الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4407-4446
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4407-4446
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾.
أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، قاله الحسن.
وقال: ابن عباس معنى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ الموبق المهلك الذي أهلك بعضهم بعضاً.
كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكاً.
ف " بين " اسم على هذا القول لأظرف، وانتصابه انتصاب / المفعول بجعل.
قال: الضحاك: موبقاً هلاكاً.
وقال: مجاهد: موبقاً واد في جهنم.
وقال: عبد الله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو الموبق.
وقال: أبو عبيدة: موبقاً موعداً.
وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك.
لأن العرب تقول: وبقَ

يَبِق: إذا هلك.
[ومنه] قوله: ﴿[أَوْ يُو] بِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: 34] أي: يهلكهن.
فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة.
وقد يسمى الوادي موبقاً لأنه يهلك فيه.
ف " بين " على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا انتصاب الظروف، ومن جعله وادياً فهو ظرف، وكذلك على قول موبقاً عداوة وموعداً.
وروى أبان عن عكرمة أنه قال: [" موبقاً "] نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها، أعاذنا الله من النار.
قال: [تعالى]: ﴿وَرَأَى المجرمون النار فظنوا أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾.
أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها.
روى أبو سعيد

الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ". ثم قال: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً﴾.
أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها.
قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هذا القرآن لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾.
أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عمّا هم فيه من الكفر ﴿وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة.
[و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾ [الكهف: 56]

وإنما قيل: ﴿وَكَانَ الإنسان﴾.
لأن إبليس أيضاً قد جادل والجن تجادل.
والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً.
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾.
المعنى: وما منع هؤلاء المشركين يا محمد عن الإيمان [بالله عز وجل] إذ جاءهم البيان من عند الله [سبحانه] والاستغفار مما هم عليه من شركهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين.
أي: إلا طلب أن يأتيهم العذاب كما أتي الأولين عند امتناعهم من الإيمان.
وطلبهم العذاب كما طلب هؤلاء المشركون العذاب في قولهم: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].
ثم قال: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب قُبُلاً﴾.

من كسر القاف فمعناه: عيانا.
ومن ضم فهو عند الفراء جمع " قبيل " أي يأتيهم متفرقاً صنفاً بعد صنف.
وقال: أبو عبيدة: " قُبْلاً " بالضم مقابلة.
وقال: مجاهد: قبلا، فجأة.
وقال: ابن زيد: عيانا.
قال: [تعالى]: ﴿وَمَا نُرْسِلُ المرسلين إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾.
أي: وما نرسل رسلنا إلا مبشرين أهل الإيمان بجزيل الثواب عند الله [ عز وجل] ومنذرة أهل الكفر عظيم العقاب.
ثم قال: ﴿ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل لِيُدْحِضُواْ بِهِ الحق﴾.

أي: يخاصم الكفار النبي صلى الله عليه وسلم ويسألوا عن المسائل / يبتغون عجزه واستنقاصه ليزيلوا به حجته، وينكروا نبوته فيزيلون الحق.
ومعنى ﴿لِيُدْحِضُواْ﴾ يزيلوا، وهو سؤالهم عن الروح وعن فتية الكهف وعن ذي القرنين وشبهه.
فأعلم الله [ عز وجل] نبيّه أنه لم يرسل رسله للجدال إنما أرسلهم مبشرين ومنذرين.
ثم قال: ﴿واتخذوا ءاياتي وَمَآ أُنْذِرُواْ هُزُواً﴾.
أي: اتخذ الكافرون آيات الله [ عز وجل] وحججه [سبحانه] سخرياً.
والهزؤ السخرية كأنهم يسخرون به.
قال: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بآيات رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾.
أي: أيُّ الناس أوضع للأشياء في غير موضعها ممن ذكره الله [ عز وجل] آياته وحججه فدله على سبيل الرشاد، وأهداه إلى طريق النجاة، فأعرض عن ذلك

ولم يقبله ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي ترك ما اكتسبت من الذنوب المهلكة له فلم يتب منها.
ثم قال: تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ﴾.
أي: إنا جازيناهم بإعراضهم عن الهدى وميلهم إلى الكفر [بأن] جعلنا على قلوبهم أغطية لئلا يفقهوه ﴿وَفِيءَاذَانِهِمْ وَقْراً﴾ أي ثقلاً لئلا يسمعوه.
فأعلم الله [ عز وجل] نبيه [ صلى الله عليه وسلم] أن هؤلاء بأعيانهم لن يؤمنوا.
ثم قال: لنبيّه عليه السلام ﴿وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى﴾ أي الاستقامة ﴿فَلَنْ يهتدوا إِذاً أَبَداً﴾ أي: فلن يؤمنوا أبداً لأن الله [ عز وجل] قد طبع على قلوبهم وآذانهم.
وقيل المعنى: فمن أظلم لنفسه ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عن قبولها

﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي: ترك كفره ومعاصيه لم يتب منها.
قال: ﴿وَرَبُّكَ الغفور ذُو الرحمة﴾.
أي: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة بهم.
ولو أخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب بالعذاب في الدنيا لعجّل لهم ذلك.
لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ذلك.
وتركه إلى وقته، وهو الموعد المذكور.
﴿لَّن يَجِدُواْ مِن دُونِهِ مَوْئِلاً﴾.
أي: لن يجدوا يعني هؤلاء المشركين من دون الموعد ملتحداً ملجئاً يلجؤون إليه من العذاب.
قوله: ﴿وَتِلْكَ القرى أَهْلَكْنَاهُمْ﴾.
المعنى: وتلك القرى من عاد وثمود وأصحاب الأيكة وغيرهم أهلكنا أهلها

﴿لَمَّا ظَلَمُواْ﴾ أي: كفروا بالله [ عز وجل] وآياته [سبحانه].
﴿وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِداً﴾.
أي: وجعلناه لوقت إهلاكهم أي لوقت هلاكهم موعداً، لا يتجاوزونه، أي أجلاً ووقتاً.
فكذلك جعلنا لهؤلاء المشركين موعداً لإهلاكهم لا يتجاوزونه.
وتقدير الآية: أولئك أهل القرى أهلكناهم لما ظلموا، ثم حذف المضاف.
مثل ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82]، وهنا الضمير في إهلاكهم على أصله، يعود على المحذوف وعمد للإشارة فقيل: تلك لما صارت للقرى.
أي: واذكر يا محمد إذ قال: موسى لفتاه يوشع بن نون [و] كان يلازم موسى ويخدمه.
وهو ابن اخته، وهو يوشع بن نون ابن فزائ [ي] ل بن يوسف بن يعقوب.

والمعنى أنه قال: ليوشع لا أزال أسير حتى أبلغ مجمع البحرين، يعني اجتماع بحر فارس وبحر الروم [فبحر الروم] مما يلي المغرب، وبحر فارس مما يلي المشرق، قاله قتادة ومجاهد.
ومعنى ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ أي أو أسير زماناً ودهراً.
وهو واحد جمعه أحقاب في أقل العدد وكثيره.
وقد / يجوز أن يكون أحقاب جمع حقب وحقب جمع حقبة.
[و] قال: الفراء: الحقب في لغة قيس سنة.
وقال: عبد الله بن عمر: الحقب ثمانون سنة.
وقال: مجاهد " سبعون خريفاً.
وعن ابن عباس ﴿أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً﴾ دهراً.
وعن قتادة: زماناً.
وقال: ابن زيد: الحقب الزمان وأصله في اللغة أنه وقت مبهم يقع للقليل والكثير كرهط وقوم

وكان علة سيره إلى مجمع البحرين أنه واعد ثم الخضر يلقاه.
قال: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
أي: فلما بلغ موسى [ صلى الله عليه وسلم] وفتاه مجمع البحرين.
قال: أبي بن كعب أفريقية.
وقوله ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾.
أي: تركاه.
وقال: مجاهد أضلاه وقيل: الناسي له يوشع وحده، ولكن أضيف النسيان إليهما كما قال: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: 22] وإنما يخرج من أحدهما من المالح دون العذب.
وقيل كان النسيان منهما جميعاً أما موسى [ صلى الله عليه وسلم] فنسي أن يقدم إلى يوشع في أمر الحوت، وأما يوشع فنسي أن يخبر موسى [ صلى الله عليه وسلم] بسرب الحوت.
وكانا قد تزودا الحوت في سفرتهما فأضيف إليهما إذ هو زادهما جميعاً وإن كان حامله أحدهما.
ثم قال: ﴿فاتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر سَرَباً﴾.

أي: اتخذ الحوت طريقه في البحر مسلكاً ومذهباً يرى.
قال: ابن عباس بقي أثره كالحجر.
وعنه أيضاً أنه قال: جاء فرأى أثر جناحيه في الطين حين وقع في الماء.
وعن ابن عباس أنه قال: جعل الحوت لا يمس شيئاً من البحر إلا يبس حتى يصير صخرة فذلك اتخاذه في البحر سرباً.
قال: ابن زيد: لما أحيى الله [ عز وجل] الحوت مضى في البطحاء فاتخذ فيها طريقاً حتى وصل إلى الماء بعدما أكلا منه، وكان زادهما.
قوله: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا﴾ إلى قوله: ﴿مِن لَّدُنَّا عِلْماً﴾.
أي: فلما جاوزا مجمع البحرين، قال: موسى لفتاه: آتنا غذاءنا،

﴿لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾.
أي: تعباً.
وذلك أن موسى [ صلى الله عليه وسلم] لما جاوز الصخرة التي عندها يطلب الخضر وذهب الحوت عندها ألقى الله [ عز وجل] عليه الجوع ليذكر الحوت ليرجع [فليذهب] إلى مطلبه.
قال له فتاه وهو يوشع بن نون ابن أخت موسى من سبط يوسف بن يعقوب [ صلى الله عليه وسلم] : ﴿ قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت وَمَآ أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان أَنْ أَذْكُرَهُ واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر عَجَباً﴾، أي اتخذ طريقاً يسيرة.
قال: موسى " عجباً " أي أعجب عجباً.
وقيل هو من قول يوشع كله.
أي اتخذ الحوت طريقه في البحر عجباً.
فيكون عجباً مفعولاً ثانياً لاتخذ.
ويجوز أن يكون مصدراً عمل فيه فعل دل عليه الكلام.
وقيل المعنى: واتخذ موسى سبيل الموت في البحر عجباً.
قال: ابن أبي نجيح عجباً لموسى [ صلى الله عليه وسلم] لهى هو أي عجب موسى من أثر الحوت في البحر.
وكذلك

قال: قتادة.
قال: ابن زيد: عجباً والله من حوت أكل منه دهراً ثم صار حياً حتى أثر يسيره في الماء طريقاً.
قال: ابن عباس: عجب موسى من أثر الحوت إذ صار صخرة كلما مس.
فمن جعل العجب من موسى، وقوله ﴿واتخذ سَبِيلَهُ فِي البحر﴾ من قول يوشع، وقف على البحر.
ومن جعله كله من قول يوشع أو جعل الاتخاذ لموسى [ صلى الله عليه وسلم] لم يقف على البحر.
ثم قال: تعالى: ﴿قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ﴾.
أي قال: موسى لفتاه ﴿ذَلِكَ مَا / كُنَّا نَبْغِ﴾.
أي نسيانك للحوت هو الذي كنا نطلب.
لأن موسى عليه السلام وعد أن يلقى الخضر في الوضع الذي نسي فيه الحوت.

﴿فارتدا على آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾.
أي: رجعا على طريقهما [الذي] أتيا فيه يطلبان الموضع الذي انسرب فيه الحوت.
والقصص الاتباع.
أي يقصان الأثر قصصاً حتى انتهيا إلى أثر الحوت ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا﴾ أي وجدا خضراً.
وكان سبب سفر موسى لطلب الخضر فيما روى جماعة من المفسرين أنه سئل هل في الأرض أعلم منك؟ فقال: لا [و] حدثته نفسه بذلك.
فكره له ذلك فأراد الله [ عز وجل] أن يعرفه أن من عباده في الأرض من هو أعلم منه.
وقيل: إن موسى [ صلى الله عليه وسلم] ركب البحر فأعجبه علمه، فقال: في نفسه: ما أجد في زماني أعلم مني.
فرفع عصفور في منقاره نقطة من ماء البحر فأوحى الله [ عز وجل] إليه ما علمك عند علم عبد من عابدي إلا كما حمل هذا العصفور من ماء هذا البحر في منقارة.
فقال: يا رب اجمع بيني وبين هذا العالم وسخره حتى أعلم علماً من علمه.

فأوحى الله [ عز وجل] إليه أنك تستدل عليه ببعض زادك.
فمضى ومعه غلامه ومعهما خبزه وحوت وقد أكلا بعضه.
فكان من قصتهما ما حكى الله [ عز وجل] عنهما وعن الحوت.
وقيل: كان سبب ذلك أنه سأل الله [ عز وجل] أن يدله على عالم يزداد من علمه.
قاله ابن عباس: قال: سأل موسى [ صلى الله عليه وسلم] ربه [ عز وجل] : أي ربي، أي عبادك أحب إليك؟ قال: الذي يذكرني فلا ينساني.
قال: فأي عبادك أقضى؟ قال: الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى.
قال: ربي فأي عبادك أعلم؟ قال: الذي يبتغي علم الناس إلى علمه عسى أن تصيبه كلمة تهديه إلى هدى أو ترده عن ردى.
قال: رب فهل في الأرض أجده؟ قال: نعم.
قال: رب فمن هو؟ قال: الخضر.
قال: زأين أطلبه؟ قال: [على] الساحل عند الصخرة التي ينفلت عندها الحوت.
فخرج موسى [ صلى الله عليه وسلم] يطلبه.
حتى كان ما ذكر الله [ عز وجل] وانتهى موسى [ صلى الله عليه وسلم] إليه عند الصخرة فسلم كل واحد منهما على صاحبه فقال: له موسى: إني أريد أن تصحبني.
قال: له الخضر: إنك لن

تستطيع صحبتي.
قال: له موسى: بلى.
قال: له الخضر: فإن صحبتني ﴿فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ [الكهف: 69] فكان ما قصّ الله [ عز وجل] علينا من أمر السفينة والغلام والجدار.
ثم صار به الخضر في البحر حتى انتهى إلى مجمع البحور وليس في مكان أكثر ماء منه.
قال: ابن عباس: وبعث ربك الخطاف فجعل يستقي من ذلك الماء العظيم بمنقاره.
فقال: الخضر [لموسى]: كم ترى هذا الخطاف رزأ من هذا الماء؟ قال: ما أقل [ما] رزأ منه.
قال: يا موسى فإن علمي وعلمك في علم الله كقدر ما استقى هذا الخطاف من هذا الماء.
وكان موسى يحدث نفسه أنه ليس أحداً أعلم منه.
ومن رواية ابن جبير عن ابن عباس أيضاً: خطب موسى بني إسرائيل.
فقال: ما أجد أعلم بالله وبأمره مني، فأمر أن يلقى الخضر.
فلما اقتص موسى أثر الحوت انتهى إلى رجل راقد قد سجى عليه ثوبه، فسلم عليه موسى، فكشف الرجل عن وجهه الثوب / فرد عليه السلام.
فقال: من أنت؟ فقال: موسى قال: صاحب بني

إسرائيل؟ قال: نعم.
قال: أو ما كان لك في بني إسرائيل شغل؟ قال: بلى، ولكن أمرت أن أتبعك وأصحبك ﴿قَالَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ [الكهف: 67] كما قص الله علينا.
ويروى أن موسى قال: له: وما يدريك أني صاحب بني إسرائيل؟ قال: له: ادراني بكل الذي ادراك بي.
قال: قتادة: قيل لموسى إن آية لقيك إياه أن تنسى بعض متاعك.
فخرج هو ويوشع بن نون فتزودا حوتاً مملوحاً.
حتى إذا كانا حيث شاء الله، رد الله إلى الحوت روحه فسرب في البحر واتخذ الحوت طريقه في البحر سرباً.
وقال: قوم إن موسى صاحب الخضر ليس هو موسى بني إسرائيل وإنما هو عبد من عبيد الله من غير بني إسرائيل.
فأنكر ذلك أكثر الناس، وقالوا هو موسى بن عمران نبي بني إسرائيل.
وقال: ابن جبير: كنا عند ابن عباس، فقيل له: أن نوفا قال: ليس صاحب الخضر موسى بني إسرائيل.
وكان متكئاً فجلس، وقال: يا سعيد أنت سمعته؟ قال، قلت: نعم، أنا سمعته وهو يقول ذلك.
فقال: ابن عباس: كذلك نوف.
حدثني أبي بن كعب أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " بينما موسى [ صلى الله عليه وسلم] يخطب قومه ذات [يوم] إذ قال: ما أعلم في الأرض رجلاً أعلم مني، فأوحى الله [ عز وجل]

إليه: أن في الأرض رجلاً أعلم منك.
قال: يا رب فدلني عليه.
فقيل له: تزود حوتاً مالحاً فإنه حيث تفقد الحوت.
فانطلق هو وفتاه حتى انتهيا إلى الصخرة.
وانطلق موسى [ صلى الله عليه وسلم] يطلبه وترك فتاه فاضطرب الحوت في الماء فجعل لا يلتئم عليه الماء فصار مثل الكوة.
فقال: فتاه: إلى أن يجيء نبي الله فأخبره، قال: فنسي أن يخبر موسى بذلك.
فلما جاوزا ﴿قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا نَصَباً﴾.
قال: فلم يصبهما نصب حتى جاوزا ما أمرا به.
قال: واذكر، يعني الفتى فقال: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَآ إِلَى الصخرة فَإِنِّي نَسِيتُ الحوت﴾ إلى قوله ﴿قَصَصاً﴾ فأراه مكان الحوت قال: ها هنا وصف لي.
فذهب يلتمس فإذا هو بالخضر مسجى ثوباً " وذكر الحديث المتقدم.

قوله ﴿قَالَ لَهُ موسى هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً﴾.
أي قال: موسى للخضر هل أتبعك على أن تعلمني مما علمك الله رشداً إلى الحق ودليلاً على الهدى.
قال: له الحضر: ﴿إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ أي إني أعلم بباطن علم علمنيه الله [ عز وجل] ولا تعلم أنت إلا بالظاهر من الأمور فلا تصبر على ما ترى مني لأن أفعالي بغير دليل في رأي العين.
قال: موسى: ﴿ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً﴾ [أي اصبر] على ما أرى منك وإن كان خلافاً لحكم الظاهر، ﴿وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً﴾ أي [و] أنتهي إلى ما تأمرني وإن كان مخالفاً لهواي.
وفعل موسى [ صلى الله عليه وسلم] في هذا يدل على أنه لا ينبغي لأحد ترك طلب العلم [و] الازدياد منه والرحلة فيه وإن كان قد / بلغ فيه مبلغه.
ويدل على وجوب

التواضع لمن هو أعلم منه.
قال الخضر لموسى: ﴿فَإِنِ اتبعتني فَلاَ تَسْأَلْني عَن شَيءٍ حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً﴾ أي: إن رأيت ما تنكر فلا تسئلني وتعجل علي بالسؤال حتى أبين لك وجهه وشأنه.
﴿فانطلقا حتى إِذَا رَكِبَا فِي السفينة خَرَقَهَا﴾.
أي: انطلق موسى والخضر يطلبان السفينة يركبانها فأصاباها فلما ركبا فيها خرق الخضر السفينة، فأنكر ذلك موسى وقال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾.
أي: شيئاً منكراً عظيماً.
ويروى أن موسى عليه السلام حين رآه يخرق السفينة التزمه، وذكره الصحبة، وناشده الله والصحبة فأكب الآخر عليها يخرقها.
فلما خرقها ودخل الماء فيها جلس موسى مهموماً محزوناً وقال: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا﴾ الآية.
وقال: قتادة ﴿إِمْراً﴾: عجباً.
فأنكر عليه موسى ما رأى، وذلك أنه لم يعلم

أنه نبي.
وقيل قد علم أنه نبي ولكن نسي.
قال: أبو عبيدة إمراً: داهية.
وقيل: سمي الخضر خضراً لأنه كلما صلى في مكان اخضرّ ما حوله.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إنما سمي الخضر خضراً لأنه جلس على ربوة بيضاء فاهتزت خضراً " فقال: له الخضر: ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ لأنك ترى ما لا تعلم.
قال: له موسى: ﴿لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْراً﴾.
قال: أبي بن كعب: لم ينسَ موسى ولكنها من معار [ي] ض الكلام.
وقال: ابن عباس: لم ينسَ، وإنما ترك العهد.
فالمعنى لا تؤاخذني بتركي عهدي.
ألا أسألك عن شيء حتى تحدث لي منه ذكراً.
وقيل: إنه نسي فاعتذر ولم ينس في الثانية ولم يعتذر، وعن النبي عليه السلام أنه قال "

كانت الأولى من موسى نسياناً "، ومعنى " لا ترهقني " لا تكلفني عسراً.
وقيل لا تغشني عسراً.
وقيل: المعنى عاملني باليسر لا بالعسر.
وقيل معناها لا تضيق علي.
قوله: ﴿فانطلقا حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾.
المعنى: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى لقيا غلاماً فقتله] الخضر.
قال: ابن جبير: وجد الخضر غلماناً يلعبون فأخذ غلاماً ظريفاً فأضجعه ثم ذبحه بالسكين.
قيل كان اسمه جيسور.
قال: له موسى

﴿أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ أي بريئة.
وقيل معناها ليس لها إليك ذنب، قاله اليزيدي.
وعن ابن عمر: " زاكية " صالحة.
وعنه " زاكية " لا ذنب لها.
فأما من قرأ " زكية " بغير ألف، فقال: ابن عباس وقتادة: الزكية التائبة.
وقال: ابن جبير: الزكية التي لم تبلغ الخطايا.
وقال قطرب: زكية مطهرة.
وقال:

الكسائي والفراء هما لغتان.
ومعناه عندهما لم يجن جناية.
وقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾.
أي: بغير قصاص نفس قتلت فيلزمها القصاص قوداً بها.
وهذا المعنى يدل على أن الذي قتله الخضر لم يكن طفلاً بل كان بالغاً.
لأن القود بالنفس لا يكون إلا بعد البلوغ.
ثم قال: ﴿لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً﴾ أي: لقد فعلت فعلاً منكراً.
قال: بعض أهل اللغة " الإمر: أشد من " النكر " لأن الأمر إنما / يستعمل في الشيء العظيم.
فلما كان هلاك جماعة في خرق السفينة قال: " امراً " وقال: هنا " نكراً " لأنه قتل واحداً وقتل الجماعة أعظم من قتل واحد.
وروي عن قتادة أنه قال: النكر أشد من الأمر.

وقيل معناه: لقد جئت شيئاً أنكر من الأول.
قال له الخضر ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾.
أي: لا تقدر أن تصبر على ما ترى من أحوالي وأفعالي التي لم تحط بها خبراً.
وإنما كرر المخاطبة الخضر في المرة الثانية لموسى [ صلى الله عليه وسلم] لأن الإنسان إذا أذنب ثانية كان اللوم عليه آكد من ذنبه أولاً.
فلما أنكر موسى على الخضر خرقه السفينة وبخه الخضر توبيخاً لطيفاً إذ لم يتقدم لموسى ذنب.
فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فاعتذر موسى بأنه نسي الشرط الذي اش [ت] رط عليه الخضر.
فلما عاد موسى إلى الإنكار في قتل الغلام زاد الخضر في توبيخه لعوده لبعض ما اشترط عليه فكرر الخطاب ليكون أبلغ في التوبيخ فقال: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾ فكرر المخاطبة في الثاني لعودة العلة.
فقال: له موسى: ﴿إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي﴾ أي: تتابعني أي فارقني ﴿قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْراً﴾ أي: بلغت العذر في شأني.

وروى أبي بن كعب أن النبي عليه السلام قال: " يرحمنا الله وإياه يعني موسى، لو صبر لرأى عجباً "، وقال: لما قرأ هذه الآية: " استحيى نبي الله موسى ". قال: تعالى: ﴿فانطلقا حتى إِذَآ أَتَيَآ أَهْلَ قَرْيَةٍ استطعمآ أَهْلَهَا﴾.
أي: فانطلق موسى والخضر يسيران حتى إذا جاءا أهل قرية ﴿استطعمآ أَهْلَهَا﴾ أي: سألاهما أن يطعموهما من الطعام.
فابوا، فاستضافوهم فأبوا.
يقال: ضيفت الرجل إذا انزلته منزلة الاضياف.
وأضفته أنزلته.
وضيفته نزلت عليه، مشتق من ضاف السهم أي مال.
وضافت الشمس إذا مالت للغروب.
ومنه قولهم هو مخفوض بالاضافة

[أي] بإضافة الاسم إليه.
ثم قال: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ أي يسقط بسرعة.
وقرأ يحيى بن يعمر " يريد أن ينقاص " بالصاد غير معجمة، أي بنقطع من أصله وينصدع.
وقيل معناه: ينشق طولاً.
يقال: انقاصت سنة إذا انشقت ويقال: إن القرية انطاكية.
قال: الكسائي: إرادة الجدار هنا ميله، لأن الأموات لا تريد.
كما قال: النبي عليه السلام لا " ترى نارهما " أي لا يكون بموضع لو وقف فيه إنسان لرأى النار الآخر.

إن النار لا ترى منه.
وقوله: ﴿وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 198]. وقال: أبو عبيدة: ليس للحائط إرادة ولكن إذا كان في هذه الحال فهو من دنيه فهو إرادته.
وقيل: إنما كلم القوم بما كانوا يعقلون ويستعملون فلما دنا الحائط من الانقضاض جاز أن يقول ﴿يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ﴾ وقد قال: الشاعر: يُرِيدُ الرمحُ صدرَ أبي براء ... ويَرْغَبُ عن دِمَاءِ بَنِي تميم وقال: آخر: يَشْكُو إلي جملي طول السَّرى ... صبراً جميلى فكلانا مبتلى / وقال: آخر وهو عنترة:

فازوزَّ مِنْ وقع القَنَا بَلْبَانه ... وشكا إلي بَعَبْرة وتَحَمْحُم.
وقوله: ﴿فَأَقَامَهُ﴾ قال: ابن عباس هدمه ثم قعد يبنيه.
وعنه أنه قال: رفع الجدار بيده فاستقام.
وقال: مرة أخرى: مسحه بيده فاستقام.
قال: له موسى ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ أي لو شئت لم تقم لهؤلاء القوم جدارهم حتى يعطوك على إقامته أجراً.
قيل عني موسى بالأجر هنا الضيافة، أي حتى يبرونا.
و ﴿لَتَّخَذْتَ﴾ على قراءة الجماعة هو افتعلت من " اتخذ " لكن أدغمت التاء التي هي فاء الفعل الأصلية لالافتعال.
ويجوز أن يكون افتعلت من " أخذ " وأصله " أيتخذ ". ثم أبدل من الياء التي هي عوض من الهمزة التي هي فاء الفعل فأدغمت في تاء الافتعال.

فأما قراءة أبي عمرو وابن كثير فإنه من: تخذ يتخذ مثل شرب يشرب.
قال: ابن سيرين: القرية التي أتوها " الآيلة " وهي أبعد الأرض من السماء.
قوله: ﴿قَالَ هذا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾.
أي قال: الخضر لموسى في الثالثة: هذا الذي قلت لي، يعني قول موسى له: ﴿لَوْ شِئْتَ لَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً﴾ [الكهف: 77] أي سأخبرك بما تؤول إليه عاقبة أفعالي التي فعلتها ولم تقدر أنت على ترك المسألة.
قال: له الخضر: أما السفينة وما فعلت فيها فإنها كانت لقوم مساكين يعملون في البحر، فاردت أن أخرقها لئلا يمضوا بها فيأخذها منهم الملك الذي أمامهم غصباً.
" وراء " هنا بمعنى أمام كما قال: ﴿مِّن وَرَآئِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ [الجاثية: 10] أي من أمامهم.
فإذا خلفوه أصلحوها بزفت فاستمتعوا بها، فذلك أصلح لهم من تركها سالمة.
وقيل معنى: " وراءهم " خلفهم على بابها.
والمعنى أن الملك المغتصب خلفهم إذا رجعوا ليأخذ سفينتهم.

وقيل: اسم الملك المغتصب هدد بن بدد.
وقيل: اسمه الجلندي بن المستكبر ابن الأرقم بن الأزد ملك غسان.
كان يغصب الناس على سفنهم [إن] كانت صحيحة لا عيب فيها، فلما خرقها الخضر وعابها لم يعرض لها الملك الغاصب، ولم يضر بمن [كان] فيها بل نفع الخضر بفعله أصحابها إذ لو وصلوا بالسفينة صحيحة لغصبهم الملك إياها.
وقيل: إن السفينة إنما كانت في أيديهم يعملون فيها بالأجرة ولذلك سماهم مساكين.
وقيل: قوله ﴿فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ﴾ [لا] يدل على ملكها لهم كما أن قول النبي صلى الله عليه وسلم " من باع عبداً له وله مال فماله للبائع " لا يدل على أن العبد يملك.

وكذلك قوله تعالى: ﴿لَبَيْتُ العنكبوت﴾ [العنكبوت: 41] لا يدل على أنها تملك.
قال: ﴿وَأَمَّا الغلام فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ﴾ [أي فكان كافراً وأبواه مؤمنين] وكذلك هي في حرف أبي " وكان كافراً ". وقرأ ابن عباس " فكان أبواه مؤمنين وكان كافراً ". وروى أبي بن كعب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الغلام الذي قتله الخضر طبع يوم طبع كافراً ". وقيل: كان فعالاً [للقبيح] مؤذياً للجيران فكان أبواه / يحلفان عنه أنه فعل، فيكذبان في ذلك.
وقيل كان الغلام فاجراً لصاً قطاعاً للطريق، وكان أبواه في عدد وشرف، فإذا أحدث الحدث نجا إليهما فمنعا منه.
ويحلفان بالله ما فعل ويظنان أنه صادق في إنكاره،

وقوله ما فعلت، فيحلفان كاذبان تصديقاً لولدهما.
ثم قال: ﴿فَخَشِينَآ أَن يُرْهِقَهُمَا﴾.
قيل هذا من كلام الخضر.
وقيل هو من قول الله جل ذكره، فإذا كان من قول الله [ عز وجل] فمعناه فعلمنا، كما يقال: طننت بمعنى علمت.
وقيل معناها فكرهنا، فالخشية من الله [سبحانه] الكراهة، ومن الادميين الخوف.
ومعنى ﴿يُرْهِقَهُمَا﴾ أيك يلحقهما، أي: يحملهما على الرهق وهو الجهل.
وقيل معناه يكلفهما.

وقيل يغشيهما ﴿طُغْيَاناً﴾ وهو الاستكبار على الله [ عز وجل] ﴿ وَكُفْراً﴾ أي: وكفراً بالله [سبحانه].
ومن جعل ﴿فَخَشِينَآ﴾ من قول الله [ عز وجل] كان " فأردنا " من قوله أيضاً، أي فأراد الله.
ومن جعل ﴿فَخَشِينَآ﴾ من قول الخضر فإن " فأردنا " من قوله أيضاً.
ومعنى ﴿خَيْراً مِّنْهُ زَكَاةً﴾ اسلاماً.
وقيل صلاحاً.
قال: ابن جبير بدلاً منه جارية وقال: ابن عباس: بدلاً منه جارية] فولدت نبياً هدى الله به أمة من الأمم.
وروي عنه أنه كان من ذريتهما سبعون نبياً.
وقال: ابن جريج: كانت أم الصبي يومئذٍ حبلى فبدل الله [ عز وجل] لهما منه إن

ولدت غلاماً مسلماً.
قال: قتادة: فرح به أبواه حين ولد، وحزنا عليه حين قتل، ول بقي كان فيه هلاكهما.
فليرض امرؤ بقضاء الله [ عز وجل] فإن قضاء الله [سبحانه] للمؤمن فيما يكره خير له من قضائه فيما يحب.
وقوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾.
أي: أقرب رحمة بوالديه وأبرّ بهما من المقتول، قال قتادة.
وعنه أيضاً ﴿وَأَقْرَبَ رُحْماً﴾ أقرب خيراً.
وقال: ابن جريج: أقرب أن يرحمه أبواه منهما للمقتول.
وقيل: المعنى أقرب أن يرحما به.
وقيل: الزكاة هنا الدين والرحم المودة.

والرحم مصدر رحم رحماً ورحمة.
وقيل هو من الرحم والقرابة.
قوله: ﴿وَأَمَّا الجدار﴾.
هذه حكاية من قول الخضر لموسى أن الجدار الذي أقمته كان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما.
قال: ابن عباس ومجاهد وابن جبير: كان صحفاً مدفونة فيها علم.
[و] قال: جعفر بن محمد: كان ذلك سطرين لم يتم الثالث.
وهما: عجب للموقن بالرزق كيف يتعب.
و [عجب] للموقن بالحساب كيف يغفل.
و [عجب] للموقن بالموت كيف يفرح.
﴿وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وكفى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47] فحفظا بصلاح أبيهما السابع.
وقال: الحسن كان الكنز لوحاً من ذهب مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن

الرحيم ": عجبت لمن يوقن بالقدر كيف يحزن، وعجبت لمن يوقن بالموت كيف يفرح وعجبت لمن يعرف الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها.
لا إله إلا الله محمد رسول الله ". روى ابن وهب: أن الكنز كان لوحاً من ذهب مصمت مكتوب فيه: " بسم الله الرحمن الرحيم " عجب لمن عرف الموت ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن / بالموت ثم أمن أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبد الله ورسوله ". وقيل كان في جنب منه: عجب لمن أيقن بالقدر ثم نصب، عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك، وعجب لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها.
أنا الله الذي لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي.
وفي الشق الآخر: أنا الله الذي لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي، خلقت الخير والشر فطوبى لمن خلقته للخير وأجريته على يديه، والويل لمن خلقته للشر وأجريته على يديه.
وقال: عكرمة: كان الكنز مالاً مدفوناً.
وكذلك روي عن قتادة، وهو الذي يعطي ظاهر الخطاب لأنه لو كان غير مال لبين بالإضافة فكان يقال: كنز علم ونحوه.

ثم قال: تعالى حكاية عن قول الخضر لموسى: ﴿فَأَرَادَ رَبُّكَ أَن يَبْلُغَآ أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ﴾: أي باليتيمين.
فهذا عذر الخضر في إقامته للجدار.
ونصب " رحمة " على المصدر على أنه مفعول من أجله.
ثم قال: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾.
أي: ما فعلت جميع ما رأيت يا موسى من عند نفسي إنما فعلته عن أمر الله.
وهذا يدل على أنه وحي أتاه في ذلك من عند الله.
ثم قال: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْراً﴾.
أي: هذا الذي قلت هو الذي يؤول إليه فعلي الذي أنكرته ولم تقدر على الصبر لما رأيته يا موسى.
وهذه الأخبار كلها تأديب للنبي صلى الله عليه وسلم وإعلام له بما جرى لمن كان قبله.
أي: ويسألك يا محمد المشركون عن ذي القرنين وقصته ﴿قُلْ سَأَتْلُواْ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْراً﴾ أي سأقص عليكم منه خبراً.
وهذا مما سألت اليهود قريشاً أن يسألوا عنه النبي صلى الله عليه وسلم.
وقيل إن اليهود بأنفسهم سألوا النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك.

قال: مجاهد: ملك الأرض أربعة مسلمان وكافران.
أما المسلمان فسليمان بن داود [عليهما السلام] وذو القرنين.
وأما الكافران فنمرود وبختنصر.
وروى عقبة بن عامر أنه خرج من عند النبي صلى الله عليه وسلم، قال: فلقيني قوم من اليهود فقالوا: نريد أن نسأل رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] فاستأذن لنا عليه، قال: فدخلت فأعلمته.
فقال: مالي ولهم؟ مالي علم إلا ما علمني الله.
ثم قال: [لي]: أسكب لي ماء فتوضأ ثم صلى.
قال: فما فرغ حتى عرفت السرور في وجهه.
ثم قال: أدخلهم عليّ وما رأيت من أصحابي.
فدخلوا فقاموا بين يديه.
فقال: إن شئتم سألتم فأخبرتكم عما تجدونه في كتابكم مكتوباً.
وإن شئتم أخبرتكم، فقالوا: بل أخبرنا.
قال: جئتم تسألوني عن ذي القرنين وما تجدونه في كتابكم: كان شاباً من الروم فجاء فبنى مدينة مصر الإسكندرية فلما، فرغ جاء ملك فعلا به في السماء، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي ومدائن.
ثم علا به، فقال: ما ترى؟ قال: أرى مدينتي، ثم علا به فقال: ما

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل