الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقرأ يعقوب: وأتباعك
يعني إنه تعالى: يعلم سر أمورهم وعلانيتها.
قال ابن جريج: معناه هو أعلم بما في أنفسهم.
أي: قال لهم نوح: وما أنا بطارد من آمن بي، واتبعني.
أي: ما أنا إلا منذر لكم عذاب الله، مبين عما جئتكم به.
أي: لئن لم تنته عما تقول، وتدعونا إليه، وتعيب به آلهتنا لتكونن من المشتومين أي: لنشتمنك.
وقيل: من المرجومين بالحجارة حتى نقتلك.
أي: كذبون فيما أتيتهم به من الحق.
﴿فافتح بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكماً.
وقال قتادة: معنى ذلك: فاقض بيني وبينهم قضاء.
وكذلك قال ابن زيد.
﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي﴾ أي: نجني من ذلك العذاب، أي يأتي به حكمك: ﴿وَمَن مَّعِي مِنَ المؤمنين﴾، ﴿وَنَجِّنِي وَمَن مَّعِي مِنَ المؤمنين﴾ يعني: ﴿فِي الفلك المشحون﴾، والفلك جمع واحدة فلك، كأسد وأسد.
وقيل: هو واحد وجمع، بلفظ واحد.
قال ابن عباس: كانوا ثمانين رجلاً، فلم يتناسل منهم أحد إلا لولد نوح، عليه السلام.
وهو قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الباقين﴾ [الصافات: 77] فجميع العالم بعد نوح ليس بنسب إلا لنوح.
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: لعلامة وحجة على قدرة الله، وتوحيده، وذلك إشارة إلى ما تقدم من ذكر ما فعل بنوح، ومن آمن معه، وما فعل بالكفار من
الغرق.
وبالكاف خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم.
﴿ وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، يعني قوم نوح.
أي: في انتقامه ممن عطاه.
﴿الرحيم﴾، بالتائب منهم أن يعذبه بعد توبته.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ المرسلين﴾.
قد تقدم ذكر علة الجمع في ﴿المرسلين﴾.
و " عاد " قبيلة وانصرف لخفته.
وقيل: هو اسم الأب لهم ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله، ونقمته لكم على كفركم.
أي: رسول من عند الله.
أمين على ما أرسلني به، فلا أبلغكم إلا ما أرسلت به، ولا أخفي عنكم منه شيئاً.
أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعوني فيما آمركم به، وأنهاكم عنه.
﴿وَمَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: لا أسألكم على تبليغي لكم رسالة الله جعلاً ولا ثواباً.
﴿إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ على رَبِّ العالمين﴾، أي: ما ثوابي وجزائي على نصحي لكم وتبليغي إياكم ما جئتكم به إلا على الله.
أي: قال لهم هود موبخاً لهم: أتبنون بكل مشرف من الأرض بنياناً عَلَمَاً.
قال ابن عباس: بكل ريع: بكل شرف.
وعنه: بكل طريق.
وقال مجاهد: بكل فج، وعنه: الريع: الشية الصغيرة.
وعنه: الفج ما بين الجبلين.
وقال عكرمة: بكل فج وواد
وقال الضحاك: بكل طريق.
وقوله: ﴿آيَةً تَعْبَثُونَ﴾، قال مجاهد هي بروج الحمامات، والرّيع والرَّيْعُ: لغتان.
وقيل الريع: جمع ريعة.
ومعنى ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تلعبون.
قال تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ﴾، قال مجاهد: هي قصور مشيدة.
وقال قتادة وسفيان: هي مصانع الماء.
والمصانع جمع مصنعة، وكل بناء تسمية العرب مصنعة.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾، قيل: لعل هنا، استفهام بمعنى التوبيخ والمعنى: أتخلدون ببنياكم لها.
وقيل: هي بمعنى: كما تخلدون أي: كيما تخلدون.
وقيل: هي بمعنى: لأن تخلدوا.
قال الزجاج.
أي: إذا غضبتم، وسطوتم، سطوتم، قتلاً بالسيف وضرباً بالسياط.
وهذا إنما يكره في الظلم، وهو جائز في الحق.
﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾، أي: اتقوا عقاب الله، وأطيعون فيما آمركم به، واتقوا الذي أمدكم بما تعلمون، يعني بالبنين والأموال، والبساتين، والعيون، والأنهار.
يوم القيامة.
أي: معتدل عندنا وعظك إيانا، وتركك الوعظ.
﴿إِنْ هذا إِلاَّ خُلُقُ الأولين﴾، أي: دين الأولين: قاله ابن عباس.
وقال قتادة: معناه خلقة الأولين أي: هكذا كانت خلقتهم يموتون ويحيون، فنحن نعيش كما عاشوا، ونموت كما ماتوا.
وقال الفراء، معناه: عادة الأولين.
ومن أسكن اللام فمعناه: تخرص الأولين وكذبهم أن ثم بعثاً، وحساباً، وعقاباً.
﴿وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾.
فمعنى قوله ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، أي: فكذبوا هوداً فيما جاءهم به، فأهلكوا بتكذيبهم.
{} أي لعبرة: أي: إن في إهلاكنا عاداً بتكذيبهم رسلنا
لعظة.
﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: أكثر عاد لم يكونوا مؤمنين.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز﴾ في انتقامه ﴿الرحيم﴾ بمن تاب وآمن.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ المرسلين﴾، ثمود: اسم للقبيلة عند من لم يصرفه، ومن صرفه جعله اسماً للأب، وتفسير قوله: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ﴾، إلى قوله ﴿رَبِّ العالمين﴾، قد تقدم نظيره، وهو مثل ذلك.
قال تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَآ آمِنِينَ﴾، أي: أيترككم ربكم في هذه الدنيا: آمنين لا تخافون شيئاً.
﴿فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ﴾، أي: بساتين تجري فيها العيون.
قال: ﴿وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ﴾، قال ابن عباس: هضيم: أي أينع وبلغ فهو هضيم.
قال عكرمة: هو الرطب اللين.
قال الضحاك: إذا كثر حمل الثمرة: فتركب بعضه على بعض فهو حيمئذٍ هضيم.
وقال الزهري: هو الرخص اللطيف، أول ما يطلع وهو الطلع النضيد، لأن بعضه فوق بعض.
وأصل الهضيم في اللغة انضمام الشيء، وتكسره، للينه، ورطوبته.
ومنه: قولهم: هضيم فلان فلاناً حقه: إذا انتقصه وأبخسه، وهضيم مفعول صرف إلى فعيل.
وقيل: هضيم منه ما قد أرطب ومنه / ما هو مذنب.
وقيل: هضيم أي: هاضم مرئ، فيكون على هذا فهيل، بمعنى: فاعل.
أي: تنقبون في الجبال بيوتاً أشرين بطرين.
وقال قتادة: معجبين، وعنه عن الحسن: آمنين.
وقال الضحاك: كيسين.
وقال مجاهد: شرهين
وقال أبو صالح: حاذقين.
وكذلك روي أيضاً عن الضحاك.
وكذلك، قال معاوية بن قرة، ومنصور بن المعتمر.
وقد روي ذلك عن ابن عباس أيضاً.
وقال ابن زيد: فرهين: أقوياء.
وقال أبو عبيدة: مرحين.
ومن قرأ: فارهين: بألف، فقيل: الهاء بدل من حاء.
وقيل: هما لغتان.
يقال فَرِه: يَفْرَه فهو: فاره، وفَرِه، يَفْرُهُ فهو فَرِهٌ وفاره: إذا
كان نشيطاً.
قد مضى تفسيره.
أي: المسرفين على أنفسهم، في تماديهم على معصية الله جلّ وعز.
يعني الرهط التسعة بينهم.
أي: يسعون في أرض الله بمعاصيه، ولا يصلحون أنفسهم بالعمل الصالح.
قال مجاهد وقتادة: من المسحرين: من المسحورين.
وقال ابن عباس: من المخلوقين.
أي: ممن له سحر، والسِّحْر والسَّحْر: الرئة.
وقيل: السحر: الصدر الذي يجري فيه الطعام إلى المعدة.
وقيل: معناه من المعلَّلين بالطعام والشراب.
﴿مَآ أَنتَ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾، أي: أنت من بني آدم: تأكل كما نأكل.
تقول ذلك
ثمود لصالح.
﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾، أي: فأتنا بدلالة وحجة تدل على أنك محق فيما تقول، فأتاهم بالناقة تدل على صدقه، وقال لهم: ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾.
روي أنه أخرجها لهم من صخرة.
وقال لهم: لها يوم تشرب فيه فلا تعترضوا في شربها، ولكم أنتم شرب يوم آخر، لا تشارككم هي فيه.
وروي: أنهم سألوا صالحاً عليه السلام: فقالوا له: إن كنت صادقاً فادع الله يخرج لنا ناقة من هذا الجبل.
حمراء عُشَراء فتضع بكراً، ونحن ننظر، ثم ترد الماء فتشربه، وتغدو علينا بمثله لبناً، فجاءهم الله عزّ وجلّ بها، وجعل لها شرباً في يوم، ولهم شرب في يوم.
فكانت يوم ترد الماء لا يردونه هم، ولكنهم تسقيهم مثل ما شربت لبناً، ويوم لا ترد هي يردونه هم فيشربون ويدخرون، فحذرهم صالح عقرها فعقروها فأهلكوا.
وروي: أنهم لما سألوه آية قال لهم: أي: آية تريدون؟ فقالوا: أخرج
لنا من هذا الجبل الذي تنزل بسفحه: ناقة عشراء حتى نؤمن أنك رسول الله، فأمرهم أن يجتمعوا: ليخرج الله لهم الناقة من الجبل، على ما سألوه، فاجتمعوا ودعا صالح بإذن الله له فتحرك الجبل وانصدع، فخرجت منه ناقة، عظيمة الخلق وهي عشراء حاملة من غير فحل، فولدت فصيلاً بعد ذلك، فجعل الله لهم فيها آيات من ذلك خروجها من جبل، وعظم خلقها، وحملها من غير فحل، فلم يؤمنوا مع ما رأوا من الآيات، وأقاموا على كفرهم، ثم نهاهم عن عقرها، فخالفوه فعقروها، فأهلكهم الله أجمعين.
والشِّرب: الحظ والنصيب من الماء.
والشِّرْب، والشَّرْب، والشُّرْب مصادر كلها بلغات، والمضموم أشبهها بالمصادر، لأن المفتوح والمكسور يشتركان في شيء آخر.
فيكون الشرب: الحظ من الماء، ويكون الشرب جمع شارب، كتاجر وتجر، واختار: أبو عمرو والكسائي الفتح في مصدر شرب.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء﴾، أي: بعقر، وضرب وشبهه.
﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾، أي: يحل عليكم عذاب يوم القيامة.
أي: فخالفوا أمر صالح، فعقروا الناقة، فأصبحوا نادمين على عقرهم لها، لما أيقنوا بالعذاب، فأخذهم العذاب الذي كان صالح يوعدهم به فهلكوا.
وقيل: إنهم لما ندموا على عقرها.
ولم يتوبوا من كفرهم، طلبوا صالحاً ليقتلوه، فتنحى من بين أيديهم، هو ومن آمن معه، فأخذهم العذاب.
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، إلى قوله ﴿الرحيم﴾، وقد تقدم تفسيره.
قال تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ المرسلين﴾، / إلى قوله ﴿رَبِّ العالمين﴾، قد تقدم تفسيره.
قال: ﴿أَتَأْتُونَ الذكران مِنَ العالمين﴾، أي: أتنكحون الذكور الذين حرم الله عليكم نكاحهم، وتَدَعُون النساء اللواتي أحل الله لكم نكاحهن.
وعن زيد بن أسلم، أن المعنى: أتأتون أدبار الرجال وتدعون النساء.
ثم قال: ﴿بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ أي: تتجاوزون، ما أباحه الله لكم إلى ما حرم عليكم.
وأكثر أهل التفسير: على أن الإشارة في النساء هنا إنما هي الفروج.
وقيل: عادون: معتدون.
قال: ﴿قَالُواْ لَئِن لَّمْ تَنتَهِ يالوط لَتَكُونَنَّ مِنَ المخرجين﴾، أي: لئن لم تنته عما تقول لنا وتنهانا عنه، لنخرجنك من بين أظهرنا، ومن بلدنا.
قال لهم لوط: ﴿إِنِّي لِعَمَلِكُمْ﴾، يعني من إتيان الذكور ﴿مِّنَ القالين﴾، أي: من المبغضين المنكرين.
ثم قال مستغيثاً لمَّا تواعدوه بالإخراج: ﴿رَبِّ نَّجِنِي وَأَهْلِي مِمَّا يَعْمَلُونَ﴾، أي: من عقوبتك إياهم على ما يعملون.
فاستجاب الله له دعاءه.
فنجاه.
﴿وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ﴾.
أي: في الباقين: أي: فيمن بقي من العذاب، يعني
امرأته، لأنها كانت تدل قومها على أضياف لوط عليه السلام.
وقيل: إنما قيل: ﴿فِي الغابرين﴾، بمعنى أنها بقيت حتى كبرت وهرمت.
وقيل: إنما كانت ممن بقي بعد قومها، ولم تهلك معهم في قريتهم، وإنما أصابها الحجر بعدما خرجت من قريتهم مع لوط فكانت من الباقين بعد قومها، ثم أهلكها الله بما أهلك به بقايا قوم لوط من الحجارة.
وقال قتادة: قيل من الغابرين: لأنها غبرت في عذاب الله أي: بقيت فيه.
وأبو عبيد: يذهب إلى أن المعنى: من الباقين في الهرم.
أي: بقيت حتى هرمت.
أي: ثم أهلكنا الآخرين: يعني من بقي من قوم لوط.
﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِم مَّطَراً﴾، يعني من كان غائباً من قوم لوط أرسل عليه حجارة، فأما من كان في المدينة فإنه قلبت عليه عاليها سافلها، وأرسلت الحجارة على من لم يكن في المدينة، فتلقطتهم في الآفاق فأهلكتهم.
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾، إلى قوله ﴿الرحيم﴾ قد مضى تفسيره.
قوله: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْئَيْكَةِ المرسلين﴾.
قال أبو عبيد: ليكة اسم قرية.
والأيكة اسم البلد كله.
وترك الصرف على قراءة نافع ومن تبعه يدل على ما قاله قتادة: أرسل شعيب إلى قوم أهل مدين وإلى أصحاب الأيكة.
والأيكة غيضة من شجر ملتف.
وكان عامة شجرهم الدوم وهو شجر المقل وكان شعيب من ولد أبي أهل مدين ولذلك قال: ﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾، ولم يكن من ولد أبي أصحاب الأيكة.
ولذلك قال ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ﴾، ولم يقل أخوهم شعيب، كما قال في من تقدم ذكره من الأنبياء: أخوهم نوح، أخوهم هود، أخوهم صالح.
لأن هؤلاء كانوا من ولد أبي القوم، وشعيب هو ابن ثوبة من ولد مدين بن إبراهيم، وأصحاب ليكة من صنام من العرب،
وأصحاب مدين من ولد مدين بن إبراهيم.
قال الضحاك: خرج أصحاب ليكة.
يعني حين أصابهم الحر، فانضموا إلى الغيضة والشجر، فأرسل الله عليهم سحابة، فاستظلوا بها، فلما تتاموا تحتها أحرقوا.
وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلاَ تَتَّقُونَ﴾، أي: تتقون عقاب الله على معصيتكم إياه.
أي: أمين على ما جئتكم به.
قوله: ﴿فاتقوا الله وَأَطِيعُونِ﴾، إلى ﴿رَبِّ العالمين﴾، قد تقدم تفسيره.
أي: أوفوا الناس حقوقهم من الكيل، ولا تكونوا ممن ينقصهم حقوقهم.
أي: بالميزان المقوم الذي لا بخس فيه على من وزنتهم لهم به.
﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ أي: لا تنقصوا الناس حقوقهم في الكيل والوزن.
قال ابن عباس ومجاهد: القسطاس: العدل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾، أي: لا تكثروا في الأرض الفساد.
أي: وخلق الخلق الأولين.
وفي الجبلة لغات: جبلة، وجُبُله، وجُبْلة ومن هذا قولهم: جبل فلان على كذا: أي: خلق عليه.
وقد تقدم تفسير.
﴿إِنَّمَآ أَنتَ مِنَ المسحرين﴾، إلى الكاذبين.
قال / عز وجل: ﴿ فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفاً مِّنَ السمآء﴾، أي: يقول قوم شعيب له: أسقط علينا جانباً من السماء.
ومن قرأ: بفتح السين جعله جمع: كسفة، كسدرة وسدر، وكسرة وكسر.
ويجوز أن يكون من أسكن، جعله أيضاً جمع كسفة: كثمرة وتمر، فيكون المعنى: فأسقط علينا قطعاً من السماء، إن كنت صادقاً فيما جئتنا به.
أي: قال شعيب لقومه: ربي أعلم بما تعملون من عملكم لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
قال تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظلة﴾، يعني بالظلة السحابة التي ظلتهم فلما تتاموا تحتها التهبت عليهم ناراً.
قال ابن عباس: بعث الله عليهم رمدة وحراً شديداً فأخذ بأنفاسهم، فدخلوا البيوت، فأخذ بأنفاسهم، فخرجوا من البيوت هرباً إلى البرية، فبعث الله جلّ وعزّ عليهم سحابة، فأظلتهم من الشمس فوجدوا لها برداً.
فنادى بعضهم بعضاً، حتى إذا اجتمعوا تحتها أرسل الله عليهم ناراً.
ومثل هذا المعنى قال قتادة.
وروي: أن الله جلّ ذكره بعث عليهم سموماً فخرجوا إلى الأيكة وهي شجر الدوم، يستظلون تحتها من الحر.
فأضرمها الله عليهم ناراً فاحترقوا أجمعين.
وقيل: إن الله بعث عليهم حراً شديداً أو بعث العذاب في ظلة، فخرج رجل
فوجد برداً تحت الظلة فأنذرهم، فخرجوا بأجمعهم ليجدوا برد الظلة، فأهلكهم الله بها.
قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم﴾، إلى قوله ﴿الرحيم﴾ قد تقدم تفسير ذلك.
قال: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العالمين﴾، يعني وإن الذكر، قالها: تعود على الذكر من قوله: ﴿مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾ وقال قتادة: تعود على القرآن.
والمعنى واحد، أي: إن القرآن لتنزيل الله على جبريل: نزل به جبريل عليه السلام.
﴿على قَلْبِكَ﴾، أي: تلاه عليك يا محمد.
﴿لِتَكُونَ مِنَ المنذرين﴾، أي: من رسل الله الذين ينذرون الأمم ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، أي: تنذر به قومك بلسانهم العربي الظاهر لهم، لئلا يقولوا: إنه نزل بغير لساننا، فلا نفهمه، وهذا تقريع
من الله، وإظهار الحجة عليهم، إذ أعرضوا عنه بغير عذر يعتذرون به.
أي: وإن هذا القرآن لفي كتب الأولين.
فهذا لفظ عام ومعناه الخصوص، معناه: وإن هذا القرآن لفي بعض كتب الأولين، أي ذكره، وخبره في بعض ما أنزل على الأنبياء من الكتب.
وقد قيل: معناه: وإن الانذار بمن أهلك لفي كتب الأولين.
أي: أولم يكن لقريش علامة على صدقك، وحجة على أن القرآن من عند الله، وأن محمداً رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن علماء بني إسرائيل الذين أسلموا: يجدون ذكر محمد مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل.
قال ابن عباس: كان ابن
سلام من علماء بني إسرائيل، وكان من خيارهم، فآمن بالقرآن فقال لهم الله: ﴿أَوَ لَمْ يَكُن لَّهُمْ آيَةً أَن يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بني إِسْرَائِيلَ﴾.
قال ابن عباس: الأنبياء كلهم من بني إسرائيل إلا أحد عشر: إدريس، ونوح، وصالح، وهود، وشعيب، وإبراهيم، ولوط، وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ومحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.
أي: ولو نزلنا هذا القرآن على بعض البهائم التي لا تنطق، فنطقت به ما آمنوا، ولقالوا: لولا فصلت آياته حتى نفهمه، والأعجمون جمع أعجم، وهو الذي لا يصفح، وإن كان غير أعجمي في
أصله والعجمي هو الذي أصله من العجم، وإن كان فصيح اللسان.
قوله تعالى ذكره: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ المجرمين﴾ إلى قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾ أي: كما ختم على قلوب هؤلاء أنهم لا يؤمنون بهذا القرآن، ولو نزلناه على بعض الأعجمين، فقرأه عليهم، كذلك سلكه التكذيب / والكفر في قلوب المجرمين، ومعنى: سلكناه: أدخلناه.
والهاء في سلكناه، تعود على قوله ﴿مَّا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ﴾، التقدير: كذلك أدخلنا ترك الإيمان في قلوب المجرمين.
قال ابن جريج: سلكناه: يعني الكفر.
وقال ابن زيد: الشرك، فليس يؤمنون حتى يعاينوا العذاب.
وكذلك قال الحسن.
قال: ﴿فَيَأْتِيَهُم بَغْتَةً وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾، أي: يأتهم العذاب فجأة وهم لا يعلمون بمجيئه.
فيقولوا حين يأتهم فجأة: ﴿هَلْ نَحْنُ مُنظَرُونَ﴾، أي: يؤخر عن هذا العذاب وينسأ في آجالنا لتتوب من شركنا.
أي: يستعجل هؤلاء المشركون بالعذاب لقولهم لن نؤمن لك حتى تسقط السماء، كما زعمت، علينا كسفاً.
قال: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ * ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ﴾، أي أرأيت يا محمد إن أخرنا في آجالهم سنين ثم جاءهم العذاب الذي كانوا يوعدون.
" ما " الأول في موضع نصب بأغنى.
و " ما " الثانية: الفاعلة ويجوز أن تكون ما الأولى نافية، والثانية فاعلة، وتقدر حذفها من آخر الكلام.
والتقدير: لم يغن عنهم الزمان الذي كانوا
يمتعونه.
وقال عكرمة: عنى بالسنين: عمر الدنيا.
قال: ﴿وَمَآ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ﴾ أي: وما أهلكنا من قرية من القرى التي تقدم ذكرها، ومن غيرها إلا لها منذرون، ينذرونهم عذاب الله، ويكذرونهم نعمه، " ذكرى " في موضع نصب على المصدر، لأن منذرون بمعنى: مذكرون.
فتقف على هذا على " ذكرى " وكذلك إن نصبت " ذكرى " بإضمار فعل: أي جعلنا ذلك ذكرى لهم.
وقيل: " ذكرى " في موضع رفع على إضمار المبتدأ تقديره: تلك ذكرى، وذلك ذكرى، وإنذارنا ذكرى.
﴿وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾، أي: ما كنا نظلم قرية، فنهلكها من غير إنذار وتذكرة.
فتقف على هذا " منذرون " ثم تبتدئ " ذرى " أي: هذا القرآن ذكرى للمتذكرين، ودل على هذا الإضمار قوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشياطين﴾ [الشعراء: 210] الآية، أي:
القرآن ذكرى للمتذكرين، لم تنزل به الشياطين ﴿وَمَا يَنبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [الشعراء: 211].
أي: ما تنزلت الشياطين بهذا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن نزل به عليه الروح الأمين وهو جبريل صلى الله عليه وسلم.
وقرأ الحسن: الشياطون بالواو وهو غلط لأنه جمع مكسر إعرابه في آخره.
أي: وما يتأتى للشياطين أن ينزلوا بالقرآن، ولا يصلح لهم ذلك ولا يستطيعون أن ينزلوا به، لأنهم لا يصلون إلى استماعه في المكان الذي هو به من السماء.
أي: إن الشياطين عن سمع القرآن في المكان الذي هو به لمعزلون، فكيف يستطيعون ان ينزلوا به، والسمع مصدر في موضع الاستماع.
قال: ﴿فَلاَ تَدْعُ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾، أي: قل يا محمد: لمن كفر لا تدع مع الله إلهاً آخر.
﴿فَتَكُونَ مِنَ المعذبين﴾، وقيل: هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به جميع الخلق.
ومعناه إنه خوطب بذلك ليعلمه الله حكمه فيمن عبد غيره كائناً ما كان، ودليل هذا قوله: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين﴾، فهذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم بلا اختلاف، والمعنى: أنذرهم لئلا يتكلوا على نسبهم، وقرابتهم منك فيدعوا ما يجب عليهم.
" ولما نزلت هذه الآية بدأ النبي صلى الله عليه وسلم ببني جده، وولده فحذرهم " وقالت عائشة رضي الله عنها: " لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يا صفية بنت عبد المطلب، يا فاطمة بنت رسول الله، يا بني عبد المطلب: إني لا أملك لكم من الله شيئاً، سلوني من مالي ما شئتم ".
وقال ابن عباس: " لما نزلت هذه الآية: قام رسول الله صلى الله عليه وسلم على الصفا ثم نادى: يا صباحاه، فاجتمع الناس إليه فبين رجل يجيء وبين آخر يبعث رسوله، فقال: يا بني هاشم، يا بني عبد المطلب، يا بني فهر، يا بني / أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بسفح هذا الجبل تريد تغير عليكم صدقتموني؟ قالوا: نعم، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد.
فقال أبو لهب: تباً لكم سائر اليوم، ما دعوتموني إلا لهذا؟.
. ﴿تَبَّتْ يَدَآ أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ " السورة.
قال تعالى: ﴿واخفض جَنَاحَكَ لِمَنِ اتبعك﴾، أي: ألن لهم جانبك.
أي إن عصاك عشيرتك في إنذارك لهم وأبوا إلا الإقامة على كفرهم أي: من عملكم، وعبادتكم الأصنام.
قال: ﴿وَتَوكَّلْ عَلَى العزيز﴾، أي العزيز في نقمته من أعدائه، ﴿الرحيم﴾ لمن تاب من كفره.
أي: تقوم إلى صلاتك.
قال مجاهد: حيت تقوم أينما كنت.
أي: ونرى تقلبك في صلاتك حين تركع وتسجد، وتقوم وتقعد.
قاله ابن عباس وعكرمة، وعن ابن عباس معناه: وتقلبك في الطهور من طهر إلى طهر.
أي: السميع دعاءك، وتلاوتك، العليم بما تعمل أنت وغيرك.
أي: على من تنزل الشياطين من الناس.
أي: كذاب أثيم، أي: آثم.
قال قتادة: هم الكهنة تسرق الجن السمع، ثم يأتون به إلى أوليائهم من الإنس.
أي: يلق الشياطين ما استمعت إلى الكهنة.
قاله مجاهد.
وأكثر الكهنة كاذبون.
وقيل: المعنى يلق الكهنة السمع أي: يسمعونه ويعقلونه ﴿وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ﴾،.
يعني الكهنة أيضاً.
قالت عائشة: كانت الشياطين تسترق السمع فتجيء بكلمة حق فتقذفها في
أذن وليها.
قالت: وتزيد فيها أكثر من مائة كذبة.
أي: الشعراء يتبعهم أهل الغي، لا أهل الرشد.
قال ابن عباس: الغاوون: رواه الشعر.
وقال مجاهد، وقتادة هم الشياطين.
وقال عكرمة، هم عصاة الجن.
وقيل: هم السفهاء.
وعن ابن عباس: أنها نزلت في رجلين: أحدهما من الأنصار، والآخر من غيرهم، تهاجيا على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، وكان مع كل واحد منهما غواة من قومه.
أي: سفهاء.
وكذلك
قال الضحاك.
وقيل: الغاوون: ضلال الجن والإنس.
وقال ابن زيد: الغاوون: المشركون، والشعراء هنا: شعراء، لأن الغاوون لا يتبع إلا غاوياً مثله.
قال الطبري: هم شعراء المشركين، يتبعهم غواة الناس، ومردة الشياطين، وعصاة الجن.
هذا مثل ومعناه: أنهم في كل فن من القول الباطل يذهبون، يمدحون هذا بما ليس فيه، ويذمون هذا بما ليس فيه، فهم يذهبون، كالهائم على وجهه، قال ابن عباس: معناه في كل لغو يخوضون.
قال: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لاَ يَفْعَلُونَ﴾، أي: يكذبون، ثم قال: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾،.
فهذا الاستثناء يدل على أن الأول في المشركين نزل والسورة مكية إلا هذه الآيات نزلت بالمدينة في: حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، وعبد الله بن رواحة.
وهم شعراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم هي لكل من كان مثلهم.
هذا قول ابن عباس، وأدخل الضحاك هذه الآيات في الناسخ والمنسوخ.
فقال: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ﴾، نسخت ما قبلها.
والصحيح أنه استثناء والاستثناء عند سيبويه بمنزلة التوكيد لأنه يبين به كما يبين بالتوكيد.
قال قتادة: قوله: ﴿إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾ الآية، نزلت في
حسان، وكعب بن مالك، وعبد الله الأنصاري الذين هاجوا عن النبي صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: ﴿وَذَكَرُواْ الله كَثِيراً﴾، أي: ذكروه في حال كلامهم، ومحاورتهم ومخاطبتهم الناس / قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: وذكروا الله كثيراً في شعرهم.
وقيل المعنى: لم يشغلهم الشعر عن ذكر الله.
إنما ناضلوا من كذّب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو أحق الناس بالهجاء ﴿وانتصروا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ﴾، أي: هجوا من هجاهم، من شعراء المشركين، وجاوبوهم عن هجائهم.
قال ابن عباس: يردون على الكفار الذين هجوا المسلمين.
قال سالم مولى تميم الداري: لما نزلت: ﴿والشعرآء يَتَّبِعُهُمُ الغاوون﴾ الثلاث
الآيات: جاء حسان بن ثابت، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك إلى النبي صلى الله عليه وسلم، يبكون فقالوا: قد علم الله حين أنزل هذه الآيات أنا شعراء، فتلا النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ إِلاَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾، إلى ﴿ظُلِمُواْ﴾.
وقال: أنتم.
ثم قال تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمْ الذين ظلموا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾، يعنى مشركي مكة، الذين ظلموا أنفسهم بشركهم بالله، سيعلمون أي: مرجع يرجعون، وأي: معاد يعودون بعد مماتهم، وأي منصوب ينقلبون على المصدر، وليس بمفعول به، لأن " ينفعل " لا يتعدى: نحو: ينطلق، فإنما نصبه على أنه نعت لمصدر محذوف عمل ما فيه ﴿يَنقَلِبُونَ﴾، ولا ينتصب " سيعلم " لأن " سيعلم " خبر، أو " أي " استفهام ولا يعمل ما قبل الاستفهام فيه.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
قوله تعالى ذكره: ﴿طس تِلْكَ آيَاتُ القرآن﴾.
قال ابن عباس: طس: قسم، وهو من أسماء الله فيكون معناه على هذا التأويل: واللطيف السميع: إن هذه الآيات التي أنزلها الله على محمد صلى الله عليه وسلم لآيات القرآن، وآيات كتاب مبين، أي يتبين لمن تدبره، وتفكر فيه، يفهم أنه من عند الله، لم تتخرصه أنت يا محمد، ولا أحد سواك، من خلق الله، إذ لا يقدر أحد أن يأتي بمثله.
قال تعالى: ﴿هُدًى وبشرى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي هو هدى للمؤمنين به يهديهم إلى سبيل الرشاد ومبشراً لهم بالجنة والمغفرة.
ثم نعت المؤمنين فقال: ﴿الذين يُقِيمُونَ الصلاة﴾، يعني المفروضة يقيمونها بحدودها في أوقاتها.
﴿وَيُؤْتُونَ الزكاة﴾، يعني المفروضة ويخرجونها في أوقاتها إلى مستحقها.
﴿وَهُم بالآخرة هُمْ يُوقِنُونَ﴾، أي يصدقون بالبعث والحشر بعد الموت والجزاء.
قال: ﴿إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾، أي لا يصدقون بالبعث بعد الموت ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ﴾، أي حببناها لهم يعني الأعمال السيئة.
وقال بعضهم: يعني الأعمال الجسنة: زينها لهم وبينها لهم، فخالفوا، وهذا مذهب المعتزلة، والأول مذهب أهل السنة.
وهو ظاهر التلاوة والنص.
﴿فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾، أي يترددون في ضلالهم، ويتحيرون، ويحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ثم وصف هذا الجنس أيضاً فقال: ﴿أولئك الذين لَهُمْ سواء العذاب﴾ يعني في الدنيا، عني به الذين قتلوا يوم بدر من مشركي قريش.
﴿وَهُمْ فِي الآخرة هُمُ الأخسرون﴾، أي أخسر الناس لأنهم اشتروا الضلالة بالهدى، وفي الآخرة تبيين، وليس يتعلق في الأخسرين، ويجوز أن يكون في الكلام حذف، والتقدير: وهم الأخسرون: في الآخرة هم الأخسرون.
أي وإنك يا محمد، لتحفظ القرآن وتتعلمه من عند رب حكيم بتدبير خلقه، عليم بمصالحهم، والكائن من أمورهم، والماضي من ذلك.
قال تعالى: ﴿إِذْ قَالَ موسى لأَهْلِهِ إني آنَسْتُ نَاراً﴾، العامل في: ﴿إِذْ﴾ اذكر.
وقيل: العامل في ﴿إِذْ﴾ عليم، والتقدير: عليم، حين قال موسى لأهله: ﴿إني آنَسْتُ نَاراً﴾، وذلك حين خرج موسى صلى الله عليه وسلم من مدين إلى مصر، وقد آذاهم برد ليلهم، وضاع زنده.
﴿إني آنَسْتُ نَاراً﴾، / أي أبصرت وأحسست.
﴿سَآتِيكُمْ مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ﴾، في الكلام حذف، والتقدير: إني