الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 6059-6098
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 6059-6098
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

أيها الكافرون عن المؤمنون.
قال قتادة: عزلوا عن كل خير.
وروى محمد بن كعب القرظي، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ أَمَرَ الله جَلَّ ذِكرُهُ جَهَنّمَ، فَيَخْرُجُ مِنْهَا عُنُقٌ سَاطِعٌ مُظْلِمٌ، ثُمَّ يَقُولُ/: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يابنيءَادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ * وَأَنِ اعبدوني هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ * وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ إلى قوله: ﴿كُنتُمْ] تُوعَدُونَ﴾ ثم يقول: ﴿وامتازوا اليوم أَيُّهَا المجرمون﴾، فَيَتَميَّزُ النَّاسُ ويَحْثُونَ، وهو قوله (تعالى ذكره): ﴿وترى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ (كُلُّ أُمَّةٍ) ﴿تدعى إلى كِتَابِهَا﴾ [الجاثية: 28].
وقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ﴾ أي: (ثم قال): ألم أوصيكم وآمركم في الدنيا ألا تطعيوا الشيطان في المعاصي، وأعلمتكم أنه لكم عدو مبين، وأنه أخرج أبويكم من

الجنة لِعَدَاوَتِهِ لَهُمَا.
ثم قال: ﴿وَأَنِ اعبدوني﴾ أي: ألم أعهد إليكم أن اعبدوني وأخلصوا العبادة لي.
﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: عبادتكم إياي خالصاً هو الصراط المستقيم.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلاًّ كَثِيراً﴾ أي: أضل الشيطان منكم خلقاً كثيراً فأطاعوه، وجِبِلاًّ بكسر الجيم، والتشديد جمع جِبِلَّة.
و (من) قرأ بضم الجيم والباء والتخفيف جعله جمع جَبِيلٍ كَسَبِيلٍ وَسُبُلٍ.
وَجَبِيلٍ معدول عن مَجْبُولٍ كَجَريحٍ بمعنى مَجْرُوحٍ.
وكذلك قراءة من أسكن الباء وضم الجيم وخفف، إنما أراد الضم ولكن أسكن استخفافاً.

ثم قال: ﴿أَفَلَمْ تَكُونُواْ تَعْقِلُونَ﴾ أي: تفهمون أنه لا ينبغي أن يطاع من هو عدو، والكلام كله بمعنى التوبيخ والتقرير، أي قد عهدت إليكم ذلك.
ثم قال: ﴿هذه جَهَنَّمُ التي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي: في الدنيا، فتكذبون (بها).
(و) جهنم أول باب من أبواب النار.
ثم قال: ﴿اصلوها اليوم﴾ (أي): احترقوا فيها، وَرَدُوهَا جزاء بكفرهم في الدنيا بها وبالله ورسله.
قوله (تعالى ذكره): ﴿اليوم نَخْتِمُ على أَفْوَاهِهِمْ﴾ إلى آخر السورة.
أي: نطيع (على) أفواه المشركين.
﴿وَتُكَلِّمُنَآ أَيْدِيهِمْ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾ أي: بما عملوا في الدنيا.
﴿وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ﴾ أي: بما سعت فيه من المعاصي.
روي أن الذي ينطبق (من) أرجلهم أفخاذهم من الرجل اليسرى.

قال أبو موسى: يدعى المؤمن للحساب يوم القيامة، فيعرض عليه ربه عمله فيما بينه وبينه، فيعترف فيقول: نعم إني عملته، قال: فيغفر الله (منه) ذنوبه ويستره منها.
ويدعى الكافر والمنافق للحساب فيعرض عليه ربه عمله، فيجحده فيقول: أي: ربي وعزتك لقد كتب عَليَّ هذا المَلَكُ ما لم أعمل، فيقول له المَلَكُ: أما عملت كذا يوم كذا؟ فيقول: (لا) وعزتك، (أي): رب ما عملته، فإذا فعل ذلك ختم الله على فِيهِ.
قال أبو موسى: فإني أحسب أول ما ينطق منه لفخذه اليمنى ثم تلى الآية: ﴿اليوم نَخْتِمُ.
. .﴾. وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " أَوَّلُ شَيْءٍ يَتَكَلَّمُ مِنَ الإنْسَانِ يَوْمَ يُخْتَمُ عَلَى الأَفْوَاهِ فَخِذُهُ مِنْ رِجْلِهِ اليُسْرَى "، رواه عقبة بن عامر عنه.
ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَطَمَسْنَا على أَعْيُنِهِمْ﴾ أي: لأعميناهم عن الهدى فلا

يهتدون إلى طريق الحق أبداً.
قاله ابن عباس.
وقال الحسن: (معناه): لو شاء لتركهم عمياً يترددون.
وكذلك قال قتادة.
وهو اختيار الطبري، لأن القوم كانوا كفاراً، فلا معنى لعماهم (عن) الهدى وهم كذلك كانوا، والمعنى عنده: لو نشاء لعاقبناهم على كفرهم فأعميناهم فلا يبصرون طريقاً في تصرفهم إلى منازلهم ولا إلى غيرها.
وقيل معنى: ﴿فاستبقوا الصراط﴾ أي: فبادروا إذا حدث بهم العمى إلى منازلهم/ ليلحقوا بأهلهم.
والأَطْمَسُ هو الذي لا يكون بين عينه شق.
وحكى الكسائي طَمَسَ يَطْمِسُ وَيَطْمُسُ.

ثم قال (تعالى): ﴿وَلَوْ نَشَآءُ لَمَسَخْنَاهُمْ على مَكَانَتِهِمْ﴾ أي: لأفقدناهم جزاء على كفرهم، فلا يستطيعون أن يمضوا إلى أمامهم ولا يرجعون إلى ورائهم، هذا قول الحسن وقتادة.
وقال ابن عباس: معناه: لأهلكناهم في منازلهم.
وقيل: المعنى: لو شاء الله لمسخهم في الموضع الذي اجترؤوا فيه على معصية الله، فلا يقدرون على المضي ولا على الرجوع.
وقال ابن سلام: هذا كله في القيامة، قال إذا كان يوم القيامة مُدَّ الصِّرَاطُ، ونادى مُنادٍ لِيَقُمْ محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، فيقومون بَرُّهم وفَاجِرُهُمْ يتبعونه فيتجاوزوا الصراط فإذا صاروا عليها، طمس الله أعين فُجَّارهم، فاستبقوا الصراط فمن/ أين يبصرونه حتى يجاوزوه، (قال): ثم ينادي مناد ليقم عيسى وأمته فيقومون فيتبعونه بَرُّهُمْ وفاجِرُهُم فيكون سبيلهم تلك السبيل، وكذلك سائر الأنبياء.
والعرب تقول

مَكَانٌ وَمَكَانَةٌ، وَدَارٌ وَدَارَةٌ.
وحتى ابن الأعرابي: أن العرب تجمع مكاناً على أمكنة ومكنات.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الخلق﴾ أي: نرده إلى مثل حاله الأولى من الضعف وقلة العلم والفهم، بمنزلة قوله: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾ [النحل: 70].
ثم قال: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشعر﴾ أي: لم نُعَلِّمَ محمداً الشعر، بل علمناه القرآن، وليس هو شعر كما قال المشركون.
﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ أي: ما ينبغي له أن يكون شاعراً.
وقيل: معناه: ما يسهل له قول الشعر.
وقالت عائشة: " لَمْ يَتَمَثَّلْ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم بِبَيْتِ شِعْرٍ قَطُّ إِلاَّ بِبَيْتِ طَرَفة

فَجَعَلَ آخِرَهُ أَوَّلَهُ وأَوَّلَهُ آخِرَهُ، وهو قول طرفة: " سَتُبْدِي لَكَ الأَّيَّاُ مَا كُنْتَ جَاهِلاً " البيت.
فكان يقول: وَيَأْتِيكَ مَنْ لمَمْ تُزَوِّدِ بِالأَخْبَارِ.
فأما ما روي عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: " أنَا النَّبِيُّ لاَ كَذِبْ ... أَنَ ابْنُ عَبْدِ المُطَّلِبْ ". فإنه فيما ذُكِرَ أنه كان يعرب: (كذباً) و (المطلب)، وإذا أعربها لما يكن شعراً.
ثم قل: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ما هذا القرآن إلا ذكر وليس شعر، أنزله على محمد لينذر من كان حياً، وهو المؤمن، مثل قوله: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر﴾ [يس: 11].

وقال الضحاك: مَنْ كَانَ حَيَّاً هو العاقل.
ثم قال: ﴿وَيَحِقَّ القول عَلَى الكافرين﴾ أي: ويجب عليهم العذاب الذي تقدم لهم في علم الله أنهم صائرون إليه بكفرهم.
ثم قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً﴾ أي: أو لم ير هؤلاء المشركون أنا خلقنا لهم من خَلْقِنَا أنعاماً، وهي المواشي والإبل، ومعنى ﴿أَيْدِينَآ﴾ أي: بقوتنا وقدرتنا كان خَلْقُنَا لَهُمْ.
[ثم قال: ﴿فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ أي: مصرفون لهم كيف شاؤوا].
ثم قالوا: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ (أي): سهلناها لهم فلا تعدو عليهم.
﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ أي: ما يركبون.
وقرأت عائشة " رَكُوبَتُهُمْ ". قال أبو عبيدة: الرَّكُوبَة تكون للواحدة والجماعة، والركوب لا يكون إلا

للجماعة.
قال البصريون: حذفت الهاء من " ركوبهم " على النسب، والأصل الهاء.
قال الكوفيون: العرب تفرق في فَعُول بين ماله الفعل، وبين ما الفعل واقع عليه، فيقولون: امرأة صبور وشكور، بغير هاء، ويقولون: شاة حَلُوبَةٌ ونَاقَةٌ رَكُوبَةٌ.
ثم قال (تعالى): ﴿وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ (أي): لحوم الإبل والمواشي.
(ثم قال تعالى): ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ﴾ يعني في أصوافها وأوبارها وجلودها وغير ذلك.
ثم قال: ﴿وَمَشَارِبُ﴾ يعني ألبانها.
﴿أَفَلاَ يَشْكُرُونَ﴾ أي: يشكرون الله على هذه النعم التي خلق (لهم).

ثم قال [تعالى: ﴿واتخذوا مِن دُونِ الله آلِهَةً﴾] يعني: هؤلاء المشركين اتخذوا الأصنام آلهة.
﴿لَّعَلَّهُمْ يُنصَرُونَ﴾، (أي): طمعاً أن ينصروهم من عقاب الله.
﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ﴾ أي: من عقاب الله، أي لا تستطيع الآلهة نصر هؤلاء المشركين ولا غيرهم.
ثم قال: ﴿وَهُمْ لَهُمْ جُندٌ مُّحْضَرُونَ﴾ [أي: هؤلاء المشركون] لآلهتهم جند محضرون عند الحساب، قاله مجاهد.
وقال قتادة: معناه محضرون في الدنيا يغضبون إذا ذكرت/ آلهتهم بسوء.
وقيل: المعنى: أنه يمثل لكل قوم ما كانوا يعبدون يوم القيامة فيتبعونه إلى

النار، فهم جند لهم محضرون معهم في النار.
ثم قال (تعالى): ﴿فَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ﴾ يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: لا تحزن من قولهم: إنك شاعر، ولا من تكذيبهم لك.
﴿إِنَّا نَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ﴾ أي: نعلم إنما يدعوهم إلى ذلك الحسد وأنهم يعلمون أنك جئتهم بالحق، ونعلم ما يعلنون من كفرهم وجحودهم لما جئتهم به.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿أَوَلَمْ يَرَ الإنسان أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ﴾ قيل: " عني به أمية بن خلف أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بعظم حائل، ففته ثم ذراه في الريح، فقال: مَنْ يُحِيي العظام وهي رميم، قاله قتادة ومجاهد.
وروى قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم أجابه، فقال له: " الله يُحْيِيكَ، ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ النَّارَ "، فَقَتَلَهُ رَسُولُ الله يَوْمَ أُحْدٍ ".

وقال ابن جبير: وهو العَاصِي بنُ وائِل السَّهْمِي.
وقيل: عني به عبد الله بن أُبَيّ.
قاله ابن عباس.
وفي هذا نزلت: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ إلى آخر السورة.
قال ابن عباس: " جاء أُبي بن خلف إلى النبي صلى الله عليه وسلم بعظم حائل بَالٍ فكسره وفته بيده، ثم قال: يا محمد، كيف يبعث الله هذا (وهو رميم)؟ (فقال له) (النبي صلى الله عليه وسلم) : " يَبْعَثُ الله هَذضا ثُمَّ يُمِيتُكَ ثُمَّ يُدْخِلُكَ جَهَنَّمَ ".

وكذلك ذكر ابن جبير في العاصي بن وائل.
وروى ابن وهب: أن الذي قال ذلك هو أبي بن خلف الجمحي.
وهو الذي قتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده فمات من طعنة رسول الله بالحربة بعد أن رجع إلى مكة.
وعن ابن عباس: أنه عبد الله بن أبي.
والسورة مكية وعبد الله بن أبي لم [يكن بمكة إنما كان بالمدينة، فأُبي بن خلف أشبه به لأنه بمكة] كان معانداً للنبي صلى الله عليه وسلم.
فالمعنى: ألم يَرَ هذا الذي قال: من يحيي العظام وهي رميم، أنا خلقناه من نطفة، وهي أضعف من العظم، فسويناه بشراً سوياً، فيعلم أن من فعل هذا قادر على إحياء العظام بعد كونها رميماً.
وقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾ أي: ذو خصومة لربه، يخاصمه فيما قال له ربه: إني فاعله، فينكره.

ثم قال: [تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾].
أي: ضرب مثلاً بالعظم الرميم، فقال من يحييه؟ وأنكر إحياءه، ونسي أنه خلق من نطفة من ماء معين حقير، فجعله الله بشراً سوياً ناطقاً.
ثم قال (تعالى): ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الذي أَنشَأَهَآ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي: قل له يا محمد: الذي خلق هذه العظام من ماء حقير مهين، هو الذي يحييها بعدما تكون رميماً.
ثم قال (تعالى): ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع خلقه، يُحيي ويُميت، ويُبدئ ويُعيد، لا يخفى عليه شيء.
يعلم ما تنقص الأرض (من) لحومهم وعظامهم وسائر جثمانهم، فيعيدها كما كانت أول مرة.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿الذي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشجر الأخضر نَاراً﴾ يعني: المَرَخُ

والعُفَّارُ، يستعمل منه الأعراب الزنود.
فالذي خلق النار واستخرجه لكم من شجر أخضر مائي - والماء ضد النار بِحَرِّهِ وَيُبْسِهِ - هو الذي يقدر على أن يحيي العظام وهي رميم.
وهذه الآية تدل على جواز القياس لأنه جَعَلَ خلق الشيء دليلاً على خلق غيره.
ثم قال (تعالى): ﴿أَوَلَيْسَ الذي خَلَقَ السماوات والأرض بِقَادِرٍ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم﴾.
هذا كله تنبيه للمُنْكِرِ للبعث، والمعنى: أوليس الذي خلق السماوات والأرضين على عظمهن وسعتهم، وما في السماوات من الآيات كالشمس والقمر والنجوم، وما في الأرض من الآيات كالبحار والجبال والشجر بقادر على أن يعيد مثل هؤلاء الذين قد صاروا رميماً، فليس إعادة الخلق بعد الموت بأعظم من (خلق) السماوات والأرض وما فيهن من الآيات، فمن لم يتعذر عليه خلق العظيم كيف يتعذر عليه خلق اليسير؟! ثم قال (تعالى): ﴿بلى وَهُوَ الخلاق العليم﴾ أي: بل يخلق مثلهم، وهوالخلاق

لما يشاء، العليم بكل (ما) خلق.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَآ أَمْرُهُ إِذَآ أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ قال قتادة: ليس من كلام العرب شيء هو أخف من كُنْ ولا أهون، فأمر الله كذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الذي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ أي: فتنزيه للذي بيده ملك/ كل شيء وخزائنه (يفعل) ما يشاء وإليه تردون بعد مماتكم وتصيرون.
قال قتادة: ملكوت كل شيء: مفاتيح كل شيء.
وملكوت وملكوتي في العرب بمعنى مِلْك.
قال نافع: " بَلَى " تمام.

وكذلك قال محمد بن عيسى والقتبي.
وقل: " مِثْلَهُمْ " التمام، والأول أحسن.
(و) " فيكون " تمام.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية وقوله (تعالى ذكره): ﴿والصافات صَفَّا﴾ إلى قوله: ﴿(بَلْ عَجِبْتَ) وَيَسْخَرُونَ﴾.
أي: ورب الصافات، وهي الملائكة بإجماع.
وهو جمع صافة، كأنها جماعات مصطفة لذكر الله وتسبيحه.
قال ابن عباس: الملائكة صفوف، لا يعرف كل منهم مَنْ إلى جانبه لم يتلفت منذ

خلقه الله.
يسبحون ويهللون ويحمدون الكله (ويمجدونه).
والزاجرات: جمع أزجرة، أي: تزجر عن معاصي الله، وهي الملائكة، قال ذلك ابن مسعود والسدي.
وقيل: الزاجرات: الملائكة تزجر السحاب، تسوقه إلى المواضع التي يريد الله سقيها، قال مجاهد والسدي أيضاً.
وقال قتادة: الزاجرات: ما زجر الله (عنه) في القرآن.
فهي أي القرآن

التي زجرنا الله بها.
قال قتادة: الزاجرات كل ما زجر عنه.
ثم قال (تعالى): ﴿فالتاليات ذِكْراً﴾.
يعني: الملائكة تتلو ذكر الله وكلامه، قاله مجاهد والسدي.
وقال قتادة: هو يُتْلَى عليكم في القرآن من أخبار الأمم قبلكم.
ثم قال: ﴿إِنَّ إلهكم لَوَاحِدٌ﴾ أي: إن معبودكم واحد.
وإن جواب القسم.
ثم قال: ﴿رَّبُّ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ أي: مالك ذلك ومدبره.
﴿وَرَبُّ المشارق﴾ أي: مَالِكُ مشارق الشمس، ومدبرها في الشتاء والصيف، وحذف ذكر المغارب لدلالة الكلام عليه لأن ذكر المشارق يدل على أن ثم مغارب.
قال السدي: المشارق ستون وثلاث مائة مشرق، والمغارب مثلها عدد أيام

السنة.
قال ابن عباس: للشمس كل يوم مشرق، وكل يوم مغرب، فتلك المشارق والمغارب، وللصيف مشرق ومغرب، وللشتاء مشرق ومغرب، فذلك كقوله: ﴿رَبُّ المشرقين وَرَبُّ المغربين﴾ [الرحمن: 17].
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السمآء الدنيا بِزِينَةٍ الكواكب﴾ من أضاف زينة فمعناه تتزين الكواكب، أي بحسنها.
ومن نوّن زينة وخفض " الكواكب "، جعل الكواكب بدلاً من زينة.
ومن نون زينة ونصب " الكواكب " أعمل زينة في الكواكب، وإن شئت جعلت " الكواكب " بدلاً (من زينة) على الموضع.

وإن شئت نصبت على إضمار: أعني.
وقرئت بتنوين " زينة " ورفع " الكواكب "، على تقدير بأن زينتها الكواكب.
ثم قال: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ أي: وحفظناها حِفْظاً.
فحِفْظٌ نصب على المصدر.
وقال بعض الكوفيين: هو مفعول من أجله، والواو زائدة.
والتقدير عنده: إنا زينا السماء الدنيا حفظاً لها، أي للحفاظ.
معنى: ﴿السمآء الدنيا﴾ السماء التي تليكم، وهي أدنى إليكم من غيرها من السماوات، ودل على ذلك على أن سائر السماوات ليس فيها من الكواكب ما في هذه السماء القريبة منا.
والمارد: العاتي الخبيث.
ثم قال (تعالى): ﴿لاَّ يَسَّمَّعُونَ إلى الملإ الأعلى﴾ أي: لا يميلون بسمعهم إلى ما تقول الملائكة (في) السماء للحفيظ الذي في السماء.
تقول: سَمِعْتُ إليه يقول كذا، أي أملت بسمعي إليه.

قال ابن عباس: (هم) لا يسمعون وهم (لا) يتسمعون.
فهذا شاهد للتخفيف.
ويدل على قوة قراءة التخفيف قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السمع لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: 212] ولم يقل عن التسمع.
ومن قرأ بالتشديد فمعناه: أنهم مُنِعُوا من السَّمع ومن التَّسَمُّعِ، وإذا مُنِعوا من السمع فهم عن التَّسَمُّعِ أعظم منعاً.
فالتسمع في النفي أبلغ.
قال ابن عباس: " كانت للشياطين مقاعد في السماء، وكانوا يسمعون الوحي، وكانت النجوم لا تجري وكانت الشياطين لا تُرْمَى.
قال: فإذا سمعوا الوحي نزلوا إلى الأرض فزادوا في الكلمة تسعاً.
قال: فلما بعث الله محمداً صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاءه سهاب فلم/ يُخْطِئه حتى يحرقه.
قال: فَشَكُواْ ذلك إلى إبليس فقال: ما هو

إلا من حَدَثٍ.
قال: " فَبَثَّ جُنودَه فإذا رسول الله قائم يصلي.
قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث ". ثم قال (تعالى): ﴿وَيُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٍ * دُحُوراً﴾ أي: ويُرْمون من كل جانب من السماء دحوراً، ودحوراً مصدر دحرته (أي) دفعته وأبعدته، قال اللهمَّ ادْحَرْ (عَنَّا) الشَّيْطَانَ، أي: ادفعه عنّا وأبعِده.
قال قتادة: " دحوراً " قذفاً بالشّهب.
وقال مجاهد: من كل مكان مطرودين.
فيقذفون مستأنف، وليس بمعطوف على يسمعون، لأنه نفي ويقذفون أيجاب.
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ أي: وللشيطان من الله عذاب دائم، قاله ابن

عباس وقتادة ومجاهد وابن زيد.
وقال أبو صالح والسدي: " واصب " موجع.
وعلى القول الأول أهل اللغة.
ثم قال: ﴿إِلاَّ مَنْ خَطِفَ الخطفة﴾ مَنْ في موضع رفع على البدل من المضمر في " يسمعون "، أو في موضع نصب على الاستثناء من المنفي عنه السمع، والبدل أحسن.
وقيل: هو في موضع نصب على الاستثناء من قوله: " ويقذفون "، لأنه إيجاب.
ويجوز أن تكون في موضع (رفع) على معنى: لكن من خطف.
ومعنى الآية: من استرق السمع من الشياطين.
﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ﴾ أي: مضيء متوقد.
ق ابن عباس: تحرقهم الشهب من غير موت ولا قتل.

قال السدي: يحرقه حين يرمى به.
قال الضحاك: للشياطين أجنحة بها يطيرون إلى السماء.
يقال: إذا أخذ الإنسان الشيء بسرعة خَطَفَه وخَطِفَهُ واخْتَطَفَهُ وتَخَطَفَه.
وأصله: اختطفه، ثم أدغمت التاء في الطاء (وأُلْقِيَت حركتها على الخاء فاستغني عن ألف الوصل، ويقال: خطفه وأصله أيضاً اختطفه وأُدْغِمت التاء في الطاء) وحُذِفَتْ حركتها.
ثم حُرِّكَت الخاء إلى الكسر لإلتقاء الساكنين واستغني عن ألف الوصل أيضاً، ويقال: خطفه على هذا التقدير، إلا أنه كسر الطاء اتباعاً لكسرة الخاء.
أجاز يعقوب (أن نقف على:) " من كل جانب ". ومنعه غير لأنه قام مقام العامل في دحوراً.
التمام " دحوراً ".

والشهب التي يرمون بها ليست من الكواكب الثابتة، لأنها نراها ونرى حركتها، فهي أقرب إلينا من الكواكب الثابتة، ولذلك لا نرى حركات الكواكب الثابتة، وهي تجري بلا شك، لكن لا يُرى جريها لبعدها منا.
ثم قال (تعالى): ﴿فاستفتهم أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقاً [أَم مَّنْ خَلَقْنَآ]﴾ أي: سل يا محمد هؤلاء المشركين المنكرين للبعث، أهم أشد خلقاً أم من تقدم ذكره من الملائكة والسماوات والأرضين والجن؟.
وفي قراءة ابن مسعود " (أَمْ) مَنْ عَدَدْنَا ". ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُم مِّن طِينٍ لاَّزِبٍ﴾ إي: لا حق علك، يعني آدم لأنه خُلِق من ماء وتراب و (نار) وهواء.
والعرب تقول للذين يلزق هو لازب، ولازم، ولابث.

قال ابن عباس: اللازب الحر الجيد اللازق.
وقال ابن جبير: اللازب الجيد.
وقال قتادة: اللازب اللزق الذي يلتزق باليد.
وهو قول ابن زيد.
ثم قال (تعالى ذكره): ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ أي: عجبت يا محمد مما يأتون به من إنكارهم للتوحيد وللبعث، وهم يسخرون.
ودليل إضافة العجب إلى النبي صلى الله عليه وسلم قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5].
فأما من ضم التاء فإنه أضاف العجب إلى الله جل ذكره، والعجب منه تعالى ذكره مخالف للعجب من عباده، لأن العجب من الخلق إنما هون أن يطرأ عليهم ما لم يكونوا يظنون فيعجبون منه، وهذا لا يضاف إلى الله لأنه

تعالى بجميع الأشياء، ولكن معناه (من الله) جل ذكره، بل جعلته عجباً ورأيت من أفعالهم ما يُتَعَجَّبُ منه وظهر منه عجب، ودليله قوله: ﴿فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ [الرعد: 5]، أي: فقولهم مما يجب أن يعجب منه.
وقيل: المعنى: قل يا محمد: بل عَجِبْتُ.
فيكون مضافاً إلى النبي كفتح التاء.
والمعنى على قول قتادة: عجب محمد من هذا القرآن حين أعطيه، وسخر منه الكفار.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَإِذَا ذُكِّرُواْ لاَ يَذْكُرُونَ * وَإِذَا رَأَوْاْ آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ إلى قوله ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾.
أي: وإذا ذُكِّرَ هؤلاء/ الكفار بالله وأياته وخُوِّفوا عذابه، لا يذكرون ولا يخافون، وإذا رأوا آية من آيات القرآن يهزؤون.
ثم قال: ﴿وقالوا إِن هاذآ إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ﴾ أي: وقال المشركون ما هذا الذي جئتنا به

إلا سحر مبين لمن تأمله ورآه أنه سحر.
ثم قال: ﴿أَءِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ أي: قالوا: أَنُبْعَث إذا كنا تراباً، وعظاماً في التراب.
﴿أَوَ آبَآؤُنَا الأولون﴾ أي: أَوَ يبعث آباؤنا الماضون، أَنْكَروا البعث فقال (الله) جل ذكره لنبيه.
﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنتُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: قل يا محمد لهم: نعم تبعثون من قبوركم وأنتم صاغرون.
ثم قال (تعالى): ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ أي: صيحة واحدة، وذلك هو النفخ في الصور.
﴿فَإِذَا هُمْ يَنظُرُونَ﴾ أي: شاخصة أبصارهم/ ينظرون إلى ما كانوا يوعدونه من قيام الساعة.
وقيل: " ينظرون " معناه: ينظر بعضهم بعضاً.
وقيل: معناه ينتظرون ما يفعل بهم.

ثم قال: ﴿وَقَالُواْ ياويلنا هذا يَوْمُ الدين﴾ أي: وقال هؤلاء المذكذبون بالبعث لما عاينوا ما كانوا يوعدون: يا ويلنا هذا يوم الجزاء والحساب - وقد تقدم ذكر معنى الويل -، فقالت لهم الملائكة: ﴿هذا يَوْمُ الفصل الذي كُنتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ أي: يوم القضاء بين الخلق.
والوقف على: " الدين " حسن لأن ما بعده من قول الملائكة لهم.
وأجاز أبو حاتم أن نقف على " يا ويلنا "، على أن يكون " هذا يوم الدين " وما بعده قول الملائكة لهم.
ثم قال: ﴿احشروا الذين ظَلَمُواْ وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: فيقال: اجمعوا الذين ظلموا في الدنيا وأشياعهم على الكفر بالله.
﴿وَمَا كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ من دون الله من الأصنام والأوثان.
قال ابن عباس: " وأزواجهم " نظراؤهم وأبتاعهم في الظلم.
وقال قتادة وأبو العالية: (" وأزواجهم ") أشياعهم، الكفار مع الكفار.
وقال ابن زيد: " وأزواجهم " في الأعمال.
وقال مجاهد: " وأزواجهم " أمثالهم.

وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ: الزاني مع الزاني، وشرب الخمر مع شارب الخمر، وصاحب السرقة مع صاحب السرقة.
وقال أهل اللغة: أزواجهم قرناؤهم، (و) منه زوجت الرجل، (أي) قرنته بامرأته.
ثم قال (تعالى): ﴿فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم﴾ أي: فأرشدوهم ودولهم إلى طريق جهنم.
والجحيم: الباب الرابع من أبواب النار.
ثم قال (تعالى): ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ أي: واحبسوهم أيها الملائكة إنهم مسؤولون.
روي عن ابن مسعود أنه قال: يقال لهم: هل يعجبكم ورود الماء؟ فيقولون: نعم، فيريهم جهنم وهي كهيئة السراب.
وقيل: المعنى أنهم مسؤولون عما كانوا يعبدون من دون الله.

ثم قال: ﴿مَا لَكُمْ لاَ تَنَاصَرُونَ﴾ أي: لا ينصر بعضكم بعضاً كما كنتم تعلمون في الدنيا.
﴿بَلْ هُمُ اليوم مُسْتَسْلِمُونَ﴾ أي: مستسلمون لأمر الله وقضائه، فهم موقنون بعذبه.
ثم قال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾.
قال قتادة: أقبل الإنس على قرنائهم من الجن يتساءلون، قال الإنس للجن: ﴿قالوا إِنَّكُمْ كُنتُمْ تَأْتُونَنَا عَنِ اليمين﴾ أي: من قبل الدين (والحق) فتخدعوننا بأقوى الوجوه.
واليمين: القوة والقدرة في كلام العرب.
وقيل: معنى ﴿(عَنِ) اليمين﴾ من جهة إيماننا لأن إبليس اللعين قال: ﴿ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ﴾ [الأعراف: 17].
فمن أتاه الشيطان

(من) عن يمينه أتاه من قبل الذين فيلبس عليه الحق، ومن أتاه (من) عن شماله أتاه من جهة الشهوات، ومن اتاه من بين يديه أتاه من جهة التكذيب بالجزاء والبعث، ومن أتاه من خلفه أتاه من جهة الفقر على نفسه وعلى من يخلفه بعده.
وعن اليمين: من قبل الدين أيضاً.
(وهو أيضاً) قول مجاهد والسدي وابن زيد.
وقال قتادة أيضاً: " عن اليمين ": من قبل الخير فتنهوننا عنه.
وقال السدي: " عن اليمين ": من قبل الدين، به يزينون لنا بالباطل ويصدوننا عن الحق.
وليس هذا بمناف لقوله: ﴿فَلاَ أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلاَ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الأنبياء: 10]، لأن معنى هذا: لا يتساءلون بالأنساب والأرحام

كما كانوا في الدنيا فيقول بعضهم لبعض: أسألك بالله والرحم.
وقيل: معنى قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ﴾ عنى به المشركين، يقول بعضهم لبعض: كنتم تأتوننا عن اليمين، أي: من الجهة التي نحبها ونتفاءل بها.
والعرب تتفاءل/ بما جاء عن اليمين وتسميه السانح.
وقل: معنى: تأتوننا إتيان من إذا حلف لنا صدقناه.
فأجابوهم فَقَالُوا (لهم) ﴿بَلْ لَّمْ تَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: مقرين بتوحيد الله.
﴿وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾ أي: من قدرة ولا حجة فنصدكم بها عن الحق والإيمان، ﴿بَلْ كُنتُمْ قَوْماً طَاغِينَ﴾ (أي طاغين) على الله، متعدين إلى ما ليس لكم بحق (من) معصية الله.

قال قتادة: هو من قول الجن للإنس.
ثم قال (تعالى): ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَآ إِنَّا لَذَآئِقُونَ﴾ أي: فوجب علينا/ عذاب ربنا إنا لذائقون نحن وأنتم العذاب، هذا خبر من الله جل ذكره عن قول الجن والإنس.
ثم قال: ﴿فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ﴾ أي قالت الجن للإنس: فأضللناكم عن الحق بالوسوسة والاستدعاء والتزيين، أو كنا ضالين.
قال الله جل (ثناؤه) وذكره: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي العذاب مُشْتَرِكُونَ﴾ أي: كما اشتركوا في الدنيا في الكفر بالله والضلال، كذلك يشتركون في الآخرة والعذاب.
قال ابن زيد: اشترك المشركون والشياطين في عذاب جهنم.
ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بالمجرمين﴾ أي: يقول الله جل ذكره: إنا هكذا نفعل بالذين اكتسبوا الكفر والمعاصي في الدنيا، ثم بَيَّنَ أَنّ مِنْ كُفرهم أنهم كانوا إذا قيل لهم: لا إله إلا الله، يستكبرون، أي: إذا قيل لهم في الدنيا: قولوا لا إله إلا الله، يستكبرون عن قولها، أي: يتعظمون، وحذفت قولوا لدلالة الكلام عليها.
قال السدي: يعني بذلك المشركين خاصة.

قال عمر بن الخطاب: احضروا موتاكم ولقنوهم: لا إله إلا الله، فإنهم يرون ويسمعون.
ثم قال (تعالى): ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لتاركوا آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَّجْنُونٍ﴾ أي: وكانوا في الدنيا - يعني المشركين - (يقولون): أنترك عبادة الأصنام والأوثان، لما يأمر به شاعر مجنون من أن نقول: لا إله إلا الله، يعنون بذلك محمداً صلى الله عليه وسلم.
قال الله جلَّ ذكره: ﴿بَلْ جَآءَ بالحق وَصَدَّقَ المرسلين﴾ أي: بل جاء محمد صلى الله عليه وسلم بالحق ولم يأت بشعر، وصَدَّقَ بما جاء به المرسلون، أي: كتبهم، لأن في كتب المرسلين قبله أنه سيبعث بكتاب من عند الله، وفي ما جاء به محمد ذكر المرسلين وتصديقهم بما أتوا به من كتب.
ثم قال (تعالى): ﴿إِنَّكُمْ لَذَآئِقُو العذاب الأليم﴾ أي: إنكم أيها القائلون

لمحمد صلى الله عليه وسلم: ( شاعر مجنون، والمتعظمون عن قول: لا إله إلا الله)، لذائقوا العذاب الموجع في الآخرة.
﴿وَمَا تُجْزَوْنَ إِلاَّ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: ثواب عملكم في الدنيا.
ثم قال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ الله المخلصين﴾ أي: إلا عباد الله الذين أخلصهم يوم خلقهم لرحمته، فإنهم لا يذقون العذاب الأليم.
ومن قرأ بكسر اللام فمعناه: إلا عباد الله الذين أخلصوا له العمل والتوحيد.
ثم قال: ﴿أُوْلَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ﴾.
قال قتادة: هو الجنة.
وقيل: هو الفواكه التي خلقها (الله) لهم في الجنة.
ثم قال: ﴿فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ أي: الرزق المعلوم كونهم ذوي فواكه وإكرام الله لهم بكرامته في جنات (النعيم).

قال مالك بن دينار: بلغني أن جنات النعيم بين جنان الفردوس وبين جنان عدن، وأن فيها جواري خلقن من وَرْدِ الجنة، وأن سكانها (الذين) إذا هموا بالمعاصي ذكروا عظمة الله فراقبوه، والذين تنثني أصلابهم من خشية الله، والذين يجوعون ويعطشون من مخافة الله، وأنه يصرف العذاب عن الناس بهم.
ثم قال: ﴿على سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ أي: بعضهم يقابل بعضاً، لا ينظر بعضهم إلى قفا بعض والسرر جمع سرير.
قوله (تعالى ذكره): ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ﴾ إلى قوله: ﴿مِنَ المحضرين﴾.
أي: يطوف عليهم الخدم بكأس من خمر جارية، قاله قتادة وغيره.
وحكى أهل اللغة أن العرب تقول للقدح إذا كان فيه خمر: كأس، فإذا لم

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل