الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4728-4767
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4728-4767
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

الكلام على موضع " الذين " من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾.
فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى الذين ظَلَمُواْ﴾.
والثاني: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: " هم الذين ظلموا ". والثالث: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم.
والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا.
والرابع: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني.
والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش.
والسادس: أن يكون ﴿الذين ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً.
كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم.
والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ النجوى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.

قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ القول فِي السمآء والأرض﴾ إلى قوله: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
أي: قل يا محمد: ربي يعلم قولكم بينكم، ﴿أَفَتَأْتُونَ السحر وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾ ويعلم غير ذلك في السماوات والأرض وهو السميع لجميع ذلك/، العليم بجميع خلقه، فيجازي كلا على قدر أعمالهم.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ قالوا أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾.
أي: بل قال المشركون: الذي جاء به محمد أضغاث أحلام.
أو هم أضغاث أحلام.
أي: لم يصدقوا بالقرآن، ولا آمنوا به ولكن قالوا: هو أضغاث أحلام، أي رؤيا رآها في النوم.
" الأضغاث " الأخلاط.
ومنه ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثاً﴾.
وقال بعضهم: بل هي فرية واختلاق من عند نفسه.
وقال بعضهم: بل محمد.
. . شاعر، فنقض بعضهم قول بعض.
ثم قالوا بعد ذلك.
ونقضوا قولهم كلهم ورجعوا عن ما قالوا، فقالو: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَآ أُرْسِلَ الأولون﴾ أي: بل يأتينا محمد بآية تدل على صدقه، كما جاءت به الرسل قبل محمد؟ من مثل الناقة، وإحياء الموتى وشبهه.
وذلك منهم تعنت، لأن الله تعالى قد

أعطاه من الآيات ما لهم فيها كفاية، وإنما دخلت " بل " في هذا وليس في الكلام جحد لأن الخبر عن أهل الجحود والتكذيب، فدخلت " بل " لذلك.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿مَآ آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَآ﴾.
في هذه الآية بيان لإثبات القدر، لأن المعنى: أن امتناع من تقدم من الكفار من الإيمان حتى هلكوا لا يوجب امتناع من بعدهم، لكن كل ذلك بقدر من الله جل ذكره؛ وتحقيق المعنى على قول المفسرين، مآ آمن قبل هؤلاء الذين كذبوا محمداً من أهل قرية عذبناها بالهلاك في الدنيا إذ كفروا بعد مجيء الآية.
﴿أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ﴾ استفهام معناه التقرير.
أي: فهؤلاء المكذبون محمداً السائلون الآية، يؤمنون إن جاءتهم آية.
فلم يبعث الله تعالى إليهم آية لعلمه أنهم يكذبون بها، فيجب عليهم حلول العذاب.
وقد تقدم في علمه أن ميعادهم الساعة.
قال تعالى: ﴿بَلِ الساعة مَوْعِدُهُمْ﴾ [القمر: 48].
فلما كان أمر هذه الأمة وعقوبتها، أخّرها الله إلى قيام الساعة، لم يرسل إليها آية مما اقترحوا به من الآيات التي توجب حلول العذاب عليها إذ كفرت بعد ذلك كما فعل بالأمم الماضية.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ أي: وما أرسلنا قبلك يا محمد من الرسل إلا رجالاً مثل الأمم المرسل إليها.
يوحي الله إليهم ما يريد.
أي: لم يرسل

ملائكة، فما أنكر هؤلاء من إرسالك إليهم وأنت رجل مثلهم؟ وهذا جواب لقول المشركين: ﴿هاذآ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾.
ثم قال: ﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: اسألوا: أهل الكتب التي نزلت قبل كتابكم، يخبرونكم أنه لم تكن الرسل التي أتتهم بالكتب إلا رجالاً مثلهم.
قال سفيان: " يريد: اسألوا من أسلم من أهل التوراة والإنجيل ". ويراد بالذكر: التوراة والإنجيل.
وروي عن عبد الله بن سلام: " أنه قال: " نزلت في ﴿فاسئلوا أَهْلَ الذكر﴾ فهذا يدل على أن " الذكر " التوراة.
وقال قتادة: ﴿أَهْلَ الذكر﴾: " أهل التوراة ". وقيل: ﴿أَهْلَ الذكر﴾ " أهل القرآن " من آمن منهم.
وقال علي: " نحن أهل الذكر ". وقال ابن زيد: " الذكر: القرآن.
لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر﴾ ".

ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَداً لاَّ يَأْكُلُونَ الطعام﴾.
أي: وما جعلنا الرسل الذين أرسلنا في الأمم الخالية، جسداً لا يأكلون الطعام.
أي: لم نجعلهم ملائكة، ولكن جعلناهم مثلك، يأكلون الطعام.
وقال قتادة: معناه: " ما جعلناهم جدساً إلا ليأكلوا الطعام ". وقال الضحاك: معناه: " لم أجعلهم جسداً لا روح فيه، لا يأكلون الطعام، ولكن جعلناهم أجساداً فيها أرواح يأكلون الطعام ". والجَسَدُ وُحِّدَ وقَبلَهُ جماعة، لأنه بمعنى المصدر، كأنه قال: وما جعلناهم خلقاً لا يأكلون الطعام.
والتقدير: ذوي جسد.
وهذا جواب لقوهم ﴿وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام﴾ [الفرقان: 7].
فأعلمهم [الله] أن الرسل تأكل الطعام، وأنهم يموتون.
وهو معنى قوله: وما كانوا خالدين.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الوعد﴾.
أي: صدقنا الرسل الوعد بإهلاك قومهم إذ سألوا الآيات، فأتتهم وكذبوا بها.
كقوله تعالى: ﴿فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ مِنكُمْ فإني أُعَذِّبُهُ﴾ [المائدة: 115]. ﴿فَأَنجَيْنَاهُمْ﴾.
أي: أنجينا الرسل لما أتى العذاب لأممها.
﴿وَمَن نَّشَآءُ﴾ أي: وأنجينا من نشاء،

يعني: من آمن بالرسل، ﴿وَأَهْلَكْنَا المسرفين﴾ يعني: الذين أسرفوا/ على أنفسهم فكذبوا الآيات بعد أن أتتهم، فازدادوا كفراً بذلك، فهو إسرافهم.
ثم قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾.
يخاطب قريشاً.
أيك فيه شرفكم إن آمنتم به، لأنه عليكم نزل، وبلغتكم.
وهو قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: ﴿فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: حديثكم.
وقال سفيان: " نزل القرآن بمكارم الأخلاق "، فهو شرف لمن اتبعه وآمن به.
والذكر: يستعمل بمعنى الشرف: يقال فلان مذكور في هذا البلد، إذا كان فيه رفيعاً مذكوراً بالشرف والفضل.
وقيل: معناه: فيه [ذكركم أي]: ذَكَّرْنَاكُم به أَمْرَ دينكم وأمر آخرتكم ومعادكم فجعله ذكرهم، إذ كان به يذكرهم ما وصفنا.
وقد قال الله تعالى:

﴿إِنَّآ أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدار﴾ [ص: 46].
أي اخترناهم ليذكروا أمر معادهم وآخرتهم.
وفيه قول آخر، تراه في موضعه.
وقوله: ﴿أَفَلاَ تَعْقِلُونَ﴾.
تقرير توبيخ وتنبيه على فهم ذلك وقبوله [أي]: أفلا تعقلون أن ذلك على ما أخبرناكم به.
قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾ إلى قوله: ﴿عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
المعنى: وكثيراً أهلكنا من أهل القرى كانوا ظالمين بكفرِهم ف " كم " في موضع نصب بقصمنا، وهي خبر، وفيها معنى التكثير.
وانقصم أصله الكسر.
يقال انقصم سنه، وقصمت ظهر فلان، أي: كسرته.
وروى ابن وهب عن بعض رجاله، أنه كان باليمن قربتان، فبطر أهلها وأترفوا حتى ما كانوا يغلقون أبوابهم، فبعث الله تعالى إليهم نبياً فدعاهم، فقتلوه، فألقى الله في نفس بخث نصر غزوهم، فبعث إليهم جيشاً، فهزموه، ثم بعث آخر فهزموه.
فخرج

إليهم بنفسه، فهزمهم، فخرجوا يركضون فسمع مناد يقول: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ﴾.
فرجعوا، فسمعوا صوتاً يقول: يا لثارات النبي فقتلوا كلهم.
فهي التي عنى الله في هذه السورة حصدوا بالسيف.
قال مجاهدك " قصمنا ": أهكلنا.
وجرى الخبر عن القرية والمراد أهلها، لأن المعنى مفهوم.
ثم قال: ﴿وَأَنشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْماً آخَرِينَ﴾ أي: أحدثنا بعد إهلاك هؤلاء الظالمين قوماً آخرين سواهم.
ثم قال: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ إِذَا هُمْ مِّنْهَا يَرْكُضُونَ﴾.
أي: فلما عاين هؤلاء الظالمون من أهل القرى العذاب، ووجدوا مسه، إذا هم مما أحسوا يركضون.
أي: يهربون سراعاً يعدون.
وأصله من ركض الدابة إذا حركت رجليك عليها فعدت.
فقوله: ﴿فَلَمَّآ أَحَسُّواْ بَأْسَنَآ﴾.

لا يرجع إلى قوله: ﴿قَوْماً آخَرِينَ﴾ لأنه لم يذكر لهم ذنباً يعذبون من أجله، لكنه راجع إلى قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً﴾.
ثم قال: ﴿لاَ تَرْكُضُواْ﴾.
أي: لا تفروا ولا تهربوا.
﴿وارجعوا إلى مَآ أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾.
أي: إلى ما أنعمتم فيه من عيشكم وإلى، ﴿وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تسألون عن دنياكم شيئاً.
على وجه السخرية بهم والاستهزاء.
قاله: قتادة.
وقال مجاهد: ﴿لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ﴾ أي: تنتهون.
وقيل: معناه: لعلكم تسألون شيئاً مما شغلكم عما لكم فيه الصلاح، على التهدد.
وقيل: معناه: لعلكم تسألون عما نزل بكم من العقوبة وعاينتموه من العذاب.
ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
أي: قالوا لمّا حلَّ عليهم العذاب: يا ويلنا.
وهي كلمة يقولها من وقع في هلكة وتقال لمن وقع في هلكة.

﴿إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾ بكفرنا بربنا.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَا زَالَت تِلْكَ دَعْوَاهُمْ﴾.
أي: فما زالت تلك الكلمة دعواهم وهي الدعاء بالويل، والإقرار بالظلم.
﴿حتى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيداً خَامِدِينَ﴾.
أي: حتى هلكوا فحصدوا من الحياة كما يحصد الزرع أفصاروا مثل الحصيد من الزرع.
﴿خَامِدِينَ﴾ أي: قد سكنت حركتهم كما تخمد النار فتطفأ.
قال الضحاك ومقاتل ومجاهد: " حصدوا قتلاً بالسيف ". قال قتادة: " لما عاينوا العذاب، لم يكن لهم هِجِّيرَي إلا قولهم: يا ويلنا، إنا كنا ظالمين.
حتى دمّر الله تعالى عليهم فأهلكهم.
قال ابن عباس: " خامدين خمدوا النار، أي طفئت ولم ينتفعوا بالإيمان والندم/ عند معاينة العذاب، لأنه وقت قد رفع عنهم فيه التكليف.
وإذا رفع التكليف، ارتفع القبول.
وإنما القبول منوط بالتكليف.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السمآء والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا لاعبين﴾.
أي: ما خلقناهما لعباً وعبثاً، إنما خلقناهم حجة عليكم أيها الناس، لتعتبروا

وتعلموا أن الذي خلقهما ودبرهما لا يشبهه شيء، وإنه لا تكون العبادة إلا له.
وقيل: المعنى، ما خلقناهما وما بينهما لعباً ولا باطلاً، أي: ليظلم بعض الناس بعضاً، ويكفر بعضهم، ويخالف بعضهم ما أمر به، ثم يموتوا فلا يجازون بأفعالهم.
وقيل: المعنى: ما خلقناهما لعباً، بل خلقناهما ليؤمر الناس بحسن وينهوا عن قبح.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْواً﴾.
أي: زوجة وولداً، ﴿لاَّتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّآ﴾ أي: من عندنا.
أي مما نخلق.
لكنا لا نفعل ذلك، ولا يصلح لنا فعله.
قال الحسن: اللهو: المرأة.
وقاله مجاهد.
وقال قتادة: اللهو بلغة أهل اليمن - المرأة.
وقال ابن عباس: " لهواً: ولداً ".

وقيل: لهواً: نكاحاً.
وقوله: ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾.
أي: ما كنا فاعلين.
قاله قتادة.
وقيل: إن: للشرط.
والتقدير: إن كنا فاعلين، ولسنا ممن يفعله.
واقل ابن جريج: " قالوا: مريم صاحبته، وعيسى ولده.
تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
فأنزل الله: ﴿لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ﴾ الآية.
ومعنى: " من لدنا " عند ابن جريج: " من عندنا من أهل السماء ولم نتخذه من أهل الأرض الذي تلحقهم الآفات والنقص ". ﴿إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ أي: ما كنا نفعل ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بالحق عَلَى الباطل﴾.
قال مجاهد: الحق: القرآن، والباطل الشيطان.
وكذلك كل ما في القرآن من

الباطل فهو الشيطان عنده.
وتقديره في العربية ذو الباطل فتقديره: بل ننزل القرآن على الكفر وأهله ﴿فَيَدْمَغُهُ﴾ أي: فيهلكه.
ولذلك قيل للشجة التي تبلغ الدماغ: (الدامغة) وقيل من سلم منها.
قوله ﴿فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾.
أي: ذاهب مضمحل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَكُمُ الويل مِمَّا تَصِفُونَ﴾.
أي: ولكم الويل من وصفكم ربكم بغير صفته بقولكم: إنه اتخذ ولداً وزوجة.
وقيل: معناه: ولكم واد في جهنم يستعيذ أهل جهنم منه.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَن فِي السماوات والأرض وَمَنْ عِنْدَهُ﴾.
أي: كيف يجوز أن يتخذ ولداً من له من في السماوات والأرض، ومن عنده من الملائكة الذين ادعيتم أنهم بنات الله لا يستكبرون عن عبادتهم إياه ﴿وَلاَ يَسْتَحْسِرُونَ﴾ أي: ولا يعيون ولا ينقطعون عن عبادته.
" وعند " في هذا بمعنى: قرب المنزلة عند الله لهم، وليس بمعنى قرب المسافة، لأنه لا تحويه الأمكنة فقد علمتم أنه ليس يستعبد والد ولده، ولا صاحبته، وكل من

في السماوات والأرض عبيده، فيكف يكون له صاحبة وولد، أفلا تتفكرون فيما تفترون من الكذب على ربكم.
ثم قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اليل والنهار لاَ يَفْتُرُونَ﴾.
أي: لا يكلون من تسبيحهم.
قال كعب: " التسبيح لهم بمنزلة النفس لبني آدم ". وعنه أنه قال: " الهموا التسبيح كما ألهمتم الطرف والنفس ". وذكر علي بن معبد أن عمر بن الخطاب قال لكعب: خوفنا يا كعب.
قال: " إن لله عز وجل ملائكة من يوم خلقهم قيام، ما ثنوا أصلابهم، وآخرين وركوعاً ما رفعوا أصلابهم، وآخرين سجوداً ما رفعوا رؤوسهم حتى ينفخ في الصور النفخة الآخرة، فيقولون جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك كما ينبغي لك أن تعبد ثم قال: والله لو أن رجلاً عمل عمل سبعين نبياً لا ستقل عمله من شدة ما يرى يومئذ، والله لو دلي من غسلين دلو واحد من مطلع الشمس، لغلت منه جماجم قوم من مغربها والله لتزفرن جهنم زفرة ولا يبقى ملك مقرب إلاّ خرّ

جاثياً على ركبتيه ". وروى ابن المبارك في حديث عن بعض شيوخه: " أن ملكاً لما استوى الرب جل ذكره على عرشه سجد فلم يرفع رأسه ولا يرفعه إلى يوم القيامة.
فيقول يوم القيامة: لم أعبد حق عبادتك، إلا أني لم أشرك بك شيئاً، ولم أتخذ من دونك ولياً ". وعن عبد الله بن عمرو أنه قال: " إن الله جزأ الخلق عشرة أجزاء، فجعل الملائكة تسعة أجزاء، وسائر الخلق جزء.
وجزأ الملائكة/ عشرة أجزاء فجعل تسعة أجزاء يسبحون الليل والنهار لا يفترون وجزءاً لرسالته.
وجزأ سائر الخلق عشرة أجزاء فجعل الجن تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً.
وجزأ بني آدم عشرة أجزاء، فجعل يأجوج ومأجوج تسعة أجزاء، وسائر بني آدم جزءاً ". وعنه أيضاً أنه قال: " الملائكة عشرة أجزاء، تسعة أجزاء منهم الكروبيون الذين يسبحون الليل والنهار لا يفتون، وجزءاً واحداً لرسالته ولما شاء من أمره ". وقال ابن عباس: " كل تسبيح في القرآن، يعني: به الصلاة ". ثم قال تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا آلِهَةً مِّنَ الأرض﴾.
أي: اتخذ هؤلاء المشركون آلهة من الأرض: ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ أي: هذا الآلهة تحيي الموتى.
بل الله هو الذي يحيي الموتى.
وقرىء ﴿هُمْ يُنشِرُونَ﴾ بفتح الياء.
والمعنى: هم يحيون فلا يموتون أبداً، كالله

الحي الذي لا يموت.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾.
أي: لو كان في السماوات والأرض آلهة غير والله.
و " إلا " بمعنى: غير: فاعرب الاسم الذي بعد " إلا " كإعراب " غير " لو ظهرت فرفع.
هذا مذهب البصريين وسيبويه.
وقال الفراء: " إلا " بمعنى سوى.
ومعنى الآية: لو كان المعبود آلهة أو إلهين لفسد التدبير، لأن أحدهما يريد ما لا يريد الآخر، فإذا تم ما أراد أحدهما، عجز الآخر.
والعاجز لا يكون إلهاً.
وإذا فسد وجود إلهين أو آلهة، ولم يكن بد من خالق مقدر للأشياء، يقدم المقدم منها، ويؤخر المؤخر منها، ويوجدها بعد عدمها، ثبت أنه واحد.
ثم قال تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ الله رَبِّ العرش عَمَّا يَصِفُونَ﴾ أي: فتنزيه لله تعالى وتبرئة له عما يفتري عليه هؤلاء المشركون من الكذب.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾.
أي: لا سائل يتعب عليه فيما يفعله بخلقه من حياة وموت وصحة ومرض، وغير ذلك وجميع الخلق.
مسؤولون عن أفعالهم ومحاسبون عليها.
قوله تعالى: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
المعنى: اتخذ هؤلاء المشركون من دون الله آلهة تنفع وتضر، وتحيي وتميت.
قل

لهم يا محمد هاتوا برهانكم إن كنتم تزعمون أنكم محقون في أقوالكم أي: هاتوا حجة ودليلاً على صدقكم.
وقيل: معناه: بل اتخذوا آلهة.
وهو بعيد لقوله: " هم ينتشرون " لأنه يصير أنه أوجب ذلك لهم.
وذلك لا يجوز.
ثم قال: ﴿هذا ذِكْرُ مَن مَّعِيَ وَذِكْرُ مَن قَبْلِي﴾، أي: هذا الذي جئتكم به من القرآن خبر من معي مما لهم من ثواب الله على إيمانهم، وما عليهم من عقاب الله على معصيتهم إياه، وكفرهم به.
" وذكر من قبلي " من الأمم التي سلفت قبلي.
أي خبرهم، وما فعل الله بهم في الدنيا، وما هو فاعل بهم في الآخرة.
قال قتادة: " ذكر من معي " القرآن فيه الحلال والحرام.
" وكذكر من قبلي " ذكر أعمال الأمم السالفة وما صنع الله بهم، وماهو صانع بهم وإلى ما صاروا.
وقال ابن جريج: معناه: هذا حديث من معي، وحديث من قبلي.
وقيلأ: المعنى: " وذكر من قبلي " يعني الكتب المتقدمة.
أي: هذا القرآن وهذه الكتب المتقدمة لا يوجد في شيء منها.
أن الله اتخذ ولداً، ولا كان معه إله.
فالمعنى

على هذا أنه جواب ورد لقوله: ﴿أَمِ اتخذوا مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾.
وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَآ آلِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا﴾ أي: هذا ذكر من معي وهو القرآن وذكر من قبلي وهو التوراة والإنجيل هل فيهما أن العبادة للآلهة أو فيهما أن الله تعالى أذن لأحد أن يتخذ إلهاً من دونه.
ول فيهما إلا أن الله إله واحد.
ودل على ذلك كله أيضاً قوله بعد ذلك: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾.
وقرأ يحيى بن يعمر " هذا ذكر " من معي " وذكر " من قبلي بالتنوين وكسر الميم من " مِن " وتقديره: هذا ذكر مما أنزل إلى وذكر مما قبلي.
وأنكر أبو حاتم هذه القراءة، ولم يعرف لها وجهاً.
ثم قال: ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ الحق﴾ أي: لا يعلمون الصواب من الخطأ.
فهم معرضون عن الحق جهلاً به.
وقال قتادة: " معناه: فهم معرضون عن كتا بالله.
وقرأ الحسن: " الحقُّ " بالرفع، على معنى: هذا الحق، أو هو الحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾.
أي: ما أرسلنا الرسل من قبلك يا محمد إلا بالتوحيد وإلا بالعبادة لله

وحده، فهذا الأصل الذي لا بد منه/، والشرائع بعد ذلك تختلف، في التوراة شريعة، وفي الإنجيل شريعة، وفي القرآن شريعة.
كما قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً﴾ [المائدة: 48].
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً﴾.
أي: قال الكافرون بربهم اتخذ الرحمان ولداً من ملائكته " سبحانه " ينزه نفسه وبيرؤها مما قالوا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ﴾.
أي: بل هم عباد مكرمون، أي: بل الملائكة الذين جعلوهم بنات الله عباد مكرمون.
وقيل: عهنى به، الملائكة وعيسى عليه السلام.
قال قتادة: " قالت اليهود إن الله جل ذكره صاهر الجن، فكانت منهم الملائكة، فقال الله تكذيباً لهم: " بل هم عباد مكرمون ". وعنه أيضاً أنه قال: قالت اليهود وطوائف من الناس ذلك.
ثم قال: ﴿لاَ يَسْبِقُونَهُ بالقول﴾.
أي: لا يتكلمون إلا بما أمرهم به قاله قتادة.
﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ أي: لا يأمرون حتى يأمر.

وقيل: يعملون ما أمروا به.
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾.
أي: يعلم ما بين أيدي ملائكته مما لم يبلغوه وهم قائلون وعاملون.
﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي: وما مضى قبل اليوم مما خلفوه وراءهم من الأزمان والدهور وما عملوا فيه.
قال ابن عباس: معناه: " يعلم ما قدموا وما أضاعوا من أعمالهم ". ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يَشْفَعُونَ إِلاَّ لِمَنِ ارتضى﴾.
أي: لا يشفع الملائكة إلا لمن رضي الله عنهـ. قال ابن عباس: " إلا لمن ارتضى " أي: ارتضى له بشهادة أن لا إله إلا الله وهذا من أبين الدلالة على جواز الشفاعة بشرط الرضا من الله عز وجل وقال مجاهد: " لمن رضي علمه ". ثم قال: ﴿وَهُمْ مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ﴾.
أي: من خوف الله وحذر عقابه حذرون خائفون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَقُلْ مِنْهُمْ إني إله مِّن دُونِهِ فذلك نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾.
أي: من يقل نم الملائكة إن إله من دون الله فَثَوَابُهُ جهنم.
وقيل: عنى به إبليس، لأنه كان من الملائكة، ولم يقل ذلك أحد من الملائكة

غيره.
قاله: ابن جريج وقتادة.
ثم قال: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظالمين﴾.
أي: كذلك نجزي كل من عبد غير الله، أو ادعى ما لايجب من الألوهية.
ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الذين كفروا أَنَّ السماوات والأرض كَانَتَا رَتْقاً فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
أي: أو لم يعلم هؤلاء المشركون بقلوبهم فيعلمون أن السماوات والأرض كان كل واحد منهما لا صدع فيه.
لا تمطر السماء ولا تنبت الأرض، ﴿فَفَتَقْنَاهُمَا﴾.
أي: فصدعهما الله بالماء والنبات، فأنزل الله من السماء الماء، وأخرج من الأرض النبات.
هذا معنى قول عكرمة.
قال: " فتقت السماء بالمطر، وفتقت الأرض بالنبات وهو قوله: ﴿والسمآء ذَاتِ الرجع * والأرض ذَاتِ الصدع﴾ [الطارق: 11 - 12] وهو أيضاً قول عطية وابن زيد.
وهذا القول اختيار الطبري، لأن بعده: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ أي: من الماء الذي فتقنا السماء به.
ووحد رتقاً، لأنه مصدر.
يقال: رتق فلان الفتق.
إذا سده، فهو يرتقه رتقاً.
وقيل: معنى: الآية كانتا ملتصقتين ففصلنا بينهما بالهواء، قاله: الحسن وقتادة.

وقال مجاهد: " كانت السماء مرتتقة طبقة واحدة، ففتقها الله سبع سماوات وكذا الأرض.
وهو قول أبي صالح والسدي.
وعن ابن عباس أن المعنى: " أن السماء والأرض كانتا ملتصقتين بالظلام لأن الليل خلق قبل النهار، ففتقهما الله تعالى بضوء النهار ". وقوله: " إن السماوات " تدل على قول مجاهد.
وقد قيل: إنما قال السماوات يريد به السماء، لأن كل قطعة منها سماء.
وقيل: إنما قال: " السماوات " لأن املطر وري أنه ينزل من السماء السابعة.
وروي أنه ينزل من الرابعة.
وقد قالوا: ثوب أخلاق، فجمعوا لأن كل قطعة منه خلقة، فجمع لأن فيها قطع كثيرة.
وقوله: " كانتا "، ولم يقل " كنَّ "، فإنما كان ذلك لأنهما صنفان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41] وقيل: إنما كان ذلك لأن السماوات كانت سماء واحدة، فعبر على الأصل.
وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾.

أي: كل شيء له حياة وموت كالإنسان والبهيمة والزرع والشجر، لأن لها موتاً إذا جفت ويبست فحياة جميع ذلك بالماء.
وقيل: هو حياة جميع الحيوان، إنما جيء بالماء الذي بنباته يعيش كل [شيء] حي.
وقيل: عنى بالماء هنا، النفطة خاصة.
قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الأرض رَوَاسِيَ﴾.
إلى قوله: ﴿فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
أي: وجعلنا الأرض جبالاً لئلا تميد بالناس.
قال قتادة/: " كانوا على الأرض تمور بهم، ولا يثبت عليها بناء فأصبحوا وقد خلق الله الجبال أوتاداً حتى لا تميد الأرض ". والميد التحرك والدوران.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجاً سُبُلاً﴾.
قال قتادة: " فجاجاً ": إعلاماً.
" سبلاً ": طرقاً.
قال ابن عباس: " وجعلنا فيها فجاجاً " أي: في الرواسي.
وعنه: " الفجاج " كل شعب في جبل أو واد له منفذ.

وعنه أيضاً: " فجاجاً " بين الجبال.
والفج في اللغة، الطريق بين الجللين.
وقيل: الضمير في فيها يعود على الأرض، وهو اختيار الطبري لقوله تعالى: ﴿لَّعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ﴾.
أي: يهتدون إلى السير في الأرض.
والأرض تؤنث وتذكر.
والتأنيث أكثر.
وحكى أبو زيد أرضون وأراض وأروض في جميع الأرض.
ويجوز في القياس أرضات.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السمآء سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾.
أي: سقفاً للأرض محفوظاً بالملائكة من الشياطين.
وقيل: معناه: محفوظاً من أن يقع على الأرض.
وقيل: محفوظاً بالنجوم من الشياطين.
وهو أولى، ودليله قوله تعالى ذكره: ﴿وَحِفْظاً مِّن كُلِّ شَيْطَانٍ مَّارِدٍ﴾ [الصافات: 7].
وقال ابن جبير: السماء بحر مكفوف.
ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم.

وروى الحسن البصري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " السماء موج مكفوف ". قال قتادة: ﴿سَقْفاً مَّحْفُوظاً﴾ أي: مرفوعاً، وموجاً مكفوفاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ﴾.
أي: وهم عن شمسها وقمرها ونجومها وغير ذلك من آياتنا، معرضون عن التفكر فيها، وتدبر ما فيها من الحجج والدلائل على توحيد الله وقدرته.
ثم قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي خَلَقَ الليل والنهار والشمس والقمر﴾.
أي: ابتدعها.
فمن ابتدع هذه الأشياء وخلقها، فله تجب العبادة لا لغيره.
قال عكرمة: سئل ابن عباس عن الليل أكان قبل النهار أم قبل الليل؟ فقال: أرأيتم السماوات والأرض حين كانتا رتقاص، أكان بينهما إلا ظلمة ذلك لتعلموا أن الليل قبل النهار.
والليلة اسم للزمان من غروب الشمس إلى الانفجار الثاني.
واليوم: اسم للزمان من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
وكذلك النهار، واليوم ألزم لهذا الوقت من النهار، لأن بعض العرب يجعل النهار من طلوع الشمس إلى غروبها.

حكى ذلك عن بعضهم أبو حاتم في كتابه صفة البرد والحر وصفة أوقات الليل والنهار.
وقد يقع اليوم، اسماً للزمان، من طلوع الشمس إلى غروبها.
وذلك مما جرت به العادات من الاستجارات ونحوها مما تعارق ذلك بين الناس، والأصل في اليوم، أنه اسم للزمان الذي تَعَبَّدَ الله به خلقه بالصيام والنهار مثله في أكثر اللغات.
وأصل الليل والنهار أنهما صفتان لزمانين معلومين على ما ذكرنا.
وقد قال الخليل: النهار ما بين الفجر إلى الغروب.
ثم قال تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾.
قال مجاهد: " الفلك " كهيئة حديدة الرحى.
وقاله ابن جريج.
وقال الضحاك: " الفلك " هو سرعة جري الشمس والقمر والنجوم وسيرها.
وقيل: " الفلك ": موج مكفوف تجري الشمس والقمر والنجوم فيه.
وقيل: " الفلك " القطب الذي تدور به النجوم.
وقال ابن عباس وقتادة: " في فلك السماء ".

وقال ابن زيد: " الفلك " الذي بين السماء والأرض من مجاري النجوم والشمس والقمر.
وقرأ: ﴿تَبَارَكَ الذي جَعَلَ فِي السمآء بُرُوجاً وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجاً وَقَمَراً مُّنِيراً﴾ [الفرقان: 61].
وقال: فلك البروج بين السماء والأرض، وليست في الأرض.
وعن الحسن أن الفلك طاحونة كهيئة فلكة المغزل.
وقال: " يسبحون " لأنه أخبر عنها كما يخبر عمن يعقل.
فأتى بالواو والنون في فعلها.
ومعنى: " يسبحون " يجرون وينصرفون ويدرون.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الخلد﴾.
أي: ما خلدنا أحداً من بني آدم في الدنيا، فنخلدك يا محمد فيها.
أفئن مت فهؤلاء المشركون خالدون بعدك في الدنيا.
وتقديره: أهم الخالدون إن مت.
ثم قال تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الموت﴾.
أي: كل نفس معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسه.
﴿وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً﴾.
أي: ونختبركم أيها الناس بالرخاء والشدة وبما تحبون وما تكرهون، لننظر صبركم عند البلاء وشكركم عند الرخاء.

وقال ابن عباس: معناه: نبتليكم بالشدة والرخاء، والصحة والسقم والغنى والفقر والحلال والحرام والطاعة/ والمعصية والهدى والضلالة.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾.
أي: تردون فتجازون بأعمالكم.
والرجوع إلى الله في هذا وفي كل ما في القرآن، إنما معناه: إلى حكمه وإلى قضائه وعدله، وليس برجوع إلى مكان الله، ولا إلى ما قرب منه، لأنه لا تحويه الأمكنة، إنما هو بمنزلة قولك: رجع أمرنا إلى القاضي وإلى الأمير.
فقرب المسافة لا يجوز على الله جل ذكره، فافهمه.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الذين كفروا إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلاَّ هُزُواً﴾.
أي: يسخرون منك يا محمد إذا رأوك.
يقول بعضهم لبعض: ﴿أهذا الذي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ بسوء ويعيبها، تعجباً من ذلك.
فيعجبون يا محمد من ذكرك آلهتهم وهي لا تضر ولا تنفع.
وهم بذكر الرحمان الذي خلقهم، وأنهم عليهم كافرون ثم قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.
يعني: آدم خلق من العجلة وعلى العجلة.
وقال ابن جبير: " لما نفخ في آدم الروح إلى ركبتيه ذهب لينهض فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.
وقال سلمان الفارسي: " لما خلق الله من آدم وجهه ورأسه، جعل ينظر، وهو

يخلق، قال وبقيت رجلاه.
فلما كان بعد العصر قال: يا رب عجل قبل الليل.
فقال: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.
ذكره ابن وهب عن رجاله.
وقال قتادة: " معناه: خلق الإنسان عجولاً.
وقال السدي: لما نفخ الله في آدم الروح فدخل في رأسه، عطس، فقال له الملائكة: قل الحمد لله.
فقال: الحمد لله.
فقال الله تعالى له: رحمك ربك.
فلما دخل الروح في عينيه.
نظر إلى ثمار الجنة.
فلما دخل في جوفه اشتهى الطعام، فوثب قبل أن ينتهي الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة فذلك حين يقول: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.
وقيل: معناه: خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة قبل غروب الشمس فكان خلقه على استعجال.
قاله ابن جريج: وغيره.
قال ابن جريج: خلق الله آدم بعد خلق كل شيء آخر النهار من يوم خلق الخلق.
فلما آتى الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ أسفله، قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس، فذلك قوله: ﴿خُلِقَ الإنسان مِنْ عَجَلٍ﴾.

وقد قال ابن زيد: معناه: خلق الإنسان على عجل.
خلق آدم آخر النهار من يوم الجمعة، فخلقه الله على عجل وجعله عجولاً.
وقال الأخفش: إنما خلق الإنسان من عجل، لأنه خلق على تعجيل من الأمر، لأنه إنما قال له كن فكان.
فخلق على استعجال وقال جماعة من النحويين: هو مقلوب.
والمعنى: خلق العجل من الإنسان.
وقيل: المعنى: خلق الإنسان من طين، لأن العجل من الطين.
ثم قال: ﴿سَأُوْرِيكُمْ آيَاتِي فَلاَ تَسْتَعْجِلُونِ﴾.
أي: سأوريكم أيها المستعجلون ربهم بالآيات، القائلون لنبيه " فليأتنا بآية " فلا تستعجلون بالآيات فستأتيكم.
قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد﴾ إلى قوله: ﴿ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
أي: ويقول المشركون متى يأتنا هذا الذي تعدنا يا محمد والوعد بمعنى الموعود.
كما قيل: الخلق بمعنى المخلوق.
والوزر بمعنى الموزور.
﴿إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ يخاطبون النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين.
و" متى " في موضع رفع عند البصريين.
وفي موضع نصب عند الكوفيين

وكذلك الجواب عند الكوفيين إذا كان معرفة، نصب.
يقول: متى وعدك؟ فالجواب عندهم يوم الجمعة بالنصب، فإن كان الجواب نكرة، كان نكرة مرفوعاً.
لو قلت يوم قريب ونحوه رفعت.
وحكى الفراء: اجتمع الجيشان: المسلمون جانب، والكفار جانب صاحبهم برفع الأولى لأنه نكرة.
ونصب الثاني لأنه معرفة.
والرفع عند البصريين، في جميع هذا الوجه، إذا كان الظرف متمكناً تقول: موعدك غُدْوة وبُكْرَة فترفع.
فإن قلت موعدك بَكْرَاً.
نصبت لأن بكراً غير متمكن.
ويدل على صحة البصريين إجماع القراء المشهورين على الرفع في قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزينة﴾ [طه: 59].
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الذين كَفَرُواْ حِينَ لاَ يَكُفُّونَ عَن وُجُوهِهِمُ النار﴾.
أي: لو يعلم هؤلاء المستعجلون عذاب الله ماذا لهم من البلاء حين تلفح وجوههم النار وظهورهم ولا يقدرون أن يكفوا ذلك عن أنفسهم، ففي " يكفون " ضمير " المشركين ". ﴿وَلاَ هُمْ يُنصَرُونَ﴾ أي: ولا ناصر لهم من عذاب الله يستنقذهم منه/.
وفي الكلام حذف.
قيل: التقدير: لو علموا ذلك، ما أقاموا على كفرهم.

وقيل: التقدير: لو علموا ذلك ما سألوا العذاب واستعجلوه.
فقالوا: متى هذا الوعد، فهو جواب " لو " محذوف لعلم السامع.
وقيل: التقدير: لو يعلمون ذلك، لا تعظوا وازدجروا عن كفرهم.
وقيل: هو تنبيه على تحقيق وقوع الساعة.
فالمعنى: لو يعلمون ذلك علم يقين، لعلموا أن الساعة آتية لا ريب فيه.
ودل على هذا المعنى قوله: " بل تأتيهم بغتة " هذا قول الكسائي ومثله، ﴿لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ اليقين﴾ [التكاثر: 5].
أي: لو علمتم ذلك يقينً ما ألهاكم التكاثر.
ثم قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِّن دُونِنَا﴾.
أي: ألهؤلاء المستعجلون ربهم بالعذاب آلهة تمنعهم من دون الله إن حل عليهم العذاب.
ثم وصف تعالى ذكره الآلهة بالضعف، فقال: ﴿لاَ يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ فمن لا يقدر أن ينصر نفسه، فكيف يقدر أن ينصر غيره.

وقوله: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾.
أي: لا تصحب آلهتهم من الله تعالى بخير.
قاله قتادة.
وقال مجاهد: ﴿يُصْحَبُونَ﴾.
أي: ينصرون.
وعن مجاهد أيضاً: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يحفظون.
وعن ابن عباس: ﴿يُصْحَبُونَ﴾ يمنعون.
وعن ابن عباس: ﴿وَلاَ هُمْ مِّنَّا يُصْحَبُونَ﴾ أي: ولا الكفار منا يجارون من قوله: ﴿وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ وهذا القول: اختيار الطبري ليكون الضمير يعود على الكفار.
ويحتمل قول من قال: يحفظون ويمنعون وينصرون أن يكون الضمير يعود على الكفار.
ثم قال تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هؤلاء وَآبَآءَهُمْ حتى طَالَ عَلَيْهِمُ العمر﴾.
أي: متعناهم بالحياة، ومتعنا آباءهم من قبلهم، حتى طال عليهم العمر.
وهم على كفرهم مقيمون.
﴿أَفَلاَ يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الأرض نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾.
أي: أفلا يرى هؤلاء المشركون أنا نأتي الأرض نخربها من نواحيها بقهرنا أهلها

وقتلهم بالسيف، فيتعظوا بذلك، ويحذروا أن ينزل بهم مثل ذلك.
وقال قتادة: ﴿نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَآ﴾ يعني بالموت.
وقال الحسن والضحاك: يعني فتح البلدان والأرض، يراد بها أرض مكة.
ثم قال تعالى: ﴿أَفَهُمُ الغالبون﴾.
هذا تقريع وتوبيخ: أي: ليس هم الغالبون.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم الغالب.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بالوحي﴾.
أي: بالقرآن.
﴿وَلاَ يَسْمَعُ الصم الدعآء﴾.
أي: من أصم الله قلبه عن قبول الذكر، فليس يسمع سماعاً ينتفع به، إنما ينتفع به المؤمن.
فعُني بالصم هنا المعرضون عن ذكر الله.
فمن أعرض عن قبول شيء، فهو بمنزلة من لا يسمعه، وقت ما ينذر به.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَئِن مَّسَّتْهُمْ نَفْحَةٌ مِّنْ عَذَابِ رَبِّكَ﴾.
أي: ولئن مسهم نصيب وحظ من عذاب ربك، " يقال: نفخ فلان لفلان من عطائه إذا أعطاه قسماً أو نصيباً من المال.

وقال قتادة: نفحة: عقوبة.
وقيل: النفحة ها هنا: الجوع الذي أخذهم الله به بمكة.
وقيل: " نفحة "، أقبل شيء من العذاب، وأدنى شيء منه.
﴿لَيَقُولُنَّ ياويلنآ إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ﴾.
أي: ظلمنا في عبادتنا الأصنام وتركنا عبادة الله الذي خلقنا، وأنعم علينا.
قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الموازين القسط﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ لَمِنَ الظالمين﴾.
أي: ونضع الموازين العدل في يوم القيامة.
" اللام ": بمعنى: " في ". وقيل: " اللام " على بابها.
والتقدير لأهل يوم القيامة.
﴿فَلاَ تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾.
أي: لا يؤخذ/ أحد بذنب غيره، أو بذنب لم يعلمه، أو يسقط له عما عمله من خير.
قال ابن عباس: هذا بمنزلة قوله: ﴿والوزن يَوْمَئِذٍ الحق﴾ [الأعراف: 8].
وروي أن الميزان له كفتان، وأن الأعمال تمثل بما يوزن.
ويروى أنه إنما يوزن خواتمها.

وقال سلمن الفارسي: توضع الموازين يوم القيامة، فلو وضع في إحدى الكفتين السماوات والأرض، لوسعتهن.
فتقول الملائكة: ربنا لمن وضعت هذا؟ فيقول: لمن شئت من عبادي.
فيقولون: سبحان ربنا ما عبدناك حق عبادتك.
وعن حذيفة: أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل صلى الله عليه وسلم وشرّف وكرّم.
وعن مجاهد: " الموازين ": العدل.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " لا يذكر أحد حميمه عند الميزان ". وقوله: ﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا﴾.
أي: إن كان له عمل من الحسنات أو [عليه] عمل من السيئات وزن حبة من خردل، جئنا بها، فوفينا كلاً ما عمل.
وقال ابن زيد: " أتينا بها " أي كتبناها، وأحصيناها له وعليه.

وقرأ مجاهد: " أتينا بها، بمعنى: جازينا بها.
﴿وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾.
أي: وكُفينا حاسبين.
أي حسب من شهد الموقف ذلك اليوم بنا حاسبين.
إذ لم يغب عنا من أعمالهم شيء.
" وحاسبين " نصب على الحال، أو على التمييز.
وروى أحمد بن صالح عن قالون عن نافع: " القطط " بالصاد، لأجل الطاء والأصل، السين.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى وَهَارُونَ الفرقان وَضِيَآءً وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾.
أي: أعطيناهما الكتاب الذي يفرق بين الحق والباطل.
وهو التوراة،

قاله قتادة.
قال ابن زيد: الفرقان: الحق أتاه الله موسى وهارون، ففرق به بينهما وبين فرعون.
قضى بينهم بالحق، وهو مثل: ﴿وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان﴾ [الأنفال: 41] يعني: يوم بدر.
وهذا القول اختيار الطبري لقوله: وضياء.
فالضياء هو التوراة، أضاءت لهما ولمن اتبعهما أمر دينهم.
وفي دخول الواو في " وضياء " دليل علكى أن الضياء غير الفرقان.
وقوله: ﴿وَذِكْراً لَّلْمُتَّقِينَ﴾ أي: وذكراً لمن اتقى الله بطاعته، وخاف ربه بالغيب أن يعاقبه في الآخرة.
﴿وَهُمْ مِّنَ الساعة مُشْفِقُونَ﴾.
أي: من قيام القيامة حذرون أن تقوم عليهم، فيردوا على ربهم مفرطون فيما يجب عليهم من طاعته.
وقرأ ابن عباس: " الفرقان ضياء " بغير واو.
فيكون الفرقان على هذا القراءة التوراة بغير اختلاف.

ثم قال تعالى: ﴿وهذا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ﴾.
يعني القرآن.
﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنكِرُونَ﴾.
تقرير وتوبيخ للمشركين الذين أنكروه وقالوا: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ بَلِ افتراه بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾.
ثم قال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَآ إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِن قَبْلُ﴾.
أي: ولقد وفقنا إبراهيم فأعطيناه هداه من قبل موسى وهارون.
قال مجاهد: " معناه: هديناه صغيراً ". وقال ابن عباس: لما خرج وهو صغير من الموضع الذي جعل فيه، رأى كوكباً في السماء، وهي الزهرة تضيء فقال: هذا ربي.
فلما غابت، قال: لا أحب الآفلين.
ثم فعل ذلك مع الشمس والقمر.
ثم قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السماوات والأرض حَنِيفاً وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ [الأنعام: 79].
وقوله: ﴿وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ﴾.
أي: عالمين أنه ذو يقين وإيمان بالله.
إذ قال لأبيه: " أي حين ﴿قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هذه التماثيل التي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾.
أي: ما هذه الصور التي أنتم عليها مقيمون.
يعني أصنامهم التي كانوا يعيدون.
ثم قال: ﴿قَالُواْ وَجَدْنَآ آبَآءَنَا لَهَا عَابِدِينَ﴾.
أي: قالوا لإبراهيم إنما عبدنا هذه الأصنام لأنَّا وجدنا آباءنا لها عابدين.

قال لهم إبراهيم صلى الله عليه وسلم: ﴿ لَقَدْ كُنتُمْ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: في ذهاب عن الحق بعبادتكم هذه لأصنام.
" مبين " أي: ظاهرين.
قالوا لإبراهيم ﴿أَجِئْتَنَا بالحق أَمْ أَنتَ مِنَ اللاعبين﴾ أي: أحق ما تقول.
أم أنت لاعب من اللاعبين.
قال لهم إبراهيم: ﴿بَل رَّبُّكُمْ رَبُّ السماوات والأرض الذي فطَرَهُنَّ﴾ أي: بل جئتكم بالحق لا باللعب.
" ربكم رب السماوات والأرض الذي فطرهن " أي: خلقهن.
﴿وَأَنَاْ على ذلكم مِّنَ الشاهدين﴾ أي: أنا شاهد من الشاهدين أن ربكم رب السماوات والأرض/ دون التماثيل التي تعبدون.
ثم قال: ﴿وتالله لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ﴾.
أقسم إبراهيم بهذا في نفسه سراً من قومه، لم يسمعه منهم أحد إلا الذي أفشاه عليه.
إذ قال: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ [الأنبياء: 60].
قال مجاهد: قال ذلك إبراهيم حين استأذنه قومه إلى عيد لهم فأبى وقال: " إني سقيم "، فسمع منه وعيد أصنامهم رجل منهم استأخر وهو الذي يقول: " سمعنا فتى يذكر يقال له إبراهيم ". ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلاَّ كَبِيراً لَّهُمْ﴾.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل