الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
﴿كُلَّ كَفُورٍ﴾.
وقال محمد بن الحنيفة: إنّ أمة محمد صلى الله عليه وسلم مرحومة: الظالم مغفور له، والمقتصد في الجنات عند الله جلّ ذكره وثناؤه، والسابق بالخيرات في الدرجات عند الله جلّ ذكره.
وروي عن عمر وعثمان وأبي الدرداء وعقبة بن عمرو وعائشة رضي الله عنها أنهم قالوا: الثلاثة في الجنة ما لم يكن الظالم كافراً أو فاسقاً، أو منافقاً.
وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: الكتاب الذي أورث هؤلاء: شهادة أن لا إله إلاّ الله وهو قول مجاهد.
وروي أن كعب الأحبار لما أسلم قالت يهود: ما حملك على رأيك الذي رأيت؟ ألم تكن سيدننا وابن سيدنا في أنفسننا؟، قال لهم: أتلوموني إن كنت من أمة وجت مجتهدهم يدخل الجنة بغير حساب، ووجدت مقتصدهم يحاسب حساباً يسيراً،
ووجدت ظالمهم يغفر له ذنبه.
وعن عائشة أنها قرأت هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الكتاب الذين اصطفينا﴾ فلما بلغت: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾، قالت: دخلت - ورب الكعبة - هذه الأصناف الثلاثة الجنة، فلما دخلوها واستقروا بها قالوا: ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾، أي: حزن ما عيانوه من أهوال الموقف.
وقيل: قالوا ذلك حين أيقنوا بذهاب الموت وأمنوا، فذهاب الموت وفقده حسرة على أهل النار وفرحة لأهل الجنة.
وقيل: الحزن أنهم علموا أعمالاً في الدنيا كانوا في حزن ألاّ تقبل منهم، فلما قبلت زال الحزن.
وقال ابن عباس: المصطفون/ أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
قال: فالظالم لنفسه: المنافق وهو في النار، والمقتصد والسابق في الجنة.
وروي عن ابن عباس أيضاً أنه قال: جعل الله أهل الآية على ثلاث منازل، كقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشمال مَآ أَصْحَابُ الشمال﴾ [الواقعة: 41].
﴿وَأَصْحَابُ اليمين مَآ أَصْحَابُ اليمين﴾ [الواقعة: 27].
﴿والسابقون السابقون أولئك المقربون﴾ [الواقعة: 10 - 11] قال عكرمة اثنان في الجنة وواحد في النار.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: " فمنهم ظالم لنفسه ": هذا المنافق، " ومنهم مقتصد ": هذا صاحب اليمين، و " منهم سابق بالخيرات ": هذا المقرب.
وروى ابن وهب أن عثمان بن عفان قال: سابقنا أهل الجهاد منا.
ومقتصدنا أهل حاضرنا، وظالمنا أهل بدون.
وقال قتادة: الناس ثلاث منازل في الدنيا، وثلاث منازل عند الموت، وثلاث منازل في الآخرة.
أما الدنيا فمؤمن ومنافق ومشرك، وأما عند الموت فمقرب وصاحب يمين وضال.
وقرأ: ﴿فَأَمَّآ إِن كَانَ مِنَ المقربين﴾ إلى: ﴿وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ﴾ [الواقعة: 88 - 94]، وأما في الآخرة فصاحب يمين وصاحب شمال وسابق.
ثم قرأ: ﴿فَأَصْحَابُ الميمنة مَآ أَصْحَابُ الميمنة * وَأَصْحَابُ المشأمة مَآ أَصْحَابُ المشأمة * والسابقون السابقون * أولئك المقربون﴾ [الواقعة: 8 - 11].
فالضمير المرفوع في ﴿يَدْخُلُونَهَا﴾ على هذه الأقوال يعود على المقتصد والسابق.
وعلى الأقوال الأولى يعود على الأصناف الثلاثة.
وقد قيل: إن المصطفين هنا: الأنبياء، والظالم لنفسه: المكتسب منهم الصغائر، وهذا قول شاذ، والأول أشهر.
قال المبرد: المقتصد: الذي يعطي الدنيا حقها والآخرة حقها.
وقيل: الظالم هنا صاحب الكبائر، والمقتصد الذي لم يستحق الجنة بزيادة حسناته على سيآته، فيكون ضمير يدخلونها يعود على السابقين بالخيرات لا غير.
وروي عن بن عباس: أن الكتاب هنا كل كتاب أنزل.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ هُوَ الفضل الكبير﴾ أي: هو الذي وفق هذا، له من عمل الخيرات فضل كبير من الله عليه.
ويجوز أن يكون المعنى هذا الذي أورث الله هؤلاء من الكتاب فضل كبير من الله عليهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ﴾ إلى قوله: ﴿مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: بساتين إقامة لا زوال منها، يدخل هؤلاء المتقدمون ذكرهم، على ما ذكرنا من الاختلاف في الآية التي قبلها، ورجوع الضمير على الكل أو على البعض.
ثم قال: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ﴾ أي: يلبسون ذلك في هذه البساتين.
وأساور جمع الجمع واحده أَسْوِرَة، وواحد أَسْوِرَة سَوار وسِوَار لغتان فيه.
وحكي إِسْوَارٌ، وجمعه أساوير.
وفي حرف أُبَيّ: " أساوير " على هذا المعنى.
وقال بعض أهل اللغة: قوله: ﴿مِنْ عِبَادِنَا﴾ عام في النساء والرجال، وقوله: ﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا﴾ يعني به النساء خاصة، وهو غلط لأنه كان يجب أن يقول يحلين، ولكن هو للرجال.
ويجوز أن يكون لها جميعاً فيغلب المذكر على المؤنث.
ثم قال: ﴿وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾ من خفض فعلى العطف على " أساور ". ومن نصب فعلى مومضع " أساور ".
وروي أن كل واحد يحلّى في يده ثلاث أسوِرة: واحد من فضة، وآخر من ذهب، وآخر من لؤلؤ، والذهب في الوسط في كل يد.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾.
قال ابن عباس: الحزَن: حزن دخول النار، وهو قول الحسن.
وقال عطية الحزنَ: الموت.
وقال شمر: الحزنَ: حزن الخبر.
وقال قتادة: كانوا في الدنيا يعملون وينصبون وهم في حزن فحمدوا الله على ذهاب ما كانوا فيه.
وروى أبو الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أَمَّا الظَّالِمُ لِنَفْسِهِ فَيُصِيبُهُ فِي ذَلِكَ المَكَأنِ مِنَ الغَمِّ وَالحُزْنُ فَذَلِكَ قَوْلُهُم: الحَمْدُ للهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ " يعنون ما كانوا فيه - في الموقف - من الخوف.
وقال الزجاج: معناه الذي أذهب عنا الغم بالمعيشة، والخوف من العذاب وتوقع الموت.
وقيل: هو عام في جميع الحزن.
وقيل: الحزن هو أعمال عملوها من الخير فكانوا تحت خوف منها أن تقبل منهم أولا تقبل، فلما قبلت حمدوا الله على ذلك.
وروى زيد بن أسلم عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لَيْسَ عَلَى أَهْلِ لا إِلَهَ إِلاّ الله وَحْشَةٌ فِي قُبُورِهِم وَلا يَوْمَ نُشُورِهِمْ، وَكَأَنِّي بِأَهْلِ لا إِلَهَ إلاَّ اللهَ
يَنْفُضُونَ التُّرابَ/ عَنْ رُؤُوسِهِمْ يَقُولُونَ: الحَمْدُ للهِ الَّذي أَذْهَبَ عَنَّا الحَزَنَ ".
ثمّ قال: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾ قيل: إنه من قول الثلاثة الأصناف.
قال قتادة: غفور لذنوبنا شكور لحسناتنا.
قال شمر: غفر لهم ما كان من ذنب وشكر لهم ما كان من عمل.
وقيل: هو من قول الظالم لنفسه، أي: غفر الذنب الكثير وشكر العمل القليل.
رواه أبو الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث المتقدم ذكره في قوله: ﴿أَوْرَثْنَا الكتاب﴾.
وذكر ابن وهب عن أبي رافع أنه قال: بلغنا أنه يُجاء لابن آدم يوم القيامة بثلاثة دواوين، ديوان فيه الحسنات، وديوان فيه النِّعم، وديوان فيه السيّئات، فيقال لأصغر تلك النّعم: قومي فاستوفي ثمنك من الحسنات فتستوعب عمله ذلك كله فتبقى ذنوبه والنّعم كما هي، فمن ثم يقول العبد: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ﴾.
وعن ابن عباس أنه قال: السابق بالخيرات يدخل الجنة بغير حساب، والمقتصد
يُحاسب حساباً يسيراً، والظالم لنفسه يحاسب حساباً شديداً ويحبس حبساً طويلاً.
فإذا أدخل هؤلاء الظلمة لأنفسهم الجنة قالوا: الحمد لله الذي أذهب عنّا الحزَنَ - الذي كنا [فيه] حين حبسنا - إنّ ربنا لغفور شكور، غفر الذنوب العظيمة وشكر العمل القليل.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿الذي أَحَلَّنَا دَارَ المقامة مِن فَضْلِهِ﴾ أي: أنزلنا وأدخلنا دار الإقامة.
والمقامة والإقامة سواء، وهي الجنة.
﴿لاَ يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ﴾ أي: تعب ولا وجع.
﴿وَلاَ يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ أي: عياء.
يقال: لغب يلغبُ لُغُوباً.
قال ابن عباس: اللغوب: العياء.
والنَّصبُ بفتح النونو والصاد التعب والنُّصْبُ بضم النون وتسكين الصاد: الشَّرُّ، والنُّصُبُ بضمّتين: ما يُنصَبُ لذبح أو غيره.
وقرأ أبو عبد الرحمن: " لَغوب " بفتح اللام جعله مصدراً كالوَقود والطَّهور.
وقيل: هو ما يغلب منه.
ثم قال تعالى: ﴿والذين كَفَرُواْ لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ يقضى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُواْ﴾ قال قتادة: لو ماتوا استراحوا، ولكن لا يموتون.
ثم قال: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ أي: لا ينقص عنهم من النوع الذي هم فيه من العذاب.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ﴾ أي: نكافئ كلّ جَحُود لنعمة ربه يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا﴾ أي: يستغيثون فيها ويضجون، ويسألون الرجعة إلى الدنيا ليعلموا صالحاً، فيقال لهم: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ﴾.
قال ابن عباس: هو أربعون سنة أعذر الله فيه لابن آدم، وقاله مجاهد.
وقال مسروق: إذا بلغ أحدكم أربعين سنة فليأخذ حذره من الله جلّ ثناؤه.
وقيل: هي ثماني عشر سنة.
وعن ابن عباس أيضاً: إنها ستون سنة، وهو قول علي بن أبي طالب.
وروي عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذَا كَانَ يَوْمُ القِيَامَةِ نُودِيَ أَيْنَ أَبْنَاءُ السِّتِّينَ وَهُوَ العُمْرُ الَّذِي قَالَ اللهُ تَعالَى ذِكرُهُ: أَوَ لَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ ".
وروى أبو هريرة أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: " لَقَدْ أَعْذَرَ اللهُ فِي العُمْرِ إِلَى صاحبِ السِّتِّينَ سنَة والسَّبْعِينَ ".
ثم قال: ﴿وَجَآءَكُمُ النذير﴾.
قال ابن زيد: هو محمد صلى الله عليه وسلم، وقرأ: ﴿هذا نَذِيرٌ مِّنَ النذر الأولى﴾ [النجم: 56].
وقيل: هو الشّيب.
والمعنى عمرتهم هذا العمر فلم تتعظوا ولم تعملوا ولم تؤمنوا.
ثم قال: ﴿فَذُوقُواْ﴾ أي: عذاب جهنّم.
﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾ أي: ما لهم من ينصرهم من عذاب الله فيستنقذهم منه.
قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الله عَالِمُ غَيْبِ السماوات﴾ إلى قوله: ﴿لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾.
أي: يعلم ما يخفى جميع الخلق وما يسرّون، وما لم يخفوه.
﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور﴾ أي: ما تخفون في أنفسكم.
ثم قال: ﴿هُوَ الذي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ فِي الأرض﴾ أي: استخفلكم في الأرض بعد الأمم الماضية.
قال قتادة: أمة بعد أمة وقرناً بعد قرن.
وفيه معنى التنبيه والتخويف أن يصيبهم مثل ما أصاب الأمم قبلهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: على نفسه ضرر كفره راجع، مثل: ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: 46].
وقيل: معناه: فعليه جزاء كفره.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ إِلاَّ مَقْتاً﴾ أي: بعداً من الله ورحمته.
﴿وَلاَ يَزِيدُ الكافرين كُفْرُهُمْ إِلاَّ خَسَاراً﴾ أي: هلاكاً.
والمقت/ عن أهل اللغة أشد البغض.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَآءَكُمُ﴾ أي: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أخبروني عن شركائكم الذين تدعون من دون الله، ﴿مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الأرض﴾، أي: هل خلقوا شيئاً، ﴿أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السماوات﴾ - إن لم يكونوا خلقو في الأرض شيئاً - أم أعطاكم الله كتابً أن تشركوا بها، وتعبدونها من دون الله، فأنتم على حجج من عبادتكم لها إن كان معكم شيء من ذلك، فهل عبدتموها لأمر من هذه الأمور: فيقوم لكم بذلك عذر، أم عدبتموها لا لمعنى، فتظهر لكم خطايكم.
وكذلك فعلوا، ألا ترى أنهم لم يجدوا حجة من عبادتهم لها إلا أن ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 53].
ومعنى " أرأيتم " عند سبيويه: أخبروني عن كذا، على (معنى) التوقيف، وأجاز سيبويه: " قد عَلِمْتُ زَيْدٌ أبو مَنْ هُوَ " بالرفع لأن زيداً في المعنى مستقفهم عنه، ولو جعلت موضع علمت أرأيت، لم يجز الرفع لأنه بمعنى أخبرني عن زيد، فلا يصلح أن يعلق، إذْ خرج عن حد ما يدخل على الابتداء والخبر، وحسن تعليق علمت لأنها داخلة على الابتداء والخبر.
ثم قال: ﴿بَلْ إِن يَعِدُ الظالمون بَعْضُهُم بَعْضاً إِلاَّ غُرُوراً﴾ أي: ليس لآلهتهم شيء من هذه الخِلال،، فقولهم: ما نعبد آلهتنا إلا لتقربنا إلى الله زلفى خداع من بعضهم لبعض، وحس إضافة الشركاء إليهم لأنهم هم اختلقوها وجعلوها شِرْكاً لله.
و" بَيّنَت " في الحظ بالتاء، وذلك يدل على أنه جمع لأنه لو كان واحداً لم يكتب
بالتاء لأنه مُنَوَّنٌ، وإنَّ ما وقع بالتاء من هذا النوع ما كان غير منونٍ نحو " رَحْمَتِ رَبّي ". و [. . .] الله وشبه ذلك.
وأيضاً فإن كثيراً من المصاحف كتبت " بيِّنَاتِ " فيه بألف قبل التاء فمن قرأ بالتوحيد فلا يخلو من أن يكون خالف الخط، ومخالفته لا يتجوز، أو تكون قراءة على لغة الذين قالوا في طلحة: طلحت فوقفوا بالتاء، هي لغة شاذة.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ أي: لئلا تزولا عن مكانهما.
﴿وَلَئِن زَالَتَآ﴾ قال الفراء: " لئن " بمعنى لو.
والمعنى: ولو زالتا.
وحسن ذلك عنده لأن: (لئن ولو) تجابان بجواب واحد فشبيهتان في المعنى.
قال قتادة: " أن تزولا ": أي من مكانهما.
وروي أن رجلاً جاء إلى عبد الله، فقال له: من أين جئت؟ فقال من الشام، فقال: مَنْ لَقِيتَ؟ قال: لقيت كعباً، قال: ما حدثك كعب؟ قال: حدثني أن السماوات تدور على منكب ملك، قال: فصدقته أو كذبته؟ قال: ما صدقته ولا كذبته، قال: لوددت أنك افتديت من رحلتك إليه براحلتك ورحلها، كذب كعب، إن الله يقول:
﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات﴾ الآية.
وروي عنه أن الرجل قال له: قال كعب: إن السماء في قطب كقطب الرحى، [والقطب عمود]، والعمود على منكب ملك.
وقيل: إن المعنى أن النصارى لما قالت: إن المسيح ابن الله، وقالت اليهود عزي ابن الله كادت السماوات أن تنفطر، وكادت الجبال أن تزول، وكادت الأرض أن تنشق، فأمسك الله جل ذكره ذلك حِلْماً منه وأنَاةً وتفضلاً، وهو قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً﴾ [مريم: 90 - 91].
وقوله جل ذكره: ﴿وَلَئِن زَالَتَآ﴾ يعني به يوم القيامة لأنها تزول فيه.
س
وقيل: إن المعنى: لو وقع هذا، على ما ذكرنا عن الفراء.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ أي: حليماً عن مَنْ عصاه أن يعالجه بالعقوبة، فإمساكه السماوات والأرض والجبال عند قولهم ذلك، وإضافتهم الولد إليه مِن حلمه، غفوراً لمن تاب من كفره.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: أقسم هؤلاء المشركون أشد
الإيمان وأبلغها.
﴿لَئِن جَآءَهُمْ نَذِيرٌ﴾ ينذرهم بأس الله ﴿لَّيَكُونُنَّ أهدى مِنْ إِحْدَى الأمم﴾ أي: ليكونن أسلك لطريق الحق واتباع الرسول من إحدى الأمم الماضية، فلما جاءهم نذير وهو محمد صلى الله عليه وسلم ازدادوا في كفرهم وغيهم ونفروا عن الأيمان أكثر مما كانوا قبل أن يأتيهم، استكباراً منهم في الأرض وأنفة أن يُقِرُّوا بنبوة محمد صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَكْرَ السيىء﴾ أي: وخدعة سيئة، وذلك أنهم صدوا الضعفاء عن اتباعه مع كفرهم به.
قال قتادة: " ومكر السيء " هو الشرك.
وأصل المكر السيء في اللغة الكذب/ والخديعة بالباطل.
وقوله " جهد " نصبه على المصدر، أي: جهدوا في مبالغة الإيمان جهداً.
" واستكباراً " ومكراً " انتصبا على أنهما مفعولان من أجلهما، أي فعلوا ذلك لهذا أي للاستكبار والمكر.
وأكثر النحويين على رد قراءة حمزة بإسكان همزة " السَّيِّءْ في الوصل ".
وقال قوم: هو جائز في كلام العرب سائغ، وإنما فعل ذلك في الوقف، فوصل على نبية الوقف كما أثبت هاء السكت وألف " أنا " في الوصل من أثبتهما على نية الوقف.
وقال قوم: إنما أسكن استخفافاً لأنه قد اجتمع في الكلمة ياءان: الثانية مكسورة، والكسرة مقام ياء، وبعد ذلك همزة، وهي ثقيلة، فأسكن لاجتماع هذه الثقل.
وقد خففت العرب كسرتين نحو: إِبِلٍ " " وإِطِلٍ "، فقالوا: إِبْلٍ وإِطْلٍ، وخففوا ضمتين فقالوا: " رُسُلٍ وسُبُلٍ ". فشبهوا حركة الإعراب بحركة البناء عند اجتماع كسرتين على حرفين ثقيلين قبلهما حرف ثقيل.
وقيل: إنه إنما كان يخفي الحركة ول
يسكن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَحِيقُ المكر السيىء إِلاَّ بِأَهْلِهِ﴾ أي: لا يحل مكروه الباطل وعقوبته إلاّ بمن فعله.
ثم قال: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّتَ الأولين﴾ أي: سنتنا في إهلاكه الأمم الماضية على كفرهم.
﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَبْدِيلاً﴾ أي: لا تجد يا محمد لعادة الله في إهلاك الكفار تغييراً.
﴿وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ الله تَحْوِيلاً﴾ أي: انتقالاً: بل ينتفقم منهم، وينزل عليهم سخطه، فإن أمهلهم وأملى لهم فلا بد من عادة الله فيهم بالانتقام كما مضت فيمن كان قبلهم من الأمم.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ إلى آخر السورة.
أي: أولم يسر هؤلاء المشركون من قومك يا محمد في الأرض، فينظروا عاقبة الأمم الذين كذبوا الرسل من قبلهم، فيتعظوا ويزدجروا عن إنكارهم لنبوتك وتكذيبك فيما جئتهم به، ويخافوا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك الأمم من العقوبات.
والمعنى: أنهم قد ساروا ونظروا لأنهم كانوا تجاراً إلى الشام، فيمرون على مدائن قوم لوط وغيرها من المدن التي أهلك الله قومها لكفرهم بالرسل، كما تقول للرجل ألم أحسن إليك؟ أي: قد أحسنت إليك.
ثم قال: ﴿وكانوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ أي: وكان أولئك الأمم أشد من هؤلاء قوة في الأبدان والأموال والأولاد، فلم ينفعهم ذلكإ ذ كفروا، فأحرى أن لا ينتفع هؤلاء بقوتهم وكثرة أموالهم وأولادهم إذ هم دون أولئك.
ثم قال: ﴿قُوَّةً وَمَا كَانَ الله لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض﴾ أي: لم يكن شيء يفوت الله بهرب ولا غيره، بل كان تحت قبضته فلا محيص عنه ولا مهرب في السماوات ولا في الأرض.
بل هذا وعيد وتهديد وتخويف لمن أشرك بالله وكذب محمداً عليه السلام.
ثم قال: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً﴾ أي: بخلقه وما هو كائن، ومَنِ المستحق منهم تعجيل العقوبة، ومن هو راجع عن ضلالته ممن يموت عليها.
﴿قَدِيراً﴾ أي: قادراً على جميع ذلك لا يتعذر عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ﴾ أي: لو عجل الله عقوبة بني آدم الآن بظلمهم لم يبق أحد إلا هلك، ولكن يؤخر عقابهم إلى وقت معلوم، وهو الأجل المسمى الذي لا يتجاوزونه ولا يتقدمون قبله.
قال قتادة: فعل الله ذلك بهم مرة في زمن نوح فأهلك ما على ظهر الأرض من
دابة، إلا ما حمل نوح في السفينة.
قال أبو عبيدة: " مِنْ دَابَّةٍ " يعني الناس.
وقيل: هو الناس وغيرهم مما يدب.
قال ابن مسعود، كاد الجُعَلُ يعذب بذنب بني آدم ثم تلا: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس﴾ الآية.
وذكر ابن وهب عن الليث بن سعد أنه قال: إن رجلاً زنى بامرأة في عهد (موسى) عليه السلام فمات في تلك الليلة لذنبهما مائة ألف من بني إسرائيل، فدل الله هارون على مكانهما فاتنظمهما بحربة، ثم أقبل بهما على بني إسرائيل، وأقبل الدم حتى إذا دنا من يد هارون استدار حتى عاد كالترس ولم يصب الدم مِنْ يَدِ هارون.
ثم قال: ﴿فَإِنَّ الله كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيراً﴾ أي: إذا جاء وقتهم فهو تعالى بصير بمن يستحق العقوبة ومن يستوجب الكرامة.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى (ذكره): ﴿يس * والقرآن الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.
قال ابن أبي ليلى: لكل شيء قلب وقلب القرآن يس، من قرأها نهاراً كُفِي همه، ومن قرأها ليلاً كُفِي ذنبه.
وقال شهر بن حوشب: يقرأ أهل الجنة وطه ويس فقط.
روى عن عقبة بن عامر أنه كان يحدث: (أن) النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ قَرَأَ يَس فَكَانَّما قَرَأَ القُرْآنَ عَشْرَ مَرَّاتٍ " من رواية ابن وهب.
قرأ عيسى بن عمر: " يَاسِينَ " بفتح النون، جعله مبنياً على الفتح، ويجوز أن يكون فتح لالتقاء السكانين، وأراد به الوصل واختار الفتح، كما قالوا: كيف وأين.
وأجاز سيبويه أن يكون مفعولاً به على معنى: اقرأ ياسين، أو: اذكر ياسين.
لكنه لم ينصرف لأنه اسم للسورة، فهو اسم أعجمي عنده كهابيل.
وذكر الفراء: كسر النون لالتقاء الساكنين كما قالوا: جَيْرٍ لا أَفْعَل.
قال ابن عباس: " يس " قسم أقسم الله به وهو من أسمائه تعالى ذكره.
وعنه أيضاً: " يس " يا إنسان يريد محمداً صلى الله عليه وسلم.
وروى عكرمة عنه: " يس ": يا إنسان بالحبشية.
وقال مجاهد: " يس " مفتاح كلام افتتح الله جل ذكره به كلامه.
وقال قتادة: (كل هجاء) في القرآن فهو اسم من أسماء القرآن.
وقال الزجاج: جاء في التفسير " يس " معناه: يا إنسان، وجاء (يا) رجل، وجاء: يا محمد.
وقوله: ﴿والقرآن الحكيم﴾ قسم، والحكيم: المحكم آياته.
﴿إِنَّكَ لَمِنَ المرسلين﴾ جواب القسم، (أي) لمن المرسلين بوحي الله إلى عباده.
﴿على صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: على طريق لا اعوجاج فيه، وهو الإسلام، قاله قتادة.
وقيل: على طريق الأنبياء قبلك.
والوقف على ﴿يس﴾ جائز إذا جعلته اسماً للسورة، أو تنبيهاً.
ولا يحسن الوقف على ﴿المرسلين﴾ لأن ما بعده متعلق به.
و (قد) أجازه أبو حاتم.
وهو غلط.
ثم قال (تعالى): ﴿تَنزِيلَ العزيز الرحيم﴾ من رفعه جعله خبراً ثانياً لإنَّ.
ويجوز رفعه على إضمار مبتدأ، أي: هذا القرآن تنزيل المنيع بسلطانه وقدرته، الشديد في انقامه ممن كفر به الرحيم بخلقه.
ومن نصب " تنزيل " فعلى المصدر، أي: نزله تنزيلاً.
ولا يحسن الوقف على " الرحيم "، لأن اللام بعده متعلقة بما قبله، أي نزله تنزيلاً لتنذر.
ويجوز أن يتعلق بالمرسلين، أي: إنك لمن المرسلين لتنذر.
(والمعنى لتنذر) يا محمد قوماً لم يُنْذَر آباؤُهم من قبلهم، قاله قتادة فما جحد.
وقال عكرمة: قد أُنْذِرَ آباؤهم.
فتكون " ما " والفعل مصدراً [أي إنذاراً مثل إنذار آبائهم.
ويجوز أن تكون " ما " بمعنى الذي على هذا القول]، أي لتنذر قوماً الذي أُنْذِرَ آباؤهم، أي: الذي أُنْذِرُوا.
﴿فَهُمْ غَافِلُونَ﴾ أي: غافلون عن دين الله وما لله صانع بهم إن ماتوا
على كفرهم به.
وهذا يدل على أن (ما) نافية، لأنهم لو كان آباؤهم أنذِروا لم يكونوا غافلين.
ويدل على ذلك أيضاً قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِّن نَّذِيرٍ﴾ [سبأ: 44].
ثم قال: ﴿لَقَدْ حَقَّ القول على أَكْثَرِهِمْ﴾ أي: وجب عليهم في أم الكتاب أنهم لا يؤمنون.
وقيل: معناه: وجب (عليهم العذاب)، كما قال: ﴿ولكن حَقَّتْ كَلِمَةُ العذاب عَلَى الكافرين﴾ [الزمر: 71].
وهذا إثبات للقدر، وأن الأمر كله قدره الله وفرغ منه، فحق وقوعه على ما قدره وعلمه.
وكذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ [يس: 9] الآية.
كله يدل على أن القدر قد سبق في علم الله، يضل من يشاء فَيَخْذِلُهُ، ويهدي من يشاء فيوفقه.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً فَهِىَ إِلَى الأذقان﴾ قال الضحاك: منعناهم من النفقة في سبيل الله (كما) قال: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: 29].
وقيل: ذلك يوم القيامة إذا دخلوا النار.
فجعل (بمعنى يجعل).
قال الطبري: التقدير: إن جعلنا أيمان هؤلاء الكفار مغلولة إلى أعناقهم بالأغلال فلا تنبسط لشيء (من) الخير.
وفي قراءة ابن/عباس وابن مسعود: ((إنَّا جَعَلْنَا) فِي أَيْمَانِهِمْ أَغْلالاً)
وقرأ بعضهم: " في أَيْدِيهِمْ ".
والكناية في (فهي) ترجع إلى الإيمان، (لأن) الكلام دل على الأيمان، لأن الغل لا يكون في العنق دون اليد ولا في اليد دون (العنق).
فالمعنى: فالأيدي إلى الأذقان.
والذَّقْنُ مُجْتَمَعُ اللِّحْيَيْنِ.
ثم قال: ﴿فَهُم مُّقْمَحُونَ﴾.
قال مجاهد: رافعوا رؤوسهم [و] أيديهم على أفواههم.
وقال قتادة: ﴿مُّقْمَحُونَ﴾ مغللون عن كل خير.
(و) قال أبو عبيدة: (هو الذي) يحدث وهو رافع رأسه.
قال الفراء: هو الرافع رأسه الغاض بصره.
وقيل: المقمح: الرافع رأسه لمكروه نزل به.
وأراهم علي بن أبي طالب الإقماح فجعل يديه تحت لحييه وألقصهما ورفع رأسه.
(وحكى) الأصمعي: أكْمَحْتَ الدابة إذا أَخَذْتَ لجامها لترفع رأسها/ والكاف بدل من القاف وقالوا: (الكانونين) شَهْرَا قِمَاحٍ لرفع الإبل فيهما رؤوسها عند الماء لبرده.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى قوله ﴿قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ قد تقدم ذكر السَّدِّ والسُّدِّ في الكهف، والمعنى: جعلنا من بين أيدي هؤلاء الكفار حاجزاً ومن خلفهم حاجزاً.
﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا على أعينهم غشاوة.
وروي عن ابن عباس وعكرمة ويحيى بن يعمر: " فَأَعْشَيْنَاهُمْ "، بالعين غر معجمة من عَشَى العين.
قال الطبري في " سُدّاً ": من فتح كان من فعل بني آدم، وإذا كان من فعل الله كان بالضم.
وقيل: معناه أنهم زين لهم سوء أعمالهم فهم يعمهون فلا يبصرون شيئاً.
قال مجاهد: سداً عن الحق فهم يترددون.
وقال ابن زيد: جعل هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان فهم لا يخلصون
إليه.
وقرأ: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾، وقرأ: ﴿إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: 96]، وقرأ شبه ذلك.
وقيل: هو تمثيل، والمعنى: أنه تعالى منعهم من الهدى بالضلال فلم ينتفعوا بالإنذار.
قال ابن إسحاق: جلس عتبة وشيبة ابنا ربيعة وأبو جهل وأمية من خلف يترصدون النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغوا من أذاه، فخرج عليهم فقرأ أول ﴿يس﴾ وفي يده تراب فرماهم به، وقرأ: ﴿وَجَعَلْنَا مِن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّاً﴾ إلى رأس العشر، فأطرقوا حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال ابن عباس: أقسم أبو جهل لئن رأيت محمداً يصلي لأدمغنه، فأخذ حجراً
والنبي عليه السلام يصلي ليرميه به، فلما أومأ به إليه رجعت يده إلى عنقه والتصق الحجر بيده، فهو قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا في أَعْناقِهِمْ أَغْلاَلاً﴾ [يس: 8].
قال عكرمة: كانوا يقولون: هذا محمد، فيقول أبو جهل: أين هو؟ أين هو؟ لا يبصره.
ثم قال: ﴿وَسَوَآءُ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤمِنُونَ﴾ أي: الإنذار وتركه على هؤلاء الذين حق عليهم القول سواء، فيهم لا يؤمنون لما سبق لهم في أم الكتاب، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الجن والإنس﴾ [الأعراف: 179].
قال ابن عباس: ما آمن منهم أحد، يريد من القوم الذين تقدم ذكرهم.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر﴾ أي: من آمن بالقرآن.
﴿وَخشِيَ الرحمن بالغيب﴾ أي: وخاف الله حين يغيب عن أبصار الناس لأن
المنافق يستخف بدين الله إذ خلا.
ويجوز أن يكون المعنى: وخاف الله من أجل ما أتاه من الأخبار التي غابت عنه فلم يعاينها، ولكنه صدقها فخاف من عواقبها، فهو مثل قوله: ﴿الذين يُؤْمِنُونَ بالغيب﴾ [البقرة: 3].
ثم قال: ﴿فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ﴾ أي: بستر من الله لذنوبه إذا اتبع الذكر وخاف الله.
﴿وَأَجْرٍ كَرِيمٍ﴾ أي: وثواب في الآخرة حسن، وذلك الجنة.
ثم قال: (تعالى ذكره: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الموتى﴾ يعني في الآخرة للنشور.
﴿وَنَكْتُبُ مَاَ قَدَّمُواْ﴾ أي: من أعمالهم في الخير والشر.
وتقديره: ونكتب ذكر ما قدموا.
﴿وَآثَارَهُمْ﴾ أي: ما أخروا بعدهم من الأعمال والسنن التي يتبعون عليها (ويقتدى بهم فيها).
فهو ما أبقى الرجل بعده من عمل يجري عليه ثوابه أو إثمه.
وقيل/ هو تصرفهم وتقلبهم في (الدنيا) وخطاهم مكتوب (كله).
وروي أن هذه الآية نزلت في قوم أرادوا أن يقربوا من مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم ليقرب عليهم.
فيكون المعنى: ونكتب ثواب خطاهم ومشيهم إلى المسجد على بعد مساكنهم وقربها.
قال ابن عباس: كانت (منازل) الأنصار متباعدة من المسجد فأرادوا أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فنزلت ﴿وَنَكْتُبُ مَاَ (قَدَّمُواْ) وَآثَارَهُمْ﴾ فقالوا: نثبت مكاننا.
وقال جابر: أَرَادَ بَنُوا سَلِمَة قُرْبَ المَسْجِدِ، فَقَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: " يَا بَنِي سَلِمَةَ دِيَّارَكُمْ إِنَّهَا تُثْبِتُ آثَارُكُمْ ".
وقال مجاهد (والحسن) وقتادة: آثارهم خطاهم.
قال جابر بن عبد الله: " هَمَمْنَا أَنْ نَنْتَقِلَ إِلَى قُرْبِ المَسْجِدِ، واسْتَشَرْنَا رَسُولَ الله
صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ: امْكُثُوا (مَكَانَكُمْ)، فَإِنَّ لَكُمْ فَضِيْلَةٌ عَلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْكُمْ بِكُلِّ خُطْوَةٍ دَرَجَةً ". وروى جابر " أنَّ رَجُلاً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: يَا رَسُولَ الله أَرَدْنَا نَتَحَوَّلَ إِلَى قُرْبِ المَسَجِدِ، فَقَالَ النَّبِيُّ: " لا تَفْعَلُوا فَإِنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ (حَسَنَةً) ". وروى عقبة بن عامر عن النبي أنه قال: " يُكْتَبُ لَهُ بِرِجْلٍ حَسَنَةً وَيُحَطُّ عَنْهُ بِرِجْلٍ سَيِّئَةً/، ذَاهِباً وَرَاجِعاً إِذَا خَرَجَ إِلَى المَسْجِد ". ثم قال (تعالى): ﴿وَكُلَّ شيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ في إِمَامٍ مُّبِينٍ﴾ أي: ما كان وما هو كائن
أثبتناه في أم الكتاب.
ومعنى ﴿مُّبِينٍ﴾ أي: بَيّنٍ عن حقيقة ما أثبت فيه، وهو اللوح المحفوظ.
قاله مجاهد وقتادة وابن زيد.
ثم قال (تعالى): ﴿واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أَصْحَابَ القرية إِذْ جَآءَهَا المرسلون﴾ أي: اذكر لهم يا محمد مثلاً لهم مثلاً.
يقال هذا من ضرب هذا، أي: من أمثاله وجنسه.
أصحاب القرية بدل من مثل، والتقدير مثل أصحاب القرية.
قال عكرمة: هي أَنْطَاكِيَة.
وقاله الزهري.
وهو مروي عن ابن عباس أيضاً.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن عيسى بن مريم عليهما السلام بعث رجلين من الحواريين إلى أنْطاكِيَة مدينة الروم فكذبوهما، فقواهما الله بثالث فكذبوهم.
وقال وهب بن منبه: كان بمدينة أنطاكية فرعون من الفراعنة يعبد الأصنام، يقال له: أنطيخس بن أنطيخس، فبعث الله (إليه) المرسلين وهم ثلاثة صَادِقٌ وصَدُوقٌ وَشَلُومٌ، فقدم الله إليه وإلى أهل مدينته اثنين منهم فكذبوهما، وهو قوله: ﴿قَالُواْ مَآ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾ أي: لستم بملائكة، إنما أنتم بنو آدم مثلنا فلا نقبل منكم، ﴿وَمَآ أَنَزلَ الرحمن مِن شَيْءٍ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ تَكْذِبُونَ﴾ قالت الرسل: ﴿رَبُّنَا يَعْلَمُ إِنَّآ إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ﴾.
(أي من عنده)، ﴿وَمَا عَلَيْنَآ إِلاَّ البلاغ المبين﴾ أي: ليس يلزمنا إلا أن
نبلغ إليكم ما أُرْسِلْنا به (إليكم) ونبينه لكم.
قال وهب: ثم عزز الله بثالث، فلما دعته الرسل ونادته بأمر الله وعابت دينه قالوا لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ﴾ أي: تَشَاءَمْنا بِكُمْ، ﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهُواْ لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾، أي: لئن لم تسكتوا عما تقولون لنقتلنكم رجماً ولنعذبنكم عذاباً (أليماً).
وتأول الفراء: أن الثالث أرسل قبل الاثنين، وأنه شمعون ولو كان كما قال لكان القرآن: فعززنا بالثالث.
ومعنى: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾ فقوينا وشددنا، وأصله من عَزَّنِي إذا غلبني، ومنه قوله: ﴿وَعَزَّنِي فِي الخطاب﴾ [ص: 23]، أي غلبني.
ثم قال (تعالى): ﴿قَالُواْ طَائِرُكُم مَّعَكُمْ﴾ أي: قالت لهم الرسل لما تشاءموا
بهم أعمالكم معكم وحظكم من الشر والخير معكم ليس ذلك من شؤمنا، أَمِنْ أجل أَنَّا ذَكَّرْنَاكُمْ بالله وبعقابه تطيرتم بنا.
وقيل: التقدير: قالوا طائركم معكم أئن ذكرتم فمعكم طائركم، يقدره على التكرير، وهو مذهب بعض البصريين.
وقرئت ﴿أَئِن ذُكِّرْتُم﴾ بهمزتين مفتوحتين.
والمعنى: لأن ذُكِّرْتُم تطيرتم بنا فهو على ما مضى، وقراءة الجماعة على ما يأتي.
﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾ أي: في المعاصي.
قوله (تعالى ذكره): ﴿وَجَآءَ مِنْ أَقْصَا المدينة رَجُلٌ (يسعى)﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيْهِمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾.
قال ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس وعن كعب الأحبار وعن وهب بن منبه: أن رجلاً من أهل أنطاكية، اسمه حبيب النجار، (كان) يعمل الجرير، وكان مقيماً (قد أسرع فيه) الجذام/، وكان منزله عند باب من أبواب المدينة (قاصياً)، وكان مؤمناً ذا صدقة يجمع كسبه إذا أمسى فيقسمه نصفين، فيطعم نصفه عياله ويتصدق بنصفه فلم يهمه سقمه ولا عمله ولا ضعفه عن عمل ربه، فلما اجتمع قومه.
يعني أهل أنطاكية - على قتل الرسل بلغ ذلك حبيباً وهو على باب المدينة الأقصى فجاء يسعى إليهم ويذكرهم الله ويدعوهم إلى اتباع المرسلين، فقال لهم ما قص الله علينا.
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن اسمه حبيب وكان يعبد ربه في غار.
ويروى أنه كان نجاراً، وقيل: (إنه) كان حطاباً، لما بلغه أمر الرسل أتى مسرعاً بحزمته فآمن، وقال للناس: ﴿ياقوم اتبعوا المرسلين﴾.
ثم أقبل على المرسلين فقال: أتريدون مالاً نعطيكم، فقالو: لا، فأقبل على الناس يقول: ﴿اتبعوا مَن لاَّ يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾ فقيل له: أَفأَنْتَ تتبعهم، فقال: ﴿وَمَا لِيَ لاَ أَعْبُدُ الذي فَطَرَنِي﴾، إلى قوله: ﴿ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، ثم أقبل على المرسلين فقال لهم: ﴿إني آمَنتُ بِرَبِّكُمْ﴾ فتألب عليه الناس فقتلوه.
قال ابن عباس: هو حبيب النجار.
ويروى أنه لما سمع بخبر الرسل جاء يسعى فقال لهم: أتطلبون (على) ما جئتم به أجراً، قالوا: لا، فأقبل على قومه فقال: ﴿قَالَ ياقوم اتبعوا المرسلين﴾ إلى قوله: