الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4527-4566
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4527-4566
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

الآية ". والظاهر أن يكون هذا الأمر من الله جلّ ذكره لها، والله أعلم بذلك.
فالمعنى: إن رأيت من بني آدم أحداً يسألك.
فقولي: إني نذرت للرحمن صوماً.
أي: أوجبت على نفسي للرحمن صوماً.
أي: صمتاً: قاله ابن عباس والضحاك.
وقال قتادة صامت من الطعام والشراب والكلام.
وقال ابن زيد: كان في بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يصوم / من الطعام إلا من ذكر الله عز وجل فقال لها ذلك.
وأصل الصوم.
الإمساك، وإنما أمرها بالصوم عن الكلام لأنه خاف عليها ألا تكون لها حجة فيما جاءت به، فأمرها بالكف عن الكلام ليكفيها ولدها الحجة عنها.
ولا يحل لأحد أن ينذر ترك الكلام يوماً.
وإنما جعل الله ذلك آية لمريم خاصة.
وقد قيل: بل كانت ذلك اليوم صائمة عن الطعام والشراب، فأذن لها ألا تكلم الناس ذلك اليوم.

روى يزيد الرقاشي أن أنس بن مالك قال: إذ ولد عيسى أصبح كل صنم يعبد من دون الله خاراً على وجهه، وأقبلت الشياطين غلى إبليس تضرب وجوهها لما حدث.
ومعنى " فَقُولي " أي: أشيري إليهم بذلك، لأنها لو كلمتهم بذلك لتناقض ما عقدت على نفسها من الصمت.
وهذا يدل على أن القول قد يكون غير كلام، وهو كثير في كلام العرب.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾ إلى قوله: ﴿جَبَّاراً شَقِيّاً﴾.
المعنى: أن عيسى عليه السلام لما قال لها ذلك: اطمأنت وسلمت لأمر الله وحملته حتى أتت به قومها.
قال السدي: " لما ولدته ذهب الشيطان فأخبر بني إسرائيل أن مريم قد ولدت، فأقبلوا يشتدون، فدعوها، فأتت به قومها تحمله ". قالوا: ﴿يامريم لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً﴾.
أي: جئت بأمر عجيب وعظيم لم يسبق مثلك إلى مثله.

روي أنها خرجت من عندهم ضحى، وجاءت عند الظهر ومعها صبي تحمله فكان الحمل في ثلاثة ساعات من النهار ". وكانت مريم قد حاضت قبل ذلك حيضتين لا غير.
ثم قالوا لها: ﴿يا أخت هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾.
أي يا أخت هارون في الصلاح والعبادة.
قال قتادة: كان رجلاً صالحاً في بني إسرائيل، يسمى هارون، فشبهوها به.
قال: وذكر لنا أنه شيع جنازته يوم مات أربعون ألفاً كلهم يسمى هارون من بني إسرائيل سوى من ليس اسمه هارون.
وكانت عائشة رضي الله عنها تقول: هو هارون أخو موسى.
فقال لها كعب: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، فسكتت.
وقيل: أريد بهارون هنا أخو موسى نسبت مريم إليه لأنها من ولده كما يقال

للتميمي يا أخا تميم.
قال ابن جبير: كان هارون منهم رجلاً فاسقاً، فنسبوها إليه، وقد غلط بعض المؤلفين في هذا فقال: كان لها أخ صالح يسمى بهارون.
وما علمت أحداً من المفسيرين وأهل التاريخ قال هذا.
" وقال المغيرة بن شعبة: بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران فقالوا: ألستم تقرأون يا أخت هارون؟ قلت: بلى، قالوا: وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى؟ قال: فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فأخبرته، فقال: ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم ". فهذا يدل على أن هارون المذكور في الآية كان رجلاً صالحاً وكانوا يسمون أولادهم بهارون لمحبتهم في ذلك الصالح الذي كان اسمه هارون.

وقوله: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْءٍ﴾.
أي: ما كان أبوك رجل سوء فيأتي الفواحش.
﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً﴾.
أي زانية.
﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾.
أي: لما قالوا لها ذلك أشارت لهم إلى عيسى أن كلّموه.
﴿الُواْ كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي المهد صَبِيّاً﴾.
قال قتادة: " المهد " هنا حجر أمه.
و" كان " هنا، زائدة.
و " صيباً " نصب على الحال، والعامل فيه الاستقرار.
والمعنى: كيف نكلم من في المهد صبياً لا يفهم مثله، ولا ينطق لسانه بكلام.
وقيل: إنّ " كان " هنا بمعنى وقع.
و " صبياً " نصب على الحال والعامل فيه " كان ". والمعنى على هذا القول: كيف نكلم صبياً قد خلق في المهد.
وقيل إن " من " للشرط.
و " صبياً " حال.
و " كان بمعنى: وقع وخلق أيضاً.
والمعنى على هذا، من كان في المهد صبياً فكيف نكلمه.
كما تقول: من كان لا يسمع ولا يبصر فكيف نخاطبه.
قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ الله آتَانِيَ الكتاب﴾.
أي: قال عيسى لهم ذلك.
وذلك أن مريم لما أشارت لهم إلى عيسى أن

يكلموه، ظنوا أن ذلك / منها استهزاء، فغضبوا.
وقوله: ﴿آتَانِيَ الكتاب﴾.
أي: قضى أن يؤتني ذلك فيما قضى.
قال عكرمة: الكتاب: القضاء.
وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكاً﴾ يدل على أن الخير والشر بقدر من الله وقضاء.
قال مجاهد: أن نفاعاً معلماً للخير حيثما كنت.
وقال محمد بن كعب: لم يبعث الله نبياً إلا أتى على إثره الشدة واحتباس المطر إلا عيسى عليه السلام، فإنه أتى على إثره الرخاء والمطر، وأتت البركات بيمينه.
وقيل: معنى، " مباركاً " ثابت على دين الله وطاعته أينما كنت لأن أصل البركة الثبات على الشيء، مأخوذ من بروك البعير.
وروى ابن وهب، عن مالك بن أنس أنه قال: بلغني أن عيسى ابن مريم انتهى إلى قرية قد خربت حصونها، وجفت أنهارها وتشيعت شجرها.
فنادى يا خراب، أين أهلك؟ فلم يجبه أحد ثم نادى ثانية، فلم يجبه أحد، ثم نادى الثالثة، فنودي يا

عيسى ابن مريم بادوا وتضمنتهم الأرض، وعادت أعمالهم قلائد في رقابهم إلى يوم القيامة يا عيسى ابن مريم فجد.
﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة﴾.
أي: قضى أن يوصيني بذلك.
وقوله: ﴿والزكاة﴾: هي زكاة الأموال.
وقيل: هي تطهير البدن من الذنوب.
﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ أي: وقت حياتي في الدنيا.
﴿وَبَرّاً بِوَالِدَتِي﴾ أي: وجعلني براً بوالدتي.
وقد قرأ أبو نهيك، " وَبِرٍّ "، بكسر الباء ةالراء.
أي: وأوصاني ببر والدتي.
وقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً﴾.
أي: ولم يجعلني مستكبراً عليه فيما أمرني به منهاني عنه، شقياً.
وهذا يدل على أن الله جعل الأشقياء أشقياء، والسعداء سعداء.
فهو نص ظاهر في القدر.
قال قتادة: ذكر لنا أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يقول: سلوني فإن قلبي لين، وإني صغير في نفسي، مما أعطاه الله عز وجل من التواضع.
قال: وذكر لنا أن امرأة رأت عيسى وهو يحيى الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص.
فقالت: طوبى للبطن الذي حملك، والثدي الذي

أرضعك.
فقال لها عيسى: طوبى لمن تلا كتاب الله، وابتع ما فيه، ولم يكن جباراً شقياً.
ومن قرأ: " وَبِرِّ " بالخفض حسن أن يقف على " أينما كنت " ومن نصبه، لم يقف عليه، لأن " وبراً " منصوب بـ " جعلني.
قوله تعالى ذكره: ﴿والسلام عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ﴾ إلى قوله: ﴿صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾.
معناه: أن عيسى عليه السلام سلّم على نفسه في هذه الأوقات وهي أشد ما يمر على الإنسان في حياته وبعد موته.
أي: الأمن علي من الشيطان أن يصيبني في حين ولادتي بسوء، ويوم أموت من هول المطلع، ويوم أبعث يوم القيامة من الفزع.
فأخبرهم أنه سيموت، وأنه يبعث حياً.
ذكر عبيد بن عمير وغيره أن عيسى صلى الله عليه وسلم كان يأكل من الشجر ويلبس من الشعر، ويأكل ما وجد، ولا يسأل عما فقد، ولا يخبئ طعام اليوم لغد، وليس له ولد يموت، ولا بيت يخرب، يبيت حيث يدركه الليل.

ثم قال تعالى: ﴿ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق﴾.
أي: هذا الذي وصفت لكم صفته، وأخبرتكم خبره هو عيسى ابن مريم.
ثم قال: ﴿قَوْلَ الحق﴾ من رفع القول.
فعلى خبر الابتداء.
أي هذا الكلام الذي قصصته عليكم قول الحق.
أي قول الله، ف ﴿الحق﴾ هو الله.
أي هو كلامه لا كلام غيره من اليهود والنصارى فيما ادعوا في عيسى من الكذب والبهتان /. ومن نصبه، فعلى المصدر.
أي: أقول قول الحق، لا قول اليهود، الذين زعموا أن عيسى عليه السلام كان ساحراً كذاباً.
ولا قول النصارى، أنه ولد الله تعالى وجلّ وعزّ عن ذلك.
قال مجاهد: ﴿قَوْلَ الحق﴾.
الحق: الله.
أي: قول الله هو الحق.
فمن رفع القول حسن أن يقف على مريم، ثم يبتدئ " قول الحق " أي هذا قول الله.

ومن نصب، لم يحسن الوقف على مريم، لأن ما قبله قد قام مقام الفعل الناصب ل: " قول ". وقد أجازه أبو حاتم على إضمار ناصب لقول الحق، كأنه ابتدأ: أقول قول الحق.
وقوله: ﴿الذي فِيهِ يَمْتُرُونَ﴾ أي: يشكون ويختصمون من المراء وهو الخصام والجدال.
قال قتادة: امترت فيه اليهود، فقالوا: ساحر كذاب، وامترت فيه النصارى، فزعموا أنه ابن الله.
وذلك أن بني إسرائيل اجتمعوا فأخرجوا منهم أربعة نفر.
أخرج كل قوم عالمهم، فامتروا في عيسى حين رفع، فقال أحدهم: هو الله هبط إلى الأرض، فأحيا من أحيا، وأمات من أمات، ثم صعد إلى السناء، وهم اليعقوبية فقال له الثلاثة: كذبت، ثم قال اثنان منهم للثالث: قل أنت فيه.
قال فقال: هو

ابن الله وهم النسطورية.
فقال له الاثنان: كذبت.
ثم قال أحد الاثنين للآخر: قل فيه.
فقال هو ثالث ثلاثة.
الله إله، وهو إله، وأمه إله.
وهم الاسرائيلية ملوك النصارى.
قال له الرابع: كذبت.
هو عبد الله ورسوله وكلمته وروحه، وهم المسلمون.
فكان لكل واحد منهم أتباع على ما قال.
فاقتتلوا فظهر على المسلمين، فذلك قوله تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ الذين يَأْمُرُونَ بالقسط مِنَ الناس﴾.
قال قتادة: وهم الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾ يعني: اختلفوت فصاروا أحزاباً.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾.
هذا تكذيب للذين قالوا: إن عيسى ابن الله.
أي: ما يصلح له أن يتخذ ولداً، بل كل شيء خلقه.
ثم قال سبحانه: ينزه نفسه عما قالوا، أي: تنزيهاً لله أن يكون له ما أضيف إليه من الولد، فقال: ﴿مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ﴾، ينفي عن نفسه وينزهها عما يقول الظالمون،

وهذا اللفظ ظاهره الحظر، والله لا يحظر عليه شيء، لكنه محمول على معناه.
ومعناه النفي، أي: ما كان الله ليتخذ ولداً.
فهو نفي عن الله ما لا يليق به وليس فيه في الباطن حظر.
ومثله قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً﴾ [النساء: 92] معناه النفي، وتقديره: ما كان لمؤمنٍ أن يقتل مؤمناً.
فظاهره حظر، ومعناه النفي، ولو كان حظراً لم يستثنى منه الإثبات في قوله " إلا خطأ " والنفي يستثنى منه الاثبات.
ومعنى الإثبات في هذا، إجازة وقوعه من المؤمن لا أنه إطلاق له أن يفعل ذلك، وقد مضى ذكر هذا.
ومثله ﴿مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنبِتُواْ شَجَرَهَا﴾ [النمل: 60] ظاهره الحظر.
أي لا تفعلوا وهو تعالى لم يحظر على خلقه أن يفعلوا ذلك، وإنما معنى ذلك، النفي عنهم القدرة على اختراع ذلك.
فالمعنى: ما كنتم مخترعين ذلك، ومحدثين له، بل الله اخترعه وأحدثه.
وهو كثير في القرآن يقاس عليه ما شابهه.
ثم قال: ﴿إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾.
أي: إذا أراد خلق شيء، فإنما يقول له كن فيكون موجوداً حادثاً لا يتكلف في حدوثه معالجة ولا معاناة تصحيح، والتقدير، إذا قضى أمراً كونه.
وقد زل في

هذا بعض الملحدين فقال: هذا يدل على أن الأمر مخلوق، لأنه قال: قضى أمراً.
قال: وأمره كلامه، وهذا إلحاد وكفر.
ليس قضى في هذا بمعنى خلق، إنما هو بمعنى أراد.
والأمر في هذا إنما أحد أمور المحدثة، لا كلامه - تعالى عن ذلك - فالمعنى: إذا أراد إحداث أمر من الأمور المحدثة، قال له: كن فكان.
فكن كلامه.
فبهذا يحدث المحدثات.
فلو كان الأمر في هذا كلامه، لحدث بكلامه كن، فيصير كلامه يحدث بكلامه، وهذا خلف من الكلام وخطأ ظاهر.
ثم فال تعالى: ﴿وَإِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ﴾.
هذا من قول عيسى لهم.
أخبرهم أنه وإياهم عبيد الله.
فالعبادة له منا واجبة علينا.
﴿هذا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ﴾ أي: هذا الذي أوصيتكم به طريق مستقيم ينجوا من سلكه.
فمن فتح " أن " فعلى معنى: / و " لأن الله ". هذا مذهب الخليل وسيبويه.
وقال الفراء " أن " في موضع خفض عطف على الصلاة.
أي: قال عيسى:

أوصاني بالصلاة، وبأن الله ربي وأجاز أن يكون في موضع رفع على معنى: والأمر أن الله.
وحكي عن أبي عمرو أنها في موضع نصب عطف على أمر.
أي: وقضى الله أن الله ربي.
وقيل: هي في موضع رفع عطف على عيسى.
أي: ذلك عيسى، وذلك أن الله.
وهذا ضعيف، لأن المعنى ليس عليه.
ومن كسر، فعلى الابتداء، ولم يعطفها على ما قبلها.
وفي حرف ابن مسعود وأبي: " أن الله ربي " بغير واو.
فهذا يدل على صحة الاستئناف.
وقيل: الكسر على العطف على: " قال: إني عبد الله، وقال إن الله ربي ". و" سبحانه "، وقف عند نافع.
ولا يحسن الابتداء بـ " أن " على قراءة من فتح، إلا على قول الخليل وسيبويه:

لأنهما لا يجعلان في الكلام عطفاً.
وعلى قول الكسائي: الأمر أن الله يحسن الابتداء بها أيضاً.
قوله تعالى ذكره: ﴿فاختلف الأحزاب مِن بَيْنِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿لِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً﴾.
أي: فاختلف المختلفون بعد رفع عيسى صلى الله عليه وسلم.
فصاروا أحزاباً، وقد ذكر اختلافهم كيف كان.
ثم قال: ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾.
أي: وادٍ في جهنم للكافرين الذين زعموا أن عيسى إله، والذين زعموا أنه ابن الله.
﴿مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ يعني يوم القيامة.
ثم قال: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾.
أي: ما أسمعهم وأبصرهم يوم القيامة إذا عاينوا ما لا يحتاج إلى فكر ولا رؤية.
وقد كانوا في الدنيا عمياً عن إبصار الحق، صماً عن سماع الهدى.
قال قتادة: سمعوا حين لا ينفعهم السمع، وأبصروا حين لا ينفعهم البصر.

قال ابن زيد: كانت في الدنيا على أبصارهم غشاوة، وفي آذانهم وقر، فلما كان يوم القيامة، أبصروا، وسمعوا فلم ينتفعوا، وقرأ ﴿رَبَّنَآ أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صَالِحاً﴾ [السجدة: 12].
ثم قال تعالى ذكره: ﴿لكن الظالمون اليوم فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ أي: لكن الكافرون في الدنيا في ذهاب مبين عن سبيل الحق.
و ﴿يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقف حسن.
والعامل فيه " أسمع بهم وأبصر " أي: ما أبصرهم وأسمعهم في هذا اليوم، أي: هم ممن يقال ذلك فيهم، ففيه معنى التعجب، ولفظه، لفظ الأمر، ولا ضمير في الفعلين، إذ ليس بأمر للمأمور، إنما هو لفظ وافق لفظ الأمر، وليس به.
ثم قال: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ أي: أنذر هؤلاء المشركين يوم حسرتهم على ما فرطوا في جنب الله إذا رأوا مساكنهم في الجنة قد أوروثها الله أهل الإيمان به، وعوضوا منها منازل في النار، وأيقن الفريقان في الخلود.
قال ابن مسعود: ليسي نفس إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة، وبيت في النار، وهو يوم الحسرة، فيرى أهل النالا البيت الذي في الجنة فيقال: / لو آمنتم، فتأخذهم الحسرة، ويرى أهل الجنة البيت الذي في النار، فيقال لهم: لولا ما منّ به الله

عليكم.
وقيل: ﴿يَوْمَ الحسرة﴾ يوم يعطى كتابه بشماله.
وروى أبو سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح.
قال فيقال: يا أهل الجنة، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون، فيقولون: نعم هذا الموت.
قال: فيقال: يا أهل النار، هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم، هذا الموت.
ثم يؤمر به فيذبح.
4قال: فيقول: يا أهل الجنة، خلود بلا موت، ويا أهل النار، خلود بلا موت.
ثم قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الحسرة﴾ الآية.
وأشار بيده في الدنيا " يريد الغفلة في الدنيا.
وكذلك رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يؤتى بالموت يوم القيامة، فيوقف على الصراط.
وقال في أهل الجنة، فيطلعون خائفين وجلين أن يخرجوا من

مكانهم، وقال في أهل النار، فيطلعون فرحين مسرورين، رجاء أن يخرجوا من مكانهم.
وقال فيذبح على الصراط ". قال ابن عباس: " يصور الله الموت كأنه كبش أملح.
فيذبح، فييأس أهل النار من الموت، فلا يرجونه، فتأخذهم الحسرة من أجل الخلود في النار، ويأمن أهل الجنة الموت، فلا يخشونه ". وقال ابن عباس: " يوم الحسرة " من أسماء يوم القيامة، عظّمه الله وحذره عباده.
ومعنى: ﴿إِذْ قُضِيَ الأمر﴾ إذ فرغ من الحكم لأهل النار بالخلود فيها ولأهل الجنة بالخلود [فيها].
/ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: هؤلاء المشركون في غفلة عما الله فاعل بهم يوم القيامة.
﴿وَهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يصدقون بآيات الله ولا بالرجوع إليه يوم القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الأرض وَمَنْ عَلَيْهَا﴾ أي: نفني من على الأرض، فتبقى لا مالك لها غيرنا.
﴿وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾.

اي: يرد هؤلاء المشركون وغيرهم، فيجازي كلاً بعمله.
والمعنى: إلى حكم الله يرجعون وقضائه فيهم ومجازاتهم.
لم يرد برجوعهم إليه، إلى مكانه، ولا إلى ما قرب منه، إنما رجوعهم إلى جزائه وحكمه فيهم.
وكذلك كل ما شابهه.
﴿قُضِيَ الأمر﴾ وقف، إلا أن يجعل " وهم في غفلة " في موضع الحال فلا يقف على ذلك.
والتمام " يؤمنون ". ثم قال تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾.
أي: أتل على هؤلاء قصص إبراهيم وأبيه التي أخبرناك بها في الكتاب المنزل عليك، وكذلك معنى قوله: ﴿واذكر فِي الكتاب﴾ في كل موضع، إنما معناه اذكر لقومك ما أنزل عليك في القرآن من قصة إبراهيم، وموسى وغيرهما.
﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيّاً﴾ أي: كان من أهل الثدق في حديثه وأخباره ومواعيده.
" نبيئاً " أي: تنبأه الله وأوحى إليه.
ولا يوقف على " نبي " لأن " إذ " متعلقة بما قبلها.
﴿إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يا أبت لِمَ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ﴾.
أبتِ عند سيبويه لا تقع بالتأنيث إلا في النداء.
ويكون للمذكر والمؤنث.
و " التاء " عنده عوض من ياء الإضافة.
ولذلك لا يجمع بينهما.
ووقف ابن كثير بالهاء،

وجميع القراء غيره يقفون بالتء، لأنه مضاف في التقدير.
وقرأ ابن عامر بفتح التاء على تقدير يا أبتاه، فحذف الهاء لأنه واصل وحذف الألف كما تحذف ياء الإضافة، لأنها بدل منها.
وقيل: إنه أبدل من كسرة " التاء " فتحة، ومن " الياء " التي كانت في الأصل ألفاً.
ثم حذف الألف، إذ لا يجمع بين الياء والتاء، والألف عوض من الياء.
فكما لا تثبت الياء مع التاء، كذلك لا تثبت الألف التي هي عوض من الياء.
وهذا القول أشبه من الأول، وفيهما نظر.
وقوبه: ﴿مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ﴾ يعني الأصنام، لا يسمعك إذا دعوته، ولا بيبصرك إذا أجبته ولا يغني عنك شيئاً: إن نزل بكل أمر أو ضر لم ينفعك ولا دفع عنك شيئاً.
ثم قال: ﴿يا أبت إِنِّي قَدْ جَآءَنِي مِنَ العلم مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾.
يعني: الوحي الذي أوحى الله إليه.
﴿فاتبعني﴾ أي: أقبل قولي، وما أدعوك إليه.

﴿أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً﴾ أي: أبصرك وأرشدك الطريق المستوي الذي لا تضل فيه إن لزمته.
ثم قال: ﴿يا أبت لاَ تَعْبُدِ الشيطان﴾.
أي: لا تطعه فيم أمرك به فتكون بمنزلة من عبده.
﴿إِنَّ الشيطان كَانَ للرحمن عَصِيّاً﴾.
أي: عاص.
و " عصياً "، فعيل بمعن فاعل.
لام الفعل " ياء " أدغمت فيها " ياء " فعيل.
ثم قال: ﴿يا أبت إني أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرحمن﴾ الآية.
. . أي: إني أعلم أنك، إن منت على عبادة الشيطان، أن العذاب يمسك فتكون للشيطان ولياً دون الله.
فالخوف هنا بمعنى العلم.
كما تقع الخشية بمعنى العلم في قوله: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ [الكهف: 80].
قوله تعالى ذكره: قال ﴿قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ آلِهَتِي ياإبراهيم﴾ إلى قوله ﴿أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾.
أي: قال أبوه له حين دعاه إلى الإيمان وترك عبادة الشيطان، أراغب أنت عن عبادة آلهتي يا إبراهيم.
﴿لَئِن لَّمْ تَنتَهِ﴾ عن ذكر آلهتي بالسوء وغبتك عن عبادتها لأرجمنك " أي: لأسبنك، قاله قتادة والسدي وابن جريح.

وقيل معناه: لأقتلنك.
وقيل معناه: لرجمنك بالحجارة.
ثم قال: ﴿واهجرني مَلِيّاً﴾ أي: واهجرني يا إبراهيم حيناً طويلاً.
قاله: مجاهد والحسن وعكرمة.
ف " ملياً " ظرف.
وقال ابن عباس: معناه: واهجرني سالماً من عقوبتي إياك، وقاله: قتادة والضحاك.
ف " ملياً " على هذا نصب على الحال من إبراهيم، واختار الطبري هذا القول، واختار النحاس القول الأول.
و" أراغب " رفع بالابتداء، و " أنت " فاعل سد مسد الخبر، ويجوز أن يكون "

أنت " مبتدأ، و " أراغب " خبره مقدم عليه، وحسن رفع " أراغب " بالابتداء لاعتماد على ألف الاستفهام الذي معناه التقرير.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَ سَلاَمٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾.
أي: قال إبراهيم لأبيه حين توعده، وامتنع من الإيمان بما جاء به: سلام عليك " أي: أمنة مني لك ان أعادوك فيما كرهت، ولكن سأستغفر لك ربي أي: أسأل لك ربي أن يستر عليك ذنوبك ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً﴾ أي: إن ربي عهدته / بي لطيفاً، يجيب دعائي إذا دعوته.
قال ابن عباس وابن زيد: " حفيّاً " لطيفاً يقال حفي به إذا بره ولطف به.
قال السدي: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ﴾ أخره إلى السحر.
﴿ياإبراهيم﴾ تمام عند نافع.
وإن شئت ابتدأت يا إبراهيم.
و" سلام عليك " تمام عند ابي حاتم.
و " لك ربي " عند غيره التمام.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾.
أي: وأجتنبكم وعبادة

ما تدعون [من دون الله] من أوثانكم وأصنامكم.
و ﴿وَأَدْعُو رَبِّي﴾ بإخلاص العبادة له ﴿عسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبِّي شَقِيّاً﴾ أي: عسى أن لا أشقى بدعاء ربي.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعتزلهم وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله﴾.
لي: فحين اعتزل إبراهيم قومه وعباده ما يعبدون من دون الله.
﴿وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ أي: آنسنا وحشته لما فارق قومه، فوهبنا له إسحاق، وابنه يعقوب.
﴿وَكُلاًّ جَعَلْنَا نَبِيّاً﴾.
أي: وإبراهيم وإسحاق ويعقوب، جعلناهم أنبياء.
روي أنه خرج عنهم إلى ناحية الشام بإذن الله له.
ثم قال: ﴿وَوَهَبْنَا لَهْم مِّن رَّحْمَتِنَا﴾.
أي: ووهبنا لجميعهم من رحمتنا.
وهو ما بسط لهم من الرزق في الدنيا.
﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً﴾ أي: ورزقناهم الثناء الحسن والذكر الجميل من الناس إلى قيام الساعة.
قوله: " ويعقوب " وقف.
و " نبيئاً " أحسن منه و " علياً " أحسن منهما.

ثم قال: ﴿واذكر فِي الكتاب موسى إِنَّهُ كَانَ مُخْلِصاً﴾.
أي: واقصص على قومك يا محمد نبأ موسى، إنه كان مخلصاً لله عبادته وأعماله كلها.
هذه على قراءة من كسر " اللام " في " مخلصاً " ومن فتحها فمعناه: إنه كان مختاراً اختاره الله لكلامه ورسالته.
﴿وَكَانَ رَسُولاً نَّبِيّاً﴾ أي: أرسله الله إلى نبي إسرائيل، وتنبأه.
ثم قال تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطور الأيمن﴾ أي: وكلمناه من جانب الجبل الأيمن، قاله قتادة.
وقال الطبري: يعني يالأيمن هنا: يمين موسى، لأن الجبل لا يمين له ولا شمال.
﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾، أي: وأديناه مناجياً.
قال ابن عباس: إن الله عز وجل أدناه حتى سمع صريف القلم.
وقال أبو صالح: قربه حتى سمع صريف القلم.

وعن مجاهد في معنى ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ قال: بين السماء الرابعة أو قال السادسة وبين العرش سبعون ألف حجاب، حجاب نور وحجاب ظلمة وحجاب نور وحجاب ظلمة، فما زال يقرب موسى حتى كان بينه وبينه حجاب وسمع صريف القلم، وقال: أرني أنظر إليك.
وقال قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً﴾ (نجا بصدقه).
وقيل معناه: قربناه في الكرامة والرفعة في منزلة رفيعة، لأن الله تعالى ذكره وجلّ ثناؤه وليس بمحدود، فيكون بعض الأجسام أقرب إليه من بعض.
فهو كلام فيه توسع.
فقد يقرب الرجل عبده بإكرامه له، وإن بعد منه ويبعد عبده الآخر بإهانته له وإن قرب مكانه منه، فذلك شائع في اللغة.
والمعنى: إنا رفعنا بكلامنا له.

ثم قال تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِن رَّحْمَتِنَآ أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيّاً﴾.
أي: وهبنا لموسى - رحمة منا له - أخاه هارون نبياً.
اي: أيدناه بنبوته.
قال ابن عباس: كان هارون أكبر من موسى، ولكن أراد أنه وهب له نبوته.
قوله تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾.
المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده.
قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها.
وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله.
قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد.
فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله.
فقال الرجل: إني

نسيت.
فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله " كان صادق الوعد ". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه.
فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل صلى الله عليه وسلم فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلىجرهم.
وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بالصلاة والزكاة﴾.
يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب.
﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ /. أي: محمداً فيما كلفه، غير مقصر.
و " مرضي " مفعول، والأصل فيه عند سيبويه.
" مرضو ". ولكن أبدلوا من الواو لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة.
ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة.
وقال الكسائي والفراء: من قال: " مرضى " بناه على رضيت وقالا وأهل

الحجاز يقولون " مرضو ". وحكايا أنَّ من العرب من يُثني رضا على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان.
فمرضي على رضيان.
ومرضو على رضوان.
ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو.
وربوان بالوا.
ثم قال تعالى: ﴿واذكر فِي الكتاب إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾.
أي: واقصص نبأ إديس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره " نبيئاً " تنبأه الله.
كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء.
ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فلكم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري.
فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجلعت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في

الأرض.
فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾.
وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السموات بيده.
وقيل: رفع إلى السماء السادسة.
وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى.
وقال مجاهد: وقتادة: رف إلى السماء الرابعة.
وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما عرج به إلى السماء، قال: " أتيت على إدريس في السماء الرابعة ". وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم.

وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خيرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الارض.
فأستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس؟ أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخرون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟.
قال إن شئت سألته وأنت تسمع.
قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى سعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين.
فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر.
ذكر ذلك ابن وهب.

وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله.
وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً.
فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللهم خفف عن من يحملها، واحملعنه حرها.
فلما أصبح الملكم، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين أَنْعَمَ الله عَلَيْهِم مِّنَ النبيين﴾.
المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنبأهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِءَادَمَ﴾.
يعني إدريس.
و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم).
﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه.
/ ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح.

﴿واجتبينآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والواحي.
ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن﴾.
أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه.
﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً.
﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين.
فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً.
بمعنى: بكاء.
ويكون أصله بكوياً.
كجلس يجلس جلوسا.
ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء.
والأول ساكن، وبكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء سكانة قبلها ضمة، من كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء.
ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهدوا وشهود.
فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير ما تقدم في " مرضي ". لأن لامه واو.
فهو مخالف لبكياً.
إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو،

وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها.
وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ سورة " مريم " فسجد فقال " هذا السجود، فأين البكي " وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.
قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُواْ الصلاة﴾.
إلى قوله: ﴿وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾.
المعنى: فخلف من بعد من ذكرنا من الأنبياء، خلف سوء خلفوهم في الأض.
يقال في الردئ " خَلْف " بإسكان اللام، وفي الصلاح " خَلَفْ " بتحريك اللام.
وعن أبي إسحاق ضد هذا.
والأول أشهر.
ثم قال: ﴿أَضَاعُواْ الصلاة واتبعوا الشهوات﴾ أي أخروا الصلاة عن مواقيتها، ولم يتركوها، ولو تركوها لكان كفراً.
قاله عمر بن عبد العزيز: وهو معنى قول ابن مسعود.
وكذلك قال ابن مسعود: في قوله تعالى ذكره: ﴿الذين هُمْ عَن صَلاَتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: 5] إنه تأخيرها عن

وقتها.
قال مسروق: لا يحافظ على الصلوات الخمس أحد فيكتب من الغافلين.
وروى الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الخلف من بعد ستين سنة ". قال أبو محمد مكي رضي الله عنهـ: وقد ذكر الجعفي في تفسيره عن محمد بن كعب القرظي أنه قال: هم ناس يظهرون في آخر الزمان من قبل المغرب، وهم شر من يملك، وذكر اسمهم.
وعن مجاهد، أن الخلف هنا النصارى بعد اليهود.
رواه ابن وهب، وهو ظاهر الآية لأن بعده " إلا من تاب وآمن " فذكره لشرط الإيمان مع التوبة يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين.
وقوله: ﴿واتبعوا الشهوات﴾ قيل: معناه: اتبعوا شهواتهم فيما حرّم الله عليهم.

وقال القرظي: أضاعتهم لها، تركها وهذا القول اختيار الطبري لقوله بعد ذلك: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً﴾ فلو كان المضيعون مؤمنين لم يقل: " إلا من تاب وآمن " ولكنهم كانوا كفاراً بتركهم للصلاة والزكاة.
وقال مجاهد: هؤلاء قوم يكونون عند قيام الساعة، وذهاب صالحي امة محمد صلى الله عليه وسلم، ينزو بعضهم على بعض في الآزقة زنا.
وقال عطاء: هم من أمة محمد عليه السلام.
ثم قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَونَ غَيّاً﴾.
يعني: وادياً في جهنم قاله ابن عمر.
وعنه أنه قال: هو نهر في جهنم، خبيث الطعم بعيد القعر.
وقال ابن عباس: غياً: خسراناً.

وقال ابن زيد: " غياً " شراً.
والتقدير: فسوف يلقون جزاء الغي، كما قال يلق آثاماً أي: جزاء الآثلام.
وقيل: سمي الوادي غياً لأن الغاوين يصيرون إليه.
وقيل: المعنى: " فسوق يلقون غياً ". أي: خيبة من الجنة، والثواب الذي يناله المؤمنون، وعذاباً في النار.
و" الغي " في اللغة " الخيبة.
ثم استثنى فقال: ﴿إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة﴾ دون أولئك.
﴿وَلاَ يُظْلَمُونَ شَيْئاً﴾.
أي: ولا ينقصون من جزاء أعمالهم شيئاً.
ثم بيّن موضع الدخول فقال: " جنات عدن " أي: إقامة.
﴿التي وَعَدَ الرحمن عِبَادَهُ بالغيب﴾ أي: وعدهم بها، وهم لم يروها فصدقوا بذلك.
﴿إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيّاً﴾.
الوعد هنا بمعنى الموعود.
كما قالوا: الخلق بمعنى المخلوق.

و " مأتياً " أي: ياتيه أولياؤه، وأهل طاعته.
وقيل " مأتياً ": هو مفعول بمعنى فاعل.
قاله ابن قتيبة واستبعده النحاس، وهو عنده/ مفعول من الإتيان، لأن كل ما وصل إليك فقد وصلت إليه.
قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾.
أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول.
﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام.
وقوله: " إلا سلاماً " استثناء ليس من الأول.
وقيل: هو بدل من لغو.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾.
أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا.
إذ لا ليل في الجنة ولا نهار.
قال مجاهد: ليس " بكرة " ولا " عشي " ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا.
خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش.

وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم.
وقال زهير بن محمد: " ليس في الجنة ليل.
هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار.
يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب.
ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب ". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾.
مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل.
ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ الجنة التي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾.
أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها.
" من مكان تقياً " أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه.
قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة

نبيه صلى الله عليه وسلم.
وقيل: " التقي ": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي صلى الله عليه وسلم الوحي.
قال ابن عباس: قال النبي صلى الله عليه وسلم لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزرونا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾.
وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم سأخبركم غداً، ولم يستثن.
فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً.
ثم نزل جبريل عليه السلام: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذلك غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ الله﴾ [الكهف: 23 - 24]، فوجد النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية.
وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى.
ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذلك﴾.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل