الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قال ابن زيد: لو كان الدهر كله ليلاً لم يدر أحد كيف يصوم، ولو كان نهاراً لم يدر أحد كيف يصلي.
وقيل: المعنى: جعل الليل يخلف النهار، والنهار يخلف الليل، لمن أراد أن يتذكر نعم الله عليه في ذلك.
ويشكره على ما فعل بمعاقبة الليل والنهار، إذ لو كان الدهر كله ليلاً لبطلت المعائش والتصرف فيها، ولم يتم زرع ولا ثمر.
ولو كان الدهر كله نهاراً لبطلت الأجساد عند عدم الراحة، ولبطلت الزراع والثمار: لدوام الشمس عليها، فجعل كل واحد يخلف الآخر لمن أراد أن يتذكر نعمة الله في ذلك على خلقه، وحسن تدبيره لهم في منامهم.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرحمن الذين يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، عباد رفع بالابتداء، والخبر محذوف عند الأخفش.
وقال الزجاج وغيره: الخبر ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة﴾ [الفرقان: 57].
وقيل: الخبر ﴿الذين يَمْشُونَ﴾، ﴿سَلاَماً﴾، منصوب على المصدر، وإن شئت " تعالوا ".
وقوله: ﴿قَالُواْ سَلاَماً﴾، منسوخ بالأمر بالقتال: إنما كان هذا قبل أن يؤمروا بالقتال ولم يتكلم سيبويه في شيء من الناسخ والمنسوخ إلا في هذه الآية، وهو من التسليم، لا من التسليم تقول: " سلاماً منك " أي: تسلماً منك.
قال سيبويه في الآية: ولم يؤمر المسلمون يومئذٍ أن يسلموا على المشركين،
ولكنه على قولك لا خير بيننا ولا شر، وقد ردت على سيبويه هذه العبارة.
إنما كان حسبه أن يقول: ولم يؤمر المسلمون يومئذ أن يحاربوا المشركين.
ومعنى قول سيبويه على الصحة، ولم يؤمر المسلمون يومئذ لأن يُسَلّموا على المشركين، ولكن أمروا أن يَسْلَموا منهم ويتبرءوا ثم نسخ ذلك بالأمر بالحرب.
ومعنى الآية: وعباد الرحمن الذين يرضاهم لنفسه عباداً: هم الذين يمشون على الأرض في سكون، وتواضع، وخشوع، واستكانة.
وهذا هو ضد مشي المختال الفخور المرح الذي هو مذموم الحال.
ومعنى ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، أي: إذا خاطبهم أهل الجهل من العصاة والكفار بالقبيح صانوا أنفسهم عن مساواتهم في القبيح، قالوا قولاً حسناً يسلمون به من مساواتهم في القبيح.
وهم الذين يبيتون لربهم: يصلون ويقولون كذا وكذا، ما حكى الله عنهم.
قال أبو هريرة: هم الذين لا يتجبرون ولا يتكبرون.
وقيل معنى: ﴿يَمْشُونَ على الأرض هَوْناً﴾، أي بالسكينة والوقار، وغير مستكبرين، ولا متجبرين، ولا ساعين بفساد.
قال ابن عباس: يمشون بالطاعة والعفاف والتواضع.
وقال مجاهد: يمشون بالسكينة والقوقار والحلم.
وقال زيد بن أسلم: التمست تفسير هذه الآية فلم أجدها عند أحد، فأتيت في النوم فقيل لي: هم الذين لا يريدون يفسدون في الأرض.
وقال ابن زيد هم الذين لا يتكبرون في الأرض، ولا يتجبرون ولا يفسدون،
وهو قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدار الآخرة نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الأرض وَلاَ فَسَاداً﴾ [القصص: 83].
وقال الحسن يمشون حلماء علماء، لا يجهلون، وإن جهل عليهم لم يجهلوا.
﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَاهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً﴾، إذا خاطبهم الجاهلون بالله بما / يكرهون من القول أجابوهم بالمعروف والسداد من الخطاب، فقالوا: تسلماً منكم وبراءة بيننا وبينكم.
قال الحسن: إن المؤمنين قوم ذلل، ذلت والله منهم الأسماع، والأبصار، والجوارح، حتى يحسبهم الجاهل مرضى، وما بالقوم من مرض وإنهم لأصحاب القلوب، ولكن دخلهم من الخوف ما لم يدخل غيرهم، ومنعهم من الدنيا علمهم بالآخرة، فلما وصلوا إلى بغيتهم قالوا: ﴿الحمد للَّهِ الذي أَذْهَبَ عَنَّا الحزن﴾ [فاطر: 34] والله ما حزنهم حزن الدنيا، ولا تعاظم في أنفسهم بما طلبوا به الجنة: أبكاهم الخوف من النار، وإنه
من لا يتعزى بعزاء الله تقطع نفسه على الدنيا حسرات ومن لم ير لله عليه نعمة إلا في مطعم أو مشرب فقد قل عمله وحضر عذابه.
أي يبيتون يصلون.
قال فضيل: هم قوم إذا جنّهم الليل قاموا على أطرافهم تسيل دموعهم على خدودهم.
قال: ﴿عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ﴾، أي: يدعون الله أن يصرف عنهم عذابه حذاراً منه.
﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً﴾، أي: دائماً لا ينقطع.
قال محمد بن كعب القرطبي: إن الله جلّ ثناؤه سأل الكفار ثمن نعمه فلم يؤدوها فأغرمهم فأدخلهم النار.
وقال الحسن: قد علموا أن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم.
فيكون
المعنى على هذين القولين، إن عذابهما لازم لمن حل به، لا يفارقه أبداً، ولم ينصرف جهنم للعجمة والتعريف، وإن شئت للتأنيث والتعريف.
أي: ساءت من المستقرات مستقراً.
قال تعالى: ﴿والذين إِذَآ أَنفَقُواْ لَمْ يُسْرِفُواْ وَلَمْ يَقْتُرُواْ﴾، أي: لم يزيدوا في النفقة، ويبذروا ولم يضيقوا.
حكى الأصمعي: قَتَر يَقْتُر ويقتر وقَتّر يُقَتّر، وأقتر يُقتر: إذا ضيق وقد أنكر أبو حاتم على من جعله من أقتر.
وقال: إنما يقال: أقتر إذا افتقر.
كما قال:
﴿وَعَلَى المقتر قَدَرُهُ﴾ وقد غاب عنه وجه ما حكى الأصمعي وغيره.
ثم قال: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، أي: وكان الإنفاق قواماً بين الإسراف والإقتار أي: عدلاً.
وقد أجاز الفراء: أن يجعل بين ﴿ذَلِكَ﴾ اسمَ كان وهو مفتوح، وجاز فتحه في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً، فترك على أكثر أحواله في حال الرفع، ومنه قوله: ﴿وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الجن: 11]، دون في موضع الرفع لأنه أكثر ما يأتي منصوباً فترك على أكثر أحواله.
قال ابن عباس: الإسراف: النفقة في معصية الله، والإقتار منع حقوق الله.
وقاله مجاهد وابن جريج.
وقال إبراهيم: لا يجيع عياله بالتقتير ولا يغرنهم، ولا يوسع حتى يقول الناس: قد أسرف.
وقال يزيد بن أبي حبيب: كانوا يريدون من الثياب ما يستر عورتهم،
ويكتنّون به من الحر والبرد، ويريدون من الطعام ما يسد عنهم الجوع، ويقويهم على عبادة ربهم، لا يلبسون للجمال، ولا يأكلون للذة.
وقال عون بن عبد الله الإسراف أن تأكل مال غيرك بغير حق.
وقيل: الإقتار: التقصير عما يجب عليك ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً﴾، النفقة بالعدل.
وقال مجاهد: لو أنفق رجل ماله كله في حلال، أو طاعة الله لم يكن مسرفاً، ولو أنفق درهماً في حرام لكان مسرفاً.
قال سفيان الثوري: لم يضعوه في غير حقه، ولم يقصروا به عن حقه، وكل نفقة في معصية الله فهي سرف، وإن قلت، وكل نفقة في غير معصية الله فليست بسرف، وإن كثرت.
قوله تعالى: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾.
أي: والذين يخلصون لله العبادة، والدعاء، ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها
إلا بالحق، وهو كفر بعد إسلام، أو زنى بعد إحصان، أو قتل نفس فيقتل بها، ولا يزنون فيأتون ما حرم الله.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً﴾، أي: من يفعل / العبادة لغير الله أو يقتل نفساً بغير حق، أو يزني يلق عذاب الآثام أي: عقابها، وعقابها: مضاعفة العذاب، والتخليد في النار مهاناً.
قال مجاهد وعكرمة: الآثام: واد في جهنم.
وسيبويه وغيره من النحويين: يقدرونه بمعنى يلق جزاء الآثام.
قال تعالى: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ الله غَفُوراً رَّحِيماً﴾، الآية وروي: أن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، أرادوا الدخول في الإسلام، وقد عملوا في الكفر أشياء من هذه الذنوب فخافوا ألا ينفعهم مع ما سلف من ذنوبهم.
فنزلت هذه
الآية، ونزل: ﴿قُلْ ياعبادي الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ﴾ [الزمر: 53] الآية، ونزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فهي مخصوصة فيمن أسلم، وقد كان عمل هذه الكبائر في حال كفره، ويدل على أن هذا الاستثناء في الكفار قوله ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ﴾، فقرن الإيمان مع التوبة.
وقيل: هذه الآية منسوخة بالتي في النساء قاله زيد بن ثابت وذكر أن آية النساء التي نزلت بعد آية الفرقان بستة أشهر.
وقال الضحاك: بين السورتين ثماني حجج.
وذكره تعالى للإيمان مع التوبة يدل على أنه محكم في الكفار، وآية النساء إنما هي في المؤمنين: يقتلون المؤمنين
فكلاهما محكم غير منسوخ في وجه النظر.
وعن ابن عباس أنه قال: قرأنا هذه الآية: ﴿والذين لاَ يَدْعُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ وَلاَ يَقْتُلُونَ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾، الآية، بسنتين حتى نزلت: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً﴾، الآية قال: فما علمت رسول الله صلى الله عليه وسلم فرح بشيء فرحه بها، وبسورة: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا﴾ [الفتح: 1].
ثم قال تعالى: ﴿فأولئك يُبَدِّلُ الله سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾، قال ابن عباس: معناه: كانوا قبل إيمانهم على السيئات، فرعب الله بهم عن ذلك، فحولهم إلى الحسنات، فأبدلهم الله مكان السيآت حسنات.
أي: مكان عمل الحسنات.
وعن ابن عباس أنه قال: يبدل بكل مكان سيئة عملها حسنة يعملها في الدنيا.
وقيل معناه: أولئك يبدل الله قبائح أعمالهم في الشرك بمحاسن الأعمال في
الإسلام فيبدله بالشرك إيماناً.
قال ابن جبير: نزلت في وحشي وأصحابه.
قالوا: كيف لنا بالتوبة، وقد عبدنا الأوثان وقتلنا المؤمنين، ونكحنا المشركات؟ فأنزل الله تعالى ﴿إِلاَّ مَن تَابَ﴾، الآية.
فأبدلهم الله بعبادة الأوثان عبادة الله، وبقتالهم المؤمنين: قتالهم المشركين، وينكاح المشركات نكاح المؤمنات.
وروي عن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يعطى العبد كتابه بيمينه، فيقرأ سيآته، ويقرأ الناس حسناته ثم يحول صحيفته، فيحول الله سيآته حسنات، فيقرأ هو حسناته ويقرأ الناس من سيئاته حسنات، فيقول الناس: ما كان لهذا العبد من سيئة، قال: ثم يعرف بعمله، ثم يغفر الله له ".
وعن ابن عباس: أبدلوا بالشرك إيماناً، وبالقتل إمساكاً، وبالزنا إحصاناً.
وقال ابن المسيب: روى عطاء عن ابن عباس: تصير سيآتهم حسنات لهم يوم القيامة.
وروى أبو ذر: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إني لأعرف آخر أهل النار خروجاً من النار، وآخر أهل الجنة دخولاً الجنة.
ثم ثال: يؤتى برجل يوم القيامة فيقال: نَحُّوا كِبارَ ذنوبه، وسلوه عن صغارها، قال: فيقال له: عملت كذا في يوم كذا، وعملت كذا في يوم كذا، قال: فيقول: يا رب لقد عملت أشياء ما أراها هنا، قال: فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بدت نواجذه.
قال: فيقال له: فإن لك مكان كل سيئة حسنة ".
قال الحسن: قوم يقولون التبديل في الآخرة يوم القيامة، وليس كذلك إنما التبديل في الدنيا يبدلهم الله إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشرك، وإحصاناً من الفجور.
قال الزجاج: ليس يجعل مكان السيئة حسنة، ولكن يجعل مكان السيئة التوبة.
واختار الطبري: أن يكون المعنى: يبدل الله أعمالهم في الشرك حسنات في الإسلام ينقلهم عن ما / يسخطه إلى ما يرضاه.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الله غَفُوراً﴾، أي: ذا غفر عن ذنوب من تاب من عباده، وراجع طاعته، وذا رحمة به أن يعاقبه على ذنوبه بعد توبته منها.
أي: ومن تاب من الشرك
بالله، وآمن بالله ورسوله، وعمل صالحاً فيما أمره الله به ﴿فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى الله مَتاباً﴾، أي: توبة مؤكدة لأنه إذا تاب من الشرك، فقد تاب من عظيم، فإذا عمل صالحاً فقد أكد توبته.
قال تعالى: ﴿والذين لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ﴾، يعني الشرك، قاله الضحاك.
وقيل: المعنى: فإنه يرجع إلى الله رجوعاً فيجازيه على توبته وعمله.
والثاني ليس من الأول لأنه يراد به العبث، والأول يراد به الرجوع عن الكفر، والمعاصي.
وقال مجاهد الزور: الغناء، أي: لا يسمعون الغناء، وهو قول محمد بن الحنفية.
وقال ابن جريج: هو الكذب.
وقيل: إنهم كانوا إذا ذكروا النكاح كَنَّوا عنه.
وعن ابن عباس: أن الزور هنا أعياد المشركين وكنائسهم.
والزور الباطل.
وعن ابن مسعود أنه قال: عدلت شهادة الزور بالشرك بالله.
ثم قرأ الآية، وروي
مثل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قالها في خطبة له.
تقديره: يشهدون الشهادة الزور.
وقيل: الزور: الكذب والخنا والسفه، فهو في المعنى: لا يشهدون كل مشهد يكون فيه ذلك، أي: لا يحضرونه، وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بغير صفته، حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه أنه بخلاف ما هو به، فالشرك يحسن عند متبعه، والغناء كذلك، وكذلك الكذب.
فمعنى الآية على هذا المعنى: والذين لا يحضرون شيئاً من الباطل.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّواْ بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِراماً﴾، أي: إذا مروا بمن يلغو عليهم من المشركين ويؤذيهم مروا كراماً، أي: أعرضوا عنهم وصفحوا.
وقيل معناه: إذا مروا في كلامهم بذكر النكاح كنوا عنه، قاله مجاهد.
وقيل: المعنى: إذا مروا بما كان المشركون فيه من الباطل مروا منكرين له.
قاله ابن زيد.
وقال الحسن: اللغو هنا المعاصي كلها، واللغو في كلام العرب: كلُّ ما يجب أن يلغى ويطرح من كلام، أو فعل باطل.
وقيل: هذه الآية منسوخة بقتال المشركين، لأنه أمرهم بعد ذلك إذا مروا باللغو الذي هو الشرك أن يقاتلوا أهله، وإذا مروا باللغو الذي هو معصية أن يغيروه، ولم يكونوا أمروا بذلك بمكة.
ومعنى ﴿مَرُّوا كِراماً﴾، أي: أكرموا أنفسهم عن الجلوس والخوض مع من يلغو.
أي: والذين إذا ذكرهم مذكر بحجج رهم وأدلته، لم يقفوا على تلك الحجج صمّاً لا يسمعونها، وعمياً لا يبصرونها.
ولكنهم أيقاظ القلوب فهماء العقول.
والكافر بخلاف ذلك لأنه لا ينتفع بما يسمع وما يبصر، فصار بمنزلة من لا يسمع ولا يبصر، ومعنى ﴿يَخِرُّواْ﴾ يقيموا على ذلك، كما يقال: شتمت فلاناً فقام يبكي، أي: فظ يبكي، ولا قيام هناك، ولعله كان مضطجعاً.
ويقول: نهيت فلاناً
فقعد يشتمني أي: فجعل يشتمني، ولعله كان قائماً.
فجرى ذلك على مخاطبة العرب، ولا خُرور ثَمَّ، وقيل المعنى: لم يتغافلوا عنها ويتركونها فيكونون بمنزلة من لا يسمع ولا يرى.
وقيل المعنى: لم يسجدوا صماً وعمياناً بل سجدوا سامعين، فيكون بمنزلة قول الشاعر:
بأيدي رجال لم يشيموا سيوفهم ... ولم تكثر القتلى بها حين سلت
أي: إنما أغمدوها بعد أن كثرت القتلى.
وقيل المعنى: إنهم إذا أمروا بمعروف، أو نهوا عن منكر لم يتغافلوا عن ذلك وقبلوه.
قوله تعالى: ذكره ﴿والذين يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا / مِنْ أَزْوَاجِنَا﴾.
أي: والذين يرغبون إلى الله في دعائهم، ومسألتهم أن يهب لهم قرة أعين، من
أزواجهم، وذرياتهم؛ أي: ما تقر به أعينهم من أولادهم، وذلك أن يريهم إياهم يعملون بطاعة الله.
قال الحسن: ذلك في الدنيا وهو المؤمن يرى زوجه وولده مطيعين لله، وأي شيء أقر لعين المؤمن أن يرى زوجته وولده مطيعين لله.
قال ابن جريج: معناه: يعبدونك فيحسنون عبادتك.
وقال ابن زيد: يسألون لأزواجهم وذرياتهم الإسلام.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿واجعلنا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً﴾، أي: اجعلنا يقتدي بنا من بعدنا في الخير، قاله ابن عباس، وعنه أيضاً: المعنى اجعلنا أئمة هدى يهتدى بنا، ولا تجعلنا أئمة ضلالة لأنه قال في السعادة ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، وقال في أهل الشقاء: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41].
قال مجاهد: معناه: واجعلنا أئمة نقتدي بمن قبلنا، ونكون أئمة لمن بعدنا.
وقوله ﴿إِمَاماً﴾ وحد لأنه مصدر كالقيام والصيام.
وقيل: هو واحد يدل على الجمع كالعدو.
وقيل: هو جمع آثم وإمام كقائم وقيام.
قال تعالى ذكره: ﴿أولئك يُجْزَوْنَ الغرفة بِمَا صَبَرُواْ﴾، أي: هؤلاء الذين تقدم ذكرهم يجزون الغرفة أي يثابون على أعمالهم: الغرفة، وهي منزل من منازل الجنة.
﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاَماً * خَالِدِينَ فِيهَا﴾، أي: دائمين المقام، ماكثين فيها.
﴿حَسُنَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً﴾، أي: حسنت تلك الغرفة مستقراً، أي: قراراً ﴿وَمُقَاماً﴾، أي: إقامة.
قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلاَ دُعَآؤُكُمْ﴾، أي: قل يا محمد لهؤلاء
الذين أرسلت إليهم: ما يعبأ بكم ربي، أي: أي شيء يصنع بكم ربي، لولا دعاؤكم إلى الإيمان؟
قال ابن عباس: لولا دعاؤكم: لولا إيمانكم، فأخبر جلّ ذكره الكفار أنه لا حاجة له بهم إذ لم يجعلهم مؤمنين، ولو كان له بهم حاجة لحبب إليهم الإيمان كما حببه إلى المؤمنين.
وقال مجاهد: لولا دعاؤكم: أي: لولا دعاؤكم إلى الله لتعبدوه وتطيعوه.
قال الفراء: لولا دعاؤكم: لولا دعاؤه إياكم إلى الإسلام.
ومعنى: ما يعبأ أي: ما يصنع بكم
قال الزجاج: لولا دعاؤكم.
أي لولا توحيدكم إياه.
ومعنى: ما يعبأ
بكم أي: وزن لكم عنده من قولك: ما عبأت بفلان أي: ما كان له عندي وزن ولا قدر.
قال: وأصل العبء في اللغة: الثقل.
وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، هو يوم بدر.
وقيل: هو ما لوزم بين القتلى يوم بدر.
والتقدير: فسوف يكون عاقبة تكذيبهم اللزام.
وعن مجاهد أنه قال في معناه: لولا دعاؤه إياكم لتطيعوه فقد كذبتم فسوف يكون عذابكم لزاماً وقد مضى اللزام وهو يوم بدر.
وقيل: المعنى: لا منفعة لله في خلقه إياكم إذ لا يضره فقدكم، لولا ما أراد من دعائه إياكم إلى طاعته، ليجازيكم على ذلك إن قبلتموه ويعاقبكم إن عصيتموه فقد كذبتم فسوف تعلمون.
وقال القتيبي: المعنى: ما يعبأ بعذابكم ربي لولا دعاؤكم غيره، أي: لولا شرككم به.
وقال الضحاك: لولا عبادتكم إياه.
ثم قال تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَاماً﴾، أي: فقد كذبتم رسولكم فسوف يكون عقاب تكذيبكم لرسولكم لزاماً، أي: ملازماً لكم، أي: عذاباً ملازماً وهو ما حل بكم يوم بدر.
وقال ابن مسعود: اللزام: يوم بدر.
وقال أبي بن كعب: هو القتل يوم بدر: وهو قول مجاهد والضحاك، وقال ابن زيد: اللزام: القتل يوم بدر.
وقال ابن عباس: اللزام: الموت.
وقال أبو عبيدة: فسوف يكون لزاماً أي: جزاء يلزم كل عامل يعمله من خير أو شر.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
/ قوله تعالى ذكره: ﴿طسم﴾ [1] إلى قوله (يَسْتَهْزِئُونَ) [5].
قال ابن عباس: طَسِم: قسم، أقسم الله جلّ ذكره به، وهو من أسماء الله.
وقال قتادة: هو اسم من أسماء القرآن، فالتقدير على قول ابن عباس: والسميع إن هذه الآيات التي أنزلتها على محمد في هذه السورة، آيات الكتاب التي أنزلتها من قبلها الذي يبين لمن تدبره بفهم وفكر فيه.
يعقل أنه من عند الله لم ينخرصه محمد، ولا تقوله من عند نفسه والمعنى في ﴿تِلْكَ آيَاتُ الكتاب المبين﴾، أي:
هذه الآية التي كنتم وعدتم بها على لسان موسى، لأنهم قد وعدوا في التوراة والإنجيل بإنزال القرآن.
قال تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ﴾ أي: لعلك قاتل نفسك يا محمد لأجل تأخرهم عن الإيمان بك.
قال تعالى: ﴿إِن نَّشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِّنَ السمآء آيَةً﴾، أي: إن نشأ يا محمد ننزل عليهم لأجل تكذيبهم لك من السماء آية.
﴿فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ﴾، أي: فظل القوم ختضعة أعناقهم لها.
قال قتادة: معناه لو شاء الله لأنزل آية يذلون بها، فلا يلوي أحد منهم عنقه إلى معصية الله.
قال ابن جريج: معناه لو شاء لأراهم أمراً من أمره، لا يعمل أحد بعده بمعصية.
وقيل: المعنى: لو نشاء لأنزلنا عليهم عليهم آية تلجئهم إلى الإيمان من غير أن يستحقوا على ذلك ثوابه ولا مدحاً، لأنهم اضطروا إلى ذلك، ولم يفعله الله بهم ليؤمنوا طوعاً.
فيستحقوا على ذلك الثواب، إذ لو آمنوا كرهاً بآية لم يستحقوا على ذلك الثواب.
وقال مجاهد: أ'ناقهم: كبراؤهم.
وقال أبو زيد والأخفش: أعناقهم: جماعاتهم، يقال: جاءني عنق من الناس، أي: جماعة، ويقال: جاء في عنق من الناس أي: كبراؤهم.
وهذا قول مجاهد.
وقال عيسى بن عمر: خاضعين، وخاضعة هنا واحد وهو اختيار المبرد.
فمن قال: خاضعين رده على المضاف إليه.
ومن قال: خاضعة رده على الأعناق لأنهم إذا ذلوا ذلت رقابهم، وإذا ذلت رقابهم ذلوا.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَمَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّنَ الرحمن مُحْدَثٍ﴾، أي: ما يأتي هؤلاء المشركين من تذكير يحدثه الله
إليك، ويوحيه إليك إلا أعرضوا عنه ولم يسمعوه، فهو محدث عند النبي عليه السلام، وعند من نزل عليه، وليس بمحدث في الأصل إنما سمي محدثاً لحدوثه عند من لم يكن يعلمه، فأنزل الله إياه، وهو غير محدث لأنه كلام الله، صفة من صفاته، ولو كان القرآن محدثاً لكانت الأخبار التي فيه لم يعملها الله حتى حدثت تعالى الله عن ذلك.
ولو كان محدثاً لكان قوله: ﴿شَهِدَ الله أَنَّهُ لاَ إله إِلاَّ هُوَ﴾ [آل عمران: 18] الآية، و ﴿قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] السورة محدثاً فيكون التوحيد لله محدثاً، وتكون صفاته التي أخبرنا بها في القرآن محدثة؛ تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
أي: كذبوا بالذكر الذي أتاهم فسيأتيهم أخبار ما قد كذبوا به واستهزءوا منه، وهذا تهديد من الله لهم أنه سيحل بهم العقوبة على تماديهم على تكذيبهم وكفرهم وإنما أخبر
عنهم بالكذب، لأنه أخبر عنهم بالإعراض عن القرآن، ومن أعرض عن شيء فقد تركه، ومن ترك قبول شيء فقد كذب به، فلذلك أخبر عنهم بالتكذيب.
وهذا من التدريج والإيماء، ودل قوله: ﴿مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾، أن من كذب بشيء فقد استهزأ به، واستخف به.
قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إِلَى الأرض كَمْ أَنبَتْنَا فِيهَا﴾.
المعنى: أَوَلَمْ ير هؤلاء المكذبون بالبعث إلى الأرض كم أنبتنا فيها بعد أن كانت مينة لا نبات فيها ﴿مِن كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ﴾، أي: من كل جنس حسن، فكما أحيينا الأرض بهذا النبات، كذلك نحييهم بعد الموت للبعث/ يوم القيامة، لأن أصلهم من الأرض فهم كالأرض.
قال الشعبي: الناس من بنات الأرض فمن صار منهم إلى الجنة فهو كريم، ومن صار إلى النار فهو لئيم.
قال الفراء: الزوج اللون.
قم قال ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ أي: إن في إنباته النبات في الأرض لدلالة لهؤلاء المنكرين للبعث على كون البعث، وأن القدرة التي أنبت الله بها في الأرض ذلك النبات، ليقدر بها على نشر الموتى بعد مماتهم.
ثم قال ﴿وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾، أي: قد سبق في علم الله أنهم لا يؤمنون فأخبر عنهم ما سبق في علمه منهم.
قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ العزيز﴾ أي: لا يمتنع عليه شيء يريده ﴿الرحيم﴾، أي: ذو الرحمة لمن تاب من كفره.
قال ابن جريج: كل شيء في الشعراء من قوله " عزيز رحيم " فمعناه عزيز حين انتقم من أعدائه، رحيم بالمؤمنين حين أنجاهم ممن أهلك.
قال تعالى: ﴿وَإِذْ نادى رَبُّكَ موسى أَنِ ائت القوم الظالمين﴾، أي: واذكر يا محمد، إذ نادى ربك " موسى " بأن إئت القوم الظالمين، ثم بيَّنهم فقال: ﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ﴾، أي: فقل لهم: ألا يتقون، وجاء باليا، لأنهم غيب عن المخاطبة.
ودل قوله: ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، على أنهم كانوا لا يتقون، ودل أيضاً على أنه أمر موسى أن يأمرهم بالتقوى، فهذا من باب الإيماء إلى الشيء بغيره، لأنه أمره بأن يأتي القوم الظالمين ولم يبين لأي شيء يأتيهم، فدل قوله ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، لأي شيء يأتيهم وهو الأمر بالتقوى والتقوى اسم جامع للخير كله من الإيمان والعمل.
فكأنه قال: أن إئت القوم الظالمين ومرهم بالتقوى فهذا مفهوم الخطاب.
ثم قال تعالى: حكاية عن قول موسى: ﴿قَالَ رَبِّ إني أَخَافُ أَن يُكَذِّبُونِ﴾، أي: أخاف من قوم فرعون أن يكذبون بقولي: إنك أرسلتني إليهم، ويضيق صدري
من تكذيبهم إياي، ولا ينطلق لساني بالعبارة عما ترسلني إليهم به للعلة التي في لساني.
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلْ إلى هَارُونَ﴾، يعني أهاه، أي: ليؤازرني ويعينني، فالمعنى اجعله رسولاً لك معي.
ثم قال: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ﴾، أي: ولقوم فرعون علي ذنب أذنبته إليهم، وهو قتله القبطي بالوكزة ﴿فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ﴾، يعني قود بالنفس التي قتلت منهم.
﴿قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾، وقف، و ﴿أَلا يَتَّقُونَ﴾، التمام و ﴿أَن يُكَذِّبُونِ﴾، وقف إن رفعت ﴿وَيَضِيقُ﴾ على الاستئناف، فإن رفعت عطفت على ﴿أَخَافُ﴾، أو نصبت عطفت على ﴿يُكَذِّبُونِ﴾، كان التمام ﴿أَن يَقْتُلُونِ﴾.
ثم قال: ﴿قَالَ كَلاَّ فاذهبا بِآيَاتِنَآ﴾، أي: لن يقتلوك انزجر عن الخوف من ذلك فإنهم لا يصلون إليك.
فاذهب أنت وأخوك بآياتنا، أي: بإعلامنا، وحججنا ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُّسْتَمِعُونَ﴾، ووجه قوله: ﴿مُّسْتَمِعُونَ﴾ أنه بمعنى سامعون لأن الاستماع إنما يكون بالإصغاء، وذلك لا يجوز على الله جلّ ذكره، وأخبر عن نفسه بلفظ الجماعة وذلك جائز.
وقال: ﴿مَعَكُمْ﴾ وهما اثنان لأن الاثنين جمع، كما قال: ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ [النساء: 11] يريد أخوين ويحتمل أن يكون ثم قال: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فقولا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ العالمين﴾، وحد رسولاً وهما اثنان لأنه أراد به المصدر بمعنى الرسالة.
يقول: أرسلت رسالة ورسولاً.
وتقديره: إنا ذوا رسالة.
وقيل: رسول اسم للجمع كالعدو والصديق، فلذلك أتى موحداً.
أي: بأن أرسل معنا بني إسرائيل أي: بأن
تطلقهم وتخلي سبيلهم.
قال: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيداً﴾ أي: قال فرعون لموسى حين قال له: أرسل معنا بني إسرائيل - ألم نربك ميتاً صغيراً، وفي الكلام حذف والتقدير: فلما ذهبا إليه قالا ذلك.
وقوله: / ﴿وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ﴾، بمن فرعون على موسى بتربيته عنده إلى أن قتل القبطي.
وروى الخفاف عن أبي عمرو " عُمْرك " بإسكان الميم، وحكى سيبويه فتح العين وإسكان الميم في القسم في " لعمرك " فلا يستعمل في القسم عنده إلا مفتوحاً لخفته، وكثرة استعمالهم له في القَسَم.
قال تعالى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ التي فَعَلْتَ﴾، يعني قتله القبطي، يوبخ فرعون موسى بذلك.
وقرأ الشعبي ﴿فَعْلَتَكَ﴾ بكسر الفاء يريد به الحال
والهيئة كما تقول: هو حسن المثبه والركبة والجلسة.
وقوله: ﴿وَأَنتَ مِنَ الكافرين﴾.
قال السدي: معناه: وأنت من الكافرين على ديننا هذا التي تعيب؛ أي: أنت ساتر على ديننا.
قال ابن زيد: معناه: كفرت نعمتنا عليك، وتربيتنا لك فجازيتنا أن قتلت نفساً منا وكفرت نعمتنا.
وكذلك قال ابن عباس: يريد كفر النعمة.
وقيل المعنى: وقتلت نفساً منا وأنت الآن من الكافرين لنعمتي، وتربيتي إياك.
فقال موسى لفرعون: ﴿فَعَلْتُهَآ إِذاً وَأَنَاْ مِنَ الضالين﴾، أي: قتلت النفس وأنا من الجاهلين، لأن ذلك قبل أن يأتيه الوحي من الله بتحريم قتله.
يقال: جهل فلان الطريق وضل الطريق بمعنى، وفي حرف ابن مسعود من الجاهلين.
وقال ابن زيد: معناه: وأنا من الخاطئين لقتله لم أتعمده، قال أبو عبيدة: من الضالين: من الناسين.
وقال الزجاج: وأنت من الكافرين لنعمتي ويجوز من الكافرين لقتلك الذي قتلت فنفى موسى الكفر، واعترف بأنه فعل ذلك جهلاً.
وقيل: معنى: الضالين: أي: قتلت القبطي وأنا ضال في العلم بأن وكزتي له تقتله، لم أتعمد قتله ولا قصدت لذلك.
قال تعالى ﴿فَفَرَرْتُ مِنكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾، أي: هربت منك خوفاً أن تقتلوني بقتلي القبطي منكم ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً﴾، قال السدي: نبوة.
وقال الزجاج: الحكم: تعليمه التوراة التي فيها حكم الله.
﴿وَجَعَلَنِي مِنَ المرسلين﴾، أي إلى خلقه.
ثم قال موسى لفرعون ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ أي وتربيتك إياي، وتركك استعبادي كما استعبدت بني إسرائيل نعمة منك تمنها عليّ، وفي الكلام حذف، والتقدير: وتلك نعمة تمنها علي أن عبدت بني إسرائيل وتركتني لم تيتعبدني.
وقال الأخفش قيل المعنى: وتلك نعمة على الاستفهام الذي معناه التوبيخ والتقريع.
وقال الفراء: في الكلام حذف والتقدير: هي لعمري نعمة إذ مننت علي فلم تستعبدني، واستعبدت بني إسرائيل.
وقال الضحاك: المعنى إنك تمن علي بأن عبدتني وأنا من بني إسرائيل، لأنه روي أنه كان رباه على أن يستعبده.
وقيل المعنى: وأنت من الكافرين لنعمتي، وتربيتي لك فأجابه موسى فقال: نعم هي نعمة أن هبّدت بني إسرائيل ولم تستعبدني.
وأن في موضع رفع على البدل من نعمة.
وقيل: هي في موضع نصب على معنى: بأن عبدت، يقال عبدت الرجل وأعبدته: إذا اتخذته عبداً.
وقيل: وتلك نعمة تمنها عليّ أن استعبدت بني إسرائيل فكلفتهم تربيتي.
لأن فرعون لم يربه إنما أمر من يربيه من بني إسرائيل أمه وغيرها.
فلما منّ عليه فرعون بتربيته له.
قال له موسى أثر بيتك إيأي: باستعبادك بني إسرائيل وتكليفك لهم
تربيتي نعمة لك علي لا نعمة لك في ذلك علي؛ لأن بني إسرائيل هم الذين تولوا تربيتي باستعبادك إياهم على ذلك.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ العالمين﴾،
هذا يدل على أن موسى دعاه إلى طاعة رب العالمين.
قال فرعون: ﴿وَمَا رَبُّ العالمين﴾، فهذا حذف، واختصار يدل عليه جواب فرعون.
وهذا من إعجاز القرآن، وإيتان اللفظ القليل بالمعاني الكثيرة.
ومثل هذا لا يوجد في كلام الناس: أي: قال فرعون: وأي: شيء رب العالمين.
قال موسى ﴿قَالَ رَبُّ / السماوات والأرض﴾ أي: مالكهن ﴿وَمَا بَيْنَهُمَآ إِن كُنتُمْ مُّوقِنِينَ﴾، فأجابه موسى بصفات الله التي يعجز عنها المخلوقون، ولم يكن عنده رد على موسى غير أن قال لمن حوله: ﴿أَلاَ تَسْتَمِعُونَ﴾، أي: ألا تستمعون جواب موسى، لأن فرعون سأل موسى عن الأجناس أي: من أي: جنس رب العالمين فلما لم يكن الله جلّ ذكره جنساً من الأجناس