الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
الفعل، فقيل لاوذ يُلاوذ فصحت في المصدر واعتلت في الفعل من قيام، فقيل: قام يقوم فوجب أن يعتل في المصدر، فقيل: من أجل ذلك قياماً فما عرفه.
ثم قال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾، أي ليحذر من يخالف أمر النبي عليه السلام أن تصيبه فتنة وهي: أن يطبع على قلبه فلا يؤمن، أي يظهر الكفر بلسانه فتضرب عنقه.
قال ابن زيد: هؤلاء المنافقون الذين يرجعون بغير إذن النبي صلى الله عليه وسلم، وقال: اللواذ: الروغان، ثم قال: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي في الدنيا على صنعهم ذلك.
وقال أبو عبيدة: " عن " هنا زائدة.
وذلك بعيد، على مذهب سيبويه، وغيره لأن " عن " و " على " لا تزادان.
ومعناه يخالفون بعدما أمرهم النبي عليه السلام.
وقال الطبري: المعنى: فليحذر الذين يولون عن أمره، ويدبرون عنه
معرضين.
قال: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾، أي ملك ما فيها، فلاينبغي لخلوقٍ مملوكٍ أن يخالف أمر مالكه، وخالقه فيستوجب عقوبته.
/ ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ﴾ من الطاعة والمعصية والمعنى: قد علم ذلك، فيجازيكم على ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾، أي يرجع الذين يخالفون عن أمر الله ﴿فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ﴾، أي يخبرهم بأعمالهم السيئة ويجازيهم عليها.
﴿والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ﴾.
أي ذو علم بكل شيء، من عملكم وغيره، وعمل غيركم لا يخفى عليه شيء من ذلك فهو يجازي كلاًّ بعمله يوم الرجوع إليه وهو يوم القيامة.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
مكية
وقال الضحاك: هي مدنية - وفيها آيتان مكيتان أو ثلاثة.
قوله: (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ) [68] الآيتان، وقيل إلى قوله (كِرَاماً) [72].
قوله تعالى ذكره: ﴿تَبَارَكَ الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾ [1]، إلى قوله (رَجُلًا مَسْحُورًا) [8].
قال ابن عباس تبارك من البركة.
وقال الفراء هي في العربية وتقدس واحد وهما العظمة.
وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة ومعنى البركة الكثرة من كل خيره.
وقيل: تبارك: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر.
وقيل: معناه: دام وثبت إنعامه.
وقيل: معناه: دام بقاء ﴿الذي نَزَّلَ الفرقان على عَبْدِهِ﴾، وثبتت نعمه على عباده، وهو كله مشتق من برك الشيء: إذا ثبت ومنه برك الجمل.
وقال النحاس، تبارك: تفاعل من البركة.
وهو حلول الخير، ومنه فلان: مبارك أي: ألخير يحل بحلوله، مشتق من البرك، والبركة وهما المصدر.
والفرقان: القرآن، سمي بذلك لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر.
وقوله ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾، أي: الذي أنزل عليه الفرقان ليكون لجميع الجن والإنس.
﴿نَذِيراً﴾، أي: منذراً لهم عقاب الله والنذير: المخوف عقاب الله، والنذير هو محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هو القرآن.
وقوله: ﴿وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلاَّ خَلاَ فِيهَا نَذِيرٌ﴾ [فاطر: 24] يدل على أنه: محمد صلى الله عليه وسلم ومثله ﴿لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] وأنذركم بالوحي ونذير بمعنى: منذر ولكن تضمن بناء فعيل للتكثير.
قال: ﴿الذي لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾، أي: سلطان ذلك كله وملكه.
﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾، هذا رد على من أضاف إليه الولد.
ثم قال: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي المُلْكِ﴾، هذا رد وتكذيب لمن عبد مع الله غيره، ورد على قول العرب فب التلبية: (لبيك لا شريك لك إلا شريك هو لك تملكه وما ملك).
ثم قال: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: اخترعه ﴿فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً﴾، أي: هيأه لما يصلح له، فلا خلل فيه ولا تفاوت.
وقيل: معناه: خلق الحيوان وقدَّر له ما يصلحه ويهيئه.
قال: ﴿واتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: اتخذ مشركو قريش آلهة يعبدونها من دون الله يقرعهم بذلك، ويعجب أهل النهي من فعلهم وعبادتهم ما لايخلق شيئا وهو يُخلق، ولا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً أي: لا يملك الآلهة دفع ضر، ولا استجلاب نفع.
ولا يملك إماتة حي، ولا إحياء ميت، ولا ينشره بعد مماته.
وتركوا عبادة من يملك الخير والنفع ويحيي ويميت، خلق كل شيء وهو
مالك كل شيء، ينشر الأموات إذا أراد، ويرزق الخلق بمشيئته.
قال: ﴿وَقَالَ الذين كفروا إِنْ هذا إِلاَّ إِفْكٌ افتراه﴾،: أي: قال هؤلاء المشركون: ما هذا الذي أتى به محمد إلا كذب وبهتان إخترعه واختلقه ﴿وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يعنون أن اليهود هم يعلمون محمداً صلى الله عليه وسلم.
ما يأتي به من القرآن قاله مجاهد.
وعن ابن عباس: أنهم عنوا بقولهم ﴿قَوْمٌ آخَرُونَ﴾، يسارا أبا فُكيهة مولى الحضرمي وعداساً وجبراً.
ثم قال: ﴿فَقَدْ جَآءُوا ظُلْماً وَزُوراً﴾، أي: أتى هؤلاء القائلون: إن الذي أتى به محمد صلى الله عليه وسلم إفك افتران بظلم، وهو وضع الشيء في غير موضعه، إذ وصفوا كلام الله بغير صفته.
والزور أصله تحسين الباطل، والمعنى: فقد جاء هؤلاء القائلون: إن القرآن: إفك وزور بكذب مُحَسَّنٍ.
قال تعالى: ﴿وقالوا أَسَاطِيرُ الأولين﴾، أي: قال أيضاً هؤلاء المشركون: الذي جاء به / محمد صلى الله عليه وسلم: وهو أساطير الأولين أي: أخبارهم، وما سطروا في كتبهم، ﴿اكتتبها﴾، محمد ﴿فَهِيَ تملى عَلَيْهِ﴾، أي تقرأ عليه ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾، أي: غدوة وعشياً.
ويروى أن هذه الآية نزلت في النضر بن الحرث بن كلدة.
قال ابن عباس، كان النضر من شياطين قريش، وكان يؤذي النبي صلى الله عليه وسلم، وكان قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك فارس، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس مجلساً
فذكر فيه بالله، وحذر قومه، ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقم الله، خلفه في مجلسه إذا قام، ثم يقول: أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه، فهلموا فأنا أحدثكم أحسن من حديثه، ثم يحدثهم عن ملوك فارس، ويقول: ما محمد أحسن حديثا مني، فأنزل الله جل ذكره في النضر ثمان آيات كل ما ذكر فيها ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾، ففيه نزل.
وقال ابن جريج ﴿أَسَاطِيرُ الأولين﴾، أشعارهم وكهانتهم.
وواحد الأساطير أسطورة مثل: أحدوثة وأحاديث.
وقيل واحدها: أسطار كأقوال وأقاويل.
وأسطار جمع سطر، فهو جمع الجمع على هذا القول.
قال تعالى: ﴿قُلْ أَنزَلَهُ الذي يَعْلَمُ السر فِي السماوات والأرض﴾، أي: قل يا محمد
لهؤلاء المشركين أنزل القرآن الذي يعلم سراً من السماوات والارض، ولا يخفى عليه شيء.
قال ابن جريج: يعلم ما يسر أهل الأرض وأهل السماء.
﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَّحِيماً﴾، أي: لم يزل يصفح عن خلقه ويرحمهم.
قال: ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾.
أي: ما له يأكل ويمشي، أنكروا عليه ذلك، ثم قالوا: ﴿لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً﴾، أي: هلا نزل معه ملك من السماء فينذرنا معه ﴿أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ﴾، أي: يطلع على كنز من كنوز الأرض ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾،.
أي يحدث الله له جنة يأكل منها.
قال ابن عباس: اجتمع أشراف قريش بظهر الكعبة وعرضوا عليه أشياء يفعلها لهم من تسيير جبالهم، وإحياء آبائهم، والمجيء بالله والملائكة قبيلا، وما ذكر
الله في بني إسرائيل.
وقالوا له سل ربك يبعث معك ملكا نصدقك بما تقول، وسله يجعل لك قصورا، وجنانا وكنوزا من ذهب وفضة، تغنيك على ما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه حتى يعرف فضلك ومنزلتك من ربك، إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم، ما أنا بفاعل ذلك، فحكى الله ذلك من قولهم له.
ثم قال تعالى ذكره ﴿وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً﴾ أي: قال ذلك بعضهم لبعض.
وقيل، قالوه للمؤمنين، أي: تتبعون رجلا له سَحر، والسَّحْر: الرئة أي:
وما تتبعون إلا رجلاً مخلوقاً مثلكم من بني آدم.
قوله تعالى ذكره: ﴿انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال﴾.
أي: انظر يا محمد كيف شبه لك هؤلاء المشركون الأشياء بقولهم: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل ﴿فَلاَ يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلاً﴾، أي: لا يجدون طريقاً إلى الحق الذي بعثتك به.
قال ابن عباس.
وقال مجاهد: لا يجدون مخرجاً يخرجهم عن الأمثال التي ضربوا لك.
ومعناه: إنهم ضربوا هذه الأمثال ليتوصلوا بها إلى تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم فضلوا بذلك عن سبيل الحق وعن بلوغ ما أرادوا.
قال ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك﴾، أي: خيراً ممّا قال المشركون لك هلا أوتيته.
قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: خيراً من ذلك، أي: من مشيك في الأسواق، والتماسك المعاش.
ثم بين ما هو الذي يجعل له فقال: ﴿جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾، قال خيثمة: " قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن يعطوك خيرا من الدنيا ومفاتيحها، ولم يعط ذلك من قبلك، ولا يعطه أحد بعدك، وليس ذلك يناقصك في الآخرة شيئا، وإن شئت جمعنا لك ذلك في الآخرة.
فقال: يجمع لي ذلك في الآخرة "، فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿تَبَارَكَ الذي إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ / خَيْراً مِّن ذلك﴾ الآية.
قال: مجاهد: قصوراً بيوتا مبنية مشيدة.
وكانت قريش ترى البيت من حجارة قصراً كائناً ما كان.
قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُواْ بالساعة وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾، أي: ما فعل
هؤلاء المشركون، ما فعلوا من تكذيب يا محمد إلا لأنهم كذبوا بالبعث، والنشر والقيامة.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَن كَذَّبَ بالساعة سَعِيراً﴾، أي: ناراً تسعر عليهم وتتقد.
﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، أي: إذا رأت النار أشخاصهم من مكان بعيد.
﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، أي: غلياناً وفواراً.
يقال، فلان يتغيظ على فلان: إذا غضب عليه فغلى صدره من الغضب عليه.
وزفيراً: أي: صوتها حين تزفر، والتقدير سمعوا صوت التغيظ من التلهب والتوقد.
وقيل: معناه: سمعوا لمن فيها من المعذبين تغيظاً وزفيراً.
وقال المسيب بن رافع: يكون الناس في صعيد واحد ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، فتخرج عنق من النار.
فتقول: إني وكلت بثلاثة بمن دعا مع الله إلهاً آخر وبالعزيز الكريم، وبكل جبار عنيد.
فتنطوي بهم فتدخلهم النار قبل
الناس بنصف يوم.
ثم ينطلق الفقراء إلى الجنة فتقول لهم خزنة الجنة: أنَّ لكم هذا قبل الحساب؟ فيقولون والله ما أعطيتمونا أموالاً وما كنا أمراء فتصدقهم الملائكة فتأذن، فيدخلون الجنة قبل الناس بنصف يوم ويبقى الحساب على الأغنياء والأمراء، فيقول الرب تبارك وتعالى: (إياكم أعطيت، وإياكم ابتليت) فيحاسبون.
وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ﴾، أتى على لفظ التأنيث، والسعير مذكر، فإنما ذلك: لأن التأنيث راجع إلى النار، لأن السعير هي النار وهذا كقول الشاعر:
إن تميما خلقت ملوما ... فقال خلقت لأن تميما قبيلة، ثم رجع إلى لفظ تميم فقال: (مَلُومَاً) ثم رجع إلى الجماعة فقال:
قوما ترى واحدهم صهميما.
... والصهميم: الجمل القوي الشديد النفس.
قال ابن عباس: إن الرجل ليجر إلى النار فتنزوي، وينقبض بعضها إلى بعض، فيقول لها الرحمن مالك؟ قالت: إنه يستجيرك مني فيقول: أرسلوا عبدي.
وإن الرجل ليجر إلى النار.
فيقول: ما كان ظنك؟ فيقول: أن تسعني رحمتك.
فيقول: أرسلوا عبدي، وإن الرجل ليجر إلى النار فتشهق إليه النار شهيق البغل إلى الشعير، وتزفر زفرة لا يبقى أحد إلا جأث.
وقيل: معنى ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِّن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾، إذا رآه خزانها من مكان بعيد ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾، حرصا على عذابهم رغضبا لله عليهم، فأخبر عن النار والسعير، والمراد خزان النار الموكلون بها، كما قال تعالى ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا﴾ [الحج: 48]، يريد أهل القرية، وكما قال ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ التي أَخْرَجَتْكَ﴾ [محمد: 13]، يريد أهل القرية بدلالة قوله بعد ذلك ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ فَلاَ نَاصِرَ لَهُمْ﴾ [محمد: 13] فرجع الخبر عن أهل القرية.
قال تعالى: ﴿وَإَذَآ أُلْقُواْ مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُّقَرَّنِينَ﴾، أي: وإذا أُلقِيَ هؤلاء المكذبون بالله من النار مكاناً ضيقاً، قد قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال، وقرنوا مع الشياطين.
﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾، أي: هلاكاً، قاله الضحاك.
وقال ابن عباس: ثبوراً: ويلا، وأصل الثبور في اللغة: الانصراف عن الشيء، يقال: ما تبرك عن هذا الأمر؟ أي: ما صرفك عنه.
والمثبور المصروف عن الخير.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال: " والذي نفسي بيده إنهم ليستكرهون في النار كما يستكره الوتد في الحائط ".
وقال بعضهم، إنها لتضيق عليهم كما يضيق الرمح في الزج، قال ابن عمر وغيره.
وقيل الثبور هنا دعاء بالندم، على انصرافهم عن طاعة الله في الدنيا، كقول الرجل واندماه، وكقوله، واحسرتاه على ما / فرطت.
وفي الحديث أن أنس بن مالك روى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول من يكسى حلة من جهنم إبليس فيضعها على جنبه ويسحبها، يقول: واثبورا، وتتبعه ذريته تقول، واثبوراه، فإذا وقفوا على النار دعوا بالثبور، فتقول لهم الملائكة خزان جهنم لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبوراً كثيراً " وفي هذا دليل على طول مُقامهم فيها ريأسهم من النجاة.
قال تعالى: ﴿قُلْ أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾، أي قل يا محمد لهؤلاء المكذبين بالساعة أذلك خير، " وذا " إشارة إلى ما تقدم، من ذكر النار والسعير،
﴿أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾، والخلد: الذي يدوم ولا ينقطع.
﴿التي وُعِدَ المتقون﴾ أي: وعدها الله من اتقاه فيها أمره ونهاه ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَآءً﴾، أي: جزاء لأعمالهم في الدنيا ﴿وَمَصِيراً﴾، أي: يصيرون إليها في معادهم وإنما جاز التفضيل بين الجنة والنار بالخير، وقد علم أن النار لا خير فيها لأن الجنة والنار قد دخلا في باب المنازل في صنف واحد.
حكى سيبويه: عن العرب الشقاء أحب إليك أم السعادة؟ وقد علم أن الشقاء لا يحبه أحد وإنما جاء ذلك على التنبيه.
وقيل: إنما جاء ذلك في الآية لأن " خيراً " ليس هو أفعل، ولا تأويل فيه لإضمار من، وإنما هو كما يقال، عنده خير، وكما قال:
فشركما لخيركما الفداء.
وقيل: المعنى: ﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾، على علمكم وما تعقلون.
وقيل: إن قوله: ﴿أذلك خَيْرٌ﴾، مردود إلى قوله: ﴿أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ﴾ [الفرقان: 7]، وما قالوا بعده.
وقيل: هو مردود إلى قوله ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: 10]، فذلك إشارة إلى هذا المذكور فقال: ﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾، فهذا يدل على أن قوله: ﴿إِن شَآءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِّن ذلك جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأنهار وَيَجْعَل لَّكَ قُصُوراً﴾ [الفرقان: 10] يعني به في الدنيا التي ينقطع نعيمها، ثم فاضل بين ذلك وبين ما في الآخرة التي لا ينقضي نعيمها.
قال تعالى: ﴿لَّهُمْ فِيهَا مَا يَشَآءُونَ﴾، أي: في الجنة ﴿خَالِدِينَ﴾ أي: مقيمين فيها أبداً.
﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، أي: كان إعطاء الله المؤمنين: جنة الخلد في الآخرة وعداً وعدهم على طاعتهم غياه ومسألتهم إياه ذلك، وذلك أن المؤمنين
سألوا ربهم ذلك في الدنيا حين قالوا ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ﴾ [آل عمران: 194] فقال الله تعالى: ﴿كَانَ على رَبِّكَ وَعْداً مَّسْئُولاً﴾، قاله ابن عباس وابن زيد.
وقال محمد بن كعب، وعدا مسؤولا: أي: بمسألة من الملائكة للمؤمنين، وهو قول الملائكة ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ التي وَعَدْتَّهُمْ﴾ [غافر: 8].
وقيل معناه: وعداً واجباً، والعرب تقول: لا أعطينك ألفاً وعداً.
﴿مَّسْئُولاً﴾، أي: واجباً أي: هو واجب لك فاسأله.
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾، أي: واذكر يا محمد يوم نحشر هؤلاء المكذبين بالساعة.
﴿وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾، من الملائكة والانس والجن.
قال مجاهد وابن جريج: يعني، عيسى، وعزيرا، والملائكة، فيقول: ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾، أي: أزلتموهم عن طريق الهدى، ودعوتموهم إلى الغي.
﴿أَمْ هُمْ ضَلُّوا السبيل﴾، أي: أخطأوا سبيل الرشاد والحق.
وقيل: هي الأصنام والأوثان يحييها الله تعالى يوم القيامة فتجيبه بذلك.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾،
أي قال عيسى صلى الله عليه وسلم وعزيراً، الملائكة تنزيهاً لك يا ربنا وبراءةً مما
أضاف إليك هؤلاء المشركون.
﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بل أنت ولينا من دونهم.
﴿ولكن مَّتَّعْتَهُمْ﴾ بالمال في الدنيا والصحة ﴿حتى نَسُواْ الذكر﴾ أي: ذكرك.
﴿وَكَانُواْ قَوْماً بُوراً﴾ أي: هلكى.
قيل: إن أعمارهم طالت بعد موت الرسل فنسوا وهلكوا.
قال الحسن: البور الذي ليس فيه خير، وكذلك قال: ابن زيد، والعرب تقول لما فسد وهلك أو كسد: بائر ومنه بارت السوق / " ومن في ﴿مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ زائدة، زيدت للتوكيد بعد النفي، وأولياء في موضع نصب يتخذه، والمعنى: ما كان ينبغي لنا نتخذ من دونك أولياء، فكيف يتخذها أحد أولياء من دونك،
وكيف نرضى بذلك، نحن لا نرضى بذلك لأنفسنا، فكيف نرضاه لغيرنا، ووقع هذا الجواب على المعنى لا على اللفظ، لأنه ليس بجواب لقوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلاَءِ﴾ ولكن حمل الجواب على المعنى لأن من عبد شيء فقد تولاه، ومن تولى شيئا فالمتولي ولي للمتولي، فكلاهما ولي للآخر، فلذلك قالوا: ﴿مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ فجاء الجواب على المعنى هذا يسمى التدريج عند بعض أهل النظر، ومثله قوله: ﴿أهؤلاء إِيَّاكُمْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ﴾ [سبأ: 40] فأتى الجواب على المعنى، فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ [سبأ: 41] فكأنه قال: أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون، اتخذوكم أولياء يعبدونكم فقالوا: ﴿أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ﴾ وكذلك قوله ﴿أَأَنتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي﴾ معناه: أنتم اتخذتم عبادي أولياء فضلوا.
فقالوا: ﴿قَالُواْ سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾.
وقرأ الحسن وأبو جعفر ﴿أَن نَّتَّخِذَ مِن دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَآءَ﴾ بضم النون وفتح الخاء.
قال أبو عمرو: لو كانت نُتخذ لحُذفت " من " الثانية: فقلت أن نتخذ من
دونك أولياء.
وأجازه الفراء والكسائي: على بُعد وقُبح، وذلك لا يجوز عند البصريين لأن أولياء ليس بمفعول على هذه القراءة واحد في معنى الجمع وإنما تدخل " من " على الواحد الذي في معنى الجماعة، ألا ترى أنك تقول، ما رأيت رجلاً، فإن أردت النفي العام قلت: ما رأيت من رجل، وليس ﴿أَوْلِيَآءَ﴾ في قراءة من ضم النون واحدا في معنى جماعة، ألا ترى أنك لو قلت: ما اتخذت أحداً وليّاً لي جاز أن تقول ما اتخذت من أحد وليا، لأن أحدا في معنى الجماعة، أحداً من ولي لم يجز إذ ليس ولي في معنى الجماعة، فكذلك القراءة بضم النون، تقبح مع ثبات " من " قبل أولياء فافهمه.
ويتمكن على هذه القراءة عند من جوزها أن يكون المحشورون المسؤولون هم: الأصنام والأوثان، يحييها الله فتقول ذلك.
ثم قال
تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾ أي: فقد كذبكم أيها الكافرون، من زعمتم أنهم أضلوكم ودعوكم إلى عبادتهم.
" بما تقولون "، أي: بقولكم فمعناه كذبوكم بكذبكم.
وقال ابن زيد معناه، فقد كذبكم أيها المؤمنون هؤلاء الكفار بما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله أي: بما تقولون من الحق.
قال: أبو عبيد تقديره فقد كذبوكم فيما يقولون.
هذا كله على قراءة من قرأ بالتاء، فأما من قرأ بالياء فمعناه: فقد كذبوكم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنبَغِي لَنَآ﴾ الآية، ﴿فَمَا تَسْتَطِيعُونَ صَرْفاً وَلاَ نَصْراً﴾.
قال: ابن جريج: معناه: صرف العذاب عنهم ولا ينتصرون.
وقيل: المعنى: فما يستطيعون لك يا محمد صرفاً عن الحق ولا نصراً لأنفسهم مما هم فيه من البلاء.
وقيل: معناه: فريضة ولا نافلة.
قال ابن زيد: ينادي منادٍ يوم القيامة: مالكم لا تناصرون، أي: من عُبد من دون الله لم ينصر اليوم من عَبده.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَظْلِم مِّنكُمْ نُذِقْهُ عَذَاباً كَبِيراً﴾ أي: من يشرك بالله فقد ظلم نفسه بذلك.
قال الحسن وابن جريج: الظلم هنا: الشرك
قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ المرسلين إِلاَّ إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطعام﴾، الآية: رد على المشركين الذين قالوا: ﴿مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق﴾ أي: لقد علموا يا محمد أنه ما أرسل من قبلك من رسول إلا أنه ليأكل الطعام لأنه بشر من بني آدم، ويمشي في الأسواق فليس عليك في ذلك لا نقص ولا حجة.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾، أي: بلاءً واختباراً، اختبرنا بعضكم لبعض، فجعلنا هذا نبياً، وهذا ملكاً، وهذا فقيراً، وهذا غنياً.
قال الحسن: في معنى الآية، يقول هذا الأعمى: لو شاء الله لجعلني بصيراً مثل فلان، ويقول السقيم: لو شاء الله لجعلني صحيحاً مثل فلان.
وقال ابن جريج: يمسك عن هذا، ويوسع على هذا فيقول: لم / يعطين مثل ما أعطى فلاناً، ويُبتلى بالوجع كذلك فيقول: لم يجعلني ربي صحيحاً مثل فلان في أشباه ذلك من البلاء، ليعلم من يصبر ممن يجزع وقيل في معنى الآية، إن الشريف كان يريد أن يسلم فيمنعه من ذلك أن من هو دونه قد أسلم قبله فيقول: أعيّر بسبقه إياي.
وإنه بعض الزمنى والفقراء كان يقول لم أكن غنياً صحيحاً فأسلم.
ثم
قال عز وجل: ﴿ أَتَصْبِرُونَ﴾، أي: إن صبرتم فقد علمتم أجر الصابرين.
قال الضاحك: معناه أتصبرون على الحق.
وقيل: معناه: لنعلم أتصبرون، وبه يتم الجواب، لقوله ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانَ رَبُّكَ بَصِيراً﴾، أي: إن ربكم لبصير بمن يصبر، ويجزع،
قوله تعالى ذكره: ﴿وَقَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَآءَنَا لَوْلاَ أُنْزِلَ عَلَيْنَا الملائكة﴾،
أي وقال المشركون الذين لا يخافون العذاب، ولا يؤمنون ببعث ولا حساب لمحمد صلى الله عليه وسلم: هلا أنزل علينا الملائكة فتخبرنا أنك رسول حقا
﴿أَوْ نرى رَبَّنَا﴾، فيخبرنا بذلك.
قاله ابن جريج وغيره.
غلطوا في صفات الله جل ثناؤه، ولم يعلموا أنه لا يُرى في الدنيا فسألوا ما لا يمكن كونه، كما غلط اليهود إذ قالوا ﴿أَرِنَا الله جَهْرَةً﴾ [النساء: 153] وهذا مثل قولهم في سورة " سبحان " ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾ [الإسراء: 92] ثم قال جل ذكره: ﴿لَقَدِ استكبروا في أَنفُسِهِمْ﴾ أي: تعظموا إذ سألوا مثل هذا الأمر الجليل وقوله ﴿وَيَقُولُونَ حِجْراً مَّحْجُوراً﴾، أي: تقول الملائكة لهؤلاء المشركين: حراماً محراماً عليكم اليوم البشرى، قاله الضاحك وقتادة.
وأصل الحجر المنع، ومنه حجر القاضي على فلان، ومنه حِجر الكعبة لأنه لا يدخل إليه في الطواف.
وقال: ابن جريج: هو قول من المجرمين، وذلك أن العرب كانت إذا كرهت شيئا قالت: حجرا محجورا.
فما رأى المجرمون ما يكرهون يوم القيامة.
قالوا حجراً محجوراً.
يقولون ذلك للملائكة على عاداتهم في الدنيا أي: لا تعرضوا لنا، وذلك لا ينفعهم.
وكذا قال: مجاهد: هو من قول المجرمين يستعيذون من الملائكة.
قال أبو عبيدة: في معنى الآية: كان الرجل من العرب في الجاهلية إذا لقي رجلا في الشهر الحرام وبينه وبينه تِرة أو طلب، قال: حجراً محجوراً: أي: حرام عليك دمي وأذاي، قال: فإذا رأى المشركون الملائكة يوم القيامة قالوا: حجراً محجوراً: أي: حرام دماؤنا يظنون أنهم في الدنيا، وأن ذلك ينفعهم.
وعن ابن عمر أنه قال: إذا كان يوم القيامة تلقت الملائكة المؤمنين بالبشرى، فإذا رأى ذلك الكفار قالوا لهم بشرونا، فتقول لهم الملائكة: حجراً محجوراً أي: حراماً محرماً عليكم البشرى فيأسون من الخير.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ﴾، الآية أي: وعمدنا وقصدنا إلى ما عمل هؤلاء المجرمون، وأتى لفظ / القدوم بمعنى القصد لأنه أبلغ في الخطاب، وذلك أنه يدل على أنه تعالى عاملهم معاملة القادم من سفر لأجل إمهاله لهم كالغائب، ففي لفظ " قدمنا " معنى التحذير من الاغترار بالإمهال.
وقيل: المراد بالقدوم الملائكة لما كان الله تعالى: هو يقدمهم إلى ذلك أخبر عن نفسه به.
وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾، أي: باطلاً لا ينتفعون به.
لأنهم للشيطان عملوا، والهباء الذي يرى كهيئة الغبار إذا دخل ضوء الشمس من كوة يحسبه الناظر غباراً، وليس بشيء تقبض عليه الأيدي، ولا تمسه، ولا يرى ذلك في الظل.
هذا قول علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ، وابن عباس وعكرمة والحسن، ومجاهد.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هو ما تسفيه الرياح من التراب وتذروه من
حطام الشجر، وكذلك قال قتادة.
وعن ابن عباس: هو الماء المهراق، وهو جمع هبأة فالمعنى أن الله أحبط أعمالهم فلا نفع لهم فيها، كما لا نفع في هذا الغبار.
قال تعالى: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، وإنما أتى أفعل في هذا وقد علم أنه لا خير عند أصحاب النار، على معنى أنكم لما كنتم تعملون عمل أصحاب النار صرتم كأنكم تقولون: إن في ذلك خيراً، فخوطبوا على ظاهر أحوالهم، وما يؤول إليه أمرهم.
وقيل: المعنى: خير مستقراً مما أنتم فيه، وقال نفطويه في كتاب التوبة له:
العرب تجعل هذا على وجهين أحدهما أن يكون في كلا الاسمين فضل والأول أفضل.
والوجه الثاني: أن يكون الكلام إثباتا للأول ونفياً للثاني.
كقوله تعالى ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، فهذا فيه نفي الخير عن النار وأصحابها، هذا معنى كلامه.
ومذهب سيبويه: أنها لا تأتي إلا لتفضيل اثنين يكون أحدهما أزيد من الآخر، إما في فضل، وإما في شر لا بد عنده أن يكون في الذي معه " من " أو الذي يضاف إليه " أفعل " بعض ما في الأول.
تقول: زيد أفضل من عمرو، وعمرو أفضل القوم، فالثاني فيه بعض ما في الأول.
وقيل: خير ليست من أفعل، إنما هي خير التي في قولك: زيد فيه خير،
فيكون التقدير ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً﴾، أي: لهم خير، فنصب " مستقر " على هذا، على الظرف، وعلى الأقوال الأُوَل على البيان.
والمقيل المقام في وقت القائلة وهو النوم نصف النهار، والتقدير: وأحسن قراراً في أوقات القائلة في الدنيا، وليس في الجنة قائلة ولكن خوطبوا على ما يعقلون.
فالمستقر لهم: تحت ظل العرش والمقيل لهم: في الجنة، ويراد بالمقيل المقام، إذ لا في الجنة يوم للقائلة.
وقد روي: أن أهل الجنة لا يمر بهم في الآخرة إلا قدر ميقات النهار، من أوله إلى وقت القائلة حتى يسكنوا في الجنة مساكنهم، فذلك معنى قوله تعالى ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾،.
قال ابن عباس: قالوا في الغرف في الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على
ربهم عرضة واحدة وذلك الحساب اليسير، فهو قوله جل ذكره: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً﴾ [الانشقاق: 8].
وقال: الأعمش: عن ابراهيم في الآية: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة إلى نصف النهار، فيقيل هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار.
وقال ابن جريرج، لم ينتصف النهار حتى قضي بينهم، فقال أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار.
وروى ابن جبير عن ابن مسعود وابن عباس: أنه قال: لا ينتصف النهار يوم القيامة حتى يقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الجنة يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُّسْتَقَرّاً وَأَحْسَنُ مَقِيلاً﴾.
وفي بعض الروايات عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن يوم القيامة يقصر على المؤمن
يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس وإنهم ليقيلون في رياض الجنة حتى يفرغ من الناس ".
قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السمآء بالغمام﴾، الآية أي: تشقق عن الغمام كما يقال: رميت / بالقوسى، وعن القوس، وعلى القوس بمعنى واحد.
قيل: ذلك غمام أبيض، مثل الغمام الذي ظل على بني إسرائيل.
وقال مجاهد هذا الغمام هو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ الله فِي ظُلَلٍ مِّنَ الغمام﴾ [البقرة: 210].
وقال ابن جريج: الغمام الذي يأتي الله فيه هو غمام في الجنة.
وقال ابن عباس: إن هذه السماء إذا انشقت نزل منها من الملائكة أكثر من الجن والإنس وهو يوم التلاق، يلتقي أهل السماوات وأهل الأرض، فيقول أهل الأرض: جاء
ربنا فيقول لم يجيء، وهو آت، ثم تنشق السماء الثانية سماء سماء، وينزل من كل سماء من الملائكة على قدر ذلك من التضعيف إلى السماء السابعة، وينزل منها من الملائكة أكثر ممن نزل من السماوات ومن الجن والإنس.
قال: فتنزل الملائكة الكروبيون ثم يأتي ربنا تعالى ذكره في حملة العرش الثمانية بين كعب كل ملكٍ وركبتِه مسيرة سبعين سنة.
قال: وكل مَلكٍ منهم لم يتأمل وجه صاحبه قط.
وكل ملَكٍ منهم واضع رأسه بين ثدييه، يقول: سبحان الملك القدوس.
وصف الله جل ذكره وثناؤه بالمجيء، والإتيان ليس على جهة الانتقال من مكان إلى مكان، إنما هو ثفة له تعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
وقد قيل: إن معناه: يأتي أمره، ويجيء أمره، والله أعلم بحقيقة ذلك فلا ينبغي لأَحدٍ أن يعتقد في صفات الله جل ذكره ما يعتقد في صفات المحدثين، وعليه أن يتذكر قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ويسلم الأمر إليه، ولا يتعدى في صفات الله
بالتشبيه، بما يعقله من صفات المخلوقين، فليس الخالق كالمخلوق سبحانه لا إله إلا هو.
قال: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ الحق للرحمن﴾، أي: الملك الذي هو حق لا دَخَل فيه، للرحمن يوم القيامة، إذ الملك الزائِلُ كلا مُلكٍ.
وأجاز الزجاج، " الحق " بالنصب على معنى أحق الحق وأعني الحق، ولم يقرأ به أحد.
قوله: ﴿وَكَانَ يَوْماً عَلَى الكافرين عَسِيراً﴾، أي: كان يوم تشقق فيه السماء بالغمام، وتنزل الملائكة على الكافرين، يوماً ضيقاً شديداً صعباً.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظالم على يَدَيْهِ﴾.
أي: واذكر يا محمد يوم يعض الظالم نفسه، المشرك بربه على يديه، تندما وأسفا على فرط في جنب الله يقول: يا ليتني اتخذت في الدنيا مع الرسول سبيلاً،
أي: طريقاً إلى الجنة وإلى النجاة من عذاب الله.
والظالم هنا: عقبة ابن أبي معيط و (فلاناً) كناية عن (أُبيّ بن خلف).
قال ابن عباس: كان أُبيّ بن خلف يحضر عند النبي عليه السلام، فزجره عقبة بن أبي معيط، فالظالم: عقبة، وفلاناً: أبي بن خلف.
وقال: الشعبي: كان عقبة بن أبي معيط خليلا لأمية بن خلف.
فأسلم عقبة، فقال أمية، وجهي من وجهك حرام إن تابعت محمداً فكفر، فهو الذي قال: ﴿ياويلتى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَناً خَلِيلاً﴾ يعني أمية بن خلف.
وقال: مقسم: اجتمع عقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف وكانا خليلين، فقال أحدهما: بلغني أنك أتيت محمداً، فاستمعت منه، والله لا أرض عنك حتى تتفل