الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4888-4927
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4888-4927
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

وقال ابن عباس: منسكاً عبداً.
وقال عكرمة: مذبحاً.
والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل.
والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح.
ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح.
وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به.
" والمنسك ": العبادة والناسك: العابد.
وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه.
ثم قال تعالى: ﴿فإلهكم إله وَاحِدٌ﴾.
أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم.
وقيل: المعنى: فاجتبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور.
/

﴿فإلهكم إله وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة.
﴿وَبَشِّرِ المخبتين﴾.
أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد.
قال ابن عيينة: " المخبتين ": المطئنين.
وقال قتادة: المتواضعين.
وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا.
والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل.
وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب.
وقيل: المخبتين: المخلصين.
ثم قال تعالى: ﴿الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.
أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه.
قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿والصابرين على مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من

شدة في أمر الله.
﴿والمقيمي الصلاة﴾ " يعني المفروضة " وما رزقانهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم.
ثم قال ﴿والبدن جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ الله﴾.
أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه.
فبين أن ذبح البدن هو مما أعملهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به.
أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها.
" والبدن " جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في " بدن " أحسن، والضم في " خشب " أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانية وهو السمن وخشبة اسم غير نعت.
والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم.
" والبدن ": الإبل.
وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم.
وقوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾.
أي: أجر من الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها.
ثم قال تعالى: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى.
وقال ابن عباس: ﴿فاذكروا اسم الله عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك

ولك.
﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة.
وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد.
وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ.
جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث.
وروي عن مجاهد أنه قال: " صواف "، قائمة على أربع مصفوفة.
و " صوافن ": قائمة على ثلاث.
قال قتادة: معقولة اليد اليمنى.
وقال مجاهد: " اليسرى ". ونحر النبي صلى الله عليه وسلم بدنة قياماً.
ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾.
أي: إذا اسقطت على جنوبها.
وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي.
واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً.
وقد روى جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة

على ما بقي من قوائمها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذبح: " بسم الله والله أكبر ". وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾.
إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك.
ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ القانع والمعتر﴾.
قال ابن عباس: القانع: المستغنى بهما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل.
وقال مجاهد: " القانع " جارك، يقنع بما أعطيته.
" والمعتر ": الذي يتعرض لك، ولا يسألك.
وعن ابن عباس: " القانع " الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، " والمعتر " الذي يعترك فيسألك.
وقال قتادة: " القانع ": المتعفف الجالس في بيته، " والمعتر " الذي يعتريك

فيسألك.
وقال الحسن: " القانع السائل "، " والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل.
وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل.
وعن مجاهد: " القانع " جارك وإن كان غنياً.
" والمعتر ": الذي يعتريك.
وعن زيد بن أسلم أيضاً: القانع ": المسكين الطواف.
" والمعتر ": الصديق الضعيف الذي يزور.
وقال محمد بن كعب القرظي: " القانع ": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و " المعتر " الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً.
وقيل: " القانع " الذي هو فقير لا يسأل.
" والمعتر " الفقير الذي يسأل.
وعن مجاهد: " القانع ": الطامع.
" والمعتر " الذي يعتر من غني أو فقير.
وقال عكرمة: " القانع ": الطامع.
وقال ابن زيد: " القانع ": المسكين.
" والمعتر ": الذي يتعرض للحم وليس

له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم.
وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن " المعتر " هو الزائر.
يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي/ " فهو قنع ". وقرأ أبورجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ القانع﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده.
وقرأ الحسن: ﴿والمعتر﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتراه إذا تعرض لما عنده وإن طلبه.
ثم قال: ﴿كذلك سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ الله لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾.
أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته.
وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم الله وتعظيمكم لحرماته.
وقيل: المعنى: لن يبلغ رضى الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم.
وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى " لن ينال الله " في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه.

وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية.
ثم قال: ﴿كذلك سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ الله على مَا هَدَاكُمْ﴾.
أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم.
وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات.
﴿وَبَشِّرِ المحسنين﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُدَافِعُ عَنِ الذين آمنوا﴾.
أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين.
فيكون " يدافع " على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين.
وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير.
أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل.
ومن قرأ.
يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة.
وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء.

وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله.
ومعى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم.
و" خوان " فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور.
ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾.
أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم.
ففي الكلام حذف على قرءاة من فتح التاء.
ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً.
وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء.
وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة.
وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة.
يقول الله: ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
قال ابن عباس: لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من

مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ.
. .﴾ الآية.
قال أبو بكر الصديق رضي الله عنهـ: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين.
وقرأ: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
وقال: هؤلاء المؤمنين.
وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، ويعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
ومعنى: بأنهم ظلموا " أي: لأنهم ظلموا.
فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾.
وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة/، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة.
قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال.

وقال الضحاك: " كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ الله لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾.
فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ.
. .﴾ الآية.
فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم.
وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ الذين يُلْحِدُونَ في أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ.
ومعنى: " بأنهم ظلموا " بسبب ظلمهم.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله على نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم.
أهلك عدوهم.
ثم قال: ﴿الذين أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾.
تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق.
فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ.
أو في موضع نصب على إضمار أعني.
وقوله: إلا أن يقولوا.
" إن ": في موضع خفض بدل من حق.
هذا قول: الفراء وإبي إسحاق.

وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول.
فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم.
يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حتق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾.
قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن التابعين لهدمت صوامع وبيع.
وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله.
وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع.
وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبلو شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد.

وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزوا عمن ليس يغزو.
لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع.
قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان بينونها على الطريق.
وقال قتادة: هي صوامع الصابئين.
وقال البيع: بيع النصارى.
وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود.
وقال ابن زيد: البيع: الكنائس.
وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات.
وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة.
وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين.
وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق.
وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم.

يعني النوافر.
قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر.
وقوله: " وَمَسَاجِدُ " قال قتادة: هي مساجد المسلمين.
وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله﴾.
يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها.
وقيل الضمير في " فيها " يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق.
قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبن وأما " البيع "، فكنائس النصارى، وأما " الصلوات " فكنائس اليهود، وأما " المساجد " فمساجد المسلمين.
ومعنى: " وصلوات " أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم.
وقال الحسن: هدمها: تركها.
وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات.
وقرأ عاصم الجحدري: " وصُلُوب " بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول.
وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق.

ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات.
وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار.
وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق.
وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق.
ومعنى: " لهدمت " لضيعت وتركت.
ومن جعل الضمير في " يذكر فيها " يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع.
ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ الله مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هيا العليا.
﴿إِنَّ الله لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دنيه منيع لا يغلبه غالب.

قوله تعالى ذكره: ﴿الذين إِنْ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأرض أَقَامُواْ الصلاة﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
المعنى: الذين إن وطأنا لهم في الأرض، فقهروا المشركين وقتلوهم، أقاموا الصلاة بحدودها، وآتوا الزكاة مما يجب عليهم فيه الزكاة من أموالهم، " وأمروا بالمعروف " اي: دعوا الناس إلى توحيد الله والعمل بطاعته.
" ونهوا عن المنكر " أي: عن الشرك والعمل بمعاصيه يعني بذلك: أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق، إلا بتوحيدهم لله وقد تقدم ذكرهم.
وقيل: إن هذه الآية مخصوصة في أربعة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وهم الذين أذن لهم بقتال المشركين في الآية الأولى، وهم: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
وقال الحسن: " هم أمة محمد صلى الله عليه وسلم ". قال ابن أبي نجيح: " هم الولاة ". وروي: أن عثمان رضي الله عنهـ قال للذين أرادوا قتله: فينا نزلت هذه الآية.
﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ.
. .﴾ إلى ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾.
وقال: نحن الذي قوتلنا وظلمنا وأخرجنا من ديارنا بغير حق إلا أن قلنا ربنا الله، فنصرنا الله عز وجل، فمكننا في الأرض، فأقمنا الصلاة وآتينا الزكاة، وأمرنا بالمعروف، ونهينا عن المنكر فهذه لي ولأصحابي وليست لكم.

وقال الضحاك: هذا شرط اشترطه الله على من أعطاه الله الملك من هذه الأمة.
ثم قال: ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأمور﴾.
أي: له آخر أمور الخلق، يثيب على الحسنات مع الإيمان، ويعاقب على السيئات مع الكفر.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِن يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾.
هذه الآية تسلية لمحمد صلى الله عليه وسلم وتعزية له، ليقوى عزمه على الصبر على ما يناله من المكذبين له، فالمعنى: أن يكذبك يا محمد هؤلاء المشركون فيما جئتهم به من الحق، فالتكذيب سنة أوليائهم من الأومم الخالية، كذبت رسلها فأمهلتهم، ثم أحللت عليهم نقمتي، ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: انظر يا محمد: كيف كان تغييري ما كان بهم من نعمة، فكذلك أفعل بقريش الذين كذبوك، وإن أمليت له إلى آجالهم، فإني منجزك وعيدي فيهم، كما أنجزت ذلك لغيرك من الرسل في الأمم المكذبة لهم.
وقوله: ﴿وَكُذِّبَ موسى﴾ ولم يقل: وقوم موسى، كما قال في نوح وعاد وثمود وإبراهيم، فإنما ذلك، لأن قوم موسى هم بنو إسرائيل وكانوا مؤمنين به وإنما كذبه فرعون وقومه، وهم من القبط ليسوا من قومه فلذلك قال: وكذ موسى ولم يقل وقوم موسى.

قال أبو إسحاق: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ﴾ أي: أخذتهم فأنكرت أبلغ إنكار.
ثم قال تعالى: ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكثير من القرى أهلكنا أهلها وهم ظالمون.
فعبر عن إهلاك القرية وهو يريد أهلها، مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
فالمعنى: فما أهلكنا كثيراً من أهل القرى بظلمهم، كذلك نهلك أهل قريتك يا محمد بظلمهم إذا جاء الأجل.
كل هذا تخويف وزجر لقريش/ و " كأين " هي كاف التشبيه دخلت على " أي " فصارتا بمنزلة " كم " في الخبر، هذا مذهب الخليل وسيبويه، والوقف على قولهما على الياء، لأنه تنوين دخل على " أي " فأما قراءة ابن كثير وكَائِنْ " يروى عن الخليل أنه قال: من قال كإن فإنه قدم الياء الساكنة قبل الهمزة ثم خلفها بألف، كما قالوا:، إن أصل آية: إيَّة، ثم أبدلوا من الياء الساكنة ألفاً، ثم اعتلت الياء الثانية، لأنها بعد متحرك وهو الهمز فصارت كياء قاض وارم.
وقال ابن كيسان: هي أي: دخلت عليها الكاف وكثر استعمالها في الكلام حتى صار التنوين فيه بمنزلة النون الأصلية، فقالوا: كأين بنون في الوقف.

قال: وفيها لغة أخرى، يقولون: كا إن، كفاعل من كنت، قال: وأصلها في المعنى كالعدد، كأنه قال كشيء من العدد لأن " أيا " شيء من الأشياء، فكأنه قال: كعدد كثير فعلنا ذلك بهم، فخرجت في الإبهام إلى باب " كم " وأكثر ما جاءت " كأي " مفسرة بـ " من " نحو: كأين من رجل رأيت فإن حذفت " من " نصبت، فقلت كأي رجلاً، كما قتول: عندي كذا وكذا درهماً فتنصب، وتقول: عندي كذا وكذا من رهم.
وتقول: كم لك من درهمه، وكم لك درهماً، ولو خفضت فقلت كأين رجل جاز، كما تقول: كم رجل جاءك في الخبر.
فتقدير النصب في ذلك أن تجعله بمنزلة عدد فيه نون أو تنوين.
وتقدير الخفض أن تجعله بمنزل عدد يضاف إلى ما بعده.
ثم قال تعالى: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ على عُرُوشِهَا﴾.
أي: فالقرية خالية من سكانها فخربت وتداعت، فتساقطت حيطانها على سقوفها فصارت القرية عاليه سافلها السقوف تحت الحيطان.
ثم قالت: ﴿وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ﴾.
أي: تعطلت البير بهلاك أهلها ولا وارد ولا شارب منها، وخفض " البير " على العطف على العروش، وإن كان غير داخل في معنى العروش، ولكنه مثل: ﴿وَحُورٌ عِينٌ﴾ [الواقعة: 22] بالخفض كأنه أراد وثم بير وقصر، فلما لم يكن في الكلام ما يرفعه،

عطفه على ما قبله، هذا مذهب الفراء.
وقال أبو إسحاق هو عطف على " قرية ". أي: وكم من قرية وكم من بير ومن قصر.
و" البير " مشتق من بأرت الأرض، إذا حفرتها، وابتأرتها، احتفرتها.
وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ﴾.
أي: مجصص، قاله عكرمة.
وقال الضحاك: " مشيد " طويل.
وقال أهل اللغة، شاد القصر يشيده، إذا بناه بالشيد وهو الجص.
ومشيد: مفعل بمعنى مفعول، كمبيع بمعنى مبيوع.
يقال قد شيد القصر: إذا طوله وأشاده أيضاً.
وقال قتادة: " مشيد ": رفيع طويل.
وعن ابن عباس: أن المشيد الحصين.

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم.
ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم.
وقوله: " فَتَكُونَ " جواب النفي.
وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان.
كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: 1].
أي: قد شرحنا لك صدرك.
ونصب " فَتَكُون " عند الكوفيين على الصرف، أذ معنى الكلام الخبر، فأكنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾.
أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته.

قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب.
وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظارهتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿ فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي فِي الصدور﴾.
وقال ابن جبير نزلت في أبن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى الأبصار﴾ الآية.
فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعبتر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار.
وقوله: ﴿فِي الصدور﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن/ أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: 167] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: 38].
ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب وَلَن يُخْلِفَ الله وَعْدَهُ﴾.
أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾.
يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض.
قاله ابن عباس،

وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون.
وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب.
وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟ فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة.
وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن يد.
ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعلموا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فلذلك أبقى لعذابهم وأشد.
وقل: المعنى: أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله.
وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف

في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن.
وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار.
وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك.
قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً.
ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم " وهم ظالمون " أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب.
واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فليقون عذاباً لا انقطاع له.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: فكذلك حال متسعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم.
كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم.
ثم قال: ﴿قُلْ يا أيها الناس إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾.
أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة " مُبِينٌ " أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو

إلى الله جلّ ذكره.
ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة.
ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿والذين سَعَوْاْ في آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد في أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بها.
ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء.
وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين.
وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه.
وقيل: معناه معاندين للنبي صلى الله عليه وسلم مغالبين له، يفعلون من ذلكما يظنون أن النبي صلى الله عليه وسلم يعجز عن رده وإنكاره.

ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين.
تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾.
قوله: " من رسول ولا نبي ": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي.
وقد قال قوم: / كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على

القول الأول.
ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل.
وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي صلى الله عليه وسلم فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية.
قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿والنجم إِذَا هوى﴾ [النجم: 1] فقرأها النبي صلى الله عليه وسلم حتى إذا بلغ.
" أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثلاثة الأخرى "، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتني " تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى ". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك.
فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل صلى الله عليه وسلم: ما جئتك بهاتين.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الذي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ إلى

قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: 73 - 75] فما زال النبي صلى الله عليه وسلم مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معادز وقال ابن عباس: في الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ.
وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي صلى الله عليه وسلم من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾.
هو رجوع النبي صلى الله عليه وسلم عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له.
وقوله: ﴿وَأَلْقَى الشيطان في أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته.
وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون

على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه.
فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلكك بالقبول، وقالو: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي صلى الله عليه وسلم، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذ كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد صلى الله عليه وسلم.
وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عبده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً.
والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً.
والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون.
وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذ الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته بطول ذكرها.
ومعنى: " إذا تمنى " إذا تحدث في نفسه.
وقال ابن عباس: " إذا تمنى " إذ حدث.
وقال الضحاك إذا قال.

وقال مجاهد: إلا تلا وقرأ.
وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة/.
واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه.
وقيل: معنى الآية، أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان.
وحكى الكسائي والفراء " تمنى " بمعنى حدّث نفسه.
وقوله: ﴿فَيَنسَخُ الله مَا يُلْقِي الشيطان﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل.
وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ الله آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان.
والله عليهم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشيطان فِتْنَةً﴾.
إلى قوله: ﴿يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
المعنى: فعل ذلك من نسخ ما ألقى الشيطان ليجعله فتنة للذين في قلوبهم مرض، أي: اختباراً للذين في قلوبهم نفاق ﴿والقاسية قُلُوبُهُمْ﴾ هم المشركون الذين

قست قلوبهم عن الإيمان فلا تلين ولا ترعوي.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الظالمين لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
أي: وإن مشركي قومك لفي خلاف لله، في أمر بعيد من الحق.
والشقاق: أشد العداوة.
ثم قال: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾.
أي: نسخ ما ألقى الشيطان ليعلم الذين أتوا العلم بالله أنه الحق من ربك.
أي: أن الذي أنزله إليه هو الحق، لا ما نسخ مما ألقى الشيطان ﴿فَيُؤْمِنُواْ بِهِ﴾ أي: فيصدقوا به.
﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخضع للقرآن قلوبهم وتذعن بالتصديق به والإقرار بما فيه.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الله لَهَادِ الذين آمنوا﴾.
أي: المرشد المؤمنين إلى الطريق القاصد والحق الواضح، فينسخ ما ألقى الشيطان في أمنية رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا يضرهم كيد الشيطان شيئاً.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى طريق الجنة في الآخرة.
وقيل: المعنى: لهاديهم إلى الثبات على الإيمان في بقية أعمارهم.
وقال ابن جريج: ﴿أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن.
ويروى: أن قوماً من المهاجرين بأرض الحبشة بلغهم أن أهل مكة سلموا حين تقربوا من النبي عليه السلام لما سمعوا منه ما ألقى الشيطان في تلاوته، فرجعوا إلى

عشائرهم، وقالوا هم أحب إلينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشطيان.
وقوله: " الهاد " حذفت الياء في الوصل لسكونها وسكون اللام بعدها وحذفت من الخط، لأن الكاتب كتبها على لفظ الوصل، ولو كتبها على الوقف لكتبها بالياء كما كتب ﴿بِهَادِي العمي﴾ [النمل: 81] في النمل بالياء على الوقف، وكتب " بهاد العمي " في الروم بغير ياء على الوصل، ولا يحسن الوقف عليه، لأنك إن وقفت بالياء خالفت الخط، وإن وقفت بغير ياء، حذفت لام الفعل لغير علة.
وقد قال يعقوب وسلام: الوقف " الهادي " بالياء على الأصل، والأحسن ألا تقف عليه لما ذكرت لك.
ولأنه ليس بتمام ولا قطع، ولأنك تفرق بين المضاف والمضاف إليه، وكلاهما كالشيء الواحد.
وقد روى أبو محمد اليزيدي عن أبي عمرو في " لهاد الذين آمنوا " قال: الوصل بالياء، والوقف على الكتب.
وروي ذلك عن اليزيدي أبو عبد الرحمان وأبو حمدون.
ومعنى هذا أنه ينوي الياء في الوصل وإن كان لا يلفظ بها، فإذا وقف،

وقف بغير ياء اتباعاً للخط فكأنه قال: الوصل بنية الياء.
وهذا كلام مستقيم.
وقد استجهل اليزيدي في هذه الرواية ومجازها ما ذكرنا.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَزَالُ الذين كَفَرُواْ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ﴾.
أي: لا يزال الكفار في شك من القرآن.
وقيل: من النبي.
وقيل: من سجوده معهم في آخر النجم.
وقيل: مما ألقى الشيطان في تلاوة النبي صلى الله عليه وسلم من قوله: تلك الغرانيق العلى " قال هذا القول الأخير ابن جبير وابن زيد.
قال ابن زيد: لا يخرج ذلك من قلوبهم زادهم ضلالة.
وكونها تعود على القرآن أبين، لقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الذين أُوتُواْ العلم أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّكَ﴾ يعني: القرآن وهو أقرب إليه.
وقوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾.
أي: حتى تأتيهم ساعة حشر الناس لموقف الحساب " بغتة " أي: فجأة، وهو مصدر في موضع الحال.

ثم قال تعالى: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ﴾.
أي: عذاب يوم القيامة، ومعنى عقيم لا ليلة له شبهت/ الليلة باليوم، بمنزلة الولد للوالدة، هذا قول الضحاك وعكرمة.
وقيل: عنى به يوم بدر.
وسمي عقيماً لأنهم لم ينظروا إلى الليل، قال ذلك: مجاهد وابن جبير وقتادة وأبي بن كعب.
وهذا القول: حسن لأنه قد تقدم ذكر يوم القيامة في قوله: ﴿حتى تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً﴾ فلا يكون يوم القيامة مرة آخرى، وإنما المعنى: لا يزالون في شك من القرآن حتى تقوم الساعة أو يقتلوا يوم بدر.
قال أبي بن كعب: " عذاب يوم عقيم "، يوم بدر، والزام: القتال في يوم بدر، ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البطشة الكبرى﴾ [الدخان: 16] يوم بدر، ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى﴾ [السجدة: 21]، يوم بدر، فذلك أربع آيات نزلن في يوم بدر.
وقيل: إنما سمي يوم بدر عقيماً لأنه عقيم فيه الخير والفرج عن الكفار.
وقيل: هو يوم القيامة، عقم أن يكون بعده يوم مثله، أي: منع من ذلك.

قوله تعالى ذكره: ﴿الملك يَوْمَئِذٍ للَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.
إلى قوله: ﴿لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: السلطان لله وحده يوم مجيء الساعة لا ينازعه فيه أحد إذ قد كان في الدنيا ملوك يدعون ذلك، قد ملكهم الله أمر عباده، فيوم القيامة لا يملك الله فيه أحداً شيئاً من الأمور، بل هو المتفرد بذلك، والحاكم فيه كله، وقد كان الملك كله لله في الدنيا، إلا أنه تعالى ملك قوماً أمور عباده، وليس يكون ذلك في الآخرة، لا يملك أحد أمر أحد.
﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ أي: بين خلقه، المؤمن والكافر، ﴿فالذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فِي جَنَّاتِ النعيم﴾ يومئذ ﴿والذين كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بآياتنا فأولئك لَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ﴾، أي: مذل لهم في جهنم.
ثم قال تعالى: ﴿والذين هَاجَرُواْ فِي سَبِيلِ الله ثُمَّ قتلوا أَوْ مَاتُواْ﴾.
أي: والذين فارقوا أوطانهم وهجروا بلدهم في رضى الله ثم قتلوا في ذلك أو ماتوا ﴿لَيَرْزُقَنَّهُمُ الله رِزْقاً حَسَناً﴾ وهو الثواب الجزيل، ﴿وَإِنَّ الله لَهُوَ خَيْرُ الرازقين﴾ أي: خير من بسط رزقه على أهل طاعته.
وذكر أن هذه الآية نزلت في قوم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اختلفوا في حكم من مات في سبيل الله، فقال بعضهم: الميت والمقتول منهم سواء، وقال آخرون: بل

المقتول أفضل فأعلمهم الله جلّ ذكره بهذه الآية أن المقتول في سبيل الله والميت فيه سوا عنده في الثواب.
ثم قال: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُّدْخَلاً يَرْضَوْنَهُ﴾.
يعني: الجنة.
وقال: ﴿وَإِنَّ الله لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ﴾ أي: " لعليم بمن هاجر في سبيله ممن خرج لغنمية أو عرض من أعراض الدنيا ". " حليم " عمن عصاه من خلقه لا يعاجله بالعقوبة ثم قال: ﴿ذلك وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾.
أي: الأمر ذلك وعن عاقب.
وقيل: معناه: هذا لهؤلاء الذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ولهم مع ذلك القضاء على المشركين الذين بغوا عليهم، وآخرجوهم من ديارهم.
قال ابن جريج في الآية: هم المشركون، بغوا على النبي صلى الله عليه وسلم وأخرجوه، فوعده الله أن ينصره وقال: إن هذه الآية نزلت في قوم من المشركين، لقوا قوماً من المسلمين لليلتين بقيتا من المحرم، فكره المسلمون القتال في الشهر الحرام، وسألوا المشركين أن يكفروا عن القتال، فأبى المشركون ذلك فقاتلوهم وبغوا عليهم، وثبت المسلمون لهم فنصروا عليهم، فأنزل الله الآية فيكون معنى ﴿ثُمَّ بُغِيَ﴾: بدئ بالقتال وهو له كاره لينصرنه الله على من بَغَى عليه.
وسمى الجزاء عقوبة لأنه جزاء على عقوبة فسمي

باسمه، كما قال: ﴿الله يَسْتَهْزِىءُ بِهِمْ﴾ [البقرة: 15] و ﴿مَكَرَ الله﴾ [آل عمران: 54] وشبهه، ومثل ﴿وَجَزَآءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40] فالأولى: سيئة والثانية حسنة، إلا أنها سميت سيئة، لأنها وقعت إساءة بالمفعول، لأنه فعل به مايسوء، كذلك سمي الجزاء على العقوبة عقوبة لأنه عقوبة بالمبتدئ بالشر.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾.
أي: لذو عفو وصفح لمن انتصر به من ظلمه من بعدما ظلمه الظالم، غفور لمن فعل بمن ظلمه.
ثم قال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله يُولِجُ الليل فِي النهار وَيُولِجُ النهار فِي الليل﴾ أي: يقول الله جلّ ذكره: هذا النصر الذي أنصر من بُغِيَ عليه بأني قادر على ما شاء، ومن قدرتي أني أولج الليل في النهار وأولج النهار في الليل.
ومعناه: يدخل ما انتقص/ من ساعات الليل في ساعات النهار، وما انتقص من ساعات النهار في ساعات الليل، فما نقص من طول هذا، زاد في طول هذا.
فالبقدرة: التي فعل هذا، ينصر محمداً وأصحابه على الذين بغوا عليهم،

وأخرجوهم من ديارهم.
ثم قال: ﴿وَأَنَّ الله سَمِيعٌ بَصِيرٌ﴾ أي، وفعل ذلك بهم أيضاً، لأنه ذو سمع لما يقولون من قول خفي وغيره، عليم بكل شيء.
ثم قال: ﴿ذلك بِأَنَّ الله هُوَ الحق﴾.
أي: ذلك الفعل الذي فعل من إيلاجه الليل في النهار، والنهار في الليل، ونصره أولياءه لعى من بغى عليهم، لأنه الحق الذي لا مثل له، ولا شريك، وأن الذي يدعوه هؤلاء المشركون آلهة من دونه، هو الباطل الذي لا يقدر على شيء.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنَّ الله هُوَ العلي الكبير﴾.
أي: هو العلو على كل شيء وهو فوق كل شيء، وكل شيء دونه.
" والكبير: " أي: العظيم الذي لا شيء أعظم منه.
قال ابن جريج: " هو الباطل " يعني: الشيطان.
ثم قال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله أَنزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَتُصْبِحُ الأرض مُخْضَرَّةً﴾.
" فتصبح " مرفوع لأن صدر الكلام واجب، ولس استفهام، إنما هو تنبيه، هذا قول الخليل.
وقال الفراء: " ألم تر " خبر، كما تقول في الكلام: أعلم أن الله يفعل كذا فيكون كذا.
وخص ذكر الصباح بهذا دون سائر أخواتها، لأن رؤية الخضرة بالنهار أوضح

منه بالليل، والمعنى: أن الأرض صارت على هذا بالليل والنهار، فتصبح بمعنى فأصبحت، وهذه أصول من باب صار وأخواتها، وأعلم أن أصل أصبح وأمسى أن تقول: أصبح الرجل وأمسى أي: وافق الصباح ووافق المساء، وكذلك أصبحنا وأمسينا، معناه: دخلنا في الصباح والمساء.
ثم قالوا: أصبح زيد عالماً، وأمسى جاهلاً.
أي: تبين ذلك منه في وقت الصباح والمساء ولم يرد أنه يكون في الصباح على حال لا يكون عليها في المساء، وقولهمه ظل فلان قائماً، فلا يكون ظل إلا بالنهار، كما أن بات بالليل، واشتقاقه من الظل، والظل إنما يكون بالنهار، فلذلك لم يقع " ظل " إلا بالنهار.
وقولهم: " صار زيد عالماً.
أصلها من صرت إلى موضع كذا، أي: بلغته، فالمصير انقطاع البلوغ.
ومنه قوله: " إليه المصير "، أي: غاية البلوغ والانتهاء، ثم اتسع فيها حتى جعلت للخبر، فقيل: صار عبد الله عالماً أي: بلغ هذه الصفة، فلذلك كانت للشيء الذي ينقطع إلى وقتك تقول: صار عبد الله رجلاً.
أي: بلغ ذلك هذا الوقت، وليست بمنزل " كان " التي توجب علمه قبل ذلك، فصارت لانقطاع الغاية، وانطقاع الغاية وقت خبرك، فإن أردت أن تخبر بـ " صار " إنما هو كان قبل وقتك، أدخلت " كان " فقلت: كان زيد قد صار عالمً، ورأيته أمسى صار عالماً.

وأما ما زال فأصلها من زال الشيء عن الموضع، إذا فارقه وما زلت عن موضع، أي: ما فارقته.
ثم جعل ذلك للخبر فلزمه الجحد، فثبت الخبر عن الاسم بنفي مفارقته، فقلت: ما زال زيد عالماً، فنيت مفارقته للعلم، ونفي ذلك إيجاب له، فصار المعنى: زيد علام، ففيه معنى تراخي الزمان، فإذا قلت ما زلت سائراً، فمعناه ما زلت أسير شيئاً بعد شيء.
ونظير ما زال، ما برح وما انفك، وما فتئ.
فأصل ما برح، من برحت من موضع، أي: فارقته.
وأصل ما انفك من انفكاك الشيء من الشيء ومفارقته إياه.
وأما ما فتئ، فلم ينفرد باسم كظلت.
وأما ما دام، فما فيها غير جحد، إنما هي زمان.
وأصل دام، من دمت على الشيء، مكثت فيه، وطاولته، ثم جعلت لديمومة الخبر، وجعل الاسم وخبره صلة " ما " التي هي وقت.
ولو قلت دام زيد عالماً، لم يكن كلاماً حتى تأتي الموصول، وهو " ما ". ولو قيل: قد دام زيد أميراً، لجاز في القياس، لأن معناه: طالت إمارته، ولكن لم يستعمل وقوله: ﴿إِنَّ الله لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾.
أي: لطيف باستخراجه النبات من الأرض بالماء الذي ينزل من السماء.
" خبير " بما يحدث عن ذلك النبت من الحب وغيره.
قوله تعالى: ﴿لَّهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ﴾.
أي: له ملك ما في السماوات وما في الأرض، وأن الله لهو الغني عن خلقه.
وهم

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل