الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
يكن فيه خمر فهو قدح.
وقال بعضهم: كل إناء فيه شراب فهو كأس، فإذا لم يكن فيه شراب فهو إناء.
كذلك الخِوَانُ إذا كن عليه طعام قيل له مائدة، فإذا لم يكن عليه طعام قيل له خوان.
ومثله الهودج يقال له: إذا كانت فيه امرأة، فإذا لم تكن/ فيه قيل له هودج.
قال الضحاك: / كل كأس في القرآن فهو خمر.
وهو قول السدي.
وقال ابن عباس: هو الخمر.
وقال مجاهد: هي خمر بيضاء.
قال الزجاج: " من معين " أي: تجري كما تجري العيون في الأرض.
وقوله: ﴿بَيْضَآءَ﴾: يعني به الكأس، وهو مؤنثة، ﴿لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ﴾ أي: ذات لذة والمعنى: يلتذ بها شاربها.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿لاَ فِيهَا غَوْلٌ﴾ أي: لا تغتال هذه الخمر عقل شاربها كما تفعل خمر الدنيا.
وقال ابن عباس: " لا فيها غول " (أي): ليس في الخمر صداع.
وعنه: ليس فيها وجع بطن.
وكذلك قال مجاهد.
وقال ابن زيد: ليس فيها وجع البطون، وشاب الخمر يشتكي بطنه.
وقال السدي: لا تغتال عقولهم.
وقال ابن جبير: لا فيها أذى ولا مكروه.
وقيل: معناه: لا فيها إثم.
وذكر الليث: أن ابن عباس أشكل عليه تفسير الغَوْل حتى سمع إعرابياً يقول لصاحبه: إني لأجِدُ في بطني غَوْلاً فقال ابن عباس: جاءت والله (الغَوْل): الوجع يجده في بطنه.
ثم قال (تعالى): ﴿هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ﴾ من فتح الزاي فمعناه لا تذهب عقولهم.
قاله ابن عباس ومجاهد والسدي.
وقال قتادة: لا تغلبهم على عقولهم.
تقول العرب: نُزِفَ الرَّجُلُ فهو مَنْزُوف إذا ذهب عقله، (ونزف دم فلان إذا ذهب).
فنفى الله جل ذكره عن خمر الجنة
الآفات من الصداع والسكر اللذين يحدثان من خمر الدنيا.
فأمّا من قرأ بكسر الزاي، فمعناه: لا يفنى شرابهم.
يقال أَنْزَف الرجل إذ نفد شرابه.
وحكى الفراء: أنزف الرجل إذا نفد شرابه، وأَنْزَفَ إذا ذهب عقله.
فيكون على هذا القول الأخير كقراءة من فتح الزاي.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطرف عِينٌ﴾ أي: وعندهم حور قصرن طرفهن على الأزواج فلا يبغين غيرهم، قاله ابن عباس ومجاهد ومحمد بن كعب القرظي.
قال عكرمة: " قاصرات الطرف " أي: محبوسات على أزواجهن.
وقال ابن زيد: " قاصرات الطرف " (لا ينظرن إلا) إلى أزواجهن، ليس كما يكون نساء أهل الدنيا.
وقوله: ﴿عِينٌ﴾: يعني به النُّجْل العيون لعظامها، وهو جمع عَيْناء، والعيناء المرأة الواسعة العين العظيمة العين، (وهي) أحسن ما يكون من العيون.
وسألت أم سلمة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: " يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنِي عَنْ قَوْلِ اللهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: " وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ "، (قال): " العِينُ: الضِّخَامُ العُيُونِ (شَفَرُ) الحَوْرَاءِ بِمَنْزِلَةِ جَنَاحِ النَّسْرِ ".
وقال (تعالى): ﴿كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾.
قال ابن جبير: كأنهن بطن البيض.
يريد: أنه شبههن في بياضهن ببطن البيض.
وقال السدي: كأنهن البيض حين يقشر قبل أن تمسه الأيدي.
وهو قول
قتادة.
وهو اختيار الطبري، شبهن ببياض البيضة قبل أن تمسه الأيدي، إذهن لم يمسسهن قبل أزاجهن إنس ولا جان، فَشُبِّهْن في صفاء اللون (وبياضه) (و) في صيانتهن ببياض البيضة في قشره، وبياض البيض عند الطبري هو القشر الرقيق الذي على البيضة من داخل القشر.
وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأم سلمة، إذ سألته عن ذلك: " رِقَّتُهُنَّ كَرِقَّةِ الجِلْجَةِ التِي رَأيتَهَا فِي دَاخِلِ البَيْضَةِ التِي تَلِي القِشْرَةَ وَهِيَ الغِرْقِىءُ ".
وقال ابن زيد: كأنهن البيض الذي يكنه الريش مثل بيض النعام، فهي
إلى الصفرة تبرق.
وقال ابن عباس: " كأنهن بيض مكنون " يعني: اللؤلؤ المكنون في الصدف.
ثم قال (تعالى): ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ أي: أقبل أهل الجنة يسأل بعضهم بعضاً، قاله قتادة وابن زيد.
ثم قال تعالى عنهم: إنهم قالوا في مساءلتهم: ﴿قَالَ قَآئِلٌ مِّنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَءِنَّكَ لَمِنَ المصدقين * أَءِذَا مِتْنَا [وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَدِينُونَ]﴾.
[فقوله: " إنا لمدينون " جواب للاستفهامين في قوله: " أنَّكَ لمن المصدقين إإذا متناً "].
أي: قال قائل من أهل الجنة إني كان لي صاحب ينكر البعث بعد الموت ويقول لي: أتُصَدِّقُ بأنك تبعث بعد أن تكون عظاماً ورفاتاً، وتجزى بعملك؟ هذا معنى قول ابن عباس.
وقال مجاهد: القرين كان شيطاناً/.
قال ابن عباس: لما صار المؤمن إلى الجنة ذكر ذلك فرأى صاحبه في سواء الجحيم، أي: في وسطه، قال: ﴿تالله إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ﴾.
أي: والله إنك قاربت أن تهلكني لو قبلت/ منك، ولولا نعمة ربي إذ ثبتني على الإيمان لكنت من المحضرين معك في النار.
وروي أنه كان شريكان، وكان أحدهما له حرفة والآخر ليس له حرفة، فقال الذي له حرفة للآخر: ليس عندك حرفة ولا أراني، إِلا مفارقك ومقاسمك، فقاسمه وفارقه.
ثم إن الرجل صاحب الحرفة اشترى داراً بألف دينار كانت لِمَلِكٍ مَاتَ، فدعا صاحبه الذي لا حرفة له فأراه الدار، وقال: كيف ترى هذه الدار ابتعتها بألف دينار؟ قال: ما أحسنها.
فلما خرج قال: اللهم إن صاحبي هذا قد ابتاع هذه الدار بألف دينار وإني أسألك داراً من دور الجنة، فَتَصَدَّقَ بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم تزوج امرأة بألف دينار، ثم دعا الذي لا حرفة معه وصنع له
(طعاماً) فلما أتاه قال: إني تزوجت هذه المرأة بألف دينار، (فقال: ما أحسن هذا! فلما انصرف قال: يا رب إن صاحبي تزوج امرأة بألف دينار وإني أسألك امرأة من الحور العين، فَتَصَدَّق بألف دينار، ثم مكث ما شاء الله أن يمكث ثم اشترى بستانين بألفي دينار، ثم دعاه) فأراه ذلك، وقال: إني ابتعت هذين البستانين بألفي دينار، (قال: ما أحسن هذا! فقلما خرج قال: يا رب إن صاحبي هذا اشترى بستانين بألفي دينار)، وإني أسألك بستانين من الجنة، فتصَدَّقَ بألفي دينار، ثم إن المَلَك أتاهما فتوفاهما، ثم انطلق بهذا المتصدق فأدخله دار مُعْجبة فإذا امرأة تطلع يضيء منها ما تحتها من حُسْنَها ثم أدخله بستانين وشيئاً الله (به) عليم، فقال المتصدق عند ذلك: ما أشبه هذا برجل كان من أمره كذا وكذا، قال: فأنت ذلك ولك هذان البستانات والمرأة.
قال: فإنه كان لي صاحب يقول: أئنك لمن المصدقين؟ قيل له: فإنه في الجحيم، فقال: هل أنتم مطلعون؟ فاطلع فرآه في سواء الجحيم، فقال عند ذلك: " تَاللهِ إِنْ كِدتَّ لَتُرْدِينِ، وَلَوْلاَ نَعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مَنَ المُحْضَرِينَ " أي: المحضرين في النار معك.
ذكر
هذه الحكاية بن ثعلبة البهراني.
وهو تأويل يوجب أن تكون القراءة: من " المُصَّدِقينَ " بالتشديد للصاد من الصدقة.
وقراءة الجماعة إنما هي من التصديق بالحساب والبعث والمجازاة بالأعمال.
وقال ابن عباس: " لمدينون " لمجازون بالعمل.
وقال مجاهد: لمحاسبون.
قال قتادة: سأل ربه أن يطلعه (فأطلعه) فأطلع فرأى صاحبه في وسط النار.
قال مطرف بن عبد الله: لولا أن الله عَرَّفه به ما عرفه لتغير حبره وسبره بعده.
وروي أنه أطلع فرأى جماجم القوم تغلي.
وروى ابن المبارك عن معمر عن عطاء الخرساني مثل الحكاية بعينها إلا أن فيها اختلاف ألفاظ، قال كان رجلان شريكان بينهما ثمانية ألاف دينار فاقتسماها، فعمد أحدهما فاشترى داراً بألف دينار وأرضاً بألف دينار، وتزوج امرأة بألف دينار واشترى أثاثاً بألف، فقال الآخر: اللهم إني أشتري منك في الجنة داراً وأرضاً وامرأة وأثاثاً بأربعة ألاف دينار، ثم تصدق بها كلها، ثم احتاج فتعرض لشريكه أن ينيله مما عنده، فقال له: أين مالكظ فأخبره بما فعل، فقال له: وإنك لمن المصدقين بهذا، اذهب فوالله لا أعطيك شيئاً.
وطرده فنزلت فيهما (هذه) الآيات، فتذكر المتصدق أمر
شريكه وهو في الجنة فاطع ليراه في وسط الجحيم.
قال قتادة: رأى جماجم (القوم) تغلي.
قال ابن المبارك: وبلغنا أنه سأل به أن يطلعه عليه.
قال أبو محمد مؤلفه (نضر الله وجهه) نقلت معنى الحكاية واختصرت بعض لفظها.
ويروى أن الله جل ذكره جعل بين أهل الجنة وأهل النار كِوىً ينظر إليهم أهل الجنة إذا أحبوا ليعلموام قدر ما أنجاهم الله منه وقد ما أعطاهم، ودل على ذلك قوله (تعالى): ﴿فاطلع فَرَآهُ فِي سَوَآءِ الجحيم﴾ أي: أطلع من الكوى فرآه في وسط الجحيم.
قوله (تعالى ذكره): ﴿أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلاَّ مَوْتَتَنَا/﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين﴾.
أي: قال المؤمن ليس نحن بميتين إلا موتتنا/ (الأولى في الدنيا).
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ قال ذلك سروراً منه واغتباطاً منه بما أعطاه الله من كرامته.
ثم قال: ﴿إِنَّ هذا لَهُوَ الفوز العظيم﴾ أي: إن ما أعطانا الله من أنا لا نعذب ولا نموت لهو النجاء العظيم.
قال قتادة: هذا قول أهل الجنة.
﴿لِمِثْلِ هذا فَلْيَعْمَلِ العاملون﴾ أي: لمثل هذا الذي أُعْطِيَ هذا المؤممن من الكرامة في الآخرة فليعمل في الدنيا لأنفسهم العاملون.
قال قتادة: آخر كلام المؤمن: " لهو الفوز العظيم "، ثم قال الله جل ذكره: " لمثل هذا فليعمل العاملون ".
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً أَمْ شَجَرَةُ الزقوم﴾ أي: الذي تقدم من ذكر النعيم للمؤمنين خير أم ما أعد الله لأهل النار من الزقوم.
والنزول: الرزق
الذي له سعة، ومعناه في الأصل: أنه الطعام الذي يصلح أن ينزلوا معه ويقيموا فيه.
ولما ذكر الله هذه الآية، قال المشركون: كيف ينبت الشجر في النار، والنار تحرق الشجر؟ فقال الله جل ذكره: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ﴾ يعني المشركين الذين قالوا في ذلك ما قالوا، ثم أخبرهم الله بصفة هذه الشجرة، فقال (جل ذكره): ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ في أَصْلِ الجحيم﴾.
قال قتادة: غُذِّيت بالنار ومنها خُلِقت.
قال السدي: قال أبو جهل لما نزلت هذه الآية: إن شرجة الزقوم: أتعرفونها في كلام (العرب)؟ أنا آتيكم بها، فدعا جاريته فقال: إيتني بزبد وبتمر، فقال: دونكم تزقموا فهذا الزقوم الذي يخوفكم به محمد صلى الله عليه وسلم، فأنزل الله تعالى ذكره تفسير هذا: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُّزُلاً﴾ إلى آخر الآيات.
فالظالمون هنا أبو جهل
وأصحابه.
وهي مشتقة من التزقم، وهو البلع على جهد وشدة، فقيل لها شجرة الزقوم أنهم يتزقمونها (أي) يبتلعونها من شدة جوعهم، فيبتلعونها على جهد وتقف على حلوقهم يختنقون بها لخشونتها ومرارتها وكراهتها ونتنها فيتعذبون بها على أن تصل إلى أجوافهم فيملؤون بطونهم من ذلك من شدة الجوع ثم لا ينفعهم ذلك ولا يجدون له نفعاً ولا لذة.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشياطين﴾ أي: طلعها في قبحه وسماجته كرؤوس الشياطين، وهذا تمثيل لأنهم لم يكونوا يرون الشياطين، ولكن من شأن العرب أنها إذا بلغت في صفة القبح والسماجة قالت: كأنه رأس شيطان، فخوطبوا بما يعقلون وما يجري بينهم ويفهمون.
وقيل: بل مُثِّل لهم الطلع بما يعرفون، وذلك أن ضرباً من الحيات قباح الصور والمناظر يقال لها شيطان، فشبهت لهم الطلع (بذلك).
(وقيل): الشياطين نبت باليمن قبيح المنظر، يقال له: الأَسْتَنُ والشيطان شبه الطلع به، وطلعها ثمرها كأنه أول ما يخرج.
ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا﴾ أي: فإن هؤلاء المشركين لآكلون من هذه الشجرة فمالئون منها البطون، ثم إن لهم على ما يأكلون منها لشوباً من حميم، أي: خلطاً من ماء قد انتهى حره.
وحميم فعيل مصروف عن مفعول، والشوب مصدر شاب طعامه إذا خلطه يشوبه شَوْباً وَشَابَةً وَشِيَاباً.
وقال ابن عباس: لشوباً لمزجاً.
وقال قتادة: لمزاجاً.
وقال السدي: حميم يشاب لهم بغساق بما يغسق أعينهم وصديد من قيحهم ودمائهم.
ثم قال (تعالى): ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لإِلَى الجحيم﴾.
قال قتادة: فهم (في) عناء وعذاب من نار جهنم، وتلا: " يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيم - انٍ ".
قال بعض المفسرين: هذا النص يدل على إنهم في وقت أكلهم للزقوم وشربهم للحميم ليسوا في النار المتوقدة، هم في عذاب آخر، ثم يردون إلى الجحيم، والجحيم النار المتوقدة.
قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، ثم تلا: " أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمّئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً ".
ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ آبَآءَهُمْ ضَآلِّينَ﴾ أي: وجودهم على الضلال
والكفر بالله وعبادة الأصنام.
﴿فَهُمْ على آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ﴾ أي: فهم مسرعون في اتباع ما كان عليه أباؤهم من الكفر.
قال مجاهد/ وقتادة: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ يسرعون.
وقال ابن زيد: يستعجلون.
قال (الفراء: الإهراع: الإسراع فيه شبيه) بالرعدة.
قال المبرد: المُهْرَعُ المُستحث.
يقال: جاء فلان يهرع إلى النار إذا استحثه البرد إليها.
وحكى الزجاج: هُرِع وأُهْرِع/ إذا استُحث وأزعِج، كأنهم يزعجون من الإسراع إلى اتباع آبائهم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين﴾ أي: ولقد ضل عن الإيمان والرشد قبل مشركي قريش أكثر الأمم الخالية.
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا فِيهِمْ مُّنذِرِينَ﴾ أي: في الأمم الخالية رسلاً منذرين تنذرهم بأس الله وعقابه على الكفر والتكذيب، فكذبوهم، وحذف فكذبوهم لدلالة الكلام عليه.
ثم قال: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين﴾ أي: فَتَأَمَّل يا محمد كيف كان عقابة الأمم الذين قبلك إذ كَذَّبوا رسلهم كيف أهلكهم الله فصيرهم عبرة لمن اغتر وعظة لمن اتعظ.
ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي: إلا من آمن بالرسل من الأمم فأخلص لله العمل والإيمان بما جاء به الرسل.
هذا على قراءة من كسر اللام.
ومن فتحها
فمعناه: إلا من آمن بالرسل، وأخلصه الله في سابق علمه الإيمان والتصديق فوفقه له.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ المجيبون﴾ أي: نادى فقال: ﴿رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأرض مِنَ الكافرين دَيَّاراً﴾ [نوح: 26]، وبقوله: ﴿دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلاً وَنَهَاراً﴾ [نوح: 5] وما بعده، فلنعم المجيبون كنا له إذ دعانا فأجبناه وأهلكنا قومه.
﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الكرب العظيم﴾ أي: من الأذى والمكروه الذي كان فيه (من الكافرين) من قومه.
وقيل: من الطوفان والغرق قاله السدي.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين﴾ أي: هم الذين بقوا في الأرض بعد هلاك قومه، وذلك أن الناس كلهم من ذرية نوح بعد الغرق.
قال ابن المسيب: فجميع الخلق من ذرية سام وحام ويافت.
[ورواه سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " هُمُ البَاقِينَ " هم حَام وسَام ويَافت] ". فالعرب كلهم والروم والفرس من ولد سام، وجميع أجناس السودان من السند والهند والزغاو النؤبة وغيرهم من البربر من ولد حام، والصقالية والترك ويأجوج ومأجوج من ولد ثافت، والخير في ولد سام ".
ثم قال: ﴿وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الآخرين﴾.
قال قتادة: أبقى الله عليه الثناء (الحسن) في الآخرين، وهو قول السدي.
وقيل: في " الآخرين ": أمة محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها آخر الأمم فهي تثني على نوح
وتصلي عليه وتترحم عليه.
ثم قال (تعالى): ﴿سَلاَمٌ على نُوحٍ فِي العالمين﴾ أي: يقال: سلام على نوح، (أي): أبقينا عليه في الآخرين أن يقال ذلك، يعني أن في أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولذلك رفع " سلام " لأنه محكي.
وقيل: التقدير: " في الآخرين " تم الكلام، ثم ابتدأ " سلام " على نوح ابتداء وخبر.
وفي حرف ابن مسعود: " سَلاماً " بالنص، أعمل فيه تركنا فنصبه، ومعناه في الرفع أمنة من الله لنوح في العالمين أن يذكره أحد بسوء.
قال أبو إسحاق معناه: وتركنا عليه أن يُصلى عليه إلى يوم القيامة.
وقل: (معناه): أبقينا (عليه) الثناء الحسن في الآخرين.
ثم قال: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي المحسنين﴾ أي: إنا كما فعلنا بنوح ومن آمن معه
كذلك نجزي من أحسن فآمن بالله وصدق الرسل.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المؤمنين﴾ أي: إن نوحاً من الذين صدقوا وأخلصوا العبادة لله والتوحيد له.
ثم قال: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الآخرين﴾ أي: بعد أن أنجينا نوحاً ومن آمن معه إغرقنا الذين بقوا بعده ممن كفر به وكذبه.
قال قتادة: أنجاه الله ومن معه في السفينة وأغرق بقية قومه.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَإِنَّ مِن شِيعَتِهِ لإِبْرَاهِيمَ﴾ إلى قوله: ﴿بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾.
أي: من تُبَّاع نوح وعلى منهاجه لإبراهيم.
قال ابن عباس: ﴿مِن شِيعَتِهِ﴾: ومن أهل دينه.
وهو معنى قول قتادة ومجاهد.،،،،
فالهاء تعود على نوح.
وقال الفراء: الهاء لمحمد صلى الله عليه وسلم، أي: وإن من شعية محمد لإبراهيم، وهو عنده مثل: ﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [يس: 41] يعني ذرية من سبقهم.
ثم قال: ﴿إِذْ جَآءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾.
أي: من الشركة، قاله مجاهد وقتادة.
وقال عروة بن الزبير: لم يلعن شيئاً قط.
وقال ابن سيرين: القلب السليم الناصح لله في خلقه.
وقيل: / القلب السليم الذي يحب للناس ما يحبه لنفسه/، قد سلم جميع الناس من غشه وظلمه وأسلم لله بقلبه ولسانه ولا يعدل به غيره.
ثم قال: ﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: أَيّ شيء تعبدون.
﴿أَإِفْكاً آلِهَةً دُونَ الله تُرِيدُونَ﴾ أي: أكذاباً معبوداً غير الله تعبدون، والإفك،،
منصوب بـ " تريدون "، و " آلهة " بدل منه.
قال المبرد: (الإفك) أسوأ الكذب.
ثم قال: ﴿فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ العالمين﴾ أي: أَيّ شيء تظنون بربكم أيها القوم أنه يصنع بكم أن لقيتموه وقد عبدتم غيره، قاله قتادة.
ثم قال: ﴿فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النجوم﴾.
ذُكِرَ أن قوم إبراهيم صلى الله عليه وسلم كانوا أهل نجوز وكانوا يهربون من الطاعون، فطمع أن يتركوما بيت آلهتهم ويخرجوا فيخالفهم إليها فيكسرها، فرأى نجماً قد طلع فعصب رأسه (وقال إني مطعون).
قال ابن عباس: قالوا له وهو في بيت آلهتهم: اخرج معنا، فقال: إني مطعون، وتركوه مخافة الطاعون.
وقال الضحاك: تركوه لما قال إني مطعون مخافة أن يعديهم.
وقال ابن زيد: أرسل إليه ملكهم أن غداً عيدنا فاحضر معنا.
قال: فنظر نظرة إلى النجوم، فقال: إن ذلك النجم لم يطلع قط إلا طلع بسقم لي، فقال: إني سقيم.
قال ابن عباس: " سقيم ": مريض.
وقال الحسن: " فنظر نظرة في النجوم ". أي: فكر فيما يعمل إذا كلفوه الخروج، فالمعننى على هذا القول: فنظر نظرة فيما نجح له من الرأي، أي: فيما طلع له.
يقال نَجَمَ القول والنَّبْتُ إذا طلعا.
أي: فكر فعلم أنه لا بد لكل حي أن يسقم، فقال: إني سقيم.
قال الخليل: يقال للرجل إذا فكر في الشيء كيف يدبره: نظر في النجوم.
وقيل: المعنى: فنظر فيما نجم من الأشياء، أي: طلع منها، فعلم أن لها خلقاً
ومدبراً، (وعلم) أنها تتغير، وعلم أن ذلك يلحقه، فقال: إني سقيم.
فتكون النجوم في هذين القولين مصدراً.
(و) على القول الأول جمع نجم.
وقيل: إنهم كانوا يعرفون أن نجماً إذ طلع يطلع بالطاعون، فكان إذا طعن رجل منهم هربوا منه، فطلع ذلك النجم، فقال إبراهيم: إني سقيم، أي: مطعون، فهربوا منه، وكان غلاماً أمرد، فهو معنى قوله: ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾.
وقيل: إنه كان يُحَمُّ في ساعة قد اعتاده ذلك، فنظر في الأوقات، (وقت) الساعة التي تأتيه الحُمى فيها، فوجدها تلك الساعة التي دُعِي إلى الخروج معهم إلى جمعهم فقال: إني سقيم.
أي: إن هذه الساعة أسقم فيها بالحمى التي اعتادتني، فجعل ذلك علة لتخلفه عنهم، وكان فيما قال صادقاً، لأن الحمى كانت تأتيه في ذلك الوقت، فكان قد أضمر كسر أصنامهم إذا تخلف بعدهم وغابوا ففعل ذلك.
وقيل: معنى قوله: " إني سقيم " أي: سأسقم لأن من كان في عقبه الموت سقيم،
وإن لم يكن في وقته ذلك سقيماً قال تعالى ذكره لنبيه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَّيِّتُونَ﴾ [الزمر: 30].
أي: ستموت ويموتون.
وقيل: إن ذلك (من) إبراهيم كان تحيلاً عليهم في ذات الله.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لَمْ يَكْذِبْ إِبْرَاهِيمُ عليه السلام غَيْرَ ثَلاَثِ كَذِبَاتٍ، اثْنَتَيْنِ فِي ذَاتِ الله ": قوله: " إِنّي سَقِيمٌ "، وقوله: " بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا "، وقوله في سارة: " هِيَ أُخْتِي ".
ثم قال: ﴿فَتَوَلَّوْاْ عَنْهُ مُدْبِرِينَ﴾ أي: مضوا عنه خوفاً أن يعديهم السقم الذي ذكر أنه به، وذلك أنهم كانوا يفرون من الطاعون.
ثم قال: ﴿فَرَاغَ إلى آلِهَتِهِمْ﴾ إي: مال إليها بعدما خرجوا عنه، ﴿فَقَالَ أَلا تَأْكُلُونَ * مَا لَكُمْ لاَ تَنطِقُونَ﴾.
في الكلام معنى التعجب، وفي الكلام حذف، والتقدير: فقرب إليها طعاماً فلم تأكل، فقال لها: ألا تأكلون، فلم تجاوبه، فقال: ما لكم لا تنطقون؟ مستخفاً بها مستهزئاً.
وقيل: إنهم جعلوا لآلهتهم الطعام قبل أن ينصرفوا عنه، فلما انصرفوا ورآها لا تأكل قال: ألا تأكلون، فلما لم تكلمه قال: ما لكم لا تنطقون؟ وإنما خاطبها مخاطبة من يعقل، لأنهم أجروها في العبادة وجعل الطعام لها مجرى من يعقل.
ثم قال: ﴿فَرَاغَ عَلَيْهِمْ ضَرْباً باليمين﴾.
روي أنه أخذ فأساً/ فضرب بها حافتيها ثم علقها في عنق [أكبرها/.
و ﴿باليمين﴾: بالقوة.
وقيل: باليمين: بقسمه في قوله: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾ [الأنبياء: 57] بعد أن تولوا مدبرين، فبر بيمينه بفعله.
وقال (ابن) عباس: جعل يضربها بيمينه، ليقيم عليهم الحجة بأن الأصنام إذا كانت لا تنفع أنفسها فتدفع الضر عن أنفسها فهي أبعد من ألا تنفع غيرها، فعبادة من لا ينفع نفسه ولا غيره من أعظم الخطأ وأبينه.
ثم قال: ﴿فأقبلوا إِلَيْهِ يَزِفُّونَ﴾ أي: يمشون سراعاً.
يقال: زَفَّ يَزِفُّ زَفِيفاً، إذ أسرع، وأصله من زفيف النعام، وذلك أول عدوه.
قال ابن زيد: " يزفون ": يستعجلون.
ومن قرأ بضم الياء فمعناه: جعلوا أنفسهم يسرعون.
يقال: أطردت الرجل أي: صيرته إلى ذلك، وطردته: نحيته.
فيكون المعنى:
وجاء على هذه الهيئة بمنزلة المزفزفة على هذه الحال.
وقد أنكر أبو حاتم هذه القراءة، وأجازها غيره على هذا التأويل.
(وقرئت) " يَزِفُونَ " بالتخفيف، لغة بمعنى يسرعون، يقال: وَزَفَ يَزِفُ إذا أسرع.
ولم يقرأ بها الفراء ولا الكسائي.
وقيل: معنى يزفون: يمشون بجمعهم في رجوعهم مشياً على مهل، لأنهم كانوا آمنين أن يصيب أحد آلهتهم بضر.
ثم قال (تعالى): ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ﴾.
في (هذا) الكلام حذف، والتقدير: قالوا له: لِمَ كسرتها؟ قال: أتعبدون، أي:
قال إبراهيم لقومه: أتبعدون ما تنحتون بأيديكم من الأصنام، والله خلقكم وعملكم.
وأجاز النحويون أن تكون ما بمعنى الذي، وأن تكون وما بعدها مصدراً، وهو أحسن.
وأجازوا أن تكون نافية بمعنى: وما تعملون شيئاً ولكن الله خالقه.
ثم قال (تعالى): ﴿قَالُواْ ابنوا لَهُ بُنْيَاناً فَأَلْقُوهُ فِي الجحيم﴾.
الجحيم عند العرب جمر النار بعضه على بعض، والنار على النار.
يقال رأيت حجمه النار، أي تلهبها.
والمعنى: أنه لما أقام عليهم الحجة في عبادتهم ما لا ينفع ولا يضر لم يجدوا لحجته مدفعاً، فتركوا جوابه، وقالوا: ابنو له بنياناً فألقوه في الجحيم، فعملوا ناراً عظيمة لا يقدر أحد أن يتقرب منها لشدة حرها، فاحتالوا (له) في رميه فيها فعملوا
المنجيق ورموه فيها، فجعلها الله بردا وسلاماً على إبراهيم.
وقد مضى تفسير هذه في " سورة الأنبياء " بأشبع من هذا.
ثم قال (تعالى): ﴿فَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً﴾ أي أراد قوم إبراهيم عليه السلام به كيداً، وهو طرحهم إياه في النار.
قال الله جل ذكره: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ الأسفلين﴾ أي: الأذلين حجة، فلم يضره ما فعلوا به.
ثم قال (تعالى): ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إلى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ أي: وقال إبراهيم بعد أن نجاه الله من كيد قومه وأعلى حجته عليهم، إني مهاجر إلى ربي من بلد قومي إلى الأرض المقدسة.
وقال قتادة: معناه: ذاهب إلى ربه بعقله وقلبه ونيته.
وقيل: إنما قال ذلك حين أرادوا أن يلقوه في النار.
وروي أن النار (لما) لم تضره قال ابن لوط أو ابن أخي لوط: إن النار لم تحرقه من أجلي، وكان بينهما قرابة، فأرسل الله عز وجل ( عنقاً من النار) فأحرقته.
ثم قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصالحين﴾ أي: هب لي ولداً صالحاً من الصالحين.
قال الله جل ذكره: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلاَمٍ حَلِيمٍ﴾.
أي: حليم إذا كبر، وهو إسحاق في قول عكرمة وقتادة.
وهو قول ابن مسعود وكعب.
وقال أبو هريرة وابن عمر والشعبي وابن جبير ومجاهد: هو إسماعيل، واختلف في ذلك عن ابن عباس.
قال قتادة: لم يثن الله على أحد بالحِلْم غير إبراهيم وإسحاق.
وذكر ابن وهب عن عطاء بن أبي رباح: أن عبد الله بن عباس قال: المُفْدَى إسماعيل.
وزعمت اليهود أنه إسحاٌ، وكذبت اليهود، وقد ذكرنا الاختلاف في الذبيح بحجج كل فريق في كتاب مفرد فلم نعده هنا لطوله.
قوله (تعالى ذكره): ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السعي﴾ إلى قوله: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾.
قال ابن عباس: السعي العمل.
وقال مجاهد: لما شب حتى أدرك سعيُه سَعْيَ [على] إبراهيم في العمل.
وقال قتادة: لما مشى مع إبراهيم.
وقال ابن زيد: السّعي هنا العبادة.
ثم قال/: ﴿يابني إني أرى فِي المنام أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ أي: سأذبحك.
روي أنه أُمِرَ في المنام بذبحه.
وذكر أنه حين بُشِّرَ به نذر أن يجعله إذا وُلِدَ له ذبيحاً.
فلما وُلِدَ وبلغ (معه) السعي - مع أبيه -، أُري في المنام فقيل له: فد الله بنذرك.
ورؤيا الأنبياء يقين.
قال السدي: لما قال جبريل/ صلى الله عليه وسلم لسارة أبشري بولد إسمه إسحاق، ضرب وجهها عجباً، وقالت: أألد وأنا عجوز، وهذا بعلبي شيخاً، إن هذا لشيء عجيب، فقالت سارة لجبريل صلى الله عليه وسلم: ما آية ذلك؟ فأخذ جبريل عليه السلام عوداً يابساً فلواه بين أصابعه فاهتز خضرة، فقال إبراهيم: هو الله إذاً ذبيحاً، فلما كبر إسحاق أتي إبراهيم في النوم، فقيل له: أوْفِ لله بنذرك الذي نذرت، إن الله رزقك غلاماً من
سارة، فقال لإسحاق: انطلق نقرب قرباناً إلى الله عز وجل، وأخذ سكيناً وحبلاً، ثم انطلق معه حتى إذا ذهب بين الجبال قال له الغلام: يا أبت أين قربانك؟ قال: با بني إني رأيت في المنام أني أذبحك فانظر ما ترى؟، ﴿قَالَ يا أبت افعل مَا تُؤمَرُ ستجدني إِن شَآءَ الله مِنَ الصابرين﴾.
ثم قال له إسحاق: يا أبت أشدد رباطي حتى لا أضطرب، واكفف عني ثيابك حتى لاينضح عليها من دمي بشيء فتراه سارة فتحزن، وأسرِع مر السكين على حلقي ليكون أهون للموت علي، فإذا أتيت سارة فاقرأ عليها من السلام، فأقبل عليه أبراهيم يقبله وقد ربطه وهو يبكي وإسحاق يبكي، حتى استنقع الدموع تحت خد إسحاق، ثم إنه جر السكين على حلقه فلم تحك السكين، وضرب الله صفحة من نحاس (على حلق إسحاق)، فلما رأى ذلك ذوب به على جبينه وحز في قفاه، فذلك قوله (تعالى): ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا﴾ (أي): أسلما الأمر لله ورضيا بالذبح، الذابح والمذبوح، وتله: صرعه.
والجبين: ما عن يمين الجبهة و (عن) شمالها.
قال قتادة: تله: كبه وحول وجهه إلى قفاه.
قال ابن عباس: كبه على جبهته.
(قال السدي): فنودي أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا بالحق، فالتفت فإذا بكبش فأخذه وخلى عن ابنه، وأكب على ابنه يقبله، وهو يقول: اليوم يا بني وُهِبْتَ لي، فهو قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ﴾، فرجع إلى سارة فأخبرها الخبر فجزعت، وقالت: يا إبراهيم أردت أن تذبح ابني ولا تعلمني.
قال عكرمة في معنى ﴿وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ﴾: قال له الغلام: (يا أبت) اقذفني للوجه كي لا تنظر إلى وجهي فترحمني [وأنظر أنا إلى الشفرة فأجزع.
قال مجاهد: " وتله للجبين " وضع وجهه على الأرض]، فقال له: يا أبت لا تذبحني وأنت تنظر إلى وجهي عسى أن ترحمني، فلا تحن علي، اربط يدي إلى
(المرفقين)، ثم ضع وجهي في الأرض.
ومن قرأ (تَرَى) بفتح التاء والراء، فمعناه: ماذا عندك من الرأي فيما قلت لك، على معنى الامتحان لإسحاق، لا (على) معنى الاستشارة له في أمر الله.
ومن ضم التاء، فمعنى قراءته: ماذا ترى [من صبرك أو جزعك.
وقيلأ: معنى الكلام: ماذا] تشير، امتحاناً له.
وغلط أبو عبيد وأبو حاتم في هذا فجعلاه من رؤية العين، وليس كذلك،
إنما هو في معنى الرأي.
تقول أريت فلاناً الصواب وأريته رشده.
قال ابن عباس: إن الله لما أمر ابراهيم بالمناسك، عرض له الشيطان عند المسعى، فسبقه إبراهيم، ثم ذهب به جبريل صلى الله عليه وسلم إلى جمرة العقبة، فعرض له الشيطان فرمى بسبع حصيات حتى ذهب، [ثم عرض له عند الجمرة الوسطى فرماه بسبع حصيات حتى ذهب].
ثم تلّه للجبين وعلى إسماعيل قميض أبيض، فقال (له): يا أبت إنه ليس لي ثوب تكفنني فيه غير هذا، فاخلعه عني فكفني فيه، فالتفت إبراهيم صلى الله عليه وسلم فإذا بكبس أعين أبيض أقرن فذبحه.