الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4287-4326
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4287-4326
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

هذه عيناً تنبع بالماء لنا.
قال مجاهد وقتادة.
﴿أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ﴾ أي بأرضنا هذه ﴿[فَتُفَجِّرَ الأ] نهار خِلالَهَا تَفْجِيراً﴾ أي: خلال النخيل والكروم أي بينها في أصولها.
﴿أَوْ تُسْقِطَ السمآء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً﴾ أي: قطعاً.
لأنه جمع مسفة وهي القطعة.
ومن قرأ بإسكان السين أراد قطعة واحدة.
ويحتمل أن يكون مسكناً من الفتح فيكون معناه مثل معنى قراءة من فتح السين.
ثم قال: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بالله والملائكة قَبِيلاً﴾.

أي: قبيلا [قبيلا]، كل قبيلة على حدتها قاله مجاهد.
وقال قتادة " قبيلاً " أي: نعاينهم: يقابلونا.
ونقابلهم.
وقاله ابن جريج.
وقال القتبي: " قبيلاً " [أي] ضميناً.
أي يضمنون لنا إتيانك بذلك.
وهو أحد قولي أبي إسحاق.
يقال قد تقبل بهذا، أي تكفل به.
قال: ﴿أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِّن زُخْرُفٍ﴾.
أي من ذهب، قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة.
قال مجاهد: كنا لا ندري ما الزخرف حتى قرأنا [هـ] في مصحف ابن مسعود " أو يكون لك بيت من ذهب ". وأصل الزخرف في اللغة الزينة ومنه قوله: ﴿حتى إِذَآ أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا﴾ [يونس: 24] أي

أخذت كما زينتها ولا شيء أحسن في البيت من زينة الذهب.
ثم قال: ﴿أَوْ ترقى فِي السمآء﴾.
أي: تصعد في درج السماء.
ولهذا الإضمار، أتى بـ " في " ولو لم يكن ثم إضمار لكان " إلى السماء " ففي: يدل على المحذوف.
أي أو ترقي في سلم إلى السماء.
ثم قالوا: ﴿وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ﴾.
أي: لن نؤمن بك إذا صعدت إلى السماء ﴿حَتَّى / تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَّقْرَؤُهُ﴾.
منشوراً: أي: كتاباً من عند الله عز وجل يأمرنا فيه باتباعك والإيمان بك.
قال مجاهد: " كتاباً نقرؤه " أي: من رب العالمين، تصبح عند رأس كل رجل صحيفة يقرؤها.
ثم قال تعالى لنبيه عليه السلام: قل لهم يا محمد: ﴿سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَراً رَّسُولاً﴾.
أي: قل لهم براءة لله من سوء ما تقولون، وتعظيماً له من [أن] يؤتى به

وبملائكته أن يكون له سبيل إلى شيء من ذلك هل أنا إلا بشر أي: عبد من عبيده من بني آدم فكيف أقدر على ما تكلفوني.
وقوله: " رسولاً " أي: أرسلت لأبلغكم عن الله أمره ونهيه.
وكان هذا الكلام فيما رُوِيَ: جرى بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين ملأ [من] قريش اجتمعوا للمناظرة فتكلموا بما نصه الله عز وجل في هذه الآية عنهم.
وذكر ابن عباس في ذلك: خبراً طويلاً معناه: أنهم اجتمعوا بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة وبعثوا في النبي عليه السلام فأتاهم طمعاً أن يكونوا قد ظهر لهم اتباعه فعذلوه وأكثروا في اللوم والعتب [وطولوا].
قالوا له: إنك فرقت جمعنا، وعيبت ديننا، وسفهت أحلامنا، وما بقي قبيح إلا جئته فينا، أو كما قالوا، ثم قالوا [له]: إن كنت تحب مالاً جمعنا لك حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن أردت الشرف سودناك علينا.
وإن أردت الملك، ملكناك علينا.
. . في كلام طويل عتبوه به وعددوا عليه فيه، ووعدوه،

واستنزلوه، طمعاً أن يميل إليهم.
ثم قالوا له: فإن لم تفعل ما قلنا لك فاسأل ربك يبعث ملكاً يصدقك بما تقول، أو فاسأله أن يجعل لك جنة وكنوزاً وقصوراً من ذهب وفضة ويغنيك بها عما نراك تبتغي.
فإنك تقوم بالأسواق وتلتمس المعاش كما نلتمسه.
فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من قولهم، وقال: " إنما أنا بشر بعثت إليكم نذيراً لتؤمنوا بالله وكتابه " فقالوا له فاسقط السماء علينا، كما زعمت، إن ربك إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن نفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك "، ثم أطالوا الكلام معه، وقالوا [له] إنما يعلمك ما جئت به رجل باليمامة يقال له الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبداً، وادّعوا أنهم يعبدون الملائكة، وهن بنات الله - تعالى الله عن ذلك - فقال النبي صلى الله عليه وسلم وقام [معه] ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب، وهو عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة المخزومي، فقال له: يا محمد أعَرَض عليك قومك

ما عرضوا فلم تقبله منهم، ثم سألوك لأنفسهم أموراً ليعرفوا بها منزلتك من الله فلم تفعل ذلك، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم من العذاب فوالله لا أؤمن بك أبداً، حتى تتخذ إلى السماء سلماً ترقى فيه وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، معك أربعة أملاك يشهدون لك إنك ما تقول حق وايم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك.
وهذا معنى قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كتابا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ / بِأَيْدِيهِمْ﴾ [الأنعام: 7] الآية.
وروى أن عبد الله بن [أبي] أمية قال للنبي صلى الله عليه وسلم: لن نؤمن لك حتى تنزل علي كتاباً من السماء فيه من الله رب العالمين إلى ابن أمية، إني قد أرسلت محمداً [نبياً] فآمن به وصدقه.
والله لو أتيتني بهذا الكتاب ما آمنت بك ولا صدقتك ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حزيناً لما فاته مما كان كمع به من إيمان قومه حين دعوه.
قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ الناس أَن يؤمنوا إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾.
المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ الهدى﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ الله بَشَراً رَّسُولاً﴾.
كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني

آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم.
أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم.
لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [ عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل.
ومعنى: " مطمئنين " مستوطنين الأرض.
وقيل: [معنى] " مطمئنين ": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم.
قال تعالى: ﴿قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
أي: قل لهم يا محمد: ﴿كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي.
و" شهيداً " حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة.
وقيل هو تمييز أي كفى

بالله من الشهداء.
﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم " بصيراً " بتدبيرهم وسياستهم.
وروي أنهم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [ عز وجل] : ﴿ قُلْ كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية.
قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ الله فَهُوَ المهتد﴾.
أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [ عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه].
﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ القيامة على وُجُوهِهِمْ﴾.
أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم.

﴿على وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾.
أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى المجرمون النار﴾ [الكهف: 53].
قوله: " وبكماً " أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: 13].
قوله: " وصماً " أي: صماً عن سماع ما يسرهم.
وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: 12].
وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم.
ثم يحدث الله [ عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر.
وقوله: ﴿على وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين.
وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم.
ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ / كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾.

أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها.
ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس.
وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم.
وقال مجاهد: " خبت " طفيت "، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب.
وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً.
فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً.
فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً.

ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم.
وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: 36] لا يفتر عنهم.
وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم اسعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.
قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾.
معناه: هذا العذاب جزاء هؤلاء المشركين لأنهم كفروا بآيات الله.
أي: جحدوها وأنكروها ولم يؤمنوا بها.
وأنكروا البعث والثواب والعقاب.
﴿وَقَالُواْ﴾ على الإنكار منهم والاستبعاد: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً﴾ [الإسراء: 49] أي: عظاماً [بالية] وقيل تراباً.
و ﴿أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: 49] أي لا نبعث.
وقد تقدم تفسير هذا بأشبع منه في صدر السورة.

قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾.
والمعنى: أَوَلَم ينظر هؤلاء المنكرون البعث أن الله [ عز وجل] الذي ابتدع خلق السموات والأرض من غير شيء وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق أشكالهم وأمثالهم من الخلق.
وإن إعادتهم لا تتعذر على من يقدر هذه القدرة.
ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾.
أي: جعل الله لهلاكهم أجلاً لا شك في وقوعه بهم ﴿فأبى الظالمون إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي [إلا] جحوداً بربهم.
قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾.
أي: قل يا محمد: لهؤلاء المشركين لو أنكم أنتم تملكون خزائن أملاك ربكم إذاً

لبخلتم بذلك خشية الفقر قال ابن عباس.
وقال قتادة: خشية الفاقة.
والرحمة هنا المال.
وقيل النعم، حكى أهل اللغة أنفق الرجل وأصرح وأعدم وافتر إذا قلّ ماله.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الإنسان قَتُوراً﴾.
يعني الكافر خاصة، بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ الإنسان لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: 6].
ومعنى " قتوراً ": بخيلاً قاله ابن عباس.
وقال قتادة: ممسكاً.
يقال أقتر يقتر وقتر يقتر ويقتر بمعنى.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾.
أي: تبين لمن رآها أنها لموسى عليه السلام، شاهدة له على صدقه قال ابن عباس: هي يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل / والضفادع والدم.

وقال الضحاك: ألقى عصاه مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت بلسانه، وخمس آيات في الأعراف: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم.
قال محمد بن كعب القرظي: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع آيات، فقلت له: هن الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و [البحر و] عصاه والطمسة والحجر.
فقال: وما الطمسة؟، فقلت: دعا موسى وأمنّ هارون، فقال الله ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: 89].
فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا كذا.
يعني بالطمسة قولها: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ [واشدد على قُلُوبِهِمْ]﴾ [يونس: 88] قال: فدعا عمر بخريطة كانت لعبد العزيز ابن مروان، أصيبت بمصر فإذا فيها " الجوزة والبيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة، كانت من أموال فرعون أصيبت بمصر.
وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: هي الحجر، والعصا واليد والطوفان

والجراد والقمل والضفادع و [الدم و] الطور.
وقال مالك: الطوفان الماء.
وروى مطرف عن مالك في قوله " تسع آيات بينات " أنه قال: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والبحر والجبل إذ نتقه عليهم.
وقال عكرمة: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات.
وهو قول الشافعي.
وكذلك روى قتادة عن ابن عباس أيضاً قال: منها سبعة متتابعة في الأعراف.
واليد والعصا.
وقال الحسن مثل ذلك، إلا أنه جعل السنين ونقص من الثمرات آية، وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون.
وروي عن صفوان بن عسال: " أن يهوديين سألا النبي صلى الله عليه وسلم عن التسع الآيات فقال: هن ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار بعد الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، فقال: وما يمنعكما أن

تتبعاني؟ فقالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود ". ثم قال: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ﴾.
أي إذ جاءهم موسى.
قال الحسن: سؤالك إياهم نظرك في القرآن.
وقيل هو خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم يراد به الشاك من أمته.
وقرأ ابن عباس ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على الخبر، يعني سأل موسى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل.
ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾.
معناه: أن فرعون لما رأى الآيات ولم يكن له فيها مدفع قال: إن موسى ذو سحر، وإن ما تفعل يا موسى من العجائب من سحرك.

وقيل: هو مفعول في موضع فاعل أي: ساحر، بمنزلة ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: 45] أي: ساتراً.
وقيل: معناه مخدوعاً.
قوله: ﴿[قَالَ] لَقَدْ عَلِمْتَ مَآ أَنزَلَ هؤلاء إِلاَّ رَبُّ السماوات والأرض﴾.
معناه: قال / موسى لقد علمت يا فرعون أن هذه الآيات ما أنزلها الله إلا بصائر للعباد وتصديق هذه المعاني قوله: ﴿وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتهآ أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14].
وهذا: على قراءة من قرأ بفتح التاء في: علمت ". ومن ضم التاء فمعناه: أن موسى صلى الله عليه وسلم يخبر عن نفسه أنه على يقين أن

الآيات، الله أنزلها بصائر لعباده.
ويكون هذا من موسى صلى الله عليه وسلم جواباً لقول فرعون له: ﴿إِنِّي لأَظُنُّكَ ياموسى مَسْحُوراً﴾ [الإسراء: 101] أي: قد سحرت فلا تدري ما تقول.
فقال: موسى لقد علمت أنا أن الله أنزل هذه الآيات بصائر لعباده ولست بمسحور.
ونصب بصائر على الحال أي: أنزلها حججاً وهي جمع بصيرة.
ثم قال: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يافرعون مَثْبُوراً﴾.
وقال ابن عباس: " مثبوراً " ملعوناً، أي: ممنوعاً من الخير، وهو قول: الضحاك.
وقال مجاهد وقتادة: مثبوراً هالكاً.
وقال عطية العوفي: " مثبوراً ": مبدلاً أي مغيراً وقال ابن زيد: " مثبوراً ": مخبولاً لا عقل لك.
وعن الضحاك: " مثبوراً ": مسحوراً.
رد [عليه] موسى صلى الله عليه وسلم، مثل ما

قاله فرعون بغير اللفظ، والمعنى سواء.
قال [تعالى]: ﴿فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الأرض﴾.
أي: أراد فرعون أن يزيل موسى وبني إسرائيل من أرض مصر إما بقتل أو غيره ﴿فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعاً﴾.
ونجينا بني إسرائيل وموسى منه.
﴿وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ﴾ أي: من بعد هلاكه ﴿لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسكنوا الأرض﴾ أي: أرض الشام.
﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة﴾ أي: قيام الساعة ﴿جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفاً﴾ أي: مختلطين، قد التف بعضكم على بعض لا تتعارضون، ولا ينحاز أحد منك إلى قبيلته.
وقال ابن عباس: " لفيفاً ": جميعاً.
وقال غيره: [لفيفاً] من كل قوم.
وقال قتادة: " لفيفاً " جميعاً أولكم وآخركم، وكذلك قال: الضحاك.

واللفيف جمع لا واحد له كالجميع.
وقيل: هو مصدر لففت فلذلك واحد في موضع الجمع.
قال: ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ﴾.
أي: أنزل هذا القرآن بالحق لأن فيه الأمر بالعدل والإنصاف والأخلاق الجميلة ﴿وبالحق أَنْزَلْنَاهُ﴾ أي: وبذلك نزل من عند الله [ عز وجل] على نبيه عليه السلام.
ثم قال: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً﴾.
أي: مبشراً بالجنة من أطاعك ومنذراً بالنار من عصاك.
قال تعالى: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾.
قال ابن عباس: " فرقناه " فصلناه.
وقيل: معنى [فرقناه] فرقنا به بين الحق والباطل والمؤمن والكافر.
وقرأ: ابن عباس وعكرمة والشعبي وقتادة " فرقناه " بالتشديد على معنى أنزل به آية بعد آية.

قال ابن عباس: أنزل القرآن جملة واحد إلى السماء الدنيا في ليلة القدر ثم أنزل بعد ذلك في عشرين سنة.
وهو قوله: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾.
ونصب " قرآناً " عند البصريين بإضمار فعل يفسره ما بعده.
ونصبه عند غير البصريين على العطف " مبشراً ونذيراً ". وقرآناً يتأول بمعنى: رحمة.
لأن القرآن رحمة.
فلا يحسن الوقف على هذا التقدير على نذيراً.
ويقف عليه على القول الأول.
و/ معنى ﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ﴾ على تؤده، وترتله وتبينه فلا تعجل في تلاوته فلا يفهم عنك.
قال ابن عباس: " على مكث " على تأن.
وقال

مجاهد على ترسل.
وقال مالك " على مكث " على تثبت وترسل.
ومعنى ﴿وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً﴾ أي نزلناه شيئاً [بعد] شيء.
وقال الحسن نزل القرآن قبل أن يهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بثماني سنين.
وبالمدينة عشر سنين.
قوله: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تؤمنوا﴾.
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين آمنوا بهذا القرآن أو لا تؤمنوا فإن إيمانكم لا يزيد في خزائن رحمة ربي.
وفي الكلام تهدد ووعيد، والمعنى: فإن تكفروا، فإن الذين أوتوا العلم بالله من قبله، أي: من قبل القرآن، يعني به مؤمني أهل الكتاب، إذا يتلى عليهم هذا القرآن، يخرون، تعظيماً له، للأذقان سجداً.
قال مجاهد: هم ناس من أهل الكتاب حين سمعوا ما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قالوا: ﴿سُبْحَانَ رَبِّنَآ إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾.
وقال ابن زيد ﴿مِن قَبْلِهِ﴾ من قبل النبي صلى الله عليه وسلم.

وقال ابن جريج: ﴿إِذَا يتلى عَلَيْهِمْ﴾ يعني: كتابهم.
وقيل: عني بقوله: ﴿الذين أُوتُواْ العلم﴾ محمداً صلى الله عليه وسلم.
وقيل: هم قوم من ولد اسماعيل صلى الله عليه وسلم تمسكوا بدينهم إلى بعث محمد صلى الله عليه وسلم منهم زيد بن عمرو بن نفيل.
وورقة ابن نوفل.
وقوله: ﴿يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّداً﴾.
قال ابن عباس: للوجوه، وكذلك قال قتادة.
وقال الحسن " للأذقان " للجبين.
ثم قال: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً﴾.
أي: ويخر هؤلاء الذين أوتوا العلم، من مؤمنين أهل الكتاب من قبل نزول القرآن، إذا يتلى عليهم القرآن لأذقنانهم يبكون.
ويزيدهم وعظ القرآن خشوعاً لله

[ عز وجل] . وهذه مثل قوله في مريم: ﴿إِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرحمن خَرُّواْ سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾ [مريم: 58].
وقوله: ﴿إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾.
أي: ما كان وعد ربنا من ثواب وعذاب إلا مفعولاً.
وقيل: معناه: إن كان وعد ربنا أن يبعث محمداً صلى الله عليه وسلم لمفعولاً.
قال: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾.
معنى الآية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو ربه فيقول: مرة يا الله، ومرة: يا رحمن.
فظن الجاهلون من المشركين أنه يدعو الهين.
فأنزل الله عز وجل هذه الآية احتجاجاً عليهم.
قال ابن عباس: سمع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم يدعو في سجوده يا رحمن يا

رحيم: فقالوا: [إن] هذا يزعم أنه يدعو واحداً وهو يدعو مثنى مثنى.
فأنزل الله [ عز وجل] الآية: ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾.
وروي: أن أبا جهل سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو ساجد يقول في دعائه يا الله يا رحمن فقال: يا معشر قريش، محمد ينهانا أن نعبد إلهين وهو يعبد إلهاً آخر يقال له الرحمن، فأنزل الله [ عز وجل] الآية.
وقوله: ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾.
ما صلة، و (ايا) منصوب بتدعوا.
وتدعوا جزم بالشرط وقيل [" ما "] بمعنى أي كررت لاختلاف [اللفظ كما تقول ما إن رأيتكما الليلة.
فإن بمعنى ما كررت لاختلاف].
اللفظين.
وقال الأخفش ﴿أَيّاً مَّا تَدْعُواْ﴾ معناه: أي الدعاءين تدعوا كأنه يجعل ما اسماً.

وقال أبو إسحاق: المعنى: أي الأسماء تدعو إن / دعوت الله أو الرحمن فكله اسم لله لأن له الأسماء الحسنى.
ويلزم في هذين القولين ألا تنون " أي ": وأن تكون مضافة إلى " ما ". وفي إجماع المصاحف والقراء على تنوين " أي ": ما يدل على صحة كون " ما " زائدة للتأكيد وكونها بمعنى " أي " أعيد للتأكيد وحسن ذلك لاختلاف اللفظ.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ﴾.
قالت عائشة رضي الله عنها، وابن عباس، ومجاهد، وابن جبير وعروة بن الزبير: نزلت في الدعاء.
فالصلاة هنا الدعاء على قولهم.
وقال الضحاك: هي منسوخة بقوله: ﴿واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: 205]. الآية، وروي ذلك عن ابن عباس أيضاً: أن " الصلاة " هنا: القراءة في الصلاة، قال: كان

النبي صلى الله عليه وسلم إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع ذلك المشركون، سبوا القرآن، ومن أنزله، ومن جاء به.
فقال الله [ عز وجل] لنبيه صلى الله عليه وسلم ﴿ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ﴾ فيسمع المشركون ﴿وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا﴾ حتى لا يسمعك أصحابك ﴿وابتغ بَيْنَ ذلك سَبِيلاً﴾ أي: اطلب بين الإعلان والتخافت طريقاً.
قال الضحاك: هذا كان بمكة.
وعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: نزلت هذه الآية في التشهد.
وكذلك قال ابن سيرين، قال: كانت العرب ترفع أصواتها بالتشهد، فنزلت هذه الآية في ذلك.
وقال عكرمة والحسن: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي بمكة جهاراً [فأمر] بإخفائها.

وقال قتادة: معناه ولا تحسن صلاتك مرائياً في العلانية، ولا تخافت [بها] تسيئها في السريرة.
وعن ابن عباس أنه قال: لا تصل مراءاة للناس، ولا تدعها مخافة الناس.
واختار الطبري قول من قال: أنه الدعاء [لأنه] أتى عقيب قوله: ﴿[قُلِ] ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾، فهي محكمة، لأن رفع الصوت بالدعاء مكروه، وهو قول أبي هريرة وأبي موسى الأشعري وعائشة رضي الله عنهم.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: النهي عن رفع الصوت بالدعاء فقال: " إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً، إنكم تدعون سميعاً بصيراً ".

والمخافتة الإخفاء.
قال تعالى: ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل﴾.
[أي]: لم يحالف أحداً ولا يبتغي نصر أحد، قاله مجاهد: قال قتادة: بلغنا أن النبي عليه السلام كان يعلم أهله الصغير والكبير ﴿وَقُلِ الحمد لِلَّهِ﴾ إلى آخر السورة.
وقال ابن عباس: التوراة كلها في خمس عشرة آية من بني إسرائيل ثم تلى ﴿لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها آخَرَ﴾ [الإسراء: 22].
وهذه الآية: رد وإنكار على أصحاب الأديان: فقوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً﴾.
رد على اليهود والنصارى، وبعض كفار العرب.
لأنهم قالوا: المسيح ابن الله، وقالوا

عزير ابن الله، وقالت العرب: الملائكة بنات الله [سبحانه وتعالى علواً كبيراً] وقوله: ﴿وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِي الملك﴾ رد على العرب لأنهم قالوا في تلبيتهم: إلا شريكاً هو لك تملكه.
وما ملك، وجعلوا لله شركاء الجن وغيرهم وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِيٌّ مِّنَ الذل﴾ رد على الصابئين والمجوس لأنهم قالوا: لولا أولياء الله لذل / وقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً﴾ أي: كبرّة أنت يا محمد عما يقولون تكبيراً.
أي: عظمه ونزهه عن قول الكفار فيه.
وَرُوِيَ: " أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم فشكا إليه كثرة الدين وكثرة الهم فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: " اقرأ آخر [سورة] بني إسرائيل ﴿قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن﴾ ثم قال: قل توكلت على [الله، توكلت على] الحي الذي لا يموت ثلاث مرات " ".

بسم الله الرحمن الرحيم سورة

مكية من رواية ابن وهب أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ألا أخبركم بسورة عظمها ما بين السماوات والأرض، لمن جاء بها من الأجر مثل ذلك؟ قالوا: يا نبي الله، أي سورة هي: قال: سورة الكهف.
من قرأ [بها] يوم الجمعة أعطي بها نوراً بين السماوات والأرض، ووقي بها فتنة القبور.
وعن بعض أهل المدينة أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطي نوراً ما بينه وبين مكة، وغفر له ما بين الجمعتين ووقي فتنة الدجال ".

وعن مكحول أنه قال: "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة أعطاه الله [- عز وجل -] نوراً من الجمعة إلى الجمعة" وعن أنس أنه قال: "من قرأ سورة الكهف [يوم الجمعة] غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام".
قوله تعالى: ﴿الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب﴾.
معناه: على قول ابن عباس، في رواية الضحاك وابن جريج عنه: الله المحمود بالذكر وبكل لسان، والمحمود على كل فعل والمعبود في كل مكان، الذي هو كل يوم في شأن لا يشغله شأن عن شأن.
ومعنى الآية: في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة: أنزل على عبده الكتاب قيماً ولم يجعل له عوجاً.
فقيمماً حال من الكتاب، وهو قول: الكسائي والفراء وأبي

عبيدة.
وقال: غيرهم: " قيماً ": منصوب بإضمار فعل، أي: ولكن جعله قيما، فهو مفعول ثان ليجعل المضمرة.
والوقف على " الكتاب ": على القول الأول: لا يجوز، وعلى الثاني يجوز.
وقيل إنّ المعنى: أنزله قيماً، فيكون نصبه على الحال من الهاء المضمرة مع الفعل المضمر.
ومعنى " عوجاً: أي: مخلوقاً ". كذلك قوله: ﴿غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ [الزمر: 28] أي: غير مخلوق، قاله: ابن عباس.
والعِوج: بالكسر في العين في كل ما ليس له شخص: مثل الدين، والأمر، والرأي.
فإن كان له شخص كالخشبة والحائط وشبهه فهو بفتح العين.
ومعنى الآية: الحمد لله الذي خص برسالته محمداً، وأنزل عليه كتابه قيماً.

قال: الضحاك: " قيماً ": مستقيماً.
وقال ابن عباس: عدلاً.
وقال ابن إسحاق: معتدلاً [لا] اختلاف فيه.
وقيل معناه: قيماً على الكتب [يصدق] بصدقها لا اختلاف فيه ولا تفاوت، بل يصدق بعضها بعضاً، لا عوج فيه عن الحق ولا ميل.
وهذه السورة نزلت في الأخبار من عند الله [ عز وجل] بأمور سألت قريش النبي عليه السلام عنها، علمهم السؤال عن ذلك اليهود وقالوا لهم: إن أخبركم بها فهو نبي، وإن لم يخبركم بها فهو متقول.
فوعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم الجواب / عنها.
فأبطأ الوحي عليه بعض الإبطاء، فتحدث المشركون بأنه أخلفهم موعدهم فأنزل الله [ عز وجل] هذه السورة جواباً لهم.
فافتتحها بحمد الله على نعمه، وتثبيته رسالة محمد عليه السلام، وأن الله [ عز وجل] أنزل عليه الكتاب، وأنه صادق فيما أتاكم به من خبر أهل الكهف، وخبر ذي القرنين، وغيره مما سألوه عنه، من تعليم اليهود إياهم ذلك، فهذا معنى قول ابن

ابن عباس وغيره.
قوله: ﴿لِّيُنْذِرَ بَأْساً شَدِيداً﴾.
أي: أنزل الكتاب على عبده لكي ينذركم بأساً شديداً من عند الله.
فالمفعول الأول محذوف.
ومثله ﴿إِنَّمَا ذلكم الشيطان يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ [آل عمران: 175] أي: يخوفكم أولياءه.
ثم قال: ﴿وَيُبَشِّرَ المؤمنين﴾.
أي: ويبشر المصدقين لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
﴿ الذين يَعْمَلُونَ الصالحات﴾ وهو العمل بما أمر الله [ عز وجل] [ به]، والانتهاء عما نهى الله [سبحانه] عنه.
﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْراً حَسَناً﴾.
أي: ثواباً جزيلاً من الله [سبحانه] على أعمالهم وتصديقهم وهو الجنة.

﴿مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَداً﴾.
أي: لابثين فيه أبداً.
قال: ﴿وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾.
يعني: قريشاً الذين قالوا: إنما نعبد الملائكة وهن بنات الله [سبحانه وتعالى عما يقولون].
﴿مَّا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾.
أي: ما لهم بهذا القول علم ﴿لآبَائِهِمْ﴾.
ثم قال: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾.
أي: كبر قولهم: ﴿اتخذ الله وَلَداً﴾ من كلمة.
وفيه معنى التعجيب كأنه قال: ما أكبرها من كلمة.
كما تقول لقصو الرجل بمعنى: ما أقصاه.
وقرأ الحسن، ومجاهد، ويحيى بن يعمر، وابن أبي إسحاق

﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ بالرفع على معنى: عظمت كلمتهم.
يقال: كبُر الشيء إذا عَظُمَ وكبِر [الرجل] إذا أسن، [بكسر الباء، والأول بالضم].
﴿إِن يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِباً﴾.
أي ما يقول هؤلاء إن الله اتخذ ولداً إلا كذباً وتخرصاً.
أي: فلعلك يا محمد قاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأرض يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: 90] تمرداً منهم على ربهم ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث أَسَفاً﴾ أي:

بهذا الكتاب ﴿أَسَفاً﴾ وقال: قتادة: " أسفاً " غضباً وقال: مجاهد: " حزناً ". فهذا عتاب للنبي صلى الله عليه وسلم من الله [ عز وجل] على حزنه على قومه إذ لم يؤمنوا.
فمعنى أسفاً حزناً.
وقيل معناه: جزعاً، قال مجاهد.
وقال: قتادة: معناه غضباً، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: 55].
قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا﴾.
يعني: من الشجر والثمر والمال زين الأرض بذلك.
﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾.
أي: لنختبرهم من هو أحسن عملاً من غيره.
قال سفيان الثوري: أيكم

أزهد في الدنيا.
وقال مجاهد: ما على الأرض من شيء هو زينة لها.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء ". وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: " الزينة ": الخلفاء، والعلماء، والأمراء.
وروى ابن جبير عنه أنه قال: " الزينة ": الرجال.
جعل " ما " بمعنى /: من في القولين جميعاً، وكون " ما " بمعنى: " من " يصلح في مواضع الإبهام ويقبح عند الاختصاص وذهاب العموم.
وقيل المعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فأوقع الكل موضع البعض، لأن على الأرض ما لا زينة فيه.
وقيل: بل هو عام.
كل ما على الأرض زينة لها لولالته على خالقه.
قال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾.
أي: وإنا لخربوها بعد زينتها وعمارتها.
يعني بذلك يوم القيامة، تصير الأرض مستوية لا جبل فيها ولا واد ولا أكمة ولا ماء ولا نبات.
والصعيد وجه

الأرض.
والجزر الذي لا نبات فيه من الأرض ولا زرع ولا غرس.
وقيل: الصعيد هنا المستوي بوجه الأرض، قال ابن عباس معناه: أنه يهلك كل شيء عليها ويبيد.
وهذه تعزية للنبي صلى الله عليه وسلم يقول لأه تعالى ذكره: لا تقتل نفسك إذ لم يؤمنوا بما جئتهم به فإن مصيرهم إلي فأجازيهم بأعمالهم.
فإني مهلك كل من على وجه الأرض.
قال: ابن زيد: الصعيد: المستوي، دل على ذلك قوله: ﴿لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً ولا أَمْتاً﴾ [طه: 107]. والجزر: الأرض التي لا نبات فيها ولا منفعة، ألم تر إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ المآء إِلَى الأرض [الجرز]﴾ [السجدة: 27] أي الأرض التي لا نبات فيها.
حكى سيبويه: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم.

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل