الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
عونَك اللهم وتأييدَك، وصل على محمد وآله.
قال أبو محمد، مكي بن أبي طالب - رضي الله عنه -:
سوره "مريم": مكية.
وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى أرض الحبشة، لأنهم قرأوا صدرها على النجاشي بعد هجرتهم إلى أرض الحبشة.
قوله تعالى ذكره: ﴿كهيعص﴾ الآية.
قرأ بعض القراء بإمالة الهاء والياء.
وعلة الإمالة أنها أحرف مقصورة، فإذا ثنيت، ثنيت بالياء، فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء، فأميلت لذلك.
وعلة ..
الإمالة فيها عند الخليل وسيبويه أنها أسماء للحروف، فجازت إمالتها ليفرق بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا بمعنى الذي، لا يحسن عندهما إمالة شيء من هذا فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة.
ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد، لأن الألف متوسطة.
وهذه الحروف عند ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة، على ذلك.
فالكاف تدل على كبير.
وقيل: الكاف تدل على كاف.
قاله ابن جبير والضحاك.
وروي أيضاً عن ابن جبير، أن الكاف تدل على " كريم "، وقال ابن عباس وابن جبير: الهاء تدل على هاد، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن جبير: الياء من حكيم.
وعن الربيع بن أنس ان الياء من [قولك]: يا من يجير ولا يجار عليه.
وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم.
وعن ابن عباس أيضاً: العين من عزيز.
وقال الضحاك: العين من عدل.
وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق.
وعنه أيضاً: الكاف، كاف، والهاء، هاد.
والياء، يد من الله على خلقه.
والعين، عالم بهم والصاد، صادق فيما وعدهم.
وقال علي بن ابي طالب رضي الله عنهـ: ﴿كهيعص﴾ كله اسم من أسماء الله.
وروي عنه أنه كان يقول: (يا كَهَيعَص) اغفر لي.
وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله.
وقال أبو العالية: كل حرف على حدته اسم من أسماء الله وقال
قتادة: ﴿كهيعص﴾ اسم من أسماء القرآن.
و ﴿كهيعص﴾ تمام عند الأخفش، وموضعها رفع عنده والتقدير: وفيما نقص عليكم، ﴿كهيعص﴾ وليس بتمام عند الفراء، لأن ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبره.
قوله تعالى ذكره: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّآ﴾ إلى ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾.
" ذِكْر " مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كهيعص﴾.
ورد هذا القول الزجاج، لأن ﴿{كهيعص﴾ ليس مما أثنى الله به على زكريا، وليس " كهيعص " في شيء من قصة زكريا.
وقال الأخفش: التقدير: وفيما يتلى عليكم، ذكر رحمة ربك عبده زكرياء.
و [قيل] التقدير: هذا الذي يتلى عليك، ذكر رحمة ربك عبده زكريا.
والتقدير: وفيما يتلى عليك يا محمد، ذكر ربك عبده زكريا برحمته.
قوله: ﴿نِدَآءً خَفِيّاً﴾.
أي: جعاه سراً كراهية الرياء.
قاله ابن جريح وغيره.
وقال السدي: رغب زكريا في الولد، فقام يصلي، ثم دعا ربه سراً فقال: " ربيِّ إنِّي وَهَنَ العَظْمُ مِنَّي " إلى قوله " واجْعَلْهُ رّبِّ رَضِيّاً ".
ومعنى " وَهَنَ الْعَظْمُ " ضعف ورق من الكبر.
وقوله: ﴿واشتعل الرأس شَيْباً﴾.
أي: كثر الشيب في الرأس.
ونصب " شيباً " على المصدر، لأن معنى اشتعل، شاب.
وقال الزجاج: نصبه على التمييز.
أي: اشتغل من الشيب.
وروى أبو صالح عن ابن عباس أن زكريا كان من أولاد هارون من أحل أحبار بني إسرائيل، ثم تنبأه الله جلّ ذكره.
قوله: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾.
أي: لم أشق بدعائي إياك قط، لأنك عودتني الإجابة إذا دعوتك حاجتي.
ثم قال تعالى حكاية عنه: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآءِى﴾ أي: أني خفت بني عمي وعصبتي من بعدي أن يرثوني.
وقيل: " من [ورائي ": من قدامي].
قال ابن عباس /: الموالي هنا، الكلالة الأولياء، خاف أن يرثوه، فوهب الله له يحيى.
وقيل: إنما خاف أن تقطع النبوة من ولده، وترجع إلى عصبته من غير ولد يعقوب، فأجاب الله دعاءه بعد أربعين سنة فيما ذكر ابن وهب وغيره.
وقيل: بعد ستين سنة.
وقيل: معناه، خفت بني عمي عن الدين: يعني شرارهم فسأل الله تعالى في ولد يقوم بالدين بعده، ويرث النبوة من آل يعقوب، وقال أبو صالح، خاف موالي الكلالة.
والموالي والأولياء سواء في كلام العرب.
وقيل للعصبة موالي، لأنهم يلون الميت في النسب.
وروي عن عثمان (رضي الله عنهـ) أنه قرأ ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الموالي مِن وَرَآءِى﴾ (بفتح الخاء، وتشديد الفاء، وإكسار التاء وإسكان الياء) وهي قراءة ويد بن ثابت وسعيد بن جبير، جعل الفعل للموالي، أي: إني قَلَّتْ الموالي الأويلء من بعدي فليس لي وارث.
ثم قال: ﴿فَهَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ وَلِيّاً﴾.
أي: هب لي وارثاً ومعيناً يرثني في مال]، و " يَرِثُ من آل يعقوب "، يعني النبوة.
وكان زكريا (عليه السلام) من ولد يعقوب، وهو زكريا بن آذن، وعمران من ماثان من ولد أيوب النبي صلى الله عليه وسلم.
من سبط يهوذا بن يعقوب، وكان زكريا وعمران في زمن واحد، فتزوج زكريا أشياع بنت عمران أخت مريم ابنة عمران، واسم أمها - امرأة عمران -
حنة.
فيحيى وعيسى ابنا خالو.
وكان زكريا نجاراً.
وكفل مريم بعد موت أبيها، لأن اختها عنده، ولأن قلمه خرج دون أقلامهم.
فلما حملت مريم بعيسى، أشاعت اليهود أنه ركب من مريم الفاحشة فقتلوه في جوف شجرة، فقطعوه وقطعوها معه.
قال قتادة: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا قرأ هذه الآية وأتى على ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال: " يرحم الله زكريا ما كان عليه من ورثه، ويرحم الله لوطاً.
إن كان ليأوي إلى ركن شديد.
وقال السدي: " يرثني ويرث من آل يعقوب " أي: يرث نبوتي ونبوة آل يعقوب.
وقيل: يرث حكمتي، ويرث نبوة آل يعقوب.
وقد أنكر قوم رواثة النبوة إلا بعطية من الله، ولة ورثت بالنسب لكان الناس كلهم أنبياء، لأنهم أولاد نبي وهو آدم ونوح.
وأنكر آخرون وراثة المال في هذا
لقوله صلى الله عليه وسلم: " نحن معشر لا نورث، ما تركنا صدقة ". وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصاً للنبي ( صلى الله عليه وسلم) ، وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة.
وفي بعض الروايات: " إِنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة " ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بمنع وراثته.
وقال القتبي: معناه: يرثني الحبورة.
ثم قال: ﴿واجعله رَبِّ رَضِيّاً﴾.
أي: ترضاه أنت ويرضاه عبادك، ديناً وخلقاً وخُلقاً وهو فعل مصروف من مفعول.
وأصله رضيو، منقول من مرضي واصل مرضي، مرضو.
ثم رد إلى الياء لأنها أخف.
قوله تعالى ذكره: ﴿يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾.
أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى.
قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان.
وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها.
ثم قال تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾.
أي: لم تلد العواقر ولداً، قاله ابن عباس.
وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيهاً.
وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك.
وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله.
ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾.
أي: آل زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل،
وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء.
كأنه يستثبت الخبر من عند ربه.
كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج / غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله.
فلا يجوز الإنكار فيه البتة.
وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله إذا امرأته عاقر.
قال السدي: نادى جبريل صلى الله عليه وسلم زكرياء: ﴿يازكريآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ اسمه يحيى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾.
فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحى إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: ﴿أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ امرأتي عَاقِراً﴾.
وقوله: " عُتِيّاً " أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام.
يقال للعود اليابس، عود عات وعاس.
وقال قتادة: " عُتِيّاً نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة.
وقيل: سبعين سنة.
ثم قال تعالى: ﴿كذلك قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾.
الكاف في موضع رفع.
والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك.
أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين.
أي: خلقه عليّ هين.
﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً.
هو نفي للعين عام.
ولو قال: " ولم تك رجلاً أو إنساناً " لم يكن ذلك نفيا للعين ولا نفياً عاماً.
فافهمه.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ رَبِّ اجعل لي آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس﴾.
إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾.
أي: اجعل لي علامة على وقت الهبة، ودليلاً على أن ما بشرتني به ملائكتك من هذا الغلام عن أمرك ورسالتك، ومتى يكون.
قال ابن زيد: " اجعل لي آية أن هذا منك "، وكذا قال السدي.
﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ الناس ثَلاَثَ لَيَالٍ سَوِيّاً﴾.
أي: علامة ذلك وصحته أنك لا تكلم الناس ثلاث ليال، بلا علة بك من خرس ولا مرض يمنعك الكلام.
قال ابن عباس: " اعتقل لسانه من غير مرض ".
وقال مجاهد: " سوياً ": صحيحاً لا يمنعكم من الكلام مرض ".
وقال قتادة: " سوياً ": من غير خرس ولا بأس، إنما عوقب إذ سأل آية بعد مسافهته الملائكةبذلك، أخذ لسانه حتى كان يوميء إيماءً ".
قال ابن زيد: " حبس لسانه فكان لا يستطيع أن يسلم أحداً، وهو في ذلك يسبح ويقرأ التوراة، فإذا أراد كلام الناس، بم يستطع [أن] يكلمهم.
وكذلك قال السدي.
وقيل: المعنى، ثلاث ليال متتابعات.
فسوياً من نعت الليالي.
وعلى القول الأول يكون " سوياً " حالاً من المخاطب.
والتقدير فيه التقديم.
أي: آيتك ألا تكلم الناس سوياً ثلاث ليال.
ثم قال تعالى: ﴿فَخَرَجَ على قَوْمِهِ مِنَ المحراب﴾.
أي: فخرج زكريا على قومه من مصلاه الذي جلس فيه حين حبس لسانه عن كلام الناس.
ذوقال ابن جريج: معناه، أشرف على قومه من المحراب والمحراب عند أهل اللغة، مكان مرتفع.
وقوله: ﴿فأوحى إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُواْ بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾.
أي: أوحى إليهم، قاله قتادة وقال الضحاك: " كتب لهم.
وقال مجاهد ووهب بن منبه: " أشار إليهم أن سبحوا بكرة وعشياً "، أي: صلوا بكرة وعشياً.
والصلاة تسمى سبحة.
وقيل: " أمرهم بالتسبيح بذكر الله طرفي النهار ". وهذا يدل على أن الإشارة ليست بكلام.
يقال: أوحى ووحى.
وأومى وومى.
ثم قال: ﴿يايحيى خُذِ الكتاب بِقُوَّةٍ﴾.
والتقدير: قوله له يحيى، فقال الله تعالى له: " يا يحيى خذ الكتاب بقوة " أي بجد وعزم.
قاله قتادة ومجاهد.
ذوقال ابن زيد: " القوة: أن يعمل ما أمره الله ويجتنب ما نهاه عنه ".
ثم قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾.
أي: أعطيناه الفهم لكتاب الله في حال صباه.
قال معمر: " بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب، فقال أللعب خُلقت؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الحكم صَبِيّاً﴾.
قال قتادة: " كان ابن سنتين أو ثلاث ".
قال مالك: " بلغني أن يحيى بن زكريا، إنما قتل في امرأة، وأن بخت نصر لما دخل بيت المقدس بعد زمان طويل وجد دمه يفور لا يطرح عليه تراب ولا شيء إلا
فار وعلا عليه، فلما رآه بني إسرائيل فسألهم فقالوا لا علم لنا / هكذا وجدناه، وأخبرنا به آباؤنا عن آبائهم أنهم هكذا وجدوه.
قال بخت نصر: هذا دم مظلوم، لأقتلن عليه.
فقتل [عليه] سبعين ألفاً من المسلمين والكفار فهدأ الدم بعد ذلك.
وقوله تعالى: ﴿وَحَنَاناً مِّن لَّدُنَّا﴾ قال ابن عباس معناه: " ورحمة من عندنا "، وهو قول عكرمة وقتادة والضحاك.
وقيل معناه: ورحمة من عندنا لزكريا، آتيناه الحكم وفعلنا به ما فعلنا، روي ذلك عن قتادة.
وقال مجاهد: " معناه، وتعطفاً من عندنا عليه فعلنا ذلك ".
وقال ابن زيد: " معناه، ومحبة له من عندنا "، روي ذلك أيضاً عن عكرمة.
وعن عطاء أن معناه: " وتعظيماً من عندنا له ".
وقيل معناه آتيناه رحمة بالعباد وتحنناً عليهم ليُخلضهم من الكفر إلى الإيمان.
وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الحنان.
وقاله عكرمة أيضاً مرة.
وقول العرب " حنانيك " لغة في حنان، وليس بتثنية.
وأصل الحنان من قولهم: حن إلى كذا، إذا ارتاح إليه.
ويحن على فلان، إذا تعطف عليه.
والحنان مصدؤ من حننت أحن حنيناً وحناناً، ومنه قيل لزوج الرجل حنته لتحننها عليه وتعطفها.
وقوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: " العمل الصالح ".
وقوله: ﴿وَكَانَ تَقِيّاً﴾ أي خائفاً مؤدياً فرائضه.
قال ابن عباس: " طهر فلم يعمل بذنب، فهو الزكاة ".
وقوله: ﴿وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ﴾.
أي: مسارعاً في طاعتهما غير عاق لهما ".
﴿وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً﴾.
أي: متكبراً عن طاعة الله، ولا عصياً لربه.
ثم قال: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾.
أي: أمان له من الشيطان حين وُلد فلم يُذنب، ولا يأتي في الآخرة بذنب.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ أ]: وأمان له من الله من فتاني القبر.
﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾.
أي: وأمان له من العذاب يوم يبعث فلا يروعه شيء.
قال ابن عيينة: " أوحش ما يكون الخلق في ثلاثة مواطن يوم يولد، فيرى
نفسه خارجاً مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قوماً لم يكن عاينهم، ويوم يبعث، فيرى نفسه في حشر عظيم.
فخض الله تعالى يحيى بالأمان في هذه الثلاثة مواطن، وهي الفضيلة التي فضل الله بها يحيى.
وروي أن يحيى وعيسى عليهما السلام التقيا، فقال عيسى استغفر لي، أنت خير مني.
وقال يحيى: استغفر لي، أنت خير مني.
فقال عيسى: أنت خير مني؟ سلمتُ على نفسي، وسلم الله عليك، فعرف الله فضلها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " كل بني آدم يأتي يوم القيامة وله ذنب إى يحيى بن زكرياء ".
وقال صلى الله عليه وسلم: " ما من أحد يقلى الله عز وجل يوم القيامة إلا وأذنب إلا يحيى بن زكرياء، ما أذنب ولا هم بامرأة ". وهو قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾، أي أمان له وعصمة من الشيطان ألا يحمله على ذنب و " يوم يموت " من عذاب القبر "، ويوم يبعث " من هول المحشر.
وقد قيل: المعنى، ورحمته، وسلامته عليه يوم ولد، وذلك تفضل من الله غير جزاء له على عمله، إذ لم يعمل بعد شيئاً.
وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَياً﴾.
هو جزاء من الله له بعمله وسعيه.
وروى ابن وهب عن مالك بن أنس عن حميد بن قيس عن مجاهد، أنه [قال]: كان طعام يحيى بن زكريا العشب، وإن كان ليبكي من خسية الله ما لو كان القار على عينيه لحرقه.
ولقد كان الدمع اتخذ مجرى في وجهه.
قال أبو ادريس الخلاني: أطيب الناس طعاماً يحيى بن زكرياء.
إنما كان يأكل مع الوحش كراهة أن يخالط الناس معايشهم.
قال ابن وهب أن ابن شهاب قال: كان يحيى ابن خالة عيسى وكان أكبر من عيسى بيسير.
قوله تعالى ذكره: ﴿واذكر فِي الكتاب مَرْيَمَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾.
والمعنى: واذكر يا محمد في الكتاب الذي أنزل إليك مريم حين اعتزلت من أهلها، وانفردت في مكان شرقي، أي في شرقي المحراب.
وقال السدي: " خرجت مريم إلى جانب المحراب لحيض أصابها ".
وقال قتادة: " شرقياً " قبل المشرق شاسعاً ".
وقيل: إنما صارت بمكان يلي المشرق، لأن ما يلي المشرق عندهم كان خيراً مما يلي المغرب /.
وقال ابن عباس: أظلها الله بالشمس، وجعل لها منها حجاباً ".
وهو قوله: ﴿فاتخذت مِن دُونِهِم حِجَاباً﴾ أي: ستراً يسترها عن الناس.
ويروى أن مريم كانت في منزل زكرياء، وكان زوج أختها، وكان لها محراب تصلي فيه، وكان زكرياء إذا خرج أغلق عليها الباب، فآذاها يوماً القمل في رأسها فتمنت لو وجدت خلوة إلى الجبل تفلي فيه رأسها، فانفرج لها السقف وخرجت والبيت مقفل في يوم شديد البرد، فجلست في شرفة من الشمس، وأتى زكرياء فلم يجدها فبينما هي جالسة إذ أتاها جبريل صلى الله عليه وسلم في صورة البشر في أحسن صورة شاب
مقصص عليه البياض وعليه تاج مكلل بالدر والياقوت، ومريم يومئذ بنت أربع عشرة سنة، فلما أن رأت جبريل عليه السلام يصعد نحوها نادته ﴿إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾.
أي إن كنت تتقي الله فكان من شأنها ما قصّ الله علينا.
ثم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾.
قال قتادة وابن جريج ووهب بن منبه: هو جبريل صلى الله عليه وسلم.
وقيل: الروح: عيسى، لأنه روح الله وكلمته أَلقاها إلى مريم.
وقيل: معناه، فدخل الروح في مريم فتمثل لها بشراً سوياً.
أي تمثل فيها، يعني عيسى.
قال أبي بن كعب: " كان روح عيسى بن مريم من الأرواح التي أخذ الله تعالى ذكره عليها الميثاق، فأرسل ذلك الروح إلى مريم، فدخل من فيها، فحملت بعيسى عليه السلام ". والله أعلم بذلك كله.
والصحيح أنه جبريل عليه السلام لقوله: " فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً " لأن عيسى بشر، ومعناه
فتشبه لها في صورة آدمي، سوي الخلق، معتدلة.
وإنما سمي جبريل صلى الله عليه وسلم روحاً، لأنه يأتي بما يحيي به العباد من الوحي، ولهذا سمي عيسى أيضاً روحاً، وسمي القرآن روحاً.
وقيل: إنما اعتزلت لتغتسل من الحيض.
وقيل: لتخلو بالعبادة.
ثم قال: ﴿قَالَتْ إني أَعُوذُ بالرحمن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾.
والمعنى: أن مريم خافت من جبريل لما رأته في هيئة آدمي.
قال قتادة: " خشيت أن يكون يريدها على نفسها ".
وقال السدي: " فزعت منه لما رأته، فتعوذت بالرحمن واستجارت به منه ".
ومعنى: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ أي: إن كنت ذا تقوى وخوف من الله، تتقي محارمه.
وقيل: المعنى: إني أستجير بالله منك إن كنت تتقي الله في استجارتي به منك.
قال وهب بن منبه: " هو رجل من بني آدم معروف عندهم بالشر اسمه " تقي ".
ف " إن " على هذه الأقوال للشرط، وما قبلها جواب للشرط.
وقيل: ﴿إِن كُنتَ تَقِيّاً﴾ معناه: ما كنت.
[قوله]: قَالَ: ﴿إِنَّمَآ أَنَاْ رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لَكِ غُلاَماً زَكِيّاً﴾.
من قرأ بالهمز في لأَهَبَ، فإنه أسند إلى جبريل صلى الله عليه وسلم، إذ قد علم أن الهبة أصلها من الله.
والتقدير: إنما أنا رسول ربك أرسلني لأهب لك.
وقال أبو عبيد: التقدير في هذه القراءة: إنما أنا رسول ربك، يقول لك: أرسلته إليك لأهب لك غلاماً.
فأما من لم يهمز، فيحتمل أن يكون على أحد هذين المعنيين المتقدم ذكرهما في الهمز، لكن خففت الهمزة، ويحتمل أن يكون في الكلام حذف تقديره: بعثني لِيَهَبَ لك.
وكذا حكى أبو عمرو عن ابن عباس.
و" الزكي ": الطاهر من الذنوب.
﴿قَالَتْ أنى يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً﴾.
أي: قالت مريم: من أي وجه يكون لي غلام؟ أَمِنْ قبل زوج أرزقه منه؟ أم يبتدئ الله خلقه ابتداء، ولم يمسسني بشر من بني آدم بنكاح حلال.
" ولمَ ألكُ بَغيّاً " أي لم يمسسني أحد في حرام.
قال السدي: [﴿بَغِيّاً﴾ زانية].
و ﴿بَغِيّاً﴾ فعول.
وفعول يقع للمؤنث والمذكر بغير هاء.
كقولك: امرأة شكور، ورجل شكور.
ولا يجوز أن يكون " بغي " فعيلاً، لأنه يلزم فيه دخول الهاء ككريمة ورحيمة.
ولا يلزم ذلك في فعول.
فدل حذف الهاء منه على أنه فعول، وليس بفعيل.
وأصله بغوى، ثم وقع القلب والإدغام على الأصول
المعروفة عند أهل العربية /.
قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ كذلك قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾.
أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا.
﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: سهل.
﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾ أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به.
﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾.
أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾.
في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام ﴿فَحَمَلَتْهُ فانتبذت بِهِ﴾ أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: مبتاعداً عن الناس [نائياً]، وهو بيت لحم، أقصى
الوادي.
فنظرت إلى أكمة /، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع.
وهو قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة﴾.
فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول النس، فقالت: ﴿ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾.
فسمع جبريل صلى الله عليه وسلم كلامها، فنادها من تحتها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي: جدولاً، وهو النهر الصغير.
قم قال لها: ﴿هزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾، فعجبت من قول جبريل صلى الله عليه وسلم، لأنه كان جذعاً قد قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم تظرن إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة.
وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين.
فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات.
قال وهب بن منبه: " نفخ جبريل صلى الله عليه وسلم في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم.
قال وهب: لما قال لها جبريل ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ استسلمت لأمر الله،
فنفخ في جيبها وانصرف عنها ".
وقال السدي: " فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك.
فذلك قوله تعالى:
﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ الله﴾ [آل عمران: 39].
قال ابن جريج: " إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها ".
قال السدي: " لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه ".
قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا المخاض إلى جِذْعِ النخلة﴾.
أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة.
والهمزة دخلت لتعاقب الباء.
قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها.
و " المخاض ": " الحمل ".
وقال قتادة: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ " اضطؤها ".
وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام وذكر أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر.
قال وهب بن منبه: " لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم.
وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك
المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم.
فرغبا في ذلك.
فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه.
وكلان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما.
فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف.
ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط /، وإذا أراد يبرئها رأى الذي ظهر عليها.
فلما اشتد ذلك عليه كلّمها.
فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمر أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري.
قالت: فقل قولاً جميلاً.
قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك.
فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم.
قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم.
قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم.
ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أولم تعلم ان الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر
على إنباته؟ قال يوسف: لآ أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون.
قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أثنى ولا ذكر قال: بلى.
فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله.
ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك.
فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى.
فاحتملها يوسف ذإلى ارض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء.
فلما ذكان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة.
فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شسدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها.
وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر.
وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم.
فأجأها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها.
وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه.
وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم.
والله أعلم بذلك كله.
قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة.
وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه لا يعيش من
ولد من ستة أشهر.
وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش.
وقوله: ﴿فَأَجَآءَهَا المخاض﴾ يدل على طول المكث.
قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة.
وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته.
وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها.
وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي، فأكلت من الرطب، وشربت من النهر.
وقوله: ﴿ياليتني مِتُّ قَبْلَ هذا﴾ [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله
السدي.
﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾.
أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً.
قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين.
وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا.
وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة.
والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي.
ويكون لنسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به.
وقرأ محمد بن كعب: " نِسْئاً " بالهمز وكسر النون.
وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره.
/ وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى
بقضاء الله واجب عليها لآنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعضوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها.
فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.
قوله تعالى ذكره: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَآ أَلاَّ تَحْزَنِي﴾ إلى قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾.
من قرأ " مَنْ تَحْتَهَا " بالفتح " أراد فناداها عيسى ". كذلك تأويله أُبي بهذا كعب والبراء بن عازب والنخعي، وبذلك قرؤوا.
ومن قرأ بكسر الميم والتاء، أراد
فناداها جبريل.
كذلك قال ابن عباس والضحاك.
وقال مجاهد: هو عيسى عليه السلام.
قال الضحاك: كان جبريل صلى الله عليه وسلم أسفل منها، فناداها من ذلك الموضع " ألاّ تحزني ".
وقال أبو عبيد: من كسر الميم والتاء، يجوز في قراءته أن يكون لجبريل ولعيسى عليهما السلام.
ومن فتحهما، هو لعيسى خاصة، والاختيار عند أهل النظر في الكسر أن يكون لعيسى مثل الفتح، أي: فناداها عيسى من تحتها.
وقرئ بذلك لتقدم ذكر عيسى ولم يتقدم ذكر جبريل إلا فيما بعد، عند قوله: ﴿فَأَرْسَلْنَآ إِلَيْهَآ رُوحَنَا﴾ فالحمل على الأقرب أولى من الأبعد.
قال ابن زيد: قال لها عيسى: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي لا ذات زوج، فأقول من زوج، ولا مملوكة فأقول من سيدي، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسياً منسياً.
قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام.
قال البراء: " السري " الجدول، وهو النهر الصغير.
وبذا قال ابن عباس
وغيره، وهو بالنبطية.
وقال مجاهد: " السري " النهر بالسريانية.
وقال قتادة: السري عيسى نفسه.
وكذا قال ابن زيد.
أي: شخصاً سرياً.
وقال الحسن: كان والله سرياً من الرجال، يعني عيسى.
فقيل له: يا أبا سعيد، إنما هو الجدول النهر.
فقال: يرحمك الله، إنما تلتمس مجالستكم لهذا.
وقوله: ﴿وهزى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النخلة﴾.
يدل على أنه النهر لقوله تعالى بعد ذلك ﴿فَكُلِي واشربي﴾ فكلي من هذا الرطب ةاشربي من هذا الماء وقريّ عيناً بولدك.
وقوله ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾.
من قرأ بالتاء، رده على النخلة ومن قرأ بالياء، رده على الجذع، ومن شدد السين أدغم فيها إحدى التاءين، ومن خفّف، حذف إحدى التاءين كتظاهرون و " رطبا " منصوب على التمييز.
وقال المبرد هو مفعول بهزي أي: وهزي إليك رطباً بجذع النخلة.
وقرأه مسروق بن الأجدع " تُسقط " بتاء مضمومة.
وحذف الألف فيكون على هذا " رطباً " مفعولاً به.
وكذلك هو على قراءة عاصم " تساقط " على تفاعل.
قيل: نصبه على التمييز.
وقيل: هو مفعول بـ " هزي "
و ﴿جَنِيّاً﴾ نعت للرطب وهو فعيل بمعنى مفعول، أي: رطباً مجنياً.
والجني: الطري.
" والرطب " يؤنث على معنى الجماعة، ويذكر على معنى الجنس.
وقال أبو وائل: لو علم الله شيئاً أطيب من الرطب لأطعمه مريم ".
وقوله: ﴿وَقَرِّي عَيْناً﴾ هو من قررت بالمكان عند الشيباني، أي: قري عيناً.
وقيل: هو من قررت به عيناه مشتق من القر أي: بردت عيناً، فلم تسخ بخروج الدمع.
ولغة قريش قررت به عيناً أقر وقررت بالمكان أقر.
وأهل نجد يقولون: قررت به عيناً أقر.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ البشر أَحَداً فقولي إِنِّي نَذَرْتُ للرحمن صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ اليوم إِنسِيّاً﴾.
أي: " قال لها عيسى صلى الله عليه وسلم بعد قوله [لها] أنا أكفيك الكلام، فإما ترين.
. .