الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وعد اللع [ عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.
قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ القرون مِن بَعْدِ نُوحٍ﴾.
هذه الآية فيها تهدد ووعيد لمشركي قريش أن يحل بهم من الهلاك مثل ما حل بالأمم الماضية بعد نوح من الأهلاك بذنوبهم.
ثم قال تعالى: ﴿وكفى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَاً بَصِيراً﴾.
أي: حسبك يا محمد بعلم ربك وإحصائه لذنوب عباده.
والقرن عشرون ومائة سنة.
وقيل مائة سنة.
وقيل: أربعون سنة.
ودخلت الباء في " كفى بربك " و " كفى بالله " لأن في الكلام معنى المدح.
فالباء تدل عليه.
كما يقول: أكرم به رجلاً.
وناهيك به صاحباً.
قال تعالى: ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ﴾.
أي: من كان يعمل للدنيا وإياها يطلب ولا يوقن بمعاد ولا يرجو ثواباً ولا يخاف عقاباً ﴿عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَآءُ﴾ من توسيع أو تقتير لمن نريد.
وقرئت " ما شاء " بالياء، على معنى: ما يشاء الله، أو على معنى: ما يشاء المعجل له ثم يقطره إلى جهنم يصلاها مدموماً مدحوراً.
وقال أبو إسحاق الفزاري: معناه: ما نشاء لمن نريد هلاكه.
وقال ابن عباس: " مذموماً ": ملوماً.
[ثم قال تعالى] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخرة وسعى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.
أي: ومن أراد ثواب الآخرة وعمل لها عملها الذي هو طاعة الله " وهو مؤمن " أي: مصدق بثواب الله [سبحانه] وعقابه [ عز وجل] ﴿ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراً﴾
وشكر الله [ عز وجل] إياهم على سعيهم، حسن جزائه [تعالى] لهم على أعمالهم وتجاوزه عن سيئاتهم.
قال: ﴿كُلاًّ نُّمِدُّ هؤلاء وهؤلاء مِنْ عَطَآءِ رَبِّكَ﴾.
" كلا " منصوب بنمد و " هؤلاء " / بدل من كل.
والمعنى: أن الله [ عز وجل] يرزق كلا: الذين يريدون العاجلة، والذين يريدون الآخرة من عطائه إلى بلوغ أجل الفريقين.
ثم تفترق بهما الأحوال بهد الممات.
وتفرق بهم الورود يوم القيامة.
فمن أراد العاجلة فإلى جهنم يرد ومن [أراد] الآخرة فإلى الجنة يرد.
ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً﴾.
أي: ممنوعاً عمن بسطه الله [ عز وجل] عليه، قال قتادة: محظوراً منقوصاً.
وقال في معنى الآية: إن الله [ عز وجل] قسم الدنيا بين البر والفاجر: والآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين.
ومثل هذه الآية في معناها على قول قتادة: ﴿قُلْ هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ [الأعراف: 32] أي: يشترك في الدنيا في الطيبات البر والفاجر.
و [الآخرة خصوصاً عند ربك للمتقين، أي]: تخص الآخرة للمؤمنين.
قال تعالى: ﴿انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ﴾.
والمعنى: انظر يا محمد كيف هدينا أحد الفريقين إلى السبيل الأرشد، ووفقناه إلى الحق.
وخذلنا الفريق الآخر فأضللناه عن الحق، ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً﴾ إذ ينصرف فريق إلى النعيم المقيم، وفريق إلى عذاب جهنم لا يفتر عنهم أبداً.
وقيل: ﴿وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ﴾ في أهل الجنة يتفاوتون في المنازل فيها، منهم من
يعلو على بعض في النعيم والدرجات على قدر منازلهم وأعمالهم.
قال النبي صلى الله عليه وسلم " بين أعلى أهل الجنة وأسفلهم درجة كالنجم يرى في مشارق الأرض ومغاربها " قال الضحاك: من كان من أهل الجنة عالياً رأى فضله على من هو أسفل منه ومن كان دونه لم ير أن أحداً فوقه أفضل منه.
معنى الآية أن ظاهرها خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد أمته، والمعنى لا تجعلوا مع الله شريكاً فيقعد كل واحد منكم مذموماً، أي: ملوماً على ما صنع " مخذولاً " أي: قد أسلمه ربه.
قال تعالى: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾.
قال ابن عباس: قضى معناه: أمر.
وفي حرف عبد الله: " ووصى ربك " وكذلك قرأها الضحاك و [ال [معنى أمر أن تفرده بالعبادة فلا تجعلوا له شريكاً.
ثم قال: ﴿وبالوالدين إِحْسَاناً﴾.
أي: وأمركم أن تحسنوا بالوالدين إحساناً ومعنى " بالوالدين " إلى الوالدين.
وقوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا﴾.
من وحد يبلغن فلأنه فعل مقدم فاعله ﴿أَحَدُهُمَا﴾.
ومن أظهر ضمير اثنين فلأنه تقدم ذكر الوالدين فثناهما لتقدم ذكرهما قبل الفعل.
ويكون أحدهما مبتدأ وكلاهما معطوف عليه والخبر محذوف.
وقيل: أن أحدهما أو كلاهما بدل من المضمر في يبلغن.
ثم قال [تعالى]: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾ /.
في " أف " / سبعُ لغات: أفَّ بالفتح وأفَّ بالكسر، [و " أف "، بالكسر] والتنوين.
فهذه ثلاث قرئ بهن وأربع لم يقرأ بهن وهن: أفّاً بالنصب والتنوين وأفٌّ بالضم والتنوين وأف بالضم غير منون.
وحكى الأخفش: " أفي " بالياء.
فمن فتح أو ضم أو كسر حركة لالتقاء الساكنين.
ومن فتح ونون اعمل الفعل فيه كما تقول: ما قتلت أفاً ولا تفاً.
ومن كسر ونون كسر لالتقاء الساكنين وشبهه بالأصوات فنونه.
وقيل أن من نونه جعله نكرة، معناه: لا تقل لهما قبيحاً من القول.
ومن لم ينونه جعله معرفة معناه: لا تقل لهما القبيح من القول.
وقيل [المنَوَّن] منه وغير المُنَوَّن سواء، وإنما يكون التنوين فرقاً بين المعرفة والنكرة فيما جاء ناقصاً على حرفين نحو مه وصه، ولكن شبه هذا بما جاء على حرفين من هذه فنون على التشبيه لأنه يعطى ذلك للمعنى من التعريف والتنكير.
ومن ضم حركة لالتقاء الساكين.
و [من] خصه بالضم على التشبيه بقبل وبعد.
وقيل: ضم على الاتباع لضمه الهمزة كما تقول: مُدَّ.
فتضم الدال اتباعاً لضمة الميم.