الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 5209-5248
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 5209-5248
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

في وجهه، وتكذبه، فلم يسلطه الله على ذلك، فقتل عقبة يوم بدر صبرا، وأما أُبيّ بن خلف فقتله النبي يوم أحد في القتال، وهما اللذان ذكرا في هذه الآية.
وقال مجاهد دعا عقبة بن أبي معيط مجلساً فيهم النبي صلى الله عليه وسلم لطعام، فأبى النبي عليه السلام أن يأكل فقال: لا آكل حتى تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
فقالها، فلقيه أمية بن خلف، فقال: صبوت، فقال، إن أخاك على ما تعلم، ولكني صنعت طعاماً، فأبى أن يأكل حتى أقول ذلك فقتله، وليس من نفسي، فأما

عقبة فكان في الأسرى يوم بدر، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقتله فقال: أقتل دونهم، فقال: نعم بكفرك وعتوك، فقال من للصّبية؟ فقال: النار، فقام علي / بن أبي طالب فقتله، وأما أبيّ بن خلف، فقتله النبي صلى الله عليه وسلم بيده، وكان قد قال: والله لأقتلن محمداً، فبلغ ذلك النبي عليه السلام فقال: أنا أقتله إن شاء الله، فالعاض على يديه هو عقبة.
روي: أنه يعض على يديه يوم القيامة، أسفاً على ما فاته من الإسلام، وما فعل من الكفر، فيأكلها حتى يبلغ إلى المرافق ثم تنبت، فلا يزال هكذا كلما أكلها تنبت، ندامة على ما فرط ويقول: ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني: أبي بن خلف الذي رده عن الإيمان.

وقيل، عني بالظالم: كل ظالم ظلم نفسه بالكفر بالله، ولذلك قال ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾، فأتى بلفظ فلان الذي يصلح أيضا لكل إنسان، فالظالم اسم عام، وفلان اسم عام، فالندم والتحسر يكون من كل ظالم لنفسه بالكفر.
ومعنى ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي﴾ لقد أضللت بقوله ومساعدته على الكفر واتباعي له.
وقال مجاهد: عني بفلان: الشيطان.
وهو قول: أبي رجاء، فالظالم كل من كفر بالله، واتبع خطوات الشيطان فيندم على ذلك يوم القيامة، ويعض على

يديه ويقول: ﴿لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذكر﴾ أي: أضلني الشيطان عن الإيمان بالقرآن بعد إذ جاءني من عند الله، ودل على هذا التأويل قوله، بعقب الآية.
﴿وَكَانَ الشيطان لِلإِنْسَانِ خَذُولاً﴾، أي: يسلمه لما ينزله به من البلاء ويخذله فلا ينجيه منه.
وقالت: الرافضة لعنها الله: هما رجلان معروفان، وذكروا رجلين من أجلّ أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، كذباً منهم وبهتاناً.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الرسول يارب﴾، الآية: أي: يقول الرسول يوم يعض الظالم على يديه: يا رب إن قومي الذين بعثتني إليهم بالقرآن: اتخذوه مهجوراً.
قال مجاهد: يهجرون فيه بالقول فيقولون هو سحر.

وقال ابن زيد: مهجوراً: أي: لا يريدون أن يسمعوه، أي: هجروه، وأعرضوا عنه فلا يسمعونه.
قال تعالى ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً﴾ الآية، أي: وكما جعلنا لك يا محمد أعداء من مشركي قومك، كذلك جعلنا لكل نبي عدوا، فلم نخصصك بذلك من بينهم، فعلم النبي أنه جاعل له عدوا من المجرمين كما جعل لمن قبله.
قال ابن عباس، يراد به: أبو جهل.
ثم قال: ﴿وكفى بِرَبِّكَ هَادِياً﴾ فمن نصب هادياً على الحال أو على البيان، ومعناه، كفاك ربك هادياً يهديك إلى الحق، ويبصرك الرشد، ﴿وَنَصِيراً﴾، أي: وناصراً على إهدائك.
قال تعالى: ﴿وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ﴾ أي: قال

مشركوا قريش: هلا نزل القرآن على محمد عليه السلام: جملة واحدة.
كما نزلت التوراة والإنجيل.
قال الله تعالى وجل ذكره: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله، لنثبت به فؤادك فلا بد من إضمار فعلٍ إذا وقفت على كذلك.
وقيل، الوقف على " واحدة "، ثم تبتدئ ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ﴾.
أي نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك.
وقيل، إن " ذا " من كذلك: إشارة إلى التوراة.
أي: لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة مثل ذلك أي: مثل التوراة، فتقف على ﴿كَذَلِكَ﴾، وتبتدئ ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فعلنا ذلك لنثبت، أي: ونزلناه متفرقا لنثبت، فتضمر ما يتعلق به اللام، ويكون الكاف في موضع نصب نعت لجملة.
ومن ابتدأ بكذلك جعل الكاف في موضع نصب نعتا لمصدر محذوف أي: نزلناه تنزيلاً

﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: فرقنا نزوله ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، لأنهم سألوا ما الصلاح في غيره، لأن القرآن، كان ينزل متفرقاً جواباً عما يسألون عنه، وكان ذلك من علامات النبوة، إذ لا يسألون عن شيء إلا أجيبوا عنه، وهذا لا يكون إلا من نبي.
فكان ذلك تثبيتا لفؤاده وأفئدتهم، وبين الله هذا المعنى بقوله: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾ [الفرقان: 33]، فكان في نزوله متفرقاً الصلاح، والرشد، ولو نزل جملة لكان قد سبق الحوادث التي ينزل فيها القرآن، ولو نزل جملة واحدة بما فيه من الفرائض لثقل ذلك عليهم، فعلم الله جل ثناؤه ما فيه من الصلاح، فأنزله متفرقاً، ولو نزل جملة لزال معنى التثبيت، ولم يكن فيه ناسخ ولا منسوخ، إذ لا يجوز أن يأتي في مرة واحدة افعلوا كذا ولا تفعلوا.

قال ابن عباس: / نزل متفرقاً على النبي صلى الله عليه وسلم ليعلمه عن ظهر قلب.
وقيل معنى: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ لتعيه.
لأنه لم يكن صلى الله عليه وسلم: يكتب، فلو نزل مرة واحدة، لصعب عليه حفظه مرة واحدة، ولشق ذلك عليه، فأنزله الله متفرقاً شيئاً بعد شيء، ليسهل عليه حفظه، وليعيه على وجهه.
و" ذا " من كذلك إشارة إلى التفريق، والمعنى أنزلناه متفرقاً ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، فالوقف على هذا على ﴿وَاحِدَةً﴾،.
وقيل: ذا: إشارة إلى التوراة والإنجيل: قاله الفراء وغيره.
فيكون الوقف " كذلك "، وفيه بعدٌ لأنه إشارة إلى ما لم يجر له ذكر، فأما القول الاول: فإن معنى التفريق قد تضمنه قولهم: ﴿لَوْلاَ نُزِّلَ عَلَيْهِ القرآن جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، لأن معناه لم نزل متفرقا؟ فقال الله تعالى نزل: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾، أي: نزل متفرقاً لنثبت به فؤادك يا محمد.
وقيل: إن " ذا " إشارة إلى التثبيت، أي: تثبيتا كذلك التثبيت.

ثم قال: ﴿وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً﴾، أي: أنزلناه آية وآيتين، وآيات جوابا لما يسألون عنه، وخبراً ليتعظوا به ووعظا، ليزدجروا به، وكان بين نزول أوله وآخره نحو من عشرين سنة.
قال ابن زيد ﴿وَرَتَّلْنَاهُ﴾، بيناه، وفسرناه.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلاَ يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلاَّ جِئْنَاكَ بالحق﴾.
أي: ليس يأتيك يا محمد هؤلاء المشركون بمثل يضربونه لك، ليحتجوا به عليك إلا جئناك من الحق أي: من القرآن بما يُبْطِلُ ما جاءوا به.
﴿وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً﴾، أي: أحسن تفصيلاً.
قال: ﴿الذين يُحْشَرُونَ على وُجُوهِهِمْ إلى جَهَنَّمَ﴾، أي: الذين يساقون يوم القيامة على وجوههم إلى جهنم شر مستقراً في الدنيا والآخرة، من أهل الجنة في الجنة، وأضل منهم طريقاً في الدنيا.
قال مجاهد: الذي أمشاهم على أرجلهم، قادر أن يمشيهم على وجوههم إلى جهنم.

وروى أنس: " أن رجلاً قال للنبي صلى الله عليه [وسلم]،: كيف يا رسول الله: يحشر الكافر على وجهه فقال: الذي أمشاه على رجليه قادر على أن يمشيه على وجهه ". قال أبو هريرة: يحشر الناس يوم القيامة على ثلاثة أصناف.
صنف على الدواب، وصنف على أقدامهم، وصنف على وجوههم.
فقيل له: كيف يمشون على وجوههم قال: إن الذي أمشاهم على أقدامه قادر أن يمشيهم على وجوههم.
وقيل: إن هذا تمثيل.
كما تقول: ستمضي على وجهك أي: كارهاً.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الكتاب﴾، الآية، اي: آتينا موسى التوراة.
كما آتيناك يا محمد القرآن ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيراً﴾ أي: معيناً وظهيراً

﴿فَقُلْنَا اذهبآ إِلَى القوم الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾ يعني فرعون وقومه ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾ أي: أهلكناهم.
وفي الكلام حذف والتقدير: فذهبا فكذبوهما، فدمرناهم، فدخول الفاء تدل على هذا الحذف.
وقال الفراء: المأمور بالذهاب في المعنى موسى وحده، بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَنَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: 61] والناسي يوشع وحده.
وبمنزلة ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] وإنما يخرجان من الملح.
وهذا قول مردود لأنه قد كرر في كثير من الآيات إرسال هارون مع موسى إلى فرعون، فلا يحتاج فيه إلى هذا المجاز.
والوقف ﴿بِآيَاتِنَا﴾، وقرئت ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيراً﴾، على الخبر عن موسى وهارون.
وقرئت ﴿فدمِّرانِهم﴾، على الأمر لموسى وهارون

وتشديد النون، فلا يحتاج في هاتين القراءتين إلى إضمار ولا حذف، وهما قراءتان شاذتان، والوقف على هاتين القراءتين ﴿تَدْمِيراً﴾.
قال تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل أَغْرَقْنَاهُمْ﴾، أي: واذكر قوم نوح.
وقيل: هو معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾ [الفرقان: 36].
وقيل: التقدير: وأغرقنا قوم نوح، لما كذبوا الرسل أغرقناهم وهذا حسن.
والمعنى: وأغرقنا قوم نوح من قبل قوم فرعون لما كذبوا الرسل ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾.
وقوله: ﴿لَّمَّا كَذَّبُواْ الرسل﴾، قيل: إنهم كذبوا رسلاً قبل نوح فلذلك جمع.
وقيل: إن من كذَّب نبياً، فقد كذب جميع الأنبياء.
فجمع على المعنى.

ثم قال ﴿وَأَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ﴾، أي: لهم ولمن هو / مثلهم في الظلم والكفر ﴿عَذَاباً أَلِيماً﴾، في الآخرة سوى الذي حل بهم في الدنيا.
قال: ﴿وَعَاداً وَثَمُودَاْ وَأَصْحَابَ الرس﴾، كل هذا معطوف على قوم نوح أي: واذكر.
وقيل: ذلك معطوف على الضمير في ﴿جَعَلْنَاهُمْ﴾.
وقيل: التقدير: وأعتدنا للظالمين عذاباً أليماً، وعبنا عاداً وثموداً.
وقوله: ﴿وَكُلاًّ تَبَّرْنَا تَتْبِيراً﴾، أي: وتبرنا كلاً، أي: أهلكنا كلاً وقوله: ﴿وَكُلاًّ ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾، أي: وذكرنا كلاً، ووعظنا كلاً ﴿ضَرَبْنَا لَهُ الأمثال﴾، فتضمر هذا ونحوه، لأن ضرب الأمثال وعظ وتذكير.
وقيل: وعاداً وما بعده معطوف على المفعول في ﴿فَدَمَّرْنَاهُمْ﴾، أي: دمرنا عاداً وثموداً

وأصحاب الرس.
قال ابن عباس: أصحاب الرس قرية من ثمود.
وقال قتادة الرس: قرية من اليمامة يقال لها الفلج.
وعن ابن عباس وعكرمة: الرس: بئر.
وقاله مجاهد.
قال أبو عبيدة الرس: المعدن، وصاحب الرس: نبي يقال له: حنظلة بن صفوان: قتلوه وطرحوه في البئر.
والرس عند جماعة من أهل اللغة: الركية التي لم تصلو.

وروى محمد بن كعب القرظي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة: العبد الأسود وذلك أن الله جل ذكره: بعث نبياً إلى أهل قريته، فلم يؤمن أحد من أهلها إلا ذلك الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي فحفروا له بئراً وألقوه فيها.
ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم، قال: فكان ذلك العبد الأسود يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه، فيبيعه فيشتري به طعاماً وشراباً، ثم يأتي به إلى تلك البئر فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله تعالى عليها، فيدلي طعامه وشرابه إليه، ثم يرجعها كما كانت، فكان ذلك ما شاء الله أن يكون ثم ذهب يوماً يحتطب كما كان يصنع فجمع حطبه، وحزم حزمته وفرغ منها، فلما أراد أن يحتملها، وجد سِنَةً فاضطجع فنام، فضرب الله على أذنه سبع سنين نائما ثم إنه

هب فتمطى فتحول لشقه الآخر، فاضطجع، فضرب الله على أذنه سبع سنين أخرى، ثم إنه هب فاحتمل حزمته، ولا يحسب إلا أنه نام ساعة من نهار، فجاء إلى القرية فباع حزمتة، ثم اشترى طعاماً وشراباً كما كان يصنع، ثم ذهب إلى الحفرة فالتمسه فلم يجده وقد كان بدا لقومه فيه، فاستخرجوه، وآمنوا به وصدقوه، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يسألهم عن ذلك الأسود، ما فعل فيقولون ما ندري حتى قبض الله النبي، وأتى الأسود بعد ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم، إن ذلك الأسود لأول من يدخل الجنة فهؤلاء لا ينبغي أن يكونوا أصحاب الرس لأنهم آمنوا " ، وقد حكى الله عن أصحاب الرس أنه دمرهم، إلآ أن يكونوا أحدثوا حدثاً بعد نبيهم.
وقوله: ﴿وَقُرُوناً بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيراً﴾، أي: ودمرنا قروناً بين أضعاف هذه الأمم التي ذكرنا.

وقال: قتادة أصحاب الأيكة وأصحاب الرس أمتان أرسل إليهما جميعاً شعيب، فكفرتا فعذبتا بعذابين.
قال قتادة: القرن سبعون سنة.
وقيل: القرن أربعون سنة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى القرية التي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السوء﴾.
أي ولقد أتى هؤلاء الذين اتخذوا القرآن مهجوراً على القرية التي أمطرت

مطر السوء وهي سدوم قرية قوم لوط و ﴿مَطَرَ السوء﴾، الحجارة التي أهلكهم الله بها.
وقال ابن عباس خمس قريات أهلك الله أربعا، وبقيت الخامسة واسمها سفن كان أهلها لا يعملون ذلك العمل، وكانت سدوم أعظمها وهي التي نزل لوط، ومنها بعث، وكان إبراهيم صلى الله عليه [وسلم]، ينادي نصيحة لهم يا سدوم يوم لكم من الله أنهاكم أن تتعرضوا للعقوبة من الله، وكان لوط ابن أخي إبراهيم.
ثم قال ﴿أَفَلَمْ يَكُونُواْ / يَرَوْنَهَا﴾، أي: أفلم يكن هؤلاء المشركون يرون تلك القرية وما نزل بها، فيحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.

ثم قال ﴿بَلْ كَانُواْ لاَ يَرْجُونَ نُشُوراً﴾، أي: لم يكذبوا محمداً، لأنهم لم يكونوا يرون القرية وما حل بها، ولكنهم كذبوه من أجل أنهم قوم لا يخافون نشوراً بعد الموت، أي: لا يؤمنون بالآخرة.
وقيل: المعنى: بل كانوا لا يرجون ثواب الله عند النشور، فاجترأوا على المعاصي.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾، أي: وإذا رآك يا محمد هؤلاء المشركون ما يتخذونك إلا هزؤاً، أي: سخرياً يسخرون منك يقولون: ﴿أهذا الذي بَعَثَ الله رَسُولاً﴾، من بين خلقه، احتقارا له.
﴿إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا﴾، أي: قد كاد يضلنا ﴿عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا﴾، أي: على عبادتها.
قال الله جل ذكره: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العذاب مَنْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾ أي: سيتبين لهم حين يعاينون عذاب الله، ويحل بهم، من السالك سبيل الردى والراكب طريق الهدى أنت أم هم.
قال تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتخذ إلهه هَوَاهُ﴾، أي: جعل إلهه ما يشتهي،

ويهوى من غير حجة ولا برهان على اتخاذه إياه إلهاً.
كان الرجل من المشركين يعبد الحجر فإذا رأى أحسن منه رمى به، وأخذ الآخر فعبده.
ثم قال: ﴿أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلاً﴾، يخاطب النبي صلى الله عليه وسلم أي: أفأنت تجبره على ترك ذلك.
وقيل: معناه: أفأنت تكون عليه حفيظاً، في أفعاله مع عظيم جهله.
وقيل: معناه أفأنت يمكنك صرفه عن كفره، ولا يلزمك ذلك، إنما عليك البلاغ والبيان.
أي: لست بمأخوذ بكفرهم، ادع إلى الله وبين ما أرسلت به فهذا ما يلزمك لا غير.
قال تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ﴾، أي: يسمعون ما يتلى عليهم، فيعون أو يعقلون، ما يعاينون من حجج الله فيفهمون ﴿إِنْ هُمْ إِلاَّ كالأنعام﴾، أي ما هم إلا كالأنعام التي لا تعقل ما يقال لها: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً﴾،

من البهائم لأن البهائم تهدتي لمراعيها، وتنقاد لأربابها، وهؤلاء الكفار، لا يطيعون ربهم ولا يشكرون نعمة من أنهم عليهم.
وقيل، لأن الأنعام تسيح وتجتنب مضارها.
وقيل: لما كانوا لا ينتفعون بما يسمعون، كا، وا كأنهم لم يسمعوا ولم يعقلوا.
قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظل﴾،.
مد الظل هو ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس.
وقيل له ممدود، لأنه لا شمس معه، ولذلك قال في ظل الجنة: ﴿وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ﴾ [الواقعة: 30] أي ليس معه شمس قاله ابن عباس، وابن جبير، وعكرمة

والضحاك، وابن زيد.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: دائما لا تذهبه الشمس ولا تنقصه.
قاله ابن عباس، وقتادة، وابن زيد يعنون كظل الجنة الذي لا تذهبه شمس.
وقال مجاهد: لا تيصبه الشمس ولا يزول.
وقال الحسن: لو شاء لتركه ظلاً كما هو.
وقيل: هو من غيبوبة الشمس إلى طلوعها.
لأن الظل في هذه المدة يعم الأرض ومن عليها ﴿وَلَوْ شَآءَ لَجَعَلَهُ سَاكِناً﴾، أي: لأقامه أبداً بمنع طلوع الشمس بعد غيبوبتها، فلما طلعت الشمس دلت على زوال الظل، وبدا فيها

النقصان، فبطلوع الشمس يبدو النقصان في الظل، وبغروبها تبدو الزيادة في الظل فبالشمس استدل أهل الأرض على الظل وزيادته ونقصه.
وكلما علت الشمس نقص الظل، وكلما دنت للغروب زاد الظل، فهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، يعني في وقت علو الشمس في السماء ينقص الظل يسيراً بعد يسير، وكذلك زيادته بعد نصف النهار، يزيد يسيراً بعد يسير حتى يعدم الأرض كلها، فأما زوال الظل كله، فإنما يكون في البلدان المتوسطة في وقت.
وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا الشمس عَلَيْهِ دَلِيلاً﴾، أي: ثم دللناكم بنسخ الشمس إياه عند طلوعهما / عليه، أنه خلق من خلق ربكم يوجده إذا شاء، ويغيبه إذا أراد، أي: ثم جعلنا الشمس على الظل دليلاً.

وقيل: معنى ذلك: أنه لو لم يكن شمس تنسخه لم يعلم أنه شيء، إذ كانت الأشياء إنما تعرف بأضدادها، ولولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل في أشباه لذلك.
وقوله: جل ذكره: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضاً يَسِيراً﴾، أي: قبضنا ذلك الدليل من الشمس على الظل إلينا قبضاً خفياً سريعاً بالشمس الذي يأتي فتنسخه.
قال مجاهد ثم قبضناه: جري الشمس إياه.
وقيل: إن الهاء في ﴿قَبَضْنَاهُ﴾، عائدة على الظل، فمعنى الكلام ثم قبضنا الظل إلينا بعد غروب الشمس، وذلك أن الظل إذا غربت الشمس يعود فيقبضه الله بدخول الظلمة عليه قبضاً خفياً، ليس يذهبه مرة واحدة، بل يذهب قليلاً قليلاً.

وقال ابن عباس ﴿يَسِيراً﴾، سريعاً.
وأصل اليسير أنه فعيل من اليسر وهو السهل اللين.
وقال مجاهد: يسيراً: خفياً.
قال ابن جريج: مثل قول مجاهد وزاد: إنما بين الشمس والظل مثل الخيط.
وقال: ﴿دَلِيلاً﴾ والشمس مؤنثة لأنه ذهب إلى الضوء.
وقيل: ذكر لأن الشمس لا علامة فيها للتأنيث.
وذهب أبو عبيدة: أن العرب تقول: هي عديلي للتي تعادله، وهي وحي.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِبَاساً﴾.
أي: والذي مد الظل، ثم جعل الشمس عليه دليلاً، هو الذي جعل لكم الليل لباساً أي: ستراً وجُنة تسكنون فيه: فصار ستراً تستترون في ظلمته، كما

تستترون بالثياب التي تلبسونها.
وقوله: ﴿والنوم سُبَاتاً﴾، أي: راحة تستريح به أبدانكم، وتهدأ جوارحكم.
وقوله: ﴿وَجَعَلَ النهار نُشُوراً﴾، أي: يقظة وحياة من قولهم نشر الميت إذا حيي.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي أَرْسَلَ الرياح بُشْرَاً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾، أي: أرسل الرياح الملقحة حياة أمام رحمته، وهي المطر، ثم قال: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء مَآءً طَهُوراً﴾، الطهور فعول من أبنية المبالغة، والفرق بين طهور وطاهر: أن الطهور يكون طاهراً مطهراً لما فيه من المبالغة، لأن بناء فعول للمبالغة وضع، ولولا معنى المبالغة التي أحدثت بنيته، مما جاز أن يدل على أنه مطهر لغيره، لأن فعله: طَهَر أو طَهُر وكلاهما غير

متعد، فكذلك يحب أن يكون اسم الفاعل غير متعد، والطاهر لا يدل على أنه مطهر لغيره، إذ ليس فيه مبالغة في بنائه وإذ هو اسم فاعل من فعل غير متعد تقول: طهر الماء، وطهر فلا يتعدى إلى مطهر، فكذلك اسم الفاع لا يجوز أن يتعدى إلى مطهر إلا أن يحدث فيه بناء يدل على المبالغة فيحسن أن يدل على مطهريه فاعرفه.
قال: ﴿لِّنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَّيْتاً﴾، إنما جاء ميتاً على التذكير لأن البلدة والبلد سواء.
وقيل: إنه رده على الموضع لأن البلدة موضع ومكان.
ثم قال تعالى: ﴿وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَآ أَنْعَاماً﴾، أي: نسقي هذا الماء الذي أنزلنا من السماء ﴿أَنْعَاماً وَأَنَاسِيَّ كَثِيراً﴾.
قال الأخفش: واحد الأناسي: إنسي، ككرسي، وكراسي.
قاله المبرد،

وهو أحد قولي الفراء وله قول آخر.
قال واحد الأناسي: إنسان كأن أصله أناسين، ثم أبدل من النون ياء، ثم أدغم الياء التي قبلها فيها.
قال تعالى ذكره ": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُواْ﴾، أي: قسمنا هذا الماء بين الخلق ليذكروا نعم الله عليهم ويشكروا ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾، أي: فأبى أكثرهم إلا جحوداً لنعم الله تعالى عليهم.
وقال ابن عباس: ما عام أكثر من عام مطرا، ولكن الله يصرفه بين خلقه في الأرضين كيف يشاء.
ثم قرأ الآية.
وقال ابن مسعود ليس عام أمطر من عام، ولكن الله يصرفه، ثم قرأ الآية.
وقوله: ﴿فأبى أَكْثَرُ الناس إِلاَّ كُفُوراً﴾، يقولون مطرنا بنوء كذا.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَّذِيراً﴾، أي: لو شئنا لأرسلنا إلى أهل كل مصر نذيراً ينذرهم بأمر الله / فيخف عنك يا محمد كثير من عبء ما

حملناك، ولكن حملناك ثقل نذارة جميع القرى.
لتستوجب بصبرك، ما أعد الله لك من الكرامة عنده، فلا تطع الكافرين فيما يدعونك إليه من عبادة آلهتهم.
﴿وَجَاهِدْهُمْ بِهِ﴾، أي: بالقرآن حتى ينقادوا.
قاله ابن عباس.
وقيل " به ": الإسلام، قاله ابن زيد.
وقيل: معناه: ﴿وَجَاهِدْهُمْ﴾، بترك الطاعة لهم، لقوله: ﴿فَلاَ تُطِعِ الكافرين﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الذي مَرَجَ البحرين هذا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾.
أي: والله الذي خلط البحرين الحلو والملح في رأي: العين، ومرج بمعنى خلط.
وقيل: معناه: خلى.

وقيل: معناه أدام ماء البحرين جعل إدامته الماء فيهما مرجاً وحبساً للماء، ﴿وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخاً﴾، قال مجاهد: محبساً.
وقال ابن زيد: ستراً.
﴿وَحِجْراً مَّحْجُوراً﴾ أي: منعاً لئلا يفسد العذب المالح، فبينهما حاجز من قدرة الله تعالى وجلّ ثناؤه.
قال ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيراً﴾، أي: النطفة: خلق منها الإنسان ﴿فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً﴾.
قال ابن عباس: النسب سبع وهي في قوله تعالى ذكره: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أمهاتكم﴾، إلى ﴿وَبَنَاتُ الأخت﴾ [النساء: 23] والصهر سبع وهي في قوله: ﴿وأمهاتكم الاتي أَرْضَعْنَكُمْ﴾ [النساء: 23] إلى آخر ذكر الصهر.

وقال الضحاك: النسب: الأقرباء، والصهر ذوات الرضاع.
وقيل: النسب الذكور من الأولاد، والصهر: الإناث من الأولاد لأن المصاهرة من جهتهن تكون.
وقال الأصمعي: الختّن كل شيء من قبل المرأة مثل ابن المرأة وأخيها، والأصهار يجمع هذا كله يقال: صاهر فلان إليهم وأصهر.
وقال ابن الأعرابي: الأَختَان: أبو المرأة وأخوها وعمها، والصهر: زوج

ابنة الرجل، وقرابته، وأصهاره: كل ذي محرم من زوجته.
وقيل: عني بقوله: ﴿خَلَقَ مِنَ المآء بَشَراً﴾، آدم خلقه من الأرض التي أصلها مخلوقة من ماء.
وقد أخبرنا الله جلّ ذكره أنه خلق جميع الحيوان من ماء: فقال: ﴿خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٍ مِّن مَّآءٍ﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30].
قال: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله مَا لاَ يَنفَعُهُمْ وَلاَ يَضُرُّهُمْ﴾، أي: يعبد هؤلاء المشركون من دون الله ما لا يحب لهم نفعاً، ولا يدفع عنهم ضرراً.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ الكافر على رَبِّهِ ظَهِيراً﴾، أي: معيناً للشيطان على ربه

مظاهراً له على معصيته.
قال ابن جريج: هو أبو جهل ظاهر الشيطان على ربه.
وقاله ابن عباس.
وقال عكرمة: الكافر: إبليس وعن ابن عباس أن الكافر يستظهر بعبادة الأوثان على أوليائه.
وعنه أنه قال: هو أبو جهل، كان عوناً لمن عادى الله ورسوله.
وقيل معناه: إن الكافر يستظهر بعبادته الأوثان، وبمن يعبدها معه من الكفار على الله عز وجل لأنهم يطمعون أن يغلبوا رسول الله صلى الله عليه [وسلم]، والكافر اسم لجنس جميع الكفار.
وقيل: معناه: وكان الكافر على ربه هيّنا، من قولهم ظهرت به، فلم ألتفت

إليه، إذا جعلته خلف ظهرك فلم تلتفت إليه.
فكأن الظهير أصله مفعول، ثم صرف إلى فعيل وهو قول أبي عبيدة.
أي: لم نرسلك يا محمد إلا لتبشر أهل الطاعة بالجنة، وتنذر أهل المعصية بالنار.
قال ﴿قُلْ مَآ أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾، أي: ما أطلبكم على إنذاري لكم بأجر، فتقولون: إنما تطلب أموالنا فيما تدعونا إليه فلا نتبعك.
وقوله: ﴿إِلاَّ مَن شَآءَ أَن يَتَّخِذَ إلى رَبِّهِ سَبِيلاً﴾، هو استثناء منقطع أي: من شاء منكم أن يتخذ إلى ربه طريقاً بإنفاقه من ماله في سبيل ربي، فتعطوني من أموالكم وما ينفقه في ذلك، فتتخذوا بذلك طريقاً إلى رحمة ربكم، وقيل ثوابه.
قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الحي الذي لاَ يَمُوتُ﴾، أي: توكل يا محمد على

الحي الذي له الحياة الدائمة.
. . ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ﴾، أي: واعبده شكراً منك له على نعمه / ﴿وكفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيراً﴾، أي: لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، و ﴿خَبِيراً﴾ أبلغ من خابر.
قال تعالى: ﴿الذي خَلَقَ السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، أي: اخترع ذلك في ستة أيام، وقال: ﴿وَمَا بَيْنَهُمَا﴾، فأتى بلفظ التثنية وقد تقدم ذكر جمع، لأنه أراد النوعين، والستة الأيام أولها يوم الأحد، وآخرها الجمعة.
﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾، وذلك يوم السبت فيما قيل، ولا يجوز أن يتوهم أحد في ذلك: جلوساً ولا حركة ولا نقلة، ولكنه استوى [على]، العرش كما شاء، لا يمثل ذلك، جلوساً ولا يظن له انتقال من مكان إلى مكان، لأن ذلك لمن صفة المحدثات.
وقد قال تعالى ذكره: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] فلا يحل لأحد أن يمثل صفات ربه - الذي ليس كمثله شيء - بصفات المخلوقين الذين لهم أمثال وأشباه - فكما أنه تعالى لا يشبهه شيء، كذلك صفاته ليست كصفات المخلوقين.
فالاستواء معلوم، والكيف لا نعلمه، فعلينا التسليم لذلك.

وقد قيل: استوى: استولى، والمعنى: ثم استولى بمقدرته على العرش، فرفعه فوق السماوات والأرض المخلوقة هي وما بينهما في ستة أيام، والعرش مخلوق بعد السماوات والأرض.
ثم استولى بقدرته عليه، على عظمه، فرفعه فوق السماوات والأرض.
والله أعلم بمراده في ذلك، فهذا موضع مشكل وإنما ذكرنا قول من تقدمنا لم نأت بشيء من عندنا في هذا وشبهه.
ثم قال: ﴿الرحمن فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، الرحمن مرفوع على البدل من المضمر في استوى أو على: هو الرحمن، أو على الابتداء والخبر: ﴿فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً﴾، ويجوز الخفض على النعت للحي، ويجوز النصب على المدح، ومعناه: فاسأل عنه خبيراً.
الباء بمعنى: عن.
كما قال جلّ ذكره: ﴿سَأَلَ سَآئِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ﴾ [المعارج: 1]، أي: عن عذاب، ومعناه

عند الأخفش: فاسأل عن الرحمن أهل العلم يخبروك، فخبير مفعول للسؤال.
وقال علي بن سليمان: الباء على بابها.
والتقدير: فاسأل بسؤالك الذي تريد أن تسأل عنه: خبيراً، فخبير مفعول به مثل الأول.
وقيل: خبيراً: حال من الهاء في به: والتقدير: إذا أخبرتك شيئاً يا محمد فاعلم أنه كما أخبرتك أنا الخبير: وهو قول ابن جريج.
قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسجدوا للرحمن﴾، أي: إذا قيل للكفار اسجدوا للرحمن خالصاً قالوا: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾، وزادهم هذا القول نفوراً من الإيمان، وعن إخلاص السجود لله.
ومعنى نفوراً فراراً.
وقيل: إنما عتوا هنا بالرحمن: رحمان أليمامة: مسليمة الكذاب لأنه يسمى الرحمن.
وقد كانوا مقرين بالرحمن الذي خلقهم.
قال الله تعالى عنهم: ﴿لَوْ شَآءَ الرحمن مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ [الزخرف: 20]، وعلى هذا القول يحسن

القراءة بالياء والتقدير: أنسجد لما يأمرنا رحمان اليمامة، ومن قرأه بالتاء: جعله خطاباً للنبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل: إن قراءة الياء على معنى: قول بعضهم لبعض: ﴿أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا﴾ محمد صلى الله عليه [وسلم].
قال تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً﴾، أي: قصوراً.
كما قال ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 78].
وقيل: البروج: منازل الشمس والقمر؛ قاله مجاهد وقتادة، والنجوم كلها هي في البروج.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً﴾، يعني الشمس ﴿وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ أي:

مضيئاً.
ومن قرأ " سُرُجاً " بالجمع جعل البروج: القصور،، والسروج: النجوم.
ومن قرأ سراجاً بالتوحيد جعل البروج المنازل والسراج: الشمس، والضمير في " فيها " على القراءة، من قرأ: " سرجاً " بالجمع يعود على البروج التي هي القصور، ومن قرأ " سرجاً " بالتوحيد كان الضمير يعود على السماء، وإن شئت على البروج.
ويكون السراج يؤدي على الجمع كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: 67] / أي جعل فيها مضيئة.
وقرأ الأعمش و " قُمرا " بضم القاف وإسكان الميم، جعله جمعاً وهي قراءة شاذة.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَهُوَ الذي جَعَلَ اليل والنهار خِلْفَةً﴾.إلى قوله

(وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا) [67]. أي: جعل كل واحد من الليل والنهار خلقاً من الآخر ما فات في أحدهما من عمل الله أدرك قضاؤه في الآخر.
قاله عمر رضي الله عنهـ، وابن عباس والحسن قال مجاهد: معناه أنه جعل كل واحد منهما مخالفاً لصاحبه جعل هذا أسود وهذا أبيض.
وعن مجاهد أيضاً: أن المعنى: أنه جعل كل واحد منهما يخلف صاحبه، إذا ذهب هذا جاء هذا، وكذلك قال ابن زيد، وخلفة: مصدر ولذلك وحد.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل