الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قوله: ﴿وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ أي: إذا استغاثوا.
قال سعيد بن مالك: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول:
" اسم الله جل وعز الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى دعوة يونس بن متى.
قال: قلت: يا رسول الله: هي ليونس بن متى خاصة أم الجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس خاصة، وللمسلمين عامة إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله جل ذكره:
﴿فنادى فِي الظلمات أَن لاَّ إله إِلاَّ أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظالمين * فاستجبنا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغم وكذلك نُنجِي المؤمنين﴾ فهو شرط الله تعالى لمن دعاه به ".
وروي عن ابن مسعود أنه قال: " لما خرج يونس من بطن الحوت مر بغلام يرعى غنماً فقال له: ممن أنت يا غلام؟ فقال: من قوم يونس.
قال له: فإذا رجعت إليهم فأخبرهم أنك لقيت يونس فقال له الغلام: إن تكن يونس فقد تعلم أنه من كذب ولم تكن له بينة على قوله يقتل، فمن يشهد لي.
فقال يونس تشهد لك هذه الشجرة وهذه البقعة.
فقال الغلام: فمرها بذلك فقال لها يونس: إن جاءكما هذا الغلام فاشهدا له أني يونس.
قالتا: نعم.
فرجع الغلام إلى قومه وكان له أخوة، وكان في منعة.
فأتى الملك فقال: إني لقيت يونس، وهو يقرأ عليك السلام.
فأمر به الملك أن
يقتل فقالوا: إن له بينة، فأرسل معه إلى الشجرة والبقعة، فشهدتا له أن يونس لقيه.
فرجع القوم مذعورين مما رأوا، فأعلموا بذلك الملك، فتناول الملك بيد الغلام فأجلسه مجلسه، وقال: " أنت أحق بهذا الملكان مني.
فأقام لهم ذلك الغلام أمرهم أربعين سنة ".
قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّآ إِذْ نادى رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿فاعبدون﴾.
أي: واذكر اي محمد زكريا حين نادى ربه ﴿رَبِّ لاَ تَذَرْنِي فَرْداً﴾ أي وحيداً، لا ولد لي ولا عصبة، فارزقني وراثاً من آل يعقوب: ﴿وَأَنتَ خَيْرُ الوارثين﴾، فاستجبنا له دعاءه، ووهبنا له يحيى وارثاً.
ثم قال: ﴿وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾.
أي: جعلناها ولوداً بعد أن كانت عقيماً.
وقال عطاء: كانت سيئة الخلق طويلة اللسان، فأصلحها الله وصيرها حسنة الخلق، وهو قول محمد بن كعب وعون بن عبد الله.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ يُسَارِعُونَ فِي الخيرات﴾.
يعني زكريا وزوجته ويحيى، أي: يسارعون في طاعة الله، والعمل بما يقرب إليه.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً﴾.
أي: رغبة فيما يرجون من ثوابه ورهبه مما يخافون من عقابه.
قال قتادة: رغباً في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
والدعاء في هذا الموضع: العبادة.
كما قال: ﴿وَأَدْعُو رَبِّي عسى﴾ [مريم: 48] أي: أعبد ربي.
قال ابن زيد: معناه: خوفاً وطمعاً.
قال ابن جريج: رغباص في رحمة الله ورهباً من عذاب الله.
ثم قال تعالى: ﴿وَكَانُواْ لَنَا خاشِعِينَ﴾ أي: متواضعين متذللين لا يستكبرون عن العبادة والدعاء والتضرع.
قال سفيان: هو الحزن الدائم في القلب.
ثم قال: ﴿والتي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾.
أي: واذكر يا محمد التي أحصنت فرجها، يعني مريم: وأحصنت، حفظت ومنعت.
وعنى بالفرج جيبها وقيل: فرج نفسها.
وقوله: فنفخنا فيها من روحنا: أي: من جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه روح الله، نفخ في
جيب ذراعها بعد أمن منعته منه إذ لم تعرفه.
وقيل: أمر الله تعالى جبريل صلى الله عليه وسلم، فنفخ الروح الذي هو روح عيسى في فرجها فحيي بذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وابنهآ آيَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ أي: عبرة لعالم زمانهما.
والتقدير على مذهب سيبويه: وجعلناها آية وابنها آية، ثم حذف الأولى.
أي: علماً وحجة على العالمين والمعنى: جعلها آية إذا ولدت من غير فحل، وجعله آية إذ ولد من غير نطفة، وإذ نطق في يوم ولد، وتكلم بالحكمة في ذلك اليوم.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ هذه أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
أي: وإن هذه ملتكم ملة واحدة، وأنا ربكم أيها الناس فاعبدون، دون الأصنام والأوثان.
قال مجاهد وابن عباس: " أمتكم أمة واحدة " أي: دينكم دين واحد.
وأمة نصبت على الحال/.
قوله تعالى ذكره: ﴿وتقطعوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
أي: وتفرقوا في دينهم الذي قضى الله به عليهم ودعاهم إليه فصاروا فيه أحزاباً، فتهودت اليهود وتنصرت النصارى، وعبدت الأوثان.
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ﴾.
أي: كلهم على اختلاف أديانهم، إلينا يرجعون.
أي: إلى حكمنا فيهم، فنجازي كلاً بما صنع.
وهذا كلام فيه تهديد ووعيد.
قال ابن زيد: " وتقطعوا أمرهم " أي: اختلفوا في الدين.
ثم قال: ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصالحات وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: فمن يعمل من هؤلاء الذين تفرقوا في دينهم بما أمره الله، وهو مقر بتوحيد الله.
﴿فَلاَ كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ﴾.
أي: فإن الله يشكر عمله الذي عمل ويثيبه عليه في الآخرة.
ومعناه: إذا لم يكفر بنبي بعث إليه ولا بمن قبله من الأنبياء ولا بكتاب نبيه ولا بكتاب من تقدم من الأنبياء.
ف " من " للتبعيض.
أي: من يعمل شيئاً من الصالحات وهو مؤمن.
وقيل: " من " زائدة.
والأول أحسن.
إذ لا يحكم على الزيادة إلا بدليل ظاهر.
ولا دليل يدل على ذلك.
وأيضاً: فإن في تقدير زيادة " من " تكليف غاية العمل.
وهذا لا يقدر عليه ولا يكلف الله نفساً فوق طاقتها، فمن ذا الذي يقدر على عمل الصالحات كلها.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾.
أي: نكتب أعماله الصالحة لنجزيه على صغيرها وكبيرها.
ومعنى كتبت: جمعت.
ثم قال تعالى: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ أَنَّهُمْ لاَ يَرْجِعُونَ﴾ أي: وحرام على قرية أهلكهم الله بالطبع على قلوبهم، والتمادي على الكفر، أن يرجعوا إلى الإيمان والتوبة.
هذا معنى قول عكرمة وهو اختيار الطبري.
وقيل: المعنى: وحرام على [أهل] قرية أمتناهم أن يرجعوا إلى الدنيا.
و " لا " زائدة.
ومعنى " وحرام ": وجب أن لا يرجعوا وعزم أن لا يرجعوا إلى توبة، ولا بعد موت.
قال ابن عباس: في معنى: ﴿وَحَرَامٌ على قَرْيَةٍ.
. .﴾ الآية.
وجب أنهم لا يرجعون.
وقال أبو عبيدة: " لا " زائدة.
" وحرام ": على بابها.
بمعنى المنع.
وقال أبو إسحاق: " لا " غير زائدة.
" وحرام ": على بابها.
والتقدير: حرام على أهل قرية، أهلكناها أن يُتقبل منهم عمل لأنهم لا يرجعون ولا يتوبون.
ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾.
أي: فتح سد يأجوج ومأجوج.
روى حذيفة بن اليمان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " أول الآيات الدجال ونزول عيسى عليه السلام ونرا تخرج من قعر عدن أبين تسوق النار إلى المحشر تقيل معهم إذا قالوا والدابة ثم يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: قلت يا رسول الله، ما يأجوج ومأجوج.
قال: يأجوج ومأجوج أمة.
كل أمة مائة ألف أمة لا يموت الرجل منهم حتى يرى ألف عين تطرف بين يديه من صبله وهم ولد آدم فيسيرون إلى خراب الدنيا ويكون مقدمتهم بالشام، وساقتهم بالعراق، فيمرون بأنهار الدنيا فيشربون الفرات ودجلة وبحيرة طبرية حتى يأتوا بيت المقدس فيقولون: قد قتلنا أهل الدنيا فقاتلوا من في السماء، فيرمون بالنشاب إلى السماء، فترجع نشابهم مخضبة بالدم.
فيقولون: قد قتلنا.
من في السماء.
وعيسى والمسلمون بجبل طور سنين، فيوحي الله جل وعز إلى عيسى أون أحرز عبادي بالطور وما يلي أيلة.
ثم إن عيسى عليه السلام يرفع يده إلى السماء ويؤمن المسلمون فيبعث الله عليهم دابة يقال لها النغف تدخل في مناخرهم فيصبحون موتى حتى تنتن الأرض من جيفتهم فيجأر الناس والأرض إلى الله تعالى منهم، فيأمر الله السماء فتمطر كأفواه القرب، فتغسل الأرض من جيفهم ونتنهم فعند ذلك طلوع الشمس من مغربها ".
قال أبو العالية: إن يأجوج ومأجوج يزيدون على سائر الأنس الضعف.
وأن الجن يزيدون على الإنس الضعف، وأن يأجوج ومأجوج رجلان اسمهما يأجوج ومأجوج.
قال عمر البكالي: إن الله جل وعز جزأ الملائكة والإنس والجن عشرة أجزاء.
فتسعة منهم الكروبيون وهم الملائكة الذين يحملون العرش، ثم هم أيضاً الذي يسبحون الليل والنهار لا يفترون قال: ومن بقي من الملائكة لأمر الله ووحيه
ورسالته، ثم جزأ الجن والإنس/ عشرة أجزاء، فتسعة منهم الجن، لا يولد من الإنس ولد إلا ولد من الجن تسعة، ثم جزأ الإنس عشرة أجزاء، فتسعة منهم يأجوج ومأجوج، وسائر الناس جزء [واحد].
وقال ابن عباس: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعمائة ألأف أمة، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر إلى ألف من صلبه فصاعداً؟
وعنه أنه قال: الأرض سبعة أجزاء، ستة منها فيها يأجوج ومأجوج وجزء [واحد] فيه سائر الخلق.
ومن جعل يأجوج ومأجوج مشتقاً، أجاز همزة، وهو مشتق من أجة النار، وهو حرها.
ومنه أجة الحر، ومنه ملح أجاج.
ولم يصرفه لأنه جعله اسماً للقبيلة وهو معرفة، ووزنها: فاعول ومفعول، ويجوز في قراءة من لم يهمز أن يكونا أعجميين، وأن يكونا مشتقين.
وخففت الهمزة.
وقال الأخفش: يأجوج من يججت ومأجوج من مججت وقوله: ﴿وَهُمْ مِّن كُلِّ حَدَبٍ يَنسِلُونَ﴾.
قيل: يعني بني آدم يخرجون من كل موضع دفنوا فيه، يعني الحشر.
قاله
مجاهد.
وقال ابن عمر عنى به يأجوج ومأجوج، يخرجون من كل مكان يفسدون في الأرض.
ومعنى: " من كل حدب " أي: من كل نشز، ومن كل شرف وأكمة.
قال ابن زيد: هو مبتدأ يوم القيامة.
و " ينسلون ": يمشون مسرعين كنسلان الذئب.
يقال: نسل ينسل وينسل، إذا أسرع وتقارب خطوة.
قال عطية الحوفي: يأجوج ومأجوج أمتان، في كل أمة أربعة ألف أمة، لا يشبه بعضهم بعضاً، لا يموت الرجل منهم حتى ينظر في مائة عين من ولده.
وقال عبد الله بن عمرو بن العاص: إن الرجل منهم ليموت فيدع لصلبه من الذرية ألفاً فصاعداً، وإن من ورائهم لثلاث أمم ما يعلم عدتهم إلا الله تعالى مسنك وتأريس وتأويل، وخروجهم بعد خروج الدجال ونزول عيسى عليه السلام.
قال كعب الأحبار: عرض أسكفة باب يأجوج ومأجوج السفلى أربعة
وعشرون ذراعاً، فتفحها حوافر خيلهم، والعليا عرضها إثنا عشر ذراعاً، فتفحها أسنة رماحهم.
قوله تعالى: ﴿واقترب الوعد الحق﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
الواو زائدة في " واقترب " عند الكسائي والفراء.
قالا: اقترب جواب " إذ " في قوله: " حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج " اقترب الوعد.
وأجاز الكسائي أن يكون جواب إذا، ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ﴾.
وقال أبو إسحاق: الجواب: قالوا يا ويلنا، ثم حذف " قالوا " كقوله: ﴿والذين اتخذوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَآءَ مَا نَعْبُدُهُمْ﴾ [الزمر: 3] أي: قالوا: ما نعبدهم وحذف القول كثير من القرآن، ومعنى الآية: وقرب بعث الأموات للجزاء لا شك فيه بعد خروج يأجوج ومأجوج.
قال حذيفة: لو أن رجلاً افتلى فلواً بعد خروج يأجوج ومأجوج لم يركبه
حتى تقوم الساعة.
وقوله: ﴿فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الذين كَفَرُواْ﴾.
قيل: هي عماد.
وقيل: هي إضمار الأبصار، والأبصر الثانية تبيين لها أي: فإذا أبصار الكافرين قد شخصت عند مجيء الوعد.
يقولون ﴿ياويلنا قَدْ كُنَّا﴾ قبل هذا الوقت في الدنيا ﴿فِي غَفْلَةٍ مِّنْ هذا﴾ الذي نرى ونعاين، ﴿بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ أي: بمعصيتنا ربنا وطاعتنا إبليس وجنوده.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾.
أي: إنكم أيها الكفار والأوثان التي تعبدونها من دون الله وَقُودُ جهنم، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: حصب جهنم: حطبها.
وقال قتادة وعكرمة: حصب جهنم: يقذفون فيها.
وقال الضحاك: إن جهنم إنما تحصب بهم، أي: يرمى بهم فيها، وقرأ علي وعائشة رضي الله عنها حطب بالطاء.
وعن ابن عباس: ﴿حَصَبُ﴾ بالضاد معجمة.
والحضب: ما دكيت به النار وأججتها، والحصب بالصاد غير معجمة: اسم المرمى به في النار.
وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ يخرج منه عُزَيْرٌ والمسيح والملائكة، لأن " ما " لما يعقل، فهي للأصنام والأوثان/.
وروي عن ابن عباس أنه قال: لما نزل: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾ الآية، قال المشركون: أليس قد عبد عزير والمسيح والملائكة وأنت تقول يا محمد أنهم قوم صالحون.
فأنزل الله ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
وقيل: إن الذي قال هذا هو ابن الزبعري، وأنزل الله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابن مَرْيَمَ مَثَلاً إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ [الزخرف: 57].
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ هؤلاء آلِهَةً مَّا وَرَدُوهَا﴾.
أي: لو كان هؤلاء الذين تعبدون من دون الله آلهة ما وردوا جهنم.
يقول الله
ذلك لهم.
فلو كانت آلهة كما تزعمون لدفعت عن أنفسها وعمن عبدهها في الدنيا.
ثم قال: ﴿وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
يعني الآلهة والذين عبدوا ماكثين في النار.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾.
أي: للآلهة، وللذين عبدوها في جهنم زفير ﴿هُمْ فِيهَا لاَ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: لا يسمعون ما يسرهم، لأنهم صم.
وقال ابن مسعود: إذ بقي في النار من خلد فيها، جعلوا في توابيت من حديد، فلا يرى أحدهم أنه يعذب في النار غيره.
ثم قرأ الآية.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مِّنَّا الحسنى أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾.
يعني: كل من سبقت له من الله السعادة من خلقه.
أنه مبعد من النار، وهو مذهب علي بن أبي طالب.
وروي عنه أنه قرأ الآية وقال: عثمان منهم وأصحابه، وأنا منهم.
وقيل: عني به كل من عبد من دون الله، وهو لله طائع، ولعبادة من يعبده كاره مثل عيسى وعزير والملائكة.
وهو مذهب مجاهد وعكرمة والحسن وأبي صالح.
وهو قول ابن عباس والضحاك.
و" الحسنى ": الجنة والسعادة.
﴿أولئك عَنْهَا مُبْعَدُونَ﴾ أي: عن جهنم.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا﴾.
أي: حسها وصوتها إذا دخلوا الجنة.
وقيل: معناه: إن ذلك في موطن من المواطن، وإلا، فلا بد من سماع زفيرها.
روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " إن جهنم يؤتى بها يوم القيامة تزفر زفرة فلا يبقى ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا جثا على ركبتيه خوفاً منها ".
وقال أبو عثمان النهدي: على الصراط حيات تلسع أهل النار فيقولون: حس، حس.
ثم قال: ﴿وَهُمْ فِي مَا اشتهت أَنفُسُهُمْ خَالِدُونَ﴾.
أي: ماكثون فيما تشتهيه أنفسهم من نعيمها، لا يخافون زوالاً عنها ولا انتقالاً.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يَحْزُنُهُمُ الفزع الأكبر﴾.
يعني: النار إذا أطبقت على أهلها وذبح الموت بين الجنة والنار قاله ابن جريج.
وقال ابن عباس: هو النفخة الآخرة.
وقال الحسن: هو وقت يؤمر بالعبد إلى النار.
ثم قال: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذي كُنتُمْ تُوعَدُونَ﴾.
أي: تتلقاهم بالبشرى، وتقول: لهم: هذا يوم كرامتكم التي وُعِدْتُم في الدنيا على طاعتكم، وهذا، قبل أن يدخلوا الجنة.
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل﴾ أي: لا يحزنهم الفزع الأكبر يوم نطوي السماء كطوي السجل، والسجل في قول عبد الله بن عمر ملك اسمه السجل قاله السدي.
والمعنى: نطوى السماء كما يطوي هذا الملك الكتاب.
وقال ابن عباس: هو رجل كان يكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
وعن ابن عباس: أنه اسم الصحيفة التي يكتب فيها.
والتقدير: كطي الصحيفة على الكتاب.
وقاله: مجاهد، وهو اختيار الطبري.
قال: واللام بمعنى: " على ". والتقدير: نطوي السماء كما تطوى الصحيفة على ما فيها من الكتاب.
وقيل: التقدير: كطي الصحيفة من أجل ما كتب فيها.
كما تقول: إنما أكرمك لفلان، أي: من أجله.
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾.
أي: نعيد الخلق عراة حفاة غرلاً يوم القيامة، كما خلقناهم في بطون أمهاتهم.
قاله مجاهد.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى نسائه: " تأتون حفاة عراة غلفاً، فاستترت بكم ذرعها
وقالت: واسوأتاه " قال ابن جريج أخبرت أنها عائشة.
وقالت: يا نبي الله، لا يحتشم الناس بعضهم من بعض.
فقال: ﴿لِكُلِّ امرىء مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾.
وقال ابن عباس في معنى: ﴿كَمَا بَدَأْنَآ أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ﴾ قال: نهلك كل شيء كما/ كان أول مرة.
وقيل: ذلك خلق السماء مرة أخرى بعد طيها وزوالها وإفنائها يعيدها في الآخرة كما بدأها في أول خلق فجعلها سماء قبل أن لم تكن سماء ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ﴾ أي: لا بد من كون ذلك، إنه لا يخلف الميعاد.
وقال ابن مسعود: يرسل الله جل ذكره ماء من تحت العرش كمني الرجل، فينبت منه لحماتهم وأجسامهمه كما تنبت الأرض المرعى.
ثم قال تعالى: ﴿وَعْداً عَلَيْنَآ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: وعداً حقاً لا بد منه، إنا كنا قادرين على ذلك، فاستعدوا له وتأهبوا.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزبور﴾ إلى قوله: ﴿على مَا تَصِفُونَ﴾
آخر السورة.
المعنى: ولقد كتبنا في كتب الأنبياء كلها والقرآن.
وقوله: ﴿مِن بَعْدِ الذكر﴾.
الذكر: أم الكتاب الذي عند الله في السماء.
قاله: مجاهد وابن زيد.
وقال ابن جبير: الزبور: القرآن.
والذكر: التوراة.
وقال ابن عباس: الزبور: الكتب التي أنزلت على الأنبياء بعد التوراة.
والذكر: التوراة وقاله: الضحاك.
وقال الشعبي: الزبور، زبور داود، والذكر: التوراة.
وقوله: ﴿أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصالحون﴾.
أي: أثبتنا وقضينا في الكتاب من بعد أم الكتاب، أن أرض الجنة يرثها العاملون بطاعة الله.
قاله: ابن عباس ومجاهد، وهو قول ابن جبير وابن زيد.
وعن ابن عباس أنه قال: أخبر الله تعالى في التوراة والإنجيل وسابق علمه قبل أن يخلق السماوات والأرض أنه يورث أمة محمد صلى الله عليه وسلم المقدسة.
وقد قيل: ويدخلهم الجنة، وهم الصالحون.
ويدل على أنها أرض الجنة قوله: ﴿وَقَالُواْ الحمد للَّهِ الذي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الأرض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَآءُ﴾.
قال ابن زيد: فالجنة مبتدؤها في الأرض، وتذهب درجاً علواً، والنار مبتدؤها في الأرض وتذهب سفلاً طباقاً، وبينهما حجاب سور، ما يدري أحد ما ذلك السور، وقرأ ﴿بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرحمة وَظَاهِرُهُ مِن قِبَلِهِ العذاب﴾ [الحديد: 13].
قال: ودرج النار تذهب سفالاً في الأرض، والجنة تذهب علواً في السماوات.
وقال عامر بن عبد الله: هي الأرض التي تجتمع فيها أرواح المؤمنين حتى يكون البعث.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: هي أرض الكفار ترثها أمة محمد صلى الله عليه وسلم يريد
يفتحونها.
وقيل: عُني بذلك بنو إسرائيل، وقد وفى لهم في عز وجل بذلك.
وهو قوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ.
. .﴾ الآية.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي هذا لَبَلاَغاً لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾.
أي: إن في هذا القرآن لبلاغاً لمن آمن به وعمل بما فيه إلى رضوان الله، أي: يبلغهم القرآن إلى رضوان الله.
وقال أبو هريرة: هم الذين يصلون الصلوات الخمس في المسجد.
وقال سفيان: الثوري: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ بلغني أنهم أصحاب الصلوات الخمس.
وقال كعب: ﴿لِّقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾ أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأنهم لأصحاب الصلوات الخمس، سماهم الله صالحين.
وقال ابن عباس: ﴿عَابِدِينَ﴾ عالمين.
وقال ابن جريج: ﴿إِنَّ فِي هذا﴾ يعني: هذه السورة.
وقيل: القرآن، فيه تنزل الصلوات الخمس، من أداها كانت له بلاغاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.
أي: للمؤمن والكافر: فهو صلى الله عليه وسلم رحمة للمؤمن في الدنيا والآخرة، يعافى في الدنيا من السيف، ومن حلول العذاب من الله، وفي الآخرة من النار، وهو رحمة للكافر إذ عوفي في الدنيا مما أصاب الأمم الماضية من الخسف والقذف بكفرها، قاله ابن عباس.
وقال ابن زيد: العالمون من آمن به خاصة، فهو رحمة للمؤمن.
ثم قال تعالى: ذكره: ﴿قُلْ إِنَّمَآ يوحى إِلَيَّ أَنَّمَآ إلهكم إله وَاحِدٌ﴾ أي: إنما معبودكم الذي تجب له العبادة واحد، لا معبود غيره.
﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ﴾ أي: فهل أنتم أيها المشركون مذعنون لله، تاركون عبادة غيره من الأوثان والأصنام.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُلْءَاذَنتُكُمْ على سَوَآءٍ﴾.
أي: فإن أدبر هؤلاء المشركون عن توحيد الله والإقرار بما جئتهم به، فقل: آذنتكم على سواء أي: أعلمتكم أني وإياكم على حرب لا صلح بيننا.
يعني بذلك قريشاً.
وقال قتادة: ﴿على سَوَآءٍ﴾ على مهل/.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ أدري أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ما أدري متى يحل بكم عقاب الله على كفركم.
أقريب هو أم بعيد.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الجهر مِنَ القول وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: إن الله يعلم سركم وجهركم، لا يخفى عليه من قولكم ولا من أحوالكم شيء.
ثم قال: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ﴾.
أي: ما أدري لعل تأخير العذاب عنكم وإمهال الله إياكم على كفركم فتنة لكم أي: اختبار لكم ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾.
أي: وأمتعكم بالبقاء وتأخير العذاب إلى انقضاء المدة.
وقال مجاهد: " إلى حين الموت ".
وقال زيد بن أسلم: بلغنا أن رسول الله رأى في منامه بني أمية يجلسون على المنابر، فأخبر بذلك فخرج الحكم من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبر بذلك بني أمية فقالوا له ارجع فاسأله متى يكون هذا.
فرجع إليه فسأله، فأنز الله تعالى: ﴿وَإِنْ أدري أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ إلى آخر الآية، ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾.
وروى أن الحسن بن علي خطب على الناس إذ سلم الأمر إلى معاوية، وقال في خطبته وهو يلتفت إلى معاوية: قال الله جل ذكره: ﴿وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَّكُمْ وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ احكم بالحق﴾ أي: قل يا محمد: رب افصل بيني وبين من كذبني بإحلال عذابك بهم ونقمتك، وهو الحق الذي أمر الله تعالى نبيه أن يسأله إياه ومثله ﴿رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق﴾ [الأعراف: 89].
وروى قتادة " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا شهد قتالاً يقول: يا رب احكم بالحق ".
وقرأ أبو جعفر يزيد: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بالرفع، وهو غلط عند النحويين لا يجوز عندهم رجل أقبل، لأنهم جعلوا يا عوضاً عن المحذوف والأصل يا أيها الرجل.
وقرأ عكرمة والضحاك: ﴿قَالَ رَبِّ﴾ بفتح الياء ﴿احكم﴾ بالرفع والهمز على الابتداء.
أو الخبر.
واحتجا في ذلك بأن الله تعالى لا يحكم إلا بالحق، فكيف يأمره أن
يسأل أن يحكم له بالحق.
معنى ذلك عند العلماء رب عجل حكمك بالحق.
والتقدير عند أبي عبيد: أحكم بحكمك الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَرَبُّنَا الرحمن﴾.
أي: وقيل يا محمد: ﴿وَرَبُّنَا الرحمن﴾ أي: الذي يرحم عباده المؤمنين.
﴿المستعان على مَا تَصِفُونَ﴾.
أي: الذين استعينه عليكم فيما تقولون وتصفون من قولكم: ﴿مَا هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾ [المؤمنون: 24] وقولكم: ﴿بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ [الأنبياء: 5].
وكذبكم على الله جل ذكره في قولكم: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ [البقرة: 116] وشبهه من باطلكم.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
سورة "الحج" (مكية) سوى ثلاث آيات نزلن بالمدينة في ستة نفر من قريش، ثلاثة مؤمنون وثلاثة كافرون.
فالمؤمنون عبيدة بن الحرب بن عمرو وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهم.
دعاهم للبراز عتبة وشيبة ابنا ربيعة والوليد بن عتبة فأنزل الله تعالى ذكره: (هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ) إلى تمام الآيات الثلاث.
قال أنس بن مالك: نزلت سورة الحج على النبي - عليه السلام - وهو في مسير له وأصحابه متبددون، فرفع بها صوته، فنادى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ ... شَدِيدٌ) فاجتمع إليه أصحابه فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ ذلك يوم يقول الله
لآدم: ابعث بعث النار من بنيك وبناتك.
فقال: يا رب، من هم؟ قال: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار، وواحد في الجنة، فكبر ذلك على أصحاب النبي فقال لهم النبي: أبشروا، فإنكم مع خليقتين لم يكونا مع شيء قط إلا كثرتاه يأجوج ومأجوج، وما أنتم في الناس إلا كالرقمة في دراع الدابة أو كالشامة في جنب البعير الحديث بكامله.
وقد قيل: إن سورة الحج مدنية، وحديث أنس أنها نزلت في بعض أسفار النبي - عليه السلام - يدل على أنها مدنية.
فمن قال أنها مدنية.
قال في قوله: (هَذَانِ خَصْمَانِ) إنه نزل في اختصام اليهود والمسلمين في كتابهم ودينهم.
قوله تعالى ذكره: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة﴾ إلى قوله: ﴿ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾.
المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء عظيم.
قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا.
" وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله جل ذكره لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخص
ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر.
قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: قرن.
قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات والأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطوِّلُها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله عز وجل: ﴿ وَمَا يَنظُرُ هؤلاء إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي: من راحة.
فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الراجفة * تَتْبَعُهَا الرادفة * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ وتكون الأرض كالسفينة الموبقة تضربها الرياح تُكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بضعاً، وهو الذي يقول الله ﴿يَوْمَ التناد * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ.
. .﴾ إلى قوله ﴿. . . هَادٍ﴾ فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر.
فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به.
ثم نظرو في السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال
رسول الله صلى الله عليه وسلم: والأموات لا ي علمون بشيء من ذلك.
فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي السماوات وَمَن فِي الأرض إِلاَّ مَن شَآءَ الله﴾ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿. . . شَدِيدٌ﴾ ".
وقال الحسن: " بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قفل من غزوة العسر، ومعه أصحابه، فقال: ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ الساعة شَيْءٌ عَظِيمٌ.
. .﴾ إلى قوله: ﴿. . . شَدِيدٌ﴾.
ثم قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلك يوم يقول الله جل ذركه لآدم: قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تعسة وتسعين وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم يبدوا عن واضحة.
فلما رأى ما في وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، أنه لم يكن رسولان إلا وبينهما فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين
ظهراني خليقتين لا يعادهم أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، وتكملة العدد من المنافقين ".
وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام.
فقال الحسن: يا ليتني أنا ذلك الرجل.
وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون القيامة.
ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون أشراطها تذهل.
وظاهر النص يدل على أن " الهاء " في " ترونها " تعود على الزلزلة.
أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر النص، لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة.
إنما ذلك في الدنيا، فهو وقت تظهر فيه الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب المرضعات عن أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ولما يلقى فيه من الهلع والفزع.
وقل من قال: هو يوم القيامة يدل على ما رواه عمران بن الحصين قال: " بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه إذ نادى رسول الله بهذه الآية ﴿يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمْ.
. .﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: ذلك يوم ينادى آدم يناديه ربه، ابعث بعثة النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة.
قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:
اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كنتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم ومن هلك من بني إسرائيل ويأجوج ومأجوج.
ثم قال: ألا أبشروا ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة "، وكذلك رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقاً وزاد الحسن في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم.
قال فيه ولم يكن رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعدهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج
ومأجوج، وهم أهل النار.
وتكمل العدة من المنافقين.
وقال ابن مسعود: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم.
فقال: " أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم.
قال: فوالذي نفسي بيده إن لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك.
إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن قلة المسلمين في الكفار يوم القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض.
وكالشعرة البيضاء في الثور الأسود ".
ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾.
أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز مرضع، كما قال: امرأة حائض وطامث وطالق.
والأصل: الهاء.
ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض وطامث.
وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظَّ له في هذا الصف.
فلم يحتج إلى هاء في المؤنث.
وقالوا: قائم وقامئة، فِأتوا بالهاء في المؤنث لأِنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم قالوا ناقة ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير
ساغل، ورجل عانس وامرأة عانٍ فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه المذكر في الفعل.
وحذف الهاء عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء عانس وساغل ونحوه، وينتقض على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت المرأة.
فلو كان حرف الهاء من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم تدخل علامة التأنيث في حاضت وطمثت وينقض أيضاً قوله في قولهم رجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل آثم وامرأة آثم.
ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ثقل ما ترى وتضع الحامل حملها قبل بلوغ وقته.
﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُم بسكارى ولكن عَذَابَ الله شَدِيدٌ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها: " كان النبي صلى الله عليه وسلم في حجري فقطرت دموعي على خده، فاستيقظ فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكر القيامة وهولها.
فهل يذكرون أهلهم يا رسول الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد إلا نفسه، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل.
وعند الصحف حتى يعلم ما في صحيفته وعند الصراط حتى يجاوزه ".
وروي عن ابن عباس أنه قال: " نزلت هاتان الآياتان على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يسير
فكف ثم قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: " يا أيها الناس، أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم.
قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه لآدم: ابعث بعث النار من ولدك.
فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول؟ من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فيسكر الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئاً قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من شيء حدثتنا به اليوم.
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أبشروا فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي في الثمانية ورهطب ويأتي النبي في الأربعة وياتي الآخر في الاثنين، حتى رأتي النبي وليس يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها لقلت أي رب، أمتي هذه؟ فقال: لا، بل هذا موسى صلى الله عليه وسلم ومن تبعه، ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا.
بل هذا يونس ومن تبعه.
ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا، بل هذه عيسى ومن تبعه.
فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، فنظرت قبل طريق مطة فإذا أنا بناس كثير.
ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق الشام،
فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العارق، فإذا أنا بناس كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من كثرتهم فقلت: أي رب، قد رضيت.
قال: فإن مع هذا سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله منهم فقال رجل آخر من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فاقل: سبقك بها عكاشة ".
وقوله: ﴿وَتَرَى الناس سكارى﴾.
رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم كما جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي صلى الله عليه وسلم إلى مخاطبة الجماعة في قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
قوله تعالى ذكره: ﴿وَمِنَ الناس مَن يُجَادِلُ فِي الله بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
هذه الآية نزلت في النضر بن الحارث كان يخاصم ويزعم أن الله جل ذكره غير قادر على إحياء من بلى وعاد تراباً، بغير علم له في ذلك.
﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَّرِيدٍ﴾.
أي يتبع في قوله ذلك كل شيطان مارد.
والمريد والمارد: المتجاوز في الشر القوي فيه.
ومنه قيل: صخرة مرداء، أي: ملساء.
ومنه: الأمرد.
وقيل: نزلت في أبي جهل بن هشام.
ثم قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ﴾.
أي: كتب على الشيطان أي: قضى على الشيطان أنه تولاه.
الهاء في " أنه " مجهول تفسره الجملة التي بعده.
و " تولاه ". أي: تولى الشيطان.
أي: فمن اتبع الشيطان من خلق الله، فإنه يضله.
أي: فإن الشيطان يضل من اتبعه، ﴿وَيَهْدِيهِ إلى عَذَابِ السعير﴾.
أي: يسوقه إليه بطاعته له، ومعصيته لله، في " عليه " و " تولاه " و " فإنه " تعود على الشيطان.
ثم قال: ﴿يا أيها الناس إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ البعث﴾.
أي: إن كنتم في شك من أنكم تبعثون وتعودون كما كنتم فتدبروا خلقكم وابتداءكم، فإنكم لا تجدون فرقاً بين الابتداء والإعادة، إذ خلقناكم من تراب، يعني آدم.
" ثم من نطفة " يعني ولد آدم، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم يخرجكم طفلاً.
فإذا تدبرتم ابتداءكم وانتقال أحوالكم، علمتم أن من قدر على هذا أنه قادر على الإعادة، فالنطفة ماء الرجل، والعلقة: الدم، والمضغة: لحمة صغير بقدر ما يمضغ.
وقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾.
قيل: هو من نعت النطفة.
فالمخلقة ما كان خلقاً سوياً، وغير المخلقة ما ألقت الأرحام من النطف قبل أن تكونوا خلقاً.
قال ابن عمر: إذا وقت النطفة في الرحم، بعث الله ملكاً، فقال: يا رب مخلقة أو غير مخلقة، فإن قال مخلقة، مجتها الأرحام دماً وإن قال: مخلقة، قال يا رب: ما صفة هذه النطفة؟ أذكر أم أنثى؟ ما رزقها؟ ما أجلها؟ أشقي أم سعيد؟ قال: فيقال: انطلق إلى أم الكتاب، فاستنسخ منه صفة هذه النطفة.
قال: فينطلق الملك،
فينسخها، فلا تزال معه حتى يأتي على آخر صفتها.
وقيل: معناه، تامة أو غير تامة، وهو قول قتادة.
وقال مجاهد: هو السقط، مخلق وغير مخلق.
وقال الشعبي: بعد المضغة تكون مخلقة، وهو الخلق الرابع، وإذا قذفها الرحم قيل فهي غير مخلقة.
وقال ابن مسعود: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: - وهو الصادق المصدوق - " يجمع خلق كل أحدكم في بطن أمه أربعين يوماً، ثم يكون علقة أربعين يوماً، ثم يكون مضغة أربعين يوماً، ثم يبعث الله إليه ملكاً، فيقول: أكتب عمله وأجله ورزقه واكتب شقياً أو سعيداً ".
وقال عبد الله: والذي نفسي بيده، إن الرجل ليعمل عمل أهل السعادة، فيعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع ثم يدركه الشقاء، فيعمل بعمل
أهل النار والشقاء، فيدخل النار.
واختار الطبري أن تكون المخلقة المصورة خلقاً تاماً، وغير مخلقة السقط قبل تمام خلقه فيكون مخلقة وغير مخلقة من نعت المضغة، لأ، هـ ليس بعد المضغة إلا التصوير.
ثم قال تعالى: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: فعلنا ذلك لنبين لكم قدرتنا على ما نشاء.
أي: ذكرنا لكم الأحوال الابتداء، لنبين لكم أثر الصنعة والقدرة.
فقوله: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ جواب للقصة المذكورة في خلق الإنسان كلها.
أي: أخبرناكم بهذه القدرة في خلقكم لنبين لكم أن البعث حق.
ثم ابتدأ بخبر آخر فقال: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام﴾ ولذلك ارتفع، ولا يجوز نصبه على العطف على " لنبين "، لأنه لم يذكر القصة في قدرته ليقر في الأرحام ما يشاء، إنما ذكرها ليدل على صحة وقوع البعث بعد الموت.
والمعنى: ﴿وَنُقِرُّ فِي الأرحام مَا نَشَآءُ إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى﴾، أي: ونبقي في الأرحام من نشاء حياته فلا يسقط إلى وقت ولادته فيخرج طفلاً.
وقوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾.
أي: يخرج كل واحد منكم طفلاً.
وقوله: ﴿ثُمَّ لتبلغوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: ثم نعمركم لتبلغوا أشدكم.
وقيل: معناه: ثم نخرجكم طفلاً لتبلغوا أشدكم.
والأول أحسن، لأن هذا، يوجب زيادة " ثم "، ولا يحسن زيادتها، بل لا بد لها من فائدة، وهو ما ذكرنا من التعبير ليقع به البلوغ إلى الأشد.
ومعنى أشدكم.
أي كمال عقولكم ﴿وَمِنكُمْ مَّن يتوفى﴾.
أي: من قبل بلوغ أشده فيموت.
﴿وَمِنكُمْ مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾.
أي: من ينسأ في أجله فيعمر حتى يهرم، فيرج إلى أرذل عمره.
وروي عن علي رضي الله عنهـ أنه قال: أرذل العمر، خمسة وسبعون عاماً.
ثم قال: ﴿لِكَيْلاَ يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: ليصير لا علم له بالأشياء بعدما كان علماً بها.
ثم قال: ﴿وَتَرَى الأرض هَامِدَةً﴾.
أي: يابسة دارسة لا نبات فيها، وأصل الهمود، الدروس والدثور.
﴿فَإِذَآ أَنزَلْنَا عَلَيْهَا المآء اهتزت﴾ أي: تحركت بالنبات.
﴿وَرَبَتْ﴾ أي: وأضعفت النبات بمجيء الغيث.