الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 5694-5734
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 5694-5734
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

أعطيتم من صدقة تريدون بها ثواب الله لا الازدياد من مال الآخذ ولا الثناء عليها، فأولئك الذين يكون لهم الأضعاف من الأجر، يضاعف لهم الحسنات.
وقيل: المعنى يضاعف لهم الخير والنعيم.
ويلزم من قال هذا التفسير أن يكون اللفظ: ﴿المضعفون﴾ بفتح العين لأنهم فعول بهم.
لكن تحقيق المعنى مع كسر العين: فألئك هم الذين أضفعوا لأنفسهم حسناتهم، أي: هم المضعفون لأنفسهم الحسنات، لأن من اختار عمل الحسنة فقد اختبار عمل عشر حسنات لنفسه، ويضاعف الله لمن يشاء أكثر من عشر على الحسنة الواحدة.
ثم قال تعالى: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ﴾ أي: اخترعكم ولم تكونوا شيئاً، ثم رزقكم وخولكم ولم تكونوا تملكون شيئاً، ثم هو يميتكم ثم هو يحييكم ليوم القيامة، فالعبادة لا تصلح إلا لمن هو هكذا.
﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذلكم مِّن شَيْءٍ﴾ أي: هل يفعل شيئاً من خلق أو موت أو بعث أو رزق أو ضر أو نفع، آلهتكم التي تعبدون، فلا بُدَّ لهم أن يقروا أنها لا تفعل شيئاً من ذلك فيعلمون أنهم على باطل.
ثم قال: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزيها لله وبراءة له عما يشركون به.
ثم قال تعالى: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس﴾ أي: ظهرت المعاصي لله في الأرض وبحرها بذنوب الناس.
قال مجاهد وعكرمة: البحر هنا الأمصار، والبر: الفلوات، ظهرت/ فيها معاصي ابن آدم.

وقال قتادة: هذا قبل مَبْعَثِ النبي صلى الله عليه وسلم، امتلأت الدنيا ضلالة والظلمة، فلما بُعِثَ النبي عليه السلام رجع راجعون من الناس، قال أما البر فأهل العَمُود وأما البحر فأهل القرى والريف.
والتقدير على هذه الأقاويل: ظهر الفساد في مواضع البر والبحر.
وقيل: المعنى ظهر الفساد في مدن البر ومدن البحر.
والفساد: الجدب بذنوب بني آدم.
وقيل: الفساد ظهور المعاصي فيها وقطع السبيل والظلم وعن مجاهد: أن البر القرى والأمصار، والبحر بحر الماء المعروف قال: في البر: ابن آدم الذين قتل أخاه، وفي البحر: الذي كان يأخذ كل سفينة غضباً.
وهو قول ابن أبي نجيح.

وقال قتادة: الفساد الشرك.
وعن ابن عباس أنه قال: الفساد نقصان البركة بأعمال العباد حتى يتوبوا.
فالمعنى على هذا: ظهر الجدب في البر والبحر، وظهور الفساد في البحر انقطاع مادة صيده وذلك بذنوب بني آدم.
وقال الحسن: أفسد الله بذنوبهم بَرَّ الأرض وبحرها بأعمالهم الخبيثة لعلهم يرجعون، أي: يرجع من يأتي بعدهم.
ثم قال تعالى: ﴿لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ﴾ أي: ليصيبهم بعقوبة بعض ذنوبهم.
﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ أي: ينيبون إلى ترك المعاصي ويتوبون.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْ سِيرُواْ فِي الأرض فانظروا﴾ الآية.
هي مثل " أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ " في أول السورة.
وقد تم تفسيرها.
ومعنى ﴿كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّشْرِكِينَ﴾ أي: مثلكم يا قريش.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ القيم﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُّسْلِمُونَ﴾.
أي: اتبع يا محمد الدين أمرك الله به فهو المستقيم.
فالمعنى: أسلم على الدين القيم واعمل به أنت ومن اتبعك من قبل ان ينقطع وقت العمل بالموت وقيام الساعة.
والخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته.

﴿مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ يَوْمٌ لاَّ مَرَدَّ لَهُ مِنَ الله﴾ أي: لا بد من إتيانه وهو يوم القيامة.
﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ﴾ أي: يتفرقون في ذلك اليوم، فريق في الجنة وفريق في السعير.
يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا، ومنه الصداع لأنه تفرق شعب الرأس.
ثم قال تعالى ذكره ﴿مَن كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ﴾ أي: إثم وزره.
﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً﴾ أي: من آمن وأدى ما افترض الله عليه.
﴿فَلأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ﴾ أي: فلأنفسهم يستعدون ويوطئون.
قال مجاهد: يمهدون في القبر.
ثم قال: ﴿لِيَجْزِيَ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات مِن فَضْلِهِ﴾ أي: يومئذ يتفرقون ليجزي المؤمنين من فضله، أي: يومئذ يتفرقون لهذا الأمر، فيخص بالجزاء المؤمنين خاصة لأنه لا يحب الكافرين.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَن يُرْسِلَ الرياح مُبَشِّرَاتٍ﴾ بالغيث.
﴿وَلِيُذِيقَكُمْ مِّن رَّحْمَتِهِ﴾ أي: ولينزل عليكم من رحمته، وهي الغيث الذي يحيي به البلاد.
﴿وَلِتَجْرِيَ الفلك بِأَمْرِهِ﴾ أي: السفن في البحر بأمره إياها.

﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: تلتمسوا من رزقه الذي قسمه في سفركم في البحر.
﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون على هذه النعم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ فَجَآءُوهُم بالبينات﴾ هذه الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم إذ كذبه قريش، فأعمله الله أنه قد أَرْسَل من قبله رسلاً إلى قومهم كما أرسله إلى قومه، وأن أولئك الرسل أَتَوْا أقوامهم بالبينات، أي: بالحجج الظاهرة كما جئت أنت يا محمد قومك بذلك.
﴿فانتقمنا مِنَ الذين أَجْرَمُواْ﴾ في الكلام حذف والتقدير فكذبوا الرسل فانتقمنا من المكذبين، فكذلك تفعل بقومك يا محمد في تكذيبهم إياك.
﴿وَكَانَ حَقّاً عَلَيْنَا نَصْرُ المؤمنين﴾ أي: ونجينا المؤمنين إذ جاء بأسنا، وكذلك نفعل بك يا محمد ومن آمن بك.
وقيل: المعنى: وكان حقاً علينا نصر المؤمنين على الكافرين، فكذلك ننصرك ومن آمن بك على الكافرين من قومك.
وفي الحديث: " مَنْ رَدَّ عَلَى عِرْضِ صَاحِبِهِ رَدَّ الله عَنْهُ نَارَ جَهَنَّمَ ثُمَّ تَلَى رَسُولُ الله: " وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤمِنِينَ " والتمام عند نافع آخر واو.

وقف بعض الكوفيين، " وَكَانَ حَقًّا " أي: فكان انتقامنا/ حقاً، ثم يبتدئ " عَلَيْنَا نَصْرُ المؤُمِنِينَ ". نصر ابتداء، وخبره علينا.
والوقف عند أبي حاتم: " نَصْرُ المُؤمِنِينَ ". ثم قال تعالى: ﴿الله الذي يُرْسِلُ الرياح فَتُثِيرُ سَحَاباً﴾ أي: ينشئ الرياح سحاباً، ﴿فَيَبْسُطُهُ فِي السمآء كَيْفَ يَشَآءُ﴾ ويجمعه.
قال قتادة: يبسطه: يجمعه.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُهُ كِسَفاً﴾ أي: ويجعل الله السحاب في السماء قطعاً متفرقة، وهو جمع كسفة، وهي القطعة منه.
ومن أسكن السين فمعناه: أنه يجعل السحاب قطعة واحدة ملتئمة.
ويجوز أن يكون معناه كالأول على التخفيف.
ثم قال تعالى: ﴿فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلاَلِهِ﴾ أي: المطر يخرج من بين السحاب.
قال عبيد بن عمير: الرياح أربع: يبعث الله جل ذكره ريحاً فتعم الأرض

قماً، ثم يبعث الريح الثانية فتثير سحاباً فتجعله كسفاً، أي: قطعاً متفرقة، ثم يبعث الريح الثالثة فتؤلف بينه فتجعله ركاماً، ثم يبعث الرابعة فتمطر.
ومعنى ﴿مِنْ خِلاَلِهِ﴾: من خلال الكسفة، لأن كل جمع بينه وبين واحده الهاء فالتذكير فيه حسن.
وخلال جمع خلل.
وقد قرأ الضحاك: " يَخْرُجُ مِنْ خَلَلِهِ ". ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَآ أَصَابَ بِهِ﴾ أي: بالمطر ﴿مَن يَشَآءُ﴾ أي: أرض من يشاء من عبادة استبشروا وفرحوا.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: وإن هؤلاء الذين أصابب بالغيث أرضهم كانوا يئيسين من الخير قبل أن ينزل عليهم الغيث.
وقوله: ﴿مِّن قَبْلِهِ﴾ تأكيد للأول عند الأخفش.

وقال قطرب: التقدير: وإن كانوا من قبل التنزيل من قبل المطر.
وقيل: التقدير من قبل تنزيل الغيث [من قبل رؤية السحاب.
وقيل: المعنى وإن كانوا من قبل تنزيل الغيث] عليهم من قبل أن يزرعوا لمبلسين، ودل المطر على الرزع لأنه خرج بسبب المطر، ودل على ذلك أيضاً ﴿فَرَأَوْهُ مُصْفَرّاً﴾ يعني الزرع.
ثم قال تعالى: ﴿فانظر إلى آثَارِ رَحْمَتِ الله﴾ أي: انظر يا محمد إلى أثر المطر في الأرض كيف حييت بعد موتها، وأنبتت بعد قحطها، واهتزت بعد جدبها، فكذلك يحيي الله الموتى بعد فنائهم.
ومن قرأ " أَثَرِ رَحْمَةِ اللهِ " بالتوحيد ورده على التوحيد في: " فَيُبْسِطُهُ "، و " يَجْعَلُهُ "، و " مِنْ خِلاَلِهِ "، " وَأَصَابَ بِهِ "، " وَمِنْ قَبْلِهِ ".

ومن قرأ بالجمع رده على الأسباب المتقدمة وهي: إرسال الريح، وإثارتها السحاب، وبسطه آياه في السماء، وجعله إياه كسفاً، وإخراجه الودق، فهذا كله آثار جليلة وليست بأثر واحد فجمع على ذلك.
ثم قال: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الموتى﴾ أي: إن الذي يحيي هذه الأرض بعد موتها لمحيي الموتى بعد موتهم.
﴿وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: لا يمتنع عليه فعل شيء أراده.
والمضر في " يحيي الأرض " يجوز أن يكون للمطر، ولله جل ذكره، وللأثر.
وقرأ محمد اليماني " كَيْفَ تُحْيِي " بالتاء رده على الرحمة، أو على الآثار.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحاً﴾ أي: ولئن أرسلنا ريحاً مفسدة لما أنبت الغيث فرأوا ما أنبت الغيث مصفراً قد فسد بتلك الريح.
﴿لَّظَلُّواْ مِن بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ﴾ أي: لصاروا من بعده فرحهم واستبشارهم بالغيث

يفكرون، أي: يجحدون نعم الله، فالهاء في " رَأَوْهُ " للنبات من زرع وغيره.
وقيل: الهاء للسحاب.
وقيل: للريح.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الموتى﴾ الآية.
أي: إنك يا محمد لا تقدر أن تسمع من مات قلبه، ولا من أصم الله أذنه عن سماع الإيمان وهو الكافر لأنه كالميت الأصم.
وهذا مَثَلٌ [ضربه] الله للكفار.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَنتَ بِهَادِ العمي عَن ضَلاَلَتِهِمْ﴾ الآية.
أي: لست يا محمد تقدر أن تهدي من أعماه الله تعالى عن الهدى.
﴿إِن تُسْمِعُ إِلاَّ مَن يُؤْمِنُ﴾ أي: تسمع إلا من وفقه الله للإيمان، وقد تقدم تفسير الآيتين بأشبع من هذا في " الأنبياء ". قوله تعالى ذكره: ﴿الله الذي خَلَقَكُمْ مِّن ضَعْفٍ﴾ إلى آخر السورة.

هذه الآية احتجاج على من أنكر البعث، فتقرر عندهم أنه تعالى خلفهم من ضعف وهو النطفة، فجعله بشراً قوياً، ثم رد القوي إلى الضعف وهو الهرم والشيب، فمن فعل هذا يقدر على إحيائكم بعد موتكم.
والضعف بالفتح: المصدر، والضعف بالضم الاسم.
وروى عطية عن ابن عمر أنه قال: " قَرَأْتُ عَلَى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم الَّذي خَلَقَكُم مِنْ ضَعْفٍ " فقال لي: " مِنْ ضُعْفٍ ". وقرأ عيسى بن عمر " مِنْ ضُعُف " بضمتين/.
وأجاز الكوفيون ضَعَفٍ بفتح الضاد والعين لأجل حرف الحلق.
ثم قال: ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ﴾.

أي: يخترع ويحدث ما يشاء.
﴿وَهُوَ العليم﴾ أي: بخلقه، ﴿القدير﴾ أي: القادر عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ الساعة يُقْسِمُ المجرمون﴾ أي: ويوم تجيئ ساعة البعث فيبعث الله الخلق، يحلف الكفار ما لبثوا فيب قبورهم غير ساعة واحدة.
قال قتادة: لما عاينوا الآخرة هان عندهم ما لبثوا.
﴿كَذَلِكَ كَانُواْ يُؤْفَكُونَ﴾ أي: كما كذبوا في قولهم في الآخرة ما لبثها في قبورنا غير ساعة، كذلك كانوا في الدنيا يكذبون، أي: يصرفون الصدق إلى الكذب.
وقيل معنى ذلك: أن الكفار لابد لهم من خمدة بين النفختين فلم يدروا مقدار ذلك فقالوا: ما لبثنا غير ساعة.
وقيل: معناه: ما لبثنا في الدنيا غير ساعة، هان عليهم مكثهم في الدنيا لا نقطاعه وزواله، فادعوا أنهم ما لبثوا فيها غير ساعة.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين أُوتُواْ العلم والإيمان لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ الله إلى يَوْمِ البعث فهذا يَوْمُ البعث﴾.
هذا رد من المؤمنين على الكفار يوم القيامة دعواهم أنهم ما لبثوا غير ساعة، تقديره عند قتادة: وقال الذين أوتوا العلم والإيمان في كتاب الله لقد لبثتم إلى يوم البعث.

وقال ابن جريج " تقديره: وقال الذين أوتوا العلم بكتاب الله والإيمان بالله وبكتابه لقد لبثتم إلى يوم البعث.
وقيل: المعنى على غير تقدير ولا تأخير، والتقدير: وقال الذين أعطاهم الله العلم به والإيمان لقد لبثتم في اللوح المحفوظ إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، أي: يوم يبعث الناس من قبورهم، ولكنكم كنتم لا تعلمون في الدنيا أنه يكون وأنكم تبعثون بعد الموت، ولذلك كذبتم به.
وقيل: التقدير: لقد لبثتم في حكم الله وتقديره إلى يوم البعث.
ثم قال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ ينفَعُ الذين ظَلَمُواْ مَعْذِرَتُهُمْ﴾.
أي: لا ينتفعون بعذر يعتذرون به من كفرهم وجحودهم ونفيهم للبعث.
﴿وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا يقيمون في أنفسهم ولا يسترجعون.
روي أنه لما رد المؤمنون عليهم سألوا الرجوع إلى الدنيا واعتذروا فلم يعذرا ولا استعتبوا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هذا القرآن مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ أي: مَثَّلْنَا للناس في القرآن من كل مثل يدلهم على الهدى احتجاجاً عليهم وتنبيهاً لهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: وإن جئتم يا محمد بدلالة على صدق ما تقول لهم.
﴿لَّيَقُولَنَّ الذين كفروا﴾ أي: الذين جحدوا آيات الله ورسله.

﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُبْطِلُونَ﴾ فيما جئتم به.
ثم قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
أي: كتم الله على قلوب الذين لا يعلمون حقيقة ما تأتيهم به يا محمد من عند الله.
ثم قال جل ذكره لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿ فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾.
أي: اصبر على أذاهم وتكذيبهم إياك، إن وعد الله الذي وعدك من النصر عليهم والظفر بهم حق لا بد منه.
﴿وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الذين لاَ يُوقِنُونَ﴾ أي: لا يستخفن حلمك هؤلاء المشركون بالله الذين لا يوقنون بالمَعَاد، ولا يصدقون بالبعث.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

سورة لقمان مكية إلا ثلاث آيات نزلت بالمدينة، وهي قوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ) إلى تمام الثلاث الآيات.
قوله تعالى ذكره: ﴿الم * تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾.
أي: هذه الآيات آيات الكتاب المحكم هادياً وراحماً الله به من آمن بالله وكتبه ورسله.
وإن رفعت " رحمة ". فالتقدير هو هدى ورحمة لمن أحسن لنفسه فآمن بالله

وكتبه ورسله.
ثم قال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾ أي: يقيمونها بحدودها في أوقاتها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾ أي: التي افترض الله عليهم.
﴿وَهُمْ بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾ أي: يصدقون بالبعث بعد الموت والجزاء.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ﴾ أي: على إيمان.
﴿وأولئك هُمُ المفلحون﴾ أي: الباقون في النعيم/ الفائزون.
ثم قال جل ذكره: ﴿وَمِنَ الناس مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الحديث لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾.
قال قتادة: معناه: من يختاره ويستحسنه يعني الغناء.
وروي عنه أنه قال: لعله لا ينفق مالاً ولكن اشتراؤه استحبابه.
وكذلك قال مطرف.
وقال ابن مسعود في الآية: " الغِنَاءُ والله الذِي لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ، يُرَددِّهُهَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ".

" والغِنَاءُ يُنْبِتُ فِي الْقَلْبِ النِّفَاق ". وقال ابن عباس: " هُوَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الجَارِيَّةَ المُغَنِّيَة تُغَنِّيهِ لَيْلاً وَنَهَاراً ". وروى أبو أمامة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لاَ يَحِلُّ بَيْعُ المُغَنِّيَاتِ وَلاَ شِرَاؤُهُنَّ وَلاَ التِّجَارَةُ بِِهِنَّ وَلاَ أَثْمَانُهُنَّ، وَفِيهِنَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآية " وَمِنَ النَّاسِ.
. . " روى أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ جَلَسَ إِلَى قَيْنَةٍ يٍسْتَمِعُ مِنْهَا صُبَّ فِي أُذُنَيْهِ الآنُكُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ". وروى مالك عن ابن المنكدر أنه قال: " إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ يَوْمَ

الْقِيَامَةِ: " أَيْنَ الذِينَ كَانُوا يُنَزِّهُونَ أَسْمَاعَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ عَنِ اللَّهْوِ وَمَزَامِيرِ الشَّيْطَانِ، أَدْخِلُوهُمْ فِي رِيَّاضِ المِسْكِ.
ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلاَئِكَةِ: أَسْمِعُوهُمْ حَمْدِي وَثَنَأءً عَلَي وأَخْبِرُوهُمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ". روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " مَنْ مَاتَ وَعِنْدَهُ جَارِيَةٌ مُغَنِّيَةٌ فَلاَ تُصَلُّوا عَلَيْهِ " رواه مكحول عنها.
وقال ابن عمر: هو الغناء، وكذلك قال عكرمة ومكحول وغيرهم.
والتقدير: على هذا: ومن الناس من يتشتري ذات لهو أو ذا لهو.
وعن الضحاك: إن لهو الحديث: الشرك.
ورواه عنه جويبر أنه قال:

الغناءُ مَهْلَكَةُ للمال مَسْخَطَةٌ للرب مَعْمَاة للقلب.
وسئل القاسم بن محمد عنه فقال: الغناء باطل، والباطل في النار.
وقال معمر: هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يشتري الكتب التي فيها أخبار فارس والروم، ويقول: محمد يحدثكم عن عناد وثمود وأنا أحدثكم عن فارس والروم، ويستهزئ بالقرآن إذا سمعه.
وروى ابن جريج عن مجاهد في لهو الحديث: أنه الطبل.

ثم قال: ﴿لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ الله﴾ أي: عن دين الله، وما يقرب إليه.
وقال ابن عباس: عن القرآن وَذِكْرِ الله، وهو رجل من قريش اشترى جارية مغنية.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ أي: جعلا منه بأمر الله فعل ذلك.
ثم قال: ﴿وَيَتَّخِذَهَا هُزُواً﴾ أي: ويتخذ سبيل الله هزؤاً.
قاله مجاهد.
وقال قتادة: ويتخذ الآيات هُزُؤاً.
﴿أولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾ أي: في الآخرة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِذَا تتلى عَلَيْهِءَايَاتُنَا ولى مُسْتَكْبِراً﴾ إلى قوله: ﴿إِلَيَّ المصير﴾.
أي: وإذا يتلى على الذي يشتري لهو الحديث القرآن أدبر يستكبر عن سماع الحق، ﴿كَأَنَّ في أُذُنَيْهِ وَقْراً﴾ أي صمماً وثقلاً فهو لا يستطيع أن يسمع ما يتلى عليه.
﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ أي: مؤلم، يعني في يوم القيامة، وذلك عذاب النار.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات لَهُمْ جَنَّاتُ النعيم﴾.
أي: إن الذين صَدَّقُوا محمداً وما جاء به وعملوا الأعمال الصالحة، لهم بساتين النعيم ما كثين فيها إلى غير نهاية.
﴿وَعْدَ الله حَقّاً﴾ أي: وعدهم الله ذلك [وعداً] حقاً لا خلف فيه.

﴿وَهُوَ العزيز﴾ أي: الصنيع الشديد في انتقامه من أهل الشرك.
﴿الحكيم﴾ في تدبيره لخلقه.
ولا يحسن الوقف على: " خالدين فيها " عند سيبويه، لأن الجملة عاملة في: " وَعْدَ الله " إذ هو عنده مصدر مؤكد.
وأجازه أبو حاتم لأنه يضمر فعلاً ينصب به " وعداً الله "، وتقديره: وعدهم الله بذلك وعداً حقاً.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿خَلَقَ السماوات بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾.
قال ابن عباس: عمدها قاف، وهو الجبل المحيط بالدنيا، وهو من زبرجدة خضراء.
من زبرجد الجنةن وخضرة السماء منه، وخضرة البحار من السماء، والسماء مقبة على الجبل الذي اسمه قاف، ولكنكم لا ترونه.
وروي عنه أنه قال: لعلها بعمد لا ترونها.
وقاله عكرمة.
فيكون ترونها على هذا القول في موضع خفض نعتاً للعمد، والتاء متعلقة

بخلق.
وقال الحسن: لا عمد لها البتة.
فيكون " ترونها " على هذا القول في موضع نصب على الحال من السماوات والباء متعلقة بِتَرَوْنها.
ويجوز أن يكون " ترونها " مستأنفاً، أي أنتم ترونها/ فتقف على: " بعير عمد " ولا تقف على القولين الأولين إلا على: " ترونها "، فإذا كان الضمير في ترونها للعمد، فترونها نعت للعمد، وليس ثم عمد، والمعنى فلا عمد مرئية البتة ويحتمل على هذا الوجه، فلا عمد مرئية لكم، أي ثم عمد ولكن لا ترونه.
[فإذا جعلت الضمير في ترونها يعود على السماوات، كان ترونها] حالاً من السماوات.
والمعنى ترون السماوات بغير عمد تمسكها، فلا عمد ثم البتة، كالتأويل الأول.
ثم قال تعالى: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾ أي: أن تحرك بكم يميناً وشمالاً، أي: حمل على ظهر الأرض جبالاً ثوابت لئلا تميد بكم.
قال قتادة: لولا ذلك ما أقرت عليها خلقاً.

﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ أي مطراً.
﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا﴾ أي في الأرض بذلك الماء.
﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: نوع من البنات.
﴿كَرِيمٍ﴾ قال قتادة: حسن.
وقال ابن عباس: من كل لون حسن.
وتأوله الشعبي على الناس لأنهم مخلوقون من الأرض، فمن كان منهم إلى لاجنة فهو الكريم، ومن يصير إلى النار فهو اللئيم.
وتأويله غير في النطفة لأنها مخلوقة من تراب في الأصل.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿هذا خَلْقُ الله﴾ أي فرق في الأرض من كل أنواع الدواب، ثم قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً﴾ أي: هذا الذي تقدم ذكره خلق الله الذي لا تصلح العبادة والألوهية إلاّ له، فأروني أيها المشركون أي شيء خلق الذي عبدتم من دونه.
ثم قال تعالى: ﴿بَلِ الظالمون فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في عبادتهم الأصنام في جور عن الحق وذهاب عن الاستقامة ظاهر لمن تأمله.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الحكمة أَنِ اشكر للَّهِ﴾.

قال مجاهد: كان لقمان رجلاً صالحاً ولم يكن نبياً.
وروي عنه أنه كان لقمان الحكيم عبداً حبشياً غليظ الشفتين مصمفح القدمين قاضياً على بني إسرائيل.
وقال سعيد بن المسيب: كان لقمان أسوداً من سودان مصر.
وقال ابن عباس: كان عبداً حبشياً.
وروي أنه كان في وقت داود.
وعن عكرمة أنه قال: كان نبياً.

قال مجاهد: الحكمة التي أوتي لقمان: الفقه والعقل، والإصابة في القول في غير نبوة.
وقال قتادة: الحكمة التي أوتي: الفقه في الإسلام.
قال قتادة: لم يكن نبياً ولم يوح إليه.
وعن مجاهد: أن الحكمة التي أوتي: القرآن.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: قال لقمان لابنه: إن الناس قد تطاول عليهم ما يوعدون، وهم إلى الآخرة سراعاً يذهبون، وإنك قد استدبرت الدني منذ كنت، واستقبلت الآخرة، وإن داراً تصير إليها أقرب إليك من دار تخرج عنها، يا بني ليس غنى كصحة ولا نعيم كطيب نفس.
وروى أشهب عن مالك: أن لقمان كان يقول لابنه: اتق الله جهد نفسك.

قال: وكان يقول له: يا بني لا تجالس الفجار ولا تماشيهم، (اتق لا ينزل) عليهم عذاب من السماء فيصيبك معهم، يا بني جالس العلماء وماشهم عسى أن تنزل عليهم رحمة فتصيبك معهم.
وروي عنه: أنه كان عبدً حبشياً نجاراً.
وقيل: كان خياطاً.
وقيل: كان راعياً، فقال له مولاه: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أطيب مضغتين فيها، فأخر اللسان والقلب، ثم مكث ما شاء الله، ثم قال له: اذبح لنا هذه الشاة فذبحها، فقال له: أخرج أخبث مضغتين فيها فأخرج اللسان والقلب، فقال له مولاه في ذلك منكراً عليه وممتحناً له: [أمرتك أن تخرج أطيب مضغتين فأخرجتهما وأمرتك أن تخرج أخبث مضغتين فيها فأخجرتهما]، فقال لقمان: ليس شيء أطيب منهما إذا طابا، ولا أخبث منهما إذا خبثا.
وروي أنه أتاه رجل وهو في مجلس أناس يحدثهم فقال: ألست الذي كنت

ترعى معي الغنم في موضع كذا؟ قال: نعم.
[قال]: فما بلغ بك ما أمرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني.
قال وهب بن منبه: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب.
وقوله: ﴿أَنِ اشكر للَّهِ﴾ أن بمعنى أي: لا موضع لها.
وأجاز سيبويه أن كون في موضع نصب على معنى بأن أشكر، كما تقول كتبت إليه أن قم، أي: بأن قم.
والمعنى: أن أحمد الله على ما آتاك من الحكمة، فقوله: " أَنْ أشْكُرْ " بيان عن الحكمة لأن من الحكمة التي أوتيها شكر الله على ما أتاه.
ثم قال: ﴿وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾ أي: من شكر نعم الله عليه فإنما يشكر

لنفسه لأنه يتزيد لنفسه من/ النعم بالشكر، ويؤدي ما على نفسه من الشكر، ويكتب له الأجر والذخر، بالشكر فلنفسه يعمل وأياها ينفع.
ثم قال: ﴿وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ﴾ أي: ومن كفر نعمة الله فلنفسه أساء، إذ الله تعالى معاقبه على ذلك، وهو غني عن شكره، ولا يزيده شكر العبد في سلطانه ولا ينقص تركه منه.
﴿حَمِيدٌ﴾ أي: محمود على كل حال.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يابني لاَ تُشْرِكْ بالله﴾ أي: واذكر يا محمد إذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك، أي: لا تعبد معه غيره.
﴿إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أي: الخطأ كبير.
وروي أن اسم ابنه ثاران.
ثم قال: ﴿وَوَصَّيْنَا الإنسان بِوَالِدَيْهِ﴾ أي: يبرهما.
﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً على وَهْنٍ﴾ أي: ضعفاً على ضعف وشدة على شدة، ومنه: " وَهَنَ العَظْمُ مِنِّي ". قال ابن عباس: شدة بعد شدة وخلقاً بعد خلق.
وقال الضحاك: ضعفاً على ضعف.

وقال قتادة: جهداً على جهد.
فهذا كله يعني به الحمل، يعني: ضعف الحمل، وضعف الطلق، وضعف النفاس.
وعن ابن عباس أنه قال: مشقة وهن الولد على وهن الوالدة وضعفها.
والوهو في اللغة الضعف: يقال: وَهَنَ يَهِنُ وَوَهُنَ يُوْهَنُ، وَوَهِنَ يَهِنُ مثل وَرِمَ يَرِمُ.
ثم قال تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ أي: وفطامه من الرضاع في انقضاء عامين مثل وسئل القرية.
﴿أَنِ اشكر لِي﴾ أن بمعنى أي: أو في موضع نصب على ما تقدم.
وكونها بمعى (أي) أحسن.
والمعنى: وعهدنا إليه أن أشكر نعتمي عليك، وأشكر لوالديك تربيتهما لك، ومحنتهما فيك.

﴿إِلَيَّ المصير﴾ أي: مصيرك فسائلك عن شكرك لي ولهما وعن غير ذلك.
وروي أن هذه الآية نزلت في شأن سعد بن أبي وقاص وأمه، وذلك أن أمه حلفت أن لا تأكل ولا تشرب حتى يتحول عن دينه، فأبى عليها، فلم تزل كذلك حتى غشي عليها فلما أفاقت دعت عليه، فنزلت الآية.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ على أَن تُشْرِكَ بِي﴾ إلى قوله: ﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾.
أي: وأن جاهداك أيها الإنسان والداك على أن تشرك بي في العبادة ما لا تعلم أنه لي شريك، فلا تطعهما فيما أراداك عليه من الشرك.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِي الدنيا مَعْرُوفاً﴾ أي: بالطاعة لهما فيما لا إثم عليك فيه.
﴿واتبع سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ﴾ أي: واسلك طريق من تاب ورجع عن شركه إلى الإسلام.
قال قتادة: " مَنَ أَنَابَ إِلَيّ " أقبل إلي.
قال الليث: نزلت هذه الآية في سعد بن أبي وقاص، كان بَرّاً بأمه، فلما أسلم كلمها بعض قومها أن تكلمه أن يرجع إلى دينه، فقالت: أنا أكفيكموه، فكلمته في

ذلك، فقال: أما في هذا فلا أطعيك ولكن أطعيك فيما سوى ذلك.
قال الليث: فصارت له ولغيره وأن لا يطاع أحد في شرك ولا في معصية لله.
وروي أنها نزلت في أبي بكر رضي الله عنهـ فهو الذي أناب إلى الله، وأمر الله أن يتبع سبيله، وذلك أن أبا بكر حين أسلم أتاه عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وأتاه قبل ذلك عثمان وطلحة والزبير رضي الله عنهم، فسألوه هل أسلم؟ فقال: نعم، فنزلت ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَآءَ اليل سَاجِداً وَقَآئِماً يَحْذَرُ الآخرة﴾ الآية إلى قوله:

﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ [الزمر: 10].
فلما سمعوا ما نزل الله في أبي بكر أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنوا وصدقوا فنزلت فيهم: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أَن يَعْبُدُوهَا وأنابوا إِلَى الله لَهُمُ البشرى﴾ إلى قوله: ﴿أُوْلُواْ الألباب﴾ [الزمر: 17 - 18]. قوله: ﴿ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ﴾ أي: مصيركم بعد مماتكم.
﴿فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ أي: فأخبركم بجميع ما كنتم تعملون في الدنيا من خير وشر، ثم أجازيكم عليه.
وهذه القصة كلها معترضة فيما بين كلام لقمان لابنه، وإنما جاز الاعتراض هنا لأنها أيضاً مما كان وصى به لقمان ولده، فجعلها الله جل ذكره خبراً من عنده لنا لنتبعها ونعمل بها، مما دعل على ذلك قوله تعالى عن لقمان أنه قال لولده: ﴿يابني إِنَّهَآ إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ أي: إن القصة التي سألتني عنها/ أو المسألة.
روي أنه كان يسأل والده عن ذكل، فجرى الإضمار عن سؤال ولده له.
وقيل: التقدير: إن الخطيئة أو المعصية إن تكن مثقال حبة.
هذا على قراءة من نصب " مثقال حبة " فأما من رفع.
فلا إضمار في " كان " عنده، ورفع إلقاء ثبت في

" تك " حملاً على المعنى لأن المقصود الحبة، فكأنه قال: إنها إن تك حبة.
يقال: عندي حبة فضة ومثقال حبة فضة بمعنى واحد، وقد قالوا: اجتمعت أهل اليمامة.
فالمعنى على الرفع: إن الخطيئة إن تك حبة، أي إن وقعت حبة من خرذل.
ويجوز أن يكون الخبر محذوفاً -، والتقدير: إن تك حبة خرذل في موضع يأت بها الله.
والتقدير في هذا كله: زنة حبة من خير أو شر.
ثم قال: ﴿فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السماوات أَوْ فِي الأرض﴾.
روي أن ابن لقمان سأل لقمان فقال: أرأيت الحبة تكون في مثل البحر أمن يعلمها الله فأعمله أن يعلمها في أخفى الموضع لأن الحبة في الصخرة أخفى منها في السماء.
وهذا مثل لأعمال العباد، أن الله يأتي بأعمالهم يوم القيامة.
روي أن لقمان لما وعظ ابنه هذه الموعظة أتى بحبة خرذل فألقاها في اليرموك -

في عرضه -، ثم مكث ما شاء الله ثم ذكرها وبسط يده فأقبل بها ذباب حتى وضعها في راحته.
من رواية ابن وهب وروي عن ابن عباس [أنه] وزن رطل لحم وجعله للذَّرِّ حتى اسود من كثرة الذر عليه، ثم أخذه بما عليه من الذر ووزنه فلم يزد شيئاً، فقال: أيها الناس إن الله جل ذكره أراد أن يرغبكم وأن يحضكم على ثواب الآخرة، وأما الذر والخرذل.
فلا مثاقيل لها، ولكن في عظمة الله وقدرته وعلمه ما يعلم به مثاقيل الذر والخرذل.
ويروي أن عائشة رضي الله عنها: " تصَّدقَتْ بحبة عنب فقالت لها مولاتها بُرَيْرَةُ يا أُمَّ المؤمنين: أي شيء حبة عنب؟ فقالت لها عائشة: كم ترين فيها من مثقال ذرة ". ويقل: إن الصخرة هنا هي الصخرة الخضراء التي على ظهر الحوت وهو النون الذي ذكره الله عز وجل في قوله: نون والقلم والحوت في السماء والسماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك والملك على صخرة والصخرة في الريح، وهي الصخرة التي

ذكر لقمان ليست في السماء ولا في الأرض.
وقال قتادة: " فتكن في صخرة " أي: في جبل من الجبال.
وقيل: معنى ﴿يَأْتِ بِهَا الله﴾ بعلمها الله.
﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ﴾ أي: باستخراجها.
﴿خَبِيرٌ﴾ أي: يمكن ومستقرها لا يخفى عليه شيء.
ثم قال تعالى: ﴿يابني أَقِمِ الصلاة﴾ أي: بحدودها في أوقاتها.
﴿وَأْمُرْ بالمعروف﴾ أي: آمر الناس بطاعة الله.
﴿وانه عَنِ المنكر﴾ أي: إنه الناس عن معصية الله.
﴿واصبر على مَآ أَصَابَكَ﴾ أي: من أذى الناس ومحن الدني في ذات الله إذا أنت أمرتهم بالطاعة ونهيتهم عن المصعية.
﴿إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأمور﴾ أي: إن الصبر على ذلك مما أمر الله له من الأمور عزماً.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لا تعرض بوجهك، على من كلمك تكبراً واستخفافاً.
وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل في أعناقها.
ورؤوسها، تلتوي منه

أعناقها فقيل هذا للمتكبر لأنه تكبر لوى عنقه على من تكبر عليه.
قال ابن عباس: معناه لا تتكبر فتحقر عباد الله وتعرض عنهم بوجهك، إذا كلموك وهو معنى قول مجاهد والضحاك.
وعن مجاهد أنه قال: هو الرجل يكون بينه وبين أخيه إحْنَةٌ فيراه فيعرض عنه فنهاه عن ذلك.
وقال النخعي: هو التشدق.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾.
قال الضحاك: لا تمش بالخيلاء.

وقال قتادة: نهاه عن التكبر.
﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ أي: كل متكبر مفتخر بما أعطى وهو لا يشكر الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿واقصد فِي مَشْيِكَ﴾ أي: تواضع في مشيك إذا مشيت، ولا تستكبر ولا تستعجل ولكن اتئد.
قال مجاهد: واقصد في مشيك التواضع.
وقال قتادة: نهاه عن الخيلاء.
وقال يزيد بن أبي حبيب: نهاه عن السرعة.
ثم قال: ﴿واغضض مِن صَوْتِكَ﴾ أي: اخفض منه واجعله قصداً إذا/ تكلمت.
وقيل: معناه إذا ناجيت ربك لا تصح، وبالخفاء دعا زكرياء ربه.
قال قتادة: أمره بالاقتصاد في صوته.
ثم قال: ﴿إِنَّ أَنكَرَ الأصوات لَصَوْتُ الحمير﴾.

قال مجاهد والضحاك والأعمش وقتادة: معناه إن أقبح الأصوات.
قال قتادة: أوله زفير وآخره شهيق.
قال عكرمة: معناه إن شر الأصوات.
وقال الحسن: معنها إن أشد لاأصوات.
قال ابن زيد: لو كان رفع الصوت خيراً ما جعله للحمير.
ووحج الصوت لأنه مصدر.
وفي الحديث: " ما صاح حِمَارٌ ولا نَبَحَ كَلْبٌ إلا أن يرَى شَيْطَاناً ".

ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ يعني: شمسها وقمرها ونجومها وجبالها وعيونها وبحرها وجميع منفعها التي هي صلاح للعباد في أنفسهم وفي معاشهم وتصرفهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾.
[من جمع النعم ظهرة وباطنة حالا].
ومن وحد جعلها نعتاً.
وقال ابن عباس في توحيد النعمة: هي الإسلام.
وقال مجاهد: هي لا إله إلا الله.
وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس.
فيكون المعنى: ظاهرة على الألسن وعلى الأبدان والجوارح عملاً، وباطنة في القلوب اعتقاداً ومعرفة.
وروى الضحاك، عن ابن عباس أنه سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: " الظاهرة

الإسلام وما أحسن من خَلْقِكَ، والباطِنَةُ ما سَتَرَ عليك من سيئ عَمَلِكَ ". ثم قال تعالى: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله﴾.
أي: يخاصم في تويحد الله وإخلاصه العبادة له بغير علم عنده لما يخاصم به ﴿وَلاَ هُدًى﴾ أي: ولا إيمان يبين به صحة ما يقول ﴿وَلاَ كِتَابٍ مُّنِيرٍ﴾ أي: ولا تنزيل من الله عنده بما يدعي يبين به صحة دعواه.
قال ابن عباس: هو النضر بن الحارث.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَآ أَنزَلَ الله﴾ أي: وإذا قيل لهؤلاء المجادلين في الله بـ غير علم: اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من القرآن.
﴿قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَا﴾ من عبادة الأوثان.
قال الله جل ذكره: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشيطان يَدْعُوهُمْ إلى عَذَابِ السعير﴾.
هذا على التوبيخ له: أي: أَوَلَوْ كان الأمر هكذا أكان يجب لهم أن يتبعوه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ﴾ أي: من يتذلل إلى الله بالعبادة وهو مطيع لما أمره الله به فقد استمسك بالأمر الأوثق الذي لا يخاف معه، أي: يمسك من رضى الله تعالى بما لا يخاف معه غداً عذاباً.
قال ابن عباس: العروة الوثقى: لا إله إلا الله.
﴿وإلى الله عَاقِبَةُ الأمور﴾ أي: إليه ترجع أمور الخلق فيجازيهم بأعمالهم.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل