الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6179-6224
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6179-6224
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

قال الضحاك: هذا قول مشركي أهل مكة، فلما جاءهم ذِكْرُ الأولين والآخرين كفروا به، فسوف يعلمون، (أي: يعلمون) ما لهم من العقاب على كفرهم.
فالهاء في " به " تعود على القرآن وهو الذكر.
وقيل: على محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين * إِنَّهُمْ لَهُمُ المنصورون﴾ أي: سبق القضاء في أم الكتاب ووجب القول من الله أن المرسلين هم المنصورون على من ناوأهم بالحجج والغلبة قاله قتادة والسدي.
وقال الفراء: لهم المنصورون بالشفاعة.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الغالبون﴾ أي: حزب الله هم الغالبون حزب الشيطان بالحجج والغلبة والظفر.

ثم قال: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾.
قال/ قتادة: " حتى حين ": إلى الموت.
وقال السدي " إلى يوم بدر.
ثم قال: ﴿وَأَبْ

ِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: انظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم من العقاب.
قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ﴾ إلى آخر السورة.
أي: أفبنزول عذابنا يستعجلون، وهذا قولهم للنبي صلى الله عليه وسلم، متى هذا الوعد.
ثم قال: ﴿فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ﴾ أي: نزل بهم العذاب.
والعرب تقول نزل بساحة فلان العذاب ويِعُقُوتِهِ إذا نزل به، والساحة فناء الدار.
وقوله: ﴿فَسَآءَ صَبَاحُ المنذرين﴾ أي فبئس الصباح صباح القوم الذين أُنْذِرُوا بأس الله فلم يتعظوا.

قال السدي: " بساحتهم " بدارهم.
قال أبو إسحاق: كان عذاب هؤلاء بالقتل.
يعني (يوم) بدر.
وقيل: الحين الأول: إلى حين ينصرك الله عليهم فيهلكهم بأيدي أصحابك، والحين الثاني: قيام الساعة بعذابهم في الآخرة.
فهو قوله: " فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين "، أي: إذا نزل العذاب بالسيف عليهم، ثم قال له بعد نزول السيف " فتول/ عنهم حتى حين " أي: إلى الوقت.
ثم قال: ﴿وَتَوَلَّ عَنْهُمْ حتى حِينٍ﴾ أي: أعرض عنهم يا محمد حتى يأذن الله بهلاكهم يوم بدر.
وقيل: بالموت.
وقيل: في الآخرة.
[ثم قال: ﴿وَأَبْصِرْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ﴾ أي: أنظروهم وأخرهم فسوف يرون ما يحل بهم في الآخرة].
ثم قال: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة﴾ أي: تنزيهاً وبراءة لربك يا محمد من السوء، ﴿رَبِّ العزة﴾ أي: رب القوة والبطش، عما يصفونه من اتخاذ الأولاد وشركهم وافترائهم على ربهم.

وسئل محمد بن سحنون عن قوله تعالى: ﴿رَبِّ العزة﴾ - والعزة صفة من صفات ذات تعالى كالقدرة والعلم، ولا يقال: رب القدرة ولا رب العلم - فقال: إن العزة تكون صفة فعل وصفة ذات نحو قوله: (فلله العزة) فهذه صفة ذات، ونحو قوله: " رَبِّ الْعِزَّة " فهذه صفة فعل، أي العزة التي يتعازز بها الخلق فيما بينهم الله خلقها.
فرب العزة معناه: خالق لعزة التي يتعزز بها الناس فيما بينهم.
قال محمد بن سحنون: وجاء في التفسير أن العزة في قوله: " رب العزة ": الملائكة، فصارت مربوبة، وكل ما كان مربوباً فهو فعل لله.
فالعزة في هذا الموضع: الملائكة كما قال أهل العلم.
قال محمد: وقال بعض علمائنا: من حلف بعزة الله، فإن أراد عزة الله التي

(هي) صفته ففيه الكفارة إن حنث، وإن أراد العزة التي جعلها الله بين العباد عزة فحنث فلا كفارة عليه ولا يجور رب القدرة، ولا رب العظمة لأنها صفات ذات غير مربوبة.
هذا معنى قول محمد بن سحنون مشروحاً مبيناً.
قوله: ﴿وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ أي: وأمنة من الله جل ذكره للمرسلين من فزع العذاب الأكبر.
روى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إِذَا سَلَّمْتُمْ عَلَيَّ فَسَلِّمُوا عَلَى المُرْسَلِينَ، فَإِنَّمَا أَنَا رَسُولٌ مِنَ المُرْسَلِينَ ". ثم قال: ﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ أي: الحمد من جميع الخلق لله خالصاً، رب الثقلين: الإنس والجن.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَنْ قَالَ: ﴿والحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾

﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ * وَسَلاَمٌ على المرسلين﴾ فَقَدِ اكْتَالَ بِالجَرِيبِ الأَوْفى ". يعني من الأجر الثواب.
وروى الخدري عنه أنه كان يقولها في دبر صلاته.

الهداية إلى بلوغ النهاية لأبي محمد مكي بن أبي طالب القيسي المتوفى سنة 437 هـ المجلد العاشر ص - الجاثية 1429 هـ - 2008 م

بسم الله الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية قوله تعالى ذكره: ﴿ص والقرآن ذِي الذكر﴾ - إلى قوله - ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.
روي أن ابن المسيب كان لا يدع كل ليلة قراءة صاد.
وسئل ولده عن ذلك فقال: بلغني: أنه ما من عبد يقرأها كل ليلة إلا اهتز العرش لها.

وقرأ الحسن بكسر الدال لالتقاء الساكنين على نية الوصل.
وقيل: هو فعل للأمر من صادى يصادي إذا عارض، ومنه " ﴿فَأَنتَ لَهُ تصدى﴾ [عبس: 6] والمعنى: صاد القرآن بعملك، أي: قابله به.
وقد روي هذا التفسير عن الحسن أنه فسّر قراءته به.

وقرأ عيسى بن عمر بفتح الدال على معنى: اتل صاد.
فنصب بالإغراء ولم ينصرف لأنه اسم للسورة.
وكل مؤنث سميته بمذكر - قلّت حروفه أو كثرت - لا ينصرف.
ويجوز أن يكون فُتح لالتقاء الساكنين على نية الوصل، واختار الفتح للإتباع.
ويجوز أن يكون منصوباً على القسم، إذ قد حذف الجر، كما تقول: الله لأفعلن.
وقرأ ابن أبي إسحاق بالخفض والتنوين على إضمار حرف القسم، وإعماله

على مذهب سيبويه.
وقيل: إنه كسر لالتقاء الساكنين، وشبه بما لا يتمكن من الأصوات فَنَوَّنَهُ.
قال ابن عباس: صَ قسم أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله عز وجل.
فعلى هذا القول يكون، والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد، وبالقرآن.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن أقسم به.
وقال الضحاك:

صاد: " صدق الله سبحانه ". وعن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر.
فتكون صاد: جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صدق من عنده.
وقوله: ﴿ذِي الذكر﴾، " ذي الشرف " قاله ابن عباس وابن جبير والسدي

(وقيل معناه: ذي الذكر لكم.
وهو اختيار الطبري).
وقيل معناه: ذكركم الله فيه، مثل قوله: " فيه ذكرهم ". وقيل: ذي الذكر: فيه ذكر الأمم وغيرها.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾، أي: في تكبر وامتناع عن قبول الحق، مثل / قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ [البقرة: 206]. ومعنى: " وشقاق ": ومخالفة، وكأنهم في شق والمسلمون في شق.
وجواب القسم: " بل الذين كفروا "، قاله قتادة.
فعلى هذا القول يكون: والقرآن عطف على صاد، أي: اقسم بصاد وبالقرآن وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن اقسم به وقال الضحاك.

صاد صدق الله سبحانه.
عن ابن عباس أيضاً: صاد صدق محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ذي الذكر فتكون صاد جواب القسم قبله، أقسم الله جل ذكره أن الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم صدق من عنده.
صدق الله والقرآن، وهو قول الضحاك.
وقيل: الجواب محذوف، والتقدير: صاد والقرآن ذي الذكر، ما الأمر كما يقول هؤلاء الكفار، ودل عليه قوله: ﴿بَلِ الذين كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾.
وهذا اختيار الطبري

وهو مستخرج من قول قتادة.
ثم قال: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾، أي كثير من القرون أهلكنا قبل هؤلاء المشركين الذين كذبوا رسلهم.
﴿فَنَادَواْ﴾، أي: فضجوا إلى ربهم وَعَجُّوا واستغاثوا بالتوبة حين نزل بهم العذاب.
﴿وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾، أي: وليس ذلك الوقت حين فرار ولا هرب من العذاب بالتوبة لأنه أوان لا تنفع فيه التوبة.
" ولات " حرف مشبه بليس، والاسم في الجملة مضمر.
(أي: ليس) حينكم حين مناص.
هذا مذهب سيبويه.
والتاء دخلت لتأنيث الكلمة، وحكُي أن من العرب من يرفع بها.
وهو قليل على حذف الخبر.
والوقف عليها عند سيبويه والفراء وابن كيسان وأبي إسحاق بالتاء لشبهها

بليس، ولأنها كذلك في المصاحف، وهو مذهب الفراء.
والوقف عليها عند الكسائي والمبرد بالهاء كرُبَّه وثَمه.
ومناص: مَفْعَلٌ من ناص ينوص إذا تأخر.
فالنوص التأخر، والبوص التقدم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وعجبوا أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾، أي: عجب مشركو قريش أن جاءهم منذر منهم ينذرهم بأس الله على كفرهم ولم يأتهم ملكه.
ثم قال: ﴿وَقَالَ الكافرون﴾، أي: المنكرون وتوحيد الله عز وجل ﴿ هذا سَاحِرٌ كَذَّابٌ﴾.
" هذا " إشارة إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ أي: أجعل محمد المعبود معبوداً واحداً؟! ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾، أي: عجيب

قال قتادة: عجب المشركون أن دُعُوا إلى الله وحده وقالوا: يسمع لحاجتنا جميعاً إله واحد، ما سمعنا بهذا (في الملة الآخرة).
رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للمشركين: " أسألكم أن تجيبوني إلى واحدة تدين بها لكم العرب، وتعطيكم بها الخرج العجم.
فقالو: ما هي؟! قال: تقولون لاَ إله إلا الله.
فعند ذلك قالو: أجعل الآلهة إلها واحداً، تعجباً من ذلك ". وذكر ابن عباس أنه " لما مرض أبو طالب دخل عليه رهط من قريش فيهم أبو جهل، فقالوا إنّ ابن أخيك يشتم آلهتنا ويفعل ويفعل، ويقول ويقول، فلو بعث إليه فنهيته.
فبعث إليه فجاء النبي صلى الله عليه وسلم فدخل البيت وبينهم وبين أبي طالب قدر مجلس رجل، فخشي أبو جهل إن جلس إلى جنب أبي طالب أن يكون أرق له عليه، فوثب فجلس إلى جنب أبي طالب.
فلم يجد رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلساً قرب عمّه فجلس عند الباب فقال له أبو طالب.
أي ابن أخي، ما بال قومك يشكونك ويزعمون أنك تشتم آلهتهم وتقول وتقول.
قال: فأكثروا عليه القول.
وتكلم الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا عمّي إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية.
ففزعوا لكلمته ولقوله.
وقال القوم كلمة واحدة: نعم، وأبيك عشراً، قالوا: فما هي؟! قال أبو طالب: أيُّ كلمة هي يا ابن أخي؟ قال: لا إله إلا الله " قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم وهم يقولون: {أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً.

إِنَّ هذا لَشَيْءٌ عُجَابٌ}.
فنزلت هذه الآية إلى قوله: ﴿لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ [ص: 8].
وفرّق الخليل بين العَجيب والعُجاب، فالعجيب، العَجَب، والعُجاب: الذي قد تجاوز حد العَجضب، وكذلك عنده الطَّويل الذي فيه طول، والطُّوال الذي قد تجاوز حد الطول.
وقيل: هما بمعنى، يقول: طَويل وطُوال، وجَسيم وجُسام، وخَفيف وخُفاف، وسَريع وسُراع، ورَقيق ورُقاق، بمعنى.
قوله تعالى ذكره: ﴿وانطلق الملأ مِنْهُمْ أَنِ امشوا﴾ - إلى قوله - ﴿قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾.
أي: وانطلق الأشراف من مشركي قريش القائلين: ﴿أَجَعَلَ الآلهة إلها وَاحِداً﴾ [ص: 5]

يقولون للعوام: أمشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، أي: اصبروا على دين آبائكم.
وكان لهم يومئذ ثلاث مائة صنم وستون صنماً / يعبدونها من دون الله سبحانه وروي أن قائل ذلك كان عقبة بن أبي معيط.
وقوله: ﴿أَنِ امشوا﴾، معناه: تناسلوا، كأنه دعا لهم بالنمار وهو من قول العرب: مَشَى الرجل وأُمْشَى إذا كثرت ماشيته، وأمشت المرأة: كَثُرَ وَلَدُها.
قال الشاعر: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... * والشَّاةُ لا تُمْشَى على الهمَلَّعِ أي: لا تُنْهى عن الذنب.
(والهملع: الذئب).
ثم قال عنهم إنهم قالو: ﴿إِنَّ هذا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾، أي: لشيء يريد بنا محمد - صلى الله عليه وسلم - يطلب علينا الاستعلاء به، وأن يكون له فينا اتباع.
ثم قالو: ﴿مَا سَمِعْنَا بهذا فِى الملة الآخرة﴾.
قال ابن عباس: يعنون النصرانية دين عيسى.
أي: لم نسمع في دين عيسى صلى الله عليه وسلم

أن محمداً يبعث رسولاً إلينا ولا يأتينا بكتاب.
﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾، أي: ما هذا إلا كذب.
وعن ابن عباس أن المعنى: لو كان هذا القرآن حقاً لأخبرنا به النصارى.
وقال مجاهد: معناه ملة قريش.
وقال قتادة: معناه في زماننا وديننا.
قال أبو إسحاق: ﴿فِى الملة الآخرة﴾: في النصرانية ولا في اليهودية ولا فيما أدركنا عليه لآباءنا.
ثم قال: ﴿إِنْ هذا إِلاَّ اختلاق﴾، أي: ما هذا الذي أتانا به محمد صلى الله عليه وسلم إلاّ كذب اختلقه وتخرصه وابتدعه حسداً منهم لمحمد صلى الله عليه وسلم.
ودل على أنه حسد منهم قوله عنهم: ﴿عَلَيْهِ الذكر مِن بَيْنِنَا﴾، أي: كيف خُصَّ محمد بنزول القرآن عليه من بيننا.

وهذا كقولهم: ﴿وَقَالُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ هذا القرآن على رَجُلٍ مِّنَ القريتين عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31] أي: من إحدى القريتين، مكة والطائف، يعنون: الوليد بن المغيرة المخزومي من أهل مكة، وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف.
والمعنى: على أحد رجلين من إحدى القريتين.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾، أي: في شك من القرآن.
﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾، أي: لم يذوقوا العذاب، ولو ذاقوه لأيقنوا حقيقة ما هم فيه وعملوا أن الذين كذَّبوا به حق.
ثم قال: ﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ العزيز الوهاب﴾، أي: أم عند هؤلاء المكذبين مفاتيح ربك وعطاياه، فَيَخُصُّوا من شاءوا بالرسالة.
العزيز في سلطانه، الوهاب لمن يشاء من خلقه ما يشاء من رسالته وكرامته.
ثم قال جل ذكره: ﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُواْ فِى الأسباب﴾، أي: إن كان لهم مُلْكُ ذلك فليصعدوا في أبواب السماء أو طرفيها، لأن من كان له ملك ذلك لم يتعذر عليه الصعود فيه، هذا معنى قول مجاهد وقتادة وابن زيد

وقال الضحاك: فليرتقوا إلى السماء السابعة.
وقال الربيع بن أنس: الأسباب أَرَقُّ من الشعر وأشَدُّ من الحديد، وهو مكان ولكن لا يُرى.
والسبب هو: كل شيء يوصل به إلى المطلوب من حبل أو جبل أو ستر أو رحم أو قرابة أو طريق أو باب.
يقال: رَقِيَ يَرْقَى رَقْياً إذا صعد، كرَضِيَ يرضى.
ومثله: ارتقى يرتقي إذا صعد ويقال: رقي يرقِي رقياً من الرقية مثل: رمى يرمي رمياً.
ثم قال: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن الأحزاب﴾.
يعني بقوله: ﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ﴾: الذين قال فيهم: ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ وهم أشراف قريش الذين هُزِموا وقُتلوا يوم بدر.
والتقدير: هم جند مهزوم هنالك.
ومعنى ﴿مِّن الأحزاب﴾: من القرون الماضية.

قال قتادة: وعد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم وهو بمكة أنه سيهزم جنداً من المشركين، فجاء يوم بدر تأويلها.
وقال الفراء: معناه: هم جنود مغلوب أن يصعد السماء.
وقيل: هم الأحزاب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتوا إلى المدينة فهزمهم الله عز وجل بالريح والخوف.
فأعلم الله عز وجل نبيه صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين أنه سيتحزب عليهم المشركون، وأنهم سيهزمون.
فكان في ذلك أبين دلالة لهم على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصِدْقِه في جميع ما يَعِدُهُم به، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى المؤمنون الأحزاب قَالُواْ هذا مَا وَعَدَنَا الله وَرَسُولُهُ﴾ [الأحزاب: 22] الآية لأنه أخبرهم بذلك وهم في مكة ثم جاءهم ما أخبرهم به وهم في المدينة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾، أي: قبل قريش، وكذلك عاد ﴿وفِرْعَوْنُ ذُو الأوتاد﴾.
فرعون هو: الوليد بن مصعب.

وقيل هو: مصعب بن الديان.
وقيل: كان يسمى كل من مَلَكَ مصر فرعون، كما يسمى كلُّ من ملك اليمين تبّعاً، ومن مَلَكَ فارس كسرى، ومن مَلَكَ الروم قيصر وهرقل.
قال المبرد: كَسرى بالفتح.
وقال غيره: بالكسر.
وإنما نُعِتَ فرعون بالأوتاد لأنه كانت له أوتاد يلعب له عليها؛ قاله ابن عباس وقتادة وابن جبير.
وقال السدي: كان يُعِّبُ الناس بالأوتاد؛ يعذبهم بأربعة أوتاد، ثم يرفع (الصخرة تمد بالحبال) ثم تُلقى عليه فتشدخه.
وقال الضحاك: ﴿ذُو الأوتاد﴾: ذو البُنيان.
وقد تقدم ذكر الأيكة في الشعراء.

وقوله: ﴿أولئك الأحزاب﴾، أي: الجماعة المتحزبة على معاصي الله تعالى والكفر به سبحانه وتعالى.
ثم قال: ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ الرسل﴾، أي: ما كل هؤلاء الأمم إلا كذب الرسل فيما جاؤهم به.
﴿فَحَقَّ عِقَابِ﴾، أي: وجب عليهم عقاب الله تعالى ثم قال تعالى: ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي: وما ينتظر هؤلاء المشركون بالله سبحانه إلا صيحة واحدة - وهي النفخة الأولى في الصور - ما لها من فتور ولا انقطاع.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَمَّا فَرَغَ الله مِنْ خَلْقِ السَّماواتِ والأرْضِ خَلَقَ الصُّورَ وأَعْطَاهُ إسْرَافِيلَ.
فَهْوَ واضِعُهُ عَلَى فيهِ، شَاخِصٌ إلى الْعَرْشِ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ.
قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّورُ؟ قال: قَرْنٌ.
قال: وكيف هو؟ قال: قَرْنٌ عَظِيمٌ يُنْفَخُ فِيه ثَلاَثَ نَفَخَاتٍ: نَفْخَة الفَزَعِ، فَيَفْزَعُ أهْلُ السَّماواتِ وأهْلُ الأرْضِ إلاَّ مَنْ شَاءَ اللهَ.
وَيَأْمُرهُ الله فَيُدِيُمَها وَيُطَوِّلُهَا فَلاَ تَفْتُرُ.
وَهِيَ الَّتي يَقُولُ اللهُ جَلّ وعزّ: ﴿وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ ".

وقال ابن عباس: ﴿فَوَاقٍ﴾: ترداد.
وعنه: من رجعة وقال مجاهد: " من رجوع ". وقال قتادة: من مثنوية ولا رجوع (ولا ارتداد).
وقال السدى: معناه: ما لهؤلاء المشركين بعد ذلك من إفاقة ولا رجوع إلى الدنيا.
وقال ابن زيد معناه: ما ينتظر هؤلاء المشركون إلا عذاباً يهلكهم.
فالصيحة عنده: العذاب.
﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾، أي لا يفيقون منها كما يفيق الذي يُغشى عليه.
وأصل هذا من فواق الناقة، وهو ما بين الحلبتين من الراحة.
فالمعنى: ما لها من راحة، أي: لا يروحون حتى يتوبوا ويرجعوا عن كفرهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾، أي: وقال هؤلاء المشركون من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة.
والقط من قريش: عجل لنا كتابنا قبل يوم القيامة.
والقط في كلام العرب: الصحيفة المكتوبة.

فإنما سألوا تعجيل حظهم من العذاب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة.
فهو مثل قولهم: " ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32] " الآية.
وقال السدي: إنما سألوا تعجيل رؤية حظهم من الجنة ورؤية منازلهم ليعلموا حقيقة ما يعدهم به محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن جبير: سألو تعجيل حظهم من الجنة يتنعمون به في الدنيا.
وقيل: إنما سألو تعجيل رزقهم قبل وقته.
وقيل: إنما سألو تعجيل كتبهم التي تؤخذ بالإيمان والشمائل، لينظروا أبأيمانهم يعطونها أم بشمائلهم، فيعلمون أمن أهل الجنة هم أم من أهل النار، استهزاء منهم بالقرآن وبوعد الله جل ذكره.
هذا قوله تعالى ذكره: ﴿اصبر على مَا يَقُولُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ منسوخ بالأمر بالقتال، أمر الله جل ذكره نبيه صلى الله عليه وسلم بالصبر على قول المشركين والاحتمال منهم، وقد علم تعالى أنه سيأمرهم بقتالهم في وقت آخر، فينسخ الآخر الأول.

ثم قال: ﴿واذكر عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الأيد﴾، أي: ذا القوة والبطش الشديد في ذات الله عز وجل والصبر على طاعته.
يقال: أيد وآد للقوة كما يقال: العيب والعاب قال قتادة: " أُعْطِيَ داود قوة في العباد وفقهاً في الإسلام، وذُكِرَ أنه كان يقوم الليل ويصوم نصف الدهر.
وقوله: ﴿إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رَجَّاع عما يكره الله عز وجل إلى ما يرضاه أواب وهو فعَّال للتكثير من آب يئوب إذا رجع.
قال مجاهد: أواب: رجاع عن الذنوب.
قال قتاجة: كان مطيعاً لله عز وجل كثير الصلاة.
وقال السدى: الأوَّاب: المسبح.

ويروى أنه قام ليلة إلى الصباح فكأنه أُعْجِبَ بذلك فقيل لضفدع كلميه في أصل مِحْرَابِه، فقالت له: يا داود، تَعْجَبُ لقيام ليلة! هذا مقامي منذ عشرين سنة شكراً لله عز وجل حين سلَّم / بيضي.
قال وهب: كان داود قد قسم الدهر أثلاثا، فيصير: يوم للعبادة، ويوماً للقضاء بين الناس، ويوما لقشاء حوائج أهله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الجبال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بالعشي والإشراق﴾، أي: يسجن مع داود من وقت العصر إلى الليل، ومن صلاة الصبح إلى وقت صلاة الضحى.
يقال: أشرقت الشمس: إذا أضاءت وصفت، وشرقت إذا طلعت.
قال قتادة: كان داود إذا سبح سبحت الجبال معه.
واستدل ابن عباس على نص صلاة الضحى في القرآن بهذه الآية ﴿بالعشي والإشراق﴾، لأنه من أشرقت الشمس إذا وصفت وأضاءت.
فإذا صلى داود

العصر وسبَّحَ سبحت الجبال معه، وإذا صلى الضحى (سبح وسبحت) الجبال معه.
﴿والطير مَحْشُورَةً﴾، أي: وسخرنا الطير مجموعة تسبح معه.
﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾، أي: رجاع لأمره ومطيع له.
فالهاء لداود وقيل: إلهاء لله عز وجل.
والمعنى كل لله مطيع، مسبح له.
فكل " في القول الأولى للطير، وفي هذا الثاني: يجوز أن يكون للطير، ويجوز أن يكون لداود والجبال والطير.
ورُوي أنه كان إذا سبح أجابته الجبال واجتمعت إليه الطير فسبحت معه.
وقال قتادة: محشورة: مسخرة.
ثم قال: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾.

قال السدي: كان حرسه في كل يوم وليلة أربعة آلاف.
وذكر ابن عباس أن الله جل ذكره شدد ملكه هيبة لقضية قضاها في بنى إسرائيل وذلك أن رجلاً استعدى على رجل من عظمائهم فاجتمعا عند داود، فقال المُسْتَعْدَى: إن هذا غصبني بقراً لي.
فسأل الرجل عن ذلك فجحده، فسأل الآخر البيِّنة فلم تكن له بينة، فقال لهما: قُوَما حتى أنظر في أمركما فقاما.
فأوحى الله عز وجل إلى داود في منامه أن يقتل الرجل الذي ستُعدي عليه.
فقال: هذه رؤيا ولست أعجل حتى أتثبت، فأَوْحَى إليه مرة أخرى أن يقتُلَه، وأوحى إليه ثالثة (أن يقتله) أو تأتيه العقوبة من الله عز وجل، فأرسل داود إلى الرجل أن الله قد أوحى إليّ أن أقتلك، فقال الرجل: تقتلني بغير بينة ولا تثبت! فقال له داود: نعم، والله لأنفِّذْنَ أمرالله عز جل فيك.
فلما عرف الرجل أنه قاتله قاله له: لا تعجل عليّ حتى أخبرك، إني والله ما أُخِذْتُ بهذا الذنب ولكني كنت اغتلت وَلَدَ هذا فقتلته فبذلك قُتِلْتُ.
فأمر به داود، فَقُتِلَ.
فاشتدت هيبته في بني إسرائيل لذلك وشد الله به ملكه.

ثم قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكمة﴾.
قال السدى: هي النبوة.
وقال قتادة: الحكمة: السُّنَّة.
وقوله: ﴿وَفَصْلَ الخطاب﴾.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: فصل الخطاب: الفهم في علم القضاء.
وقال ابن زيد: أعطي فصل ما يتخاطب الناس به بين يديه في الخصومات.
وقال شريح فصل الخطاب: الشاهدان على المدعي، واليمين على المنكر، وهو قول قتادة.

وقال الشعبي: يمين وشاهد، وعن الشعبي: هو: أما بعد.
ثم قال تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَؤُاْ الخصم إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾، أي: وهل أتاك يا محمد خبر الخصم.
والخصم هنا يراد به الملكان، لكن لا تظهر فيه تثنية ولا جمع لأنه مصدر من خصمته خصماً.
والأصل فيه: وهل أتاك نبأ ذوي الخصم ويجوز أن يثنى ويجمع، ودل على ذلك قوله: خصمان.
وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُواْ المحراب﴾، أي إذ دخلوا عليه من غير بابه.
والمحراب: مقدم كل شيء ومجلسه وأشرفه.
ثم قال تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُواْ على دَاوُودَ﴾، أي: لما دخلوا على داود المحراب.
﴿فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾، أي: فراعه دخولهما من غير مدخل الناس عليه.
وقيل: إنما فزع

لأنهما دخلا عليه ليلاً من غير وقت نظره بين الناس.
﴿قَالُواْ لاَ تَخَفْ خَصْمَانِ بغى﴾، أي: قال الملكان: لا تخف منا نحن خصمان.
﴿بغى بَعْضُنَا على بَعْضٍ﴾، أي: تعدَّى أحدنا على صاحبه.
﴿فاحكم بَيْنَنَا بالحق﴾، أي: فاقض بيننا بالعدل.
﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾، أي: لا تجر، وقال قتادة ولا تمل، وقال السدى: لا تخف.
وقرأ الحسن وأبو رجاء: " ولا تَشْطُطْ " بفتح التاء وضم الطاء الأولى.
بمعنى: ولا تبعد عن الحق.
يقال: أَشَطَّ يُشِطُّ إذا جار في القول والحكم، وشَطّ يَشُطُّ إذا بَعُد.
ثم قال تعالى: ﴿واهدنآ إلى سَوَآءِ الصراط﴾ /، أي: وارشدنا إلى قصد الطريق المستقيم في الحق.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾، الآية.

هذا مثل ضربه الملكان لداود، وذلك أن داود كان له تسع وتسعون امرأة، وكانت للرجل الذي أعزاه داود حتى قُتل، امرأة واحدة، فلما قتل تزوجها فيما ذكر.
قال وهب بن منبه: إن هذا أخي، أي على ديني.
والعرب تُكَنِّي عن المرأة بالنعجة والشاة.
وقرأ الحسن بفتح التاء من " تَسع وتَسعين " وهي لغة قليلة.
وقرأ ابن مسعود: " تِسْعٌ وتَسِعُونَ نَعْجَةً أُنْثَى " على التأكيد، كقولهم: رجل ذَكَر؟.
ولا يؤنث بهذا التأنيث إلا ما تأنيثه وتذكيره في نفسه كالرجل والمرأة، فإن كان تأنيثه وتذكيره في اسمه (لم يُقَلْ) فيه أنثى ولا ذكر، نحو: دار، وملحفة، وشبه ذلك.

وقيل: عنى بذلك أنها حسنة.
فأنثى تدل على أنها حسنة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾، أي: أنزل عنها وضُمَّها إليَّ.
قال ابن زيد: أكفلنيها: أعطنيها، أي: طلقها لي أنكحها.
﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾، أي: صار أعزَّ مني في مخاطبته إياي لأنه إن تكلم فهو أبين مني، وإن بطش كان أشد مني فقهرني وغلبني.
قال قتادة: وعزني في الخطاب: ظلمني وقهرني.
وقرأ ابن مسعود: " وَعَازَّنِي ". يقال: عَازَّه (إذا غالبه، وَعَزَّهُ): إذت غلبه، ومنه قولهم: " مَنْ (عَزَّ بَزَّ).
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ﴾، أي: قال داود للمتكلم منهما: لقد ظلمك صاحبك بسؤاله إيله أن يضم نعجتك إلى نعاجه.
﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ الخلطآء ليبغي بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾، أي: وإن كثيراً من الشركاء

