن - وهو النبي صلى الله عليه وسلم وأمته.
وذكر " قريب " و " الساعة " مؤنثة على طريق النسب.
وقيل: ذكر ليفرق بينه إذا كان من المسافة والزمان، وبينه إذا كان من النسب والقرابة.
وقال الزجاج: " هو تأنيث ليس بحقيقي فحمل على المعنى.
والتقدير لعل البعث قريب ".
وقيل التقدير لعمل مجيء الساعة قريب، ثم حُذف مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
ثم قال تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِهَا والذين آمَنُواْ مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ أي: يستعجلك بمجيئها يا محمد الذين لا يؤمنون بها ينكرون مجيئها، يظنون أنها غير جائية، وذلك قولهم: ﴿متى هذا الوعد إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الملك: 25].
فهم يسألون عن حدوث كونها على جهة التكذيب لمجيئها.
والذين آمنوا بها، وعلموا أنها ستأتي مشفقون منها، أي: وجلون خائفون من مجيئها لصحة وقوع ذلك عندهم وكونه، لأنهم لا يدرون ما الله فاعل بهم فيها.
﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الحق﴾، أي: ويوقنون أن مجيئها حق يقين.
ثم قال تعالى: ﴿أَلاَ إِنَّ الذين يُمَارُونَ فَي الساعة﴾، أي: يجادلون الناس فيها أنها لا تقوم.
﴿لَفِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾، أي: لفي جور عن الصواب، بعيد عن الحق، لأنهم كفروا معاندة ودفعاً للحق.
قوله تعالى: ﴿الله لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ إلى قوله ﴿غَفُورٌ شَكُورٌ﴾، أي: والله ذو لطف بعباده، يرزق من يشاء فيوسع عليه ويقتر على من يشاء.
﴿وَهُوَ القوي﴾ لا يغلبه غالب.
﴿العزيز﴾ في انتقامه من أعدائه.
ثم قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخرة نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾.
الحرث هنا: العمل.
والمعنى: من كان يريد بعمله الآخرة نَزِدْ لَهُ في حرثه، أي: نوفقه ونضاعف له الحسنات.
﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾، (أي: ومن كان يريد بعمله الدنيا نؤته منها ما يريد، مثل دفع الآفات ونحوها ومثله قوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: 18].
وقيل: المعنى: من كان يريد بفعله الخير ثناء أهل الدنيا تركناه وذلك، ولم يكن له في الآخرة من عمله نصيب.
وقيل نزلت في الغزو، والجهاد.
والتقدير: من كان يريد بغزوه وجهاده الآخرة وثوابها نعطه ذلك ونزده، ومن كان يريد بذلك الغنيمة والكسب نزته منها، أي: نخلي بينه وبين ذلك.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يمنع المنافقين من أخذ الغنيمة ومن أجلها غزوا معه لا لله سبحانه.
ففيهم (وفي أشباههم نزلت الآية) فتكون الآية على هذا القول مخصوصة.
وقال طاوس: " من كان همه الدنيا جعل الله فقره بين عينيه (ولم ينل من الدنيا إلا مَا كُتِبَ له)، ومن كان همه الآخرة (جعل الله غناه بين عينيه)، ونور قلبه، وآتاه من الدنيا ما كتب الله له ".
وقال الطبري في معناها: من كان يريد بعمله الآخرة نزد له في عمله الحسنى، فنجعل بالواحد عشراً إلا ما شاء ربنا من الزيادة، ومن كان يريد بعمله الدنيا ولها يسعى، نرته منها ما قسمنا له وما كتب له منها.
﴿وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ﴾، أي: ماله من عمله ذلك في الآخرة حظ.
وقال قتادة: معناه: من آثر آخرته على دنياه نزد له في أجره، ومن آثر دنياه على آخرته لم نجعل له نصيباً في الآخرة إلا النار، ولم نزده في الدنيا شيئاً إلا رزقاً قد فرغ منه.
وروى الضحاك عن ابن عباس أن قوله: ﴿وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾: منسوخ في سورة " سبحان " بقوله: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾ [الإسراء: 18] وفيه
بُعْدٌ لأن الأخبار لا تُنسخ.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُواْ لَهُمْ مِّنَ الدين مَا لَمْ يَأْذَن بِهِ الله﴾، أي: بل لهم شركاء اخترعوا لهم ديناً لم يأمر به الله سبحانه فعملوا به وقبلوه.
وأضيف " الشركاء " إليهم لأنهم هم أحدثوا عبادتهم من دون الله سبحانه، فأشركوا بينهم وبين والله سبحانه في العبادة، تعالى الله على ذلك عُلُوَّا كبيراً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةُ الفصل لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾، أي: ولولا السابق من حكم الله عز وجل أنه لا يعجل لهم العذاب في الدنيا، وأنه مؤخر عذابهم إلى يوم القيامة لجاءهم العذاب، فَيَهْلَكُ الكافرون وينجو المؤمنون.
(ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: مؤلم والظالمون): الكافرون بالله.
ثم قال تعالى: ﴿تَرَى الظالمين مُشْفِقِينَ مِمَّا كَسَبُواْ وَهُوَ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾، أي: ترى يا محمد الكافرين يوم القيامة خائفين من عقاب ما كسبوا في الدنيا من الأعمال الخبيثة أن يَحُلَّ بهم، وعقابه واقع بهم وَحَالٌ عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿والذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي رَوْضَاتِ الجنات﴾.
والروضة: المكان المونق الحسن، ولا تكون الروضة - عند بعض اللغويين - إلا في المكان المرتفع.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ مَّا يَشَآءُونَ عِندَ رَبِّهِمْ﴾، أي: لهم عند ربهم - في الآخرة - كا تشتهيه أنفسهم وتلذ أعينهم.
﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾، أي: ذلك الذي أعطاهم الله من النعيم والكرامة هو الفضل الكبير علهيم من الله عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ الذي يُبَشِّرُ الله عِبَادَهُ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾، أي: ذلك الذي أخبرتكم به من الكرامة هو الذي يبشر الله به عباده الذين / آمنوا في الدنيا، وعملوا الأعمال الصالحات.
ثم قال تعالى جل ذكره: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾، أي: قل لهم يا محمد لا أسأل منكم جُعْلاً على ما جئتكم به من الهدى والقرآن والدعاء إلى الإيمان والنصيحة إلا أن (تُوَدُّونِي) لقرابتي منكم، وتصلوا رحمي بيني وبينكم.
قال ابن عباس: لم يكن بطن من بطون قريش إلا وبينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قرابة.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: لما أبو (أن يتابعوه، قال يا قوم، إن أبيتم أن تتابعوني) فاحفظوا قرابتي فيكم لا يكن غيركم من العرب أولى بحفظي ونصري منكم، وبهذا القول قال في الآية: عكرمة ومجاهد وقتادة والسدي.
قال قتادة: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا يسأل الناس على هذا القرآن أجراً إلا أن يَصِلُوا ما بينه وبينهم من القرابة - وكل بطون قريش بينهم وبينه قرابة -.
فيكون المعنى: إلا أن تودوني لقرابتي منكم، (إني لا أسألكم من أموالكم شيئاً على ما جئتكم به، إنما أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم إن أبيتم) أن تؤمنوا بي.
وعن ابن عباس أنه قال: " قالت الأنصار: " فعلنا وفعلنا.
. . فكأنهم فَخُرُوا.
فقال بعض قرابة النبي صلى الله عليه وسلم: لنا الفضل عليكم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فأتاهم في مجالسهم، فقال: " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، أَلَمْ تَكُونُوا أَذِلَّةً فَأَعَزَّكُمْ اللهُ بِي؟ قَالُول: بَلَى يَا رَسُولَ الله.
قَالَ: أَلَمْ تَكُونُوا ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمْ اللهُ بِي؟ قَالُوا: بَلَي يَا رَسُولَ الله قَالَ: أَفَلاَ تُجِيِبُونِ؟ قَالُوا: مَا نَقُولُ يَا رَسُولَ الله؟ قَالَ: أَلاَ تَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْرِجْكَ قَوْمُكَ فَآوَيْنَاكَ؟ أَلَمْ يُكَذِّبُوكَ فَصَدَّقْنَاكَ؟ أَلَمْ يَخْذِلُوكَ فَنَصْرْنَاكَ.
فَمَا زَالَ يَقُولُ حَتَّى جَثَوْا عَلَى الرُّكَبِ.
وَقَالُوا: أَمْوالُنَا وَمَا فِي أَيْدِينَا لله وَرَسُولِهِ قَالَ: " فَنَزَلَتْ: ﴿قُل لاَّ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلاَّ المودة فِي القربى﴾ " الآية "
وبهذا القول قال عمرو بن شعيب.
وهذا يدل على أن الآية مدنية.
وعن ابن عباس أيضاً أن معنى الآية: قل يا محمد لقريش: لا أسألكم على ما جئتكم به أجراً إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالعمل الصالح.
وقال الحسن: معناه: إلا التقرب إلى الله عز وجل والتودد إليه بالعمل الصالح.
وقال الضحاك: الآية منسوخة نسخها قوله: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُم مِّن أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾ [سبأ: 47].
واختار الطبري قول من قال: معناه: إلا أن تودوني في قرابتي منكم.
و ﴿إِلاَّ المودة﴾ في هذا استثناء منقطع.
فالمعنى: لا أسألكم عليه أجراً لكن أسألكم أن تودوني لقرابتي منكم.
ثم قال: ﴿وَمَن يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَّزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْناً﴾، أي: ومن يعمل حسنة نضاعفها إلى عشر حسنات فأكثر.