الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وخافها على نفسها.
ويروى أن أيوب عليه السلام لم يدع في بلائه، وصبر حتى نال ثلاثة أشياء، فعند ذلك دعا الله عز وجل: وذلك أن صديقين له بالشام بلغهما خبره فتزودا ومضيا لزيارته فوجداه في منزله لم يبق منه إلا عيناه، فقالا له: أنت أيوب! فقال: نعم فقالا له: لو كان عملك - الذي رأيناه - يُفْضَى به إلى الله عز وجل ما لقيت الذي نرى.
فقال لهما: وأنتما تقولان ذلك لي! فَبَلَغَ ذلك منه.
والثانية أم امرأته قطعت ثلاثة ذوائب لها وباعتها في طعامه.
فلما علك ذلك، عَظُمَ عليهن وبلغ ذلك منه.
فهذه ثانثة والثالة: قبول امرأته من إبليس إذا أراد أن يحتال عليها، فعند ذلك تواعدها، وأقسم لئن شفاه الله ليضربها مائة ضربة.
وعند ذلك دعا إلى الله فشفاه الله.
قوله تعالى ذكر: ﴿واذكر عِبَادَنَآ إِبْرَاهِيمَ﴾ - إلى قوله - ﴿فَبِئْسَ المهاد﴾،
أي: اذكر إبراهيم وولده إسحاق، وولد ولد يعقوب.
ومن قرأ " عِبَادَنَا " بالجمع، أدخل الجمع في العبودية وجعل ما بعده بدلاً منه.
ومن قرأ بالتوحيد خص إبراهيم بالعبودية وجعل ما بعده معطوفاً عليه.
وقوله: ﴿أُوْلِي الأيدي﴾.
قال ابن عباس: يقول: أولى القوة والعبادة.
والأبصار: الفقه في الدين.
الفقه في الدين.
قال: مجاهد: أولي الأيدي: القوة في أمر الله عز وجل والأبصار: العقول.
وقال قتادة: أُعطوا قوة في العبادة وبصراً في الدين.
وقال السدي: الأيدي: القوة في طاعة الله، والأبصار: البصر بعقولهم في دينهم.
وقيل: الأيدي: جمع يد، من النعمة، أي: هم أًحاب النعم التي أنعم الله عز وجل عليهم بها.
وقيل: " هم أًحاب النعم والإحسان، لأنهم قد أحسنوا وقَدَّمُوا خيراً ".
وأصل " اليد " أن تكون للجارحة، ولكن لما كانت القوة فيها، سميت القوة
يداً.
والبصر هنا عُني به بصر القلب الذي به معرفة الأشياء.
وأجاز الطبري أن يكون المعنى أنهم أصحاب الأيدي عند الله عز وجل بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد تكون عند الرجل الآخر.
وقرأ عبد الله: " أولي الأيدي " بغير ياء على معنى أولي التأييد والمعونة من الله لهم.
ويجوز أن يكون مثل الأول لكن أسقط الياء واكتفى بالكسرة.
وذكر الطبري عن السدي أنه قال: تزوج (إسحاق بامرأة) فحملت بغلامين في بطن، فلما أرادت أن تضع، اقتتل الغلامان في بطنها أيهما يخرج أولاً.
فقال أحدهما للأخر: لئن خرجت قبل لأعترضن في بطن أمي فلأقتلنها! فتأخر الآخر وخرج القائل ذلك، فسمي عيصا لعصيانه في بطن أمه، وخرج الثاني فسمي يعقوب لأنه خرج آخراً بعقب عيصا.
وكان يعقوب أكبرهما في البطن لكن عيصا خرج قبله.
والروم من ذرية عيصا.
ثم قال: ﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾.
من نَوَّن " خالصة " / جعل " ذكرى " بدلاً من " خالصة ".
والمعنى: إنّا اخترناهم واختصصناهم بأن يذكروا معادهم ويعملوا له.
(فلا هَمَّ لهم غيره).
هذا قول مجاهد والسدي، وهو اختيار الطبري.
والاختيار عنده على قراءة من أضاف أن يكون المعنى: بخالصة ما ذكر في الدار الآخرة.
ويجوز أن يكون رفع " ذكرى الدار " على إضمار مبتدأ.
وقيل: المعنى: اختصوا بأن يذكروا الناس الدار الآخرة ويدعوهم إلى طاعة الله عز وجل، قاله قتادة.
ومن قرأ بالإضافة فمعناه: إنا اختصصناهم بأفضل ما في الآخرة؛ قاله ابن
زيد.
وقال مجاهد أيضاً: المعنى في الإضافة: إنا أخلصناهم بأن ذكرنا الجنة لهم.
وقال الفضيل: هو الخوف الدائم في القلب.
وقال ابن جبير: معناه: عقبى الدار.
وعن مجاهد أيضا - في الإضافة - معناه: بخالصة أهل الدار.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ عِندَنَا لَمِنَ المصطفين الأخيار﴾، أي: لمن الذين صَفَوْا من الذنوب (ومن الأدانس) واختيروا.
والأخيار، جمع خير، على التخفيف كميْت وأموات.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿واذكر إِسْمَاعِيلَ واليسع وَذَا الكفل وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾، أي: أذكرهم يا محمد وما أبلوا فيه من طاعة الله عز وجل فَتَأَسَّ بهم، وأسلك مناهجهم في الصبر على ما نالك في الله جل ذكره.
وسمي ذو الكفل بذلك، لأنه تكفل بعمل رجل صالح يقال، إن ذلك الرجل كان يصلي في كل يوم مائة صلاة، فتوفي؛ فتكفل ذو الكفل بعمله.
وقيل: إنه تكفل بأمر أنبياء من أنبياء الله عز وجل فخلصهم من القتل فسمي ذا الكفل.
والكفل في كلام العرب: الحَظُّ والنصيب.
وقيل: تكفل لبعض الملوك بالجنة فكتب له كتاباً بذلك وقيل: لم يكن نبياً وقوله ﴿وَكُلٌّ مِّنَ الأخيار﴾، أي: كل هؤلاء من الأخيار المذكورين.
ثم قال تعالى: ﴿هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ﴾، أي: هذا القرآن ذكر لك يا محمد ولقومك.
وقيل: معناه: هذا ذكر جميل لهؤلاء في الدنيا، وإن لهم في الآخرة مع هذا لحسن مرجع.
وقيل: معنى: وإن للمتقين لحسن مئاب، أي: لمن اتقى الله فأطاعه لحسن مرجع ومنقلب.
ثم بين ذلك فقال: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، أي: جنات إقامة وثبات، قال قتادة: سأل عمر كعباً: ما عدن؟ فقال: يا أمير المؤمنين، قصور في الجنة من ذهب يسكنها النبيئون والصديقون والشهداء وأئمة العدل.
وقال ابن عمر: " جنة عدن: قصر في الجنة، له خمسة آلف باب، على كل باب
خمسة آلاف خَيْرَة، لا يدخله إلا نبي أو صديق أو شهيد ".
وقوله ﴿مُّفَتَّحَةً لَّهُمُ الأبواب﴾، أي: تفتح لهم الأبواب منها بغير فَتْحِ سكانها لها بيد، أو بمعاناة، ولكن تنفتح بالأمر دون الفعل.
قال الحسن: " تُكَلَّم، فتتكلم، انفتحي، انغلقي ".
و" مفتحة ": نعت ل " جَنَّتات "، والضمير محذوف، والتقدير: مفتحة لهم الأبواب منها.
ثم قال تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا﴾، أي: في الجنات ﴿يَدْعُونَ فِيهَا بِفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرَابٍ﴾، أي: بفاكهة وشراب من الجنة فيأتيهم على ما يشتهون.
ثم قال تعالى: ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف أَتْرَابٌ﴾، أي: وعند هؤلاء الذين تقدم ذكرهم نساء قصرن أطرافهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم، ولا يَمدُدن أعينهن إلى
سواهم، قاله قتادى وغيره.
وقال السدي: قًصرت أطرافهن وقلوبهن وأسمعاهن على أزواجهن فلا يُرِدْنَ غيرهم.
قال مجاهد: " أتراب: أمثال ". وقال السدي: مستويات.
وقيل: معناه: على سن واحد.
وقيل: معناه: أحباب لا يتباغضن ولا يتعادين ولا يتغايرن ولا يتحاسدن.
رُوي ذلك (أيضاً عن السدي).
وأصله في اللغة، أنهن أقران.
﴿هذا ذِكْرٌ﴾ تام عند أبي حاتم على أن يكون " المتقون " عام لا يراد به من
تقدم ذكر.
فإن أردت به من تقدم ذكره من النبيين - على معنى: هذا ذكر جميل لهؤلاء الأنبياء في الدنيا، وإن لهم لحسن مصير في الآخرة - (لم تقف) على ذكر " لأنه جملة واحدة في معنى واحد ". ثم قال: ﴿هذا مَا تُوعَدُونَ لِيَوْمِ الحساب﴾.
من قرأ بالياء، فمعناه: هذا ما يوعد هؤلاء المتقون ليوم الجزاء.
ومن قرأ بالتاء / جعله على المخاطبة، أي: هذا الذي تقدم ذكره من النعيم هو ما توعدون ليوم تجزى كل نفس بما كسبت.
ثم قال: ﴿إِنَّ هذا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ﴾، أي: إن ما تقدم ذكره لَرِزق الله عز وجل المتقين كرامة لهم ليس له من فراغ ولا انقطاع، وذلك أنهم كلما أخذوا ثمرة عادت مكانتها أخرى.
ثم قال: ﴿هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ﴾، أي: لَشَرَّ مَرجِع ومصير منقلب.
ثم بيَّن ذلك ما هو فقال: ﴿جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ المهاد﴾، أي: فبيس الفراش الذي افترشوه لأنفسهم بأعمالهم السيئة.
والوقف على " هذا " حسن، ثم يبتدئ بـ: ﴿وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ﴾، على معنى: الأمر
هذا، أو على معنى: هذا الذي وصفته للمتقين.
ثم يستأنف خبر الطاغين وما لهم عند الله عز وجل.
( قوله تعالى ذكره): ﴿هذا فَلْيَذُوقُوهُ﴾ إلى قوله - ﴿نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
" هذا " مرفوع بالابتداء، و " حميم " الخبر.
فلا تقف على هذا إلا على " أزواج ".
ويجوز أن يكون الخبر " فليذوقوه "، فتقف على " فليذوقوه " ويجوز أن يكون (خبر ابتداء محذوف، أي: الأمر هذا)، فتقف على " هذا " إن شئت.
ويجوز أن يكون " هذا " في موضع نصب (بإضمار قول يفسره " فليذوقوه "، مثل): زيداً
فاضربه على هذا التأويل " فليذوقوه " وترفع " حميم وغساق "، على معنى: هو حميم، أو منه حميم.
والحميم: الذي قد انتهى حره.
قاله السدي.
وقال ابن زيد: الحميم: دموع أعينهم تجمع في حياض النار فيسقونه.
قال قتادة: الغساق، ما يسيل من بين جلده ولحمه.
قال السدي: الغساق: الذي يسيل من أعينهم ودموعهم يسقونه مع الحميم.
وقال ابن زيد: هو الصديد الذي يخرج من جلودهم مما تصهرهم النار، يجمع في حياض في النار فيسقونه، وقال مجاهد: الغساق: أبرد البرد.
وقال ابن عمر: هو القيح الغليظ؛ لو أن قطرة منها تهراق في المغرب لأنتنت
أهل المشرق، ولو تهراق بالمشرق لأنتنت أهل المغرب.
وقال كعب: " الغساق: عين في جهنم يسيل إليها حُمَّةُ كل ذان حُمَةٍ من حية أو عقرب فتُستنقع فيُؤتى بالآدمي فيُغمس غمسة واحدة فيخرج وقد سقط جلده ولحمه عن العظام حتى يغلق جدله إلى كعبيه وعقبيه، ويجر لحمه جر الرجل ثوبه ".
وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَوْ أَنَّ دَلْواً مِنْ غَساقٍ يُهْرَاقُ في الدُّنْيَا لأَنْتَنَ أَهْلَ الدُّنْيا ".
وقيل: هو ماء قد انتهى في البرودة ضد الحميم، يحرق كما يحرق الحميم.
والعرب تقول: غسقت عينه، إذا سالت.
فمن شدد جعله مثل سيال، ومن خفف جعله مثل سائل.
فهو على هذا الاشتقاق ما سيل من أجسام أهل النار.
ولم يعرف الكسائي ما هو.
ومن شدد جعله صفة، ومن خفف أجاز أن يكون صفة واسماً.
ثم قال تعالى: ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ﴾.
من جمع ﴿وَآخَرُ﴾ حمله على لفظ " أزواج ". ومن وحد حمله على " شكله " ولم يقل شكلها، فالمعنى لمن جمع ﴿وَآخَرُ مِن شَكْلِهِ﴾ ما ذكرنا.
وقيل: المعنى: من شكل الغساق.
وقوله: (أَزْوَاجٌ) يريد به الحميم والغساق والآخر، فذلك ثلاثة.
قال ابن مسعود: هو الزمهرير.
والمعنى: مِنْ ضَرْبِهِ ومن نحوه، ومعنى " أزواج ": أنواع وألوان.
ثم قال تعالى: ﴿هذا فَوْجٌ مُّقْتَحِمٌ مَّعَكُمْ﴾، أي: هذه فرقة مقتحمة معكم " في النار، وذلك دخول أمة من الكفار بعد أمة.
والتقدير: يقال هذا فوج يدخل معكم في النار، فهو قول الملائكة لأهل النار حين أتوهم بفوج يُدْخِلُوَنه معهم.
ثم قال: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾.
هذا خبر من الله جل ذكره عن قول أهل النار لما قيل لهم: " هذا فوج مقتحم معكم " فقالوا: لا مرحبا بهم.
فهذا مثل قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا﴾ [الأعراف: 38].
ومعنى: ﴿لاَ مَرْحَباً بِهِمْ﴾: لا اتسعت مداخلهم ومنازلهم في النار.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمْ صَالُواْ النار﴾.
هذا أيضاً من قول المتقدمين في النار للداخلين عليهم، أي: قالوا لا مرحباً
بهم إنهم وأردوا النار.
وقيل: هو من قول الملائكة الذين قالوا لأهل النار: " هذا فوج مقتحم معكم إنهم صالو النار ".
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ بَلْ أَنتُمْ لاَ مَرْحَباً بِكُمْ﴾، أي: قال الفوج الداخلون على من تقدمهم لما قالوا لا مرحبا بهم: بل أنتم لا مرحبا بكم، أي: لا اتسعت أماكنكم بكم.
﴿أَنتُمْ قَدَّمْتُمُوهُ لَنَا﴾، أي: أنتم أوردتمونا هذا / العذاب بإضلالكم إيانا ودعائكم إيانا إلى الكفر فاتبعناكم فاستوجبنا سكنى جهنم.
ثم قال تعالى ﴿قَالُواْ رَبَّنَا مَن قَدَّمَ لَنَا هذا فَزِدْهُ عَذَاباً ضِعْفاً فِي النار﴾، أي: قال الفوج المقتحم: ربنا من قدم لنا هذا بدعائه إيانا إلى العمل الذي أوجب لنا النار فزده عذاباً ضعفاً في النار، أي: أضعف لهم العذاب الذي هُمْ فيه.
وقيل: المعنى: أضعف له العذاب مرتين: عذاباً بكفره، وعذاباً بدعائه إيانا.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ مَا لَنَا لاَ نرى رِجَالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِّنَ الأشرار﴾، أي: وقال الكافرون الطاغون الذين تقدمت صفتهم - وقيل: هم أبو جهل والوليد بن المغيرة وذووهما - قالوا في النار: ما لنا لا نرى رجالاً كنا نعدهم من الأشرار، أي: كنا نعدهم في الدنيا من أشرارنا - قيل: (عنوا بذلك صهيباً وخباباً) وبلالاً
وسلمان: قاله مجاهد.
ثم قال تعالى: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيّاً﴾.
من ضم: فمعناه: كنا نسخرهم في الدنيا ونستذلهم، ومن كسر فمعناه: كنا نسخر منهم في الدنيا، وقيل: هما لغتان بمعنى الهُزْء والسُّخرية.
فالمعنى: أَهُمْ في النار لا نعرف مكانهم، أم لم تقع أعيننا عليهم؟
ومن قرأ بقطع الألف من " اتخذناهم " ابتدأ به، ومن وصل الألف لم يبتدئ به
لأنه صفة للرجال، هذا قول أبي حاتم.
وتكون " أم " عديلة لاستفهام مُضمَر، تقديره: أمفقودون هم أم زاغت عنهم الأبصار.
ويجوز أن تكون معادلة ل " ما " في قوله: " ما لنا "، كما قال تعالى: ﴿مَالِيَ لاَ أَرَى الهدهد أَمْ كَانَ مِنَ الغآئبين﴾ [النمل: 20]، وقال: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ * أَمْ لَكُمْ﴾ [القلم: 36 - 37]، فذلك جائز حسن.
وقد وقعت " أم " معادلة ل " مَنْ " في الاستفهام، قال الله جل ذكره:
﴿فَمَن يُجَادِلُ الله عَنْهُمْ يَوْمَ القيامة أَمْ مَّن يَكُونُ﴾ [النساء: 109].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النار﴾، أي إن هذا الذي أخبرتك به من خبر أهل النار لحق هو تخاصم أهل النار.
ويجوز أن تكون " تخاصم " خبراً ثانياً ل " إن " أو بدلاً من " لحَقٌّ " أو من المضمر في " لَحَقٌّ ". فإن جعلته خبراً ثانياً (أو بدلاً " لم تقف على لحَقٌّ ". وإن
جعلته مرفوعاً على إضمار مبتدأ، أي: هو تخاصم، وقفت إذا شئت على " لحق ".
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أَنَاْ مُنذِرٌ﴾، أي: نذير لكم من بين يدي عذاب شديد.
﴿وَمَا مِنْ إله إِلاَّ الله الواحد القهار﴾، أي: وما من معبود تجب له العبادة إلا الله الواحد، أي: المتفرد بالعبادة القهار لكل ما دونه بقُدرته.
﴿رَبُّ السماوات والأرض﴾: أي: ما لكهما ومالك ما بينهما من الخلق.
﴿العزيز﴾، أي: المنيع في نقمته.
﴿الغفار﴾ لذنوب من تاب من كفره، وأطاع ربه.
ثم قال تعالى: - ﴿قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ * أَنتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ﴾، أي: قل يا محمد لقومك: هذا القرآن الذي قلتم فيه: " إن هَذَا الاخْتِلاَقُ "، نبأ عظيم، أي: خبر عظيم، أنتم عنه معرضون، أي: قد كفرتم وانصرفتم عن الإيمان به والعمل بما فيه، وقيل: المعنى: هو خبر جليل، وقيل: معناه: خبر عظيم المنفعة.
ثم قال: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بالملإ الأعلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾، أي: قل يا محمد للمشركين الذين ينكرون ما جئتهم به ويكذبونك: ما كان لي من علم بالملائكة إذ اختصموا في آدم إذ شوِروا في خلق آدم فاختصموا فيه، وقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: 30]
الآيات، قاله ابن عباس وغيره.
أي: لولا (ما أوحاه) إلي ربي وأعلمني به.
فإعلامي ذلك لكم دليل على صدقي ونبوتي بأن هذا القرآن من عند الله عز وجل.
وهذا كله معنى قوله قتادة والسدي وغيرهما.
وفي الحديث: " يَخْتَصِمُون في الْكَفَّارَاتِ وَفي إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ في الْمكَارِهِ وَانْتِظَارِ الصَّلاَة بِعْدَ الصَّلاِةِ ".
قال الحسن: " لما صُعِد بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى السماء ليلة الإسراء به مر في سماء منهن، فإذا هو بأصوات الملائكة يختصمون، (قال لجبريل: يا جبريل، ما هذه الأصوات؟ قال: أصوات الملائكة يختصمون) في كفارات بني آدم.
فقال النبي عليه اللاسم: وما يقولون فيها؟ قال: يقولون: هي نقل الأقدام إلى الجماعات (والصلوات، وإسباغ) الوضوء عند المكروهات، والتعقيب في المساجد بعد الصلوات.
قال: ثم أوحى
الله عز وجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم: " ما كان لي من علم بالملأ الأعلى " الآيتين.
وعن عبد الرحمن بن عائش الحضرمي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" قال لي ربي: فيمَ يختصم الملأ الأعلى / يا محمد؟ (فقلت: أنت أعلم يا رب، فقالها ثانية، فقلت: أنت أعلم يا رب.
فوضع يده بين كتفي فوجدت بردها بين ثديي، فعلمت ما في السماء والأرض.
فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات، فقال: وما الكفارات؟ فقلت: المشي ونقل الأقدام غلى الجماعات، وإبلاغ الوضوء أماكنه في المكروهات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات قال: من فعل ذلك يعيش بخير ويموت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه ".
وأجاز النحاس أن يكون المعنيَّ بالاختصام قريشاً لأن منهم من قال: الملائكة بنات الله سبحانه وتعالى.
فالمعنى على هذا: ما كان لي من علم بالملائكة إذ يختصم فيهم قريش.
وأجاز أن يراد بالملأ الأعلى أشراف قريش يختصمون فيما بينهم فيخبر الله نبيه صلى الله عليه وسلم ( بما شاء من ذلك فيعلمهم النبي بذلك).
ثم قال: ﴿إِن يوحى إِلَيَّ إِلاَّ أَنَّمَآ أَنَاْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾، أي: ما يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين عن الله عز وجل وحيه، و " أنما " اسم ما لم يسم فاعله.
قوله: تعالى ذكره: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾، إلى آخر السورة - أي ما كان لي من علم بالملأ الأعلى إذ يختصمون حين قال ربك للملائكة ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ﴾، يعني بذلك خلق آدم صلى الله عليه وسلم.
ثم قال: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ﴾، أي: سويت خلقه وصورته ونفخت فيه من روحي، قال الضحاك: من روحي: من قدرتي.
والأحسن في هذا وما جانسه أن يقال: إنه تعالى أضاف الروح إلى نفسه لأنه إضافة (خلق إلى خالق).
فالروح خلق الله أضافه إلى نفسه، على إضافة الخلق إلى الخالق، كما يقال: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ [لقمان: 11] و ﴿أَرْضُ الله﴾ [النساء: 97] و " سماء الله "، وشبهه كثير في القرآن، فهو كله على هذا المعنى.
هذا قول أهل النظر والتحقيق فافهمه.
قوله: ﴿فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ﴾، أي: خروا له سجوداً.
﴿فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾، يعني: ملائكة السماوات والأرض.
﴿إِلاَّ إِبْلِيسَ استكبر﴾، أي: تعاظم وتكبَّر عن السجود.
﴿وَكَانَ مِنَ الكافرين﴾، أي: ممن كفر في علم الله السابق، قاله ابن عباس.
ثم قال: ﴿قَالَ ياإبليس مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، أي: قال الله عز وجل لإبليس: (يا إبليس)، أي: شيء منعك من السجود لآدم الذي خلقته بيدي.
قال ابن عمر: خلق الله أربعة بيده: العرش وعدن والقلم وآدم، ثم قال لكل شيء كن فكان.
والذي عليه أهل العلم والمعرفة بالله أن ذكر اليد وأضافتها إلى الله سبحانه ليست على جهة الجارحة، تعالى الله عن ذلك، ليس كمثله شيء.
وذكر اليد في مثل هذا وغيره صفة من صفات الله لا جارحة.
وقد اختلف في الترجمة عن ذلك:
فقيل: معناه: لما خلقت بقدرتي.
وقيل: بقوتي.
وقيل: معناه " لما خلقته.
وذكر اليدين تأكيد، والعرب إذا أضافت الفعل إلى الرجل ذكروا اليدين.
تقول لمن جنى: هذا ما جنيته، وهذا ما جنته يداك.
وقد قال الله عز وجل: ﴿ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] بمعنى: بما كسبتم.
(فيضاف الفعل إلى اليد والمراد صاحب اليد).
وإنما خُصَّتِ اليد بذلك لأن بها يبطش وبها يتناول.
فجرى ذلك على عادة العرب.
وقوله: ﴿أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين﴾، أي: أتعاظمت عن السجود لآدم أم كنت ذا علو وتكبر على ربك سبحانه ومعنى الكلام التوبيخ.
قال ابن عباس: كان إبليس من أشراف الملائكة وكان خازن الجنان، وكان أميناً
على السماء الدنيا والأرض ومن فيها، فأعجبته نفسه ورأى أن له فضلاً على الملائكة، ولم يعلم بذلك أحد إلا الله عز وجل يعني: علمه في اسبق علمه قبل خلقه للأشياء، وعلمه متى يكون، وعلمه وقت حدوثه في نفس إبليس.
فلما أمر الله عز وجل الملائكة بالسجود لآدم امتنع وتكبر.
ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿أَنَاْ خَيْرٌ مِّنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، أي: لم أترك السجود استكباراً عليك، ولكن تركته لأني أفضل منه وأشرف، إذْ خَلْقِي من نار وخَلْقُه من طين، والنار تأكل الطين.
وهذا كله تقريع من الله جل ذكره وتوبيخ للمشركين إذ أبوا الانقياد والإذعان لما جاءهم به محمد صلى الله عليه وسلم واستكبروا عن أن يكونوا تَبَعاً له، فأعلمهم الله عز وجل قصة إبليس وهلاكه باستكباره وترك إذعانه لآدم.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ﴾، أي: أخرج من الجنة فإنك مرجوم، أي ملعون، وقيل: مرجوم بالكواكب والشعب.
﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لعنتي إلى يَوْمِ الدين﴾، / أي: عليك إبعادي لك وطردي لك من الرحمة ومن الجنة إلى يوم يُدَانُ الناس بأعمالهم.
﴿قَالَ رَبِّ فأنظرني إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، أي: قال: إبليس: يا رب أخِّرْنِي وَلاَ تَهْلِكني
إلى يَوْم بعث خلقك من قبورهم.
قال الله: ﴿فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين﴾، أي: من المؤخرين ﴿إلى يَوْمِ الوقت المعلوم﴾، فأخره الله عز وجل إلى وقت هلاكه وهو يوم يموت جميع الخلق ولم يؤخر إلى وقت بعث الخلق كما سأل.
فأخره الله سبحانه تهاوناً له لأنه لا يضل إلا من تقدم في علم الله ضلاله.
ثم قال تعالى حكاية عن قول إبليس: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، أي: قال إبليس: فبقدرتك وسلطانك، لأضلنهم باستدعائي إياهم إلى المعاصي.
﴿أَجْمَعِينَ * إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾، أي: إلا عبادك الذين أخلصتهم بعبادتك وطاعتك، فلا سبيل لي إليهم.
ومن كسر اللام، فمعناه: إلا عبادك الذين أخلصوا دينهم لك.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فالحق والحق أَقُولُ﴾، أي: قال الله: فاتبعوا الحق، (أو: فاستمعوا) الحق.
فهو مفعول به.
ونصب " والحق أقول " على إعمال " أقول "، أي: وأقول الحق وقيل: نصبه على معنى " أحق الحق.
وأجاز الفراء وأبو عبيد أن ينتصب على إعمال " لأملأن "، كأنه قال: لأملأن جهنم حقا.
ومنعه غيرهما لأن ما بعد اللام لا يعمل فيها قبلها، ولا يجوز عند أحد: زَيْداً لأَضْرِبَنَّ.
ومن رفع " فالحقُ " فعلى الابتداء، والخبر محذوف، أي: فالحق مني.
أو على إضمار مبتدأ، أي: فأنا الحق.
ويجوز أن يكون خبره " لأملأن ".
وأجاز الفراء " فالحقُّ " بالخفض على حذف القسم كما تقول: الله لأفعلن، وأجازه سيبويه، وقيل: الفاء بدل من حرف القسم، قال مجاهد: معناه: أنا الحق والحق أقول.
وقال ابن جريج: الحق مني والحق أقول.
وقال السدي: " هو قسم أقسم الله به ".
﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ﴾، أي: من نفسك ومن ذريتك، وممن تبعك من بني آدم كلهم.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: قل يا محمد لمشركي قومك: ما أسألكم على ما جئتكم به من القرآن ثواباً وجزاءً.
﴿وَمَآ أَنَآ مِنَ المتكلفين﴾، أي: ممن يتكلف القول من عند نفسه ويتخرصه.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾، أي: ما هذا القرآن الذي جئتكم به من عند الله إلا ذكر من الله يتذكر به جميع الخلق من الجن والإنس.
﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾، أي: ولتعلمن يا قريش وغيرهم من المشركين خبر هذا القرآن وحقيقته وما فيه من الوعد والوعيد يوم القيامة.
قال ابن زيد: نَبَأَهُ، أي: صِدقَ ما جئتكم به من القرآن والنبوة.
قال قتادة: بعد حين: " بعد الموت ".
قال الحسن:: ابن آدم، عند الموت يأتيك الخبر اليقين "، وعن السدي: بعد حين: يوم بدر، قال ابن زيد: بعد حين: " يوم القيامة ".
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة الزمر مكية إلا ثلاث آيات نزلن بالمدينة في وحشي قاتل حمزة إذ المدينة، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يطيق أن ينظر إليه فتوهم أن الله، - عز وجل - لم يقبل إيمانه، الله تعالى فيه: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ) إلى آخر الثلاث الآيات.
قوله تعالى: ﴿تَنزِيلُ الكتاب مِنَ الله﴾ - إلى قوله - ﴿بِذَاتِ الصدور﴾.
" تنزيل " رفع بالابتداء، والخبر " من الله ".
ويجوز أن يكون خبر ابتداء محذوف، أي هذا تنزيل الكتاب.
وأجاز الكسائي والفراء نصبه على أنه مفعول به، أي: اقرؤوا تنزيل واتبعوا كتاب الله تنزيل.
وعلى الإغراء مثل: ﴿كتاب الله عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: 24]، أي الزموا كتاب الله.
والمعنى: الكتاب الذي أنزله الله على محمد صلى الله عليه وسلم هو: من الله العزيز في انتقامه، الحكيم في تدبيره.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّآ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ الكتاب بالحق﴾، أي: أنزلنا إليك القرآن بالعدل.
روى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: فصل القرآن من الذكر، يعني اللوح المحفوظ.
قال: فوضع في بيت العزة في سما الدنيا، فجعل جبريل ينزله على النبي صلى الله عليه وسلم تنزيلاً.
قال سفيان: خمس آيات ونحوها، ولذلك قال تعالى:
﴿فَلاَ أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النجوم﴾ [الواقعة: 75] (يعني نجوم) القرآن.
قال أبو قلابة: نزل القرآن لأربع وعشرين ليلة من شهر رمضان، والتوراة / لست، والإنجيل لاثنتي عشرة.
ثم قال: ﴿فاعبد الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين﴾ أي: فاخشع لله بالطاعة وأخلص له العبادة ولا ترائي بها غير الله.
روي أنه يؤتى بالرجل يوم اليامة للحساب وفي صحيفته أمثال الجبال من الحسنات، فيقول رب العزة تبارك وتعالى: أَصَلَيْتَ يوم كذا وكذا ليقال: صلى فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص.
أتصدقت يوم كذا وكذا ليُقال تصدق فلان! أنا الله لا إله إلا أنا لي الدين الخالص.
فما يزال يمحو بعد شيء حتى تبقى صحيفته ما فيها شيء فيقول ملكاه:
يا فلان: الغير الله كنت تعمل؟.
قال السدي: الدين هنا التوحيد.
وروى أبو هريرة " أن رجلاً قال: يا رسول الله، إني أتصدق بالشيء، وأصنع الشيء الذي أريد به وجه الله وثناء الناس (!) فقال النبي: " وَالذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لاَ يَقْبَلُ الله تَعَالى شَيْئاً شُورِك فِيه، ثُمَّ تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ أَلاَ لِلَّهِ الدين الخالص﴾ ".
قال قتادة: إلا لله الدين الخالص: شهادة إلا إله إلا الله.
ثم قال: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ﴾، أي: من دون الله آلهة يتولونهم ويعبدونهم من دون الله يقولون: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ أي: قُرْبَة شفاعتهم لنا.
وفي قراءة أبيِّ: " ما نعبدكم ". وفي قراءة ابن مسعود: " قالوا ما نعبدهم ".
قال مجاهد: قريش تقوله للأوثان.
قال قتادة: قالت قريش: ما نعبدهم إلا ليشفعوا لنا عند الله، وهو قول ابن زيد.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾، أي: يفصل بينهم فيما اختلفوا فيه من عبادة الأوثان.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾، أي: لا يهدي إلى الحق من هو مفتر على الله الكذب كافر لنعمته.
ثم قال: ﴿لَّوْ أَرَادَ الله أَن يَتَّخِذَ وَلَداً﴾، أي لو أراد الله اتخاذ ولد - ولا ينبغي له ذلك - لاختار من خلقه ما يشاء.
﴿سُبْحَانَهُ﴾، أي: تنزيهاً له أن يكون له ولد.
﴿هُوَ الله الواحد﴾، أي: المنفرد بالألوهية، لا شريك له في ملكه.
﴿القهار﴾ لخلقه بقدرته.
ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾، أي ابتدع ذلك بالعدل.
﴿يُكَوِّرُ الليل عَلَى النهار وَيُكَوِّرُ النهار عَلَى الليل﴾ قال ابن عباس: يحمل هذا على هذا (وهذا على هذا).
وقال قتادة: يغشي هذا على هذا.
وقال السدي: يذهب هذا بهذا وهذا بهذا، هو قول ابن زيد.
وقال أبو عبيدة: هو مثل: ﴿يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ [الحج: 61].
وأصل التكوير في اللغة: اللف والجمع.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر﴾، أي: سخر ذلك لعباده ليعلموا عدد السنين والحساب، ويتصرفوا في النهار لمعايشهم ومصالح أمورهم، ويسكنون في الليل.
ثم قال: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ إلى قيام الساعة فتكور الشمس وتنكدر النجوم.
وقيل: المعنى: إن لكل واحد منازل لا يعدوها في جريه ولا يقصر دونها.
ثم قال تعالى: ﴿أَلا هُوَ العزيز الغفار﴾: أي: ألا إن الله الذي فعل هذه الأفعال وأنعم على خلقه بهذه النعم هو العزيز في انتقامه مما عاداه، الغفار لذنوب التائبين من عباده.
ثم قال تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾، أي: من آدم عليه السلام وخلق حواء من ضلعه.
وإنما ذكر الخلق قبل حواء وهي قبلهم في الخلق، لأن العرب ربما أخبرت عن رجل بفعلين.
فترد الأول منهما على المعنى " بثم " إذا كان من خبر المتكلم يقال: قد بلني ما كان منك اليوم ثم بما كان منك أمس أعجب.
وقيل معناه: " ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم إن الله جل ذكره لما خلق آدم مسح ظهره وأخرج كل نسمة هي كائنة إلى يوم القيامة ثم أسكنه بعد ذلك الجنة، (فخلق بعد ذلك) حواء من ضلع من أضلاعه ".
وقيل المعنى: خلقكم من نفس وحدها ثم جعل منها زوجها.
ثم قال
تعالى: ﴿وَأَنزَلَ لَكُمْ مِّنَ الأنعام ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ وهي المفسرة في سورة الأنعام: الإبل والضأن والمعز والبقر كل زوجين ذكر وأنثى.
وإنما أخبر عنها بالنزول، لأنها إنما نشأت وتكونت بالنبات، والنبات إنما نشأ وتكوّن بالمطر، فالمطر هو المُنْزَلُ، فأخبر عما اندرج وتكوّن منه بالإنزال.
وهذا من التدريج وله نظائر كثيرة، ومنه قوله: ﴿يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾
[الأعراف: 26] فاللباس لم ينزل لكنه تكوّن عما نبت بالمطر الذي هو مُنْزَلٌ، فسمي ما تكوَن عن المطر: منزل.
ثم قال ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقاً مِّن بَعْدِ خَلْقٍ﴾، / أي: يبتدئ خلقكم في بطون أمهاتكم نطفه ثم علقة ثم مضغة ثم عظاماً، ثم يكسو العظام لحماً ثم ينشئه خلقاً آخر فتبارك الله أحسن الخالقين، هذا قول جماعة المفسرين إى ابن زيد فإنه قال: معناه: يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقاً من بعد الخلق الأول في الأصلاب.
وقوله: ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلاَثٍ﴾، يعني به ظُلْمَةُ البطن وظلمة الرحم وظلمة
المَشِيمَةِ، هذا قول جميع المفسرين إلا أبا عبيدة فإنه قال: هي ظلمة الصلب ثم ظلمة الرحم ثم ظلمة البطن.
ثم قال: ﴿ذلكم الله رَبُّكُمْ﴾ ذا: إشارة إلى اسم الله جلّ ذكره، والكاف والميم للمخاطبة.
والمعنى: الذي فعل هذه الأشياء الله ربكم لا الأوثان التي تعبدونها لا تضر ولا تنفع.
﴿لَهُ الملك لا إله إِلاَّ هُوَ﴾، أي: لا ينبغي أن يكون معبوداً سواه، له ملك كل شيء.
﴿فأنى تُصْرَفُونَ﴾، أي: كيف تُصْرَف عقولكم عن هذا ومن أين تعدلون عن الحق بعد هذا البيان.
ثم قال تعالى: ﴿إِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنكُمْ﴾.
قال ابن عباس: هو خاص (عنى به الكفار الذين) لم يرد الله أن
يطهر قلوبهم.
وقوله: ﴿وَلاَ يرضى لِعِبَادِهِ الكفر﴾، أي: لعباده الذين أخلصهم لطاعته وحبّب إليهم الإيمان.
وقيل: هو عام للجميع وهو الاختيار، إذ ليس يرضى الله الكفر لأحد من خلقه.
فإن جعلت " يرضى " بمعنى: يريد حسن القول الأول، وفيه نظر.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن تَشْكُرُواْ يَرْضَهُ لَكُمْ﴾، أي: إن تطيعوه يرضه لكم.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾، أي: لا يحمل أحد ذنباً عن أحب، ولا يؤخذ أحد بذنب أحد.
ثم قال تعالى ﴿ثُمَّ إلى رَبِّكُمْ مَّرْجِعُكُمْ﴾، أي: مصيركم إليه في الآخرة فيخبركم بما كنتم تعلمون في الدنيا من خير وشر فيجازيكم عليه، ولا يخفي عليه من أمركم شيء.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾، أي: عليم بما أضمرتم في الصدور وغير ذلك مما ظهر وبطن، فلا يخفى عليه شيء من أعمالكم بل يجازيكم بها: المحسن بالإحسان، والمسيء بما يستحقه ويجب عليه.
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الإنسان ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ﴾ - إلى قوله - ﴿عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
أي: إذا مس الإنسان ضرّ في بدنه أو شدة أو ضيق استغاث بربه الذي خلقه في كَشْفِ ما نَزَلَ به، تائباً إليه مما كان عليه قبل ذلك من الكفر والشرك.
قال قتادة: منيباً إليه: مخلصاً.
وقوله ﴿ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ﴾، أي: أعطاه عافية وفرجاً مما نزل به.
يقال لمن أعطي غيره عطية: قد خوّله كذا وكذا.
وقوله: ﴿نَسِيَ مَا كَانَ يدعوا إِلَيْهِ مِن قَبْلُ﴾، أي: ترك دعاءه الذي كان يدعو إلى الله من قبل أن يكشف ما كان به، و " ما " والفعل مصدر، والمعنى: ترك كون الدعاء منه إلى الله عز وجل.
ومن جعلها بمعنى " الذي " جعل " ما " لمن يعقل فيكون لله سبحانه.
والمعنى: ترك ما كان يدعو الله من قَبْلِ كَشْفِ الضُّر عنه.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَاداً﴾، أي: شركاء.
قال السدي: هذا كله في الكافر خاصة.
قال السدي: الأنداد هنا من الرجال يطيعونهم في معاصي الله جلّ ذكره.
وقيل: الأنداد: الأوثان.
ثم قال: ﴿لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾ من ضم الياء، فمعناه: فعل ذلك ليزيل الناس عن توحيد الله سبحانه والإقرار به والدخول في دينه، ومن فتح الياء، فمعناه: ليَضِلَّ في نفسه عن دين الله سبحانه.
والتقدير: إنه لما كان أمره لعبادة الأوثان يؤول إلى الضلال كان كأنه إنما فعل ذلك ليصير ضالاً.
وقد تقدم شرح هذا بأبين من هذا.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلاً إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النار﴾، أي: قل يا محمد لهذا الكافر (لنعم الله) تمتع بكفرك إلى أن تستوفيَ أجلك إنك في الآخرة ما الماكثين في النار.
وهذا لفظ معناه التهدد والوعيد، مثل قوله: (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَن شَآءَ فَلْيَكْفُرْ) [الكهف: 29].
ثم قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً﴾ من خفف " من " جعله نداء أو رفعه بالإبتداء، ويكون الخبر محذوفاً.
والتقدير: أهذا أفضل (أومن) جعل لله أنداداً.
ومن شدد ف " من " في موضع رفع بالابتداء والخبر محذوف على ما قدمنا في التخفيف.
وقيل: التقدير: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت لأنه ذكر من جعل لله أنداداً ليضل عن سبيله.
ثم قال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ﴾، أي: أهذا المذكور أفضل أم من هو قانت؟ ودل على