ليَتَعَدَّى بعضهم على بعض ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿الصافنات الجياد﴾ أي: وأيقن داود أنما اختبرناه.
﴿فاستغفر رَبَّهُ﴾، أي: سائل ربه المغفرة.
﴿وَخَرَّ رَاكِعاً﴾، أي: ساجداً لله.
﴿وَأَنَابَ﴾، أي: رجع عن خيئته وتاب منها.
وكان سبب اختيار الله عز وجل له - فيما ذكر ابن عباس - أن داود قال: يا رب، قد أعطيت إبراهيم وإسحاق ويعقوب من الذكر ما لَوَدِدْتُ أنك أعطيتني مثله.
فقال الله جل ذكره له: إني ابتليتهم بما لم أبتلك به، فإن شئت ابتليتك بمثل ما ابتليتهم به، وأعطيتك كما أعطيتهم، قال: نعم، فأقام ما شاء الله أن يُقيم وطال ذلك حتى كاد أن ينساه.
فبينما هو في محرابه إذ وقعت عليه حمامة فأراد أن يأخذها فطارت إلى كوة كانت في المحراب، فذهب ليأخذها، فطارت.
فاطَّلع من الكوة فرأى امرأة تغتسل.
فنزل نبي الله صلى الله عليه وسلم من المحراب وأرسل إليها، فجاءته، فسألها عن زوجها وعن شأنها، فأخبرته أن زوجها غائب، فكتب إلى أمير تلك السَّرِيَّةِ أن يُؤَمِّرَهُ على السرايا لِيَهْلَكَ زوجها، ففعل.
فكان يصاب أصحابه وينجو وربما نصروا.
وإن الله لما رأى الذي وقع فيه داود أراد أن يستنفذه، فبينما داود ذات يوم في محرابه إذ تسور عليه الخصمان من قبل وجهه.
فلما رأهما وهو يقرأ فَزِعَ وسكت، وقال: لقد استُضعفت في مُلكي حتى إن الناس يتسورون علي في محرابي، قالا له: لا تخف، خصمان بغى بعضنا على بعض فلم

يكن لنا بد من أن نأتيكما فاسمع منا.
قال أحدهما.
﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي﴾ - إلى ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾.
قال له داود: أنت كنت أحوجَ إلى نعجتك منه، لقد ظلمك بسؤاله إياك نعجتك ونسي نفسه صلى الله عليه وسلم.
فنظر الملكان أحدهما إلى الآخر حين قال ذلك، فتبسم أحدهما إلى الآخرة فرآه داود أنه فتن، فاستغفر ربه وخر راكعاً وأناب أربعين ليلة حتى نبتت الخضرة من عينينه ثم شدد الله له ملكه.
روى ابن أبي الدنيا أن وهب بن منبه قال: لم يرفع داود عليه السلام رأسه من السجود حتى قال له الملكان: أول أمرك ذنب وآخره معصية، ارفع رأسك، فرفع رأسه.
وعن وهب أنه قال: لما رفع داود رأسه من (السجدة رفع رأسه) وقد زَمِنَ ورعش.
قال: فاعتزل نساءه ثم بكى حتى خددت الدموع وجهه.
وقال عطاء الخراساني: " إن داود نقش خطيئته في كفه لكي لا ينساها، فكان

إذا رآها اضطربت يداه.
وقال وهب بن منبه: كتب داود في كفه: داود الخطاء.
وقال يحيى بن أبي كثير لما أصاب داود الخطيئة نفرت / الوحوش من حوله، فنادى: إلهي، رُدَّ عليَّ الوحش كي آنس بها فرد الله تبارك وتعالى عليه الوحش فَأَحَطْنَ به وأصغين بأسماعهن نحوه.
قال: روفع صوته يقرأ الزبور ويبكي على نفسه فنادته هيهات هيهات يا داود، ذهبت الخطيئة بحلاوة صوتك.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " مَثَلُ عَيْنَيْ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ مَثَلُ الْقِرْبَتَيْنِ تَنْظِفَانِ بِالمَاءِ.
لَقَدْ خَدَّدَتِ الدُّمُوعُ وَجْهَ دَاودَ خَديدَ المَاءِ في الأرْضِ ".

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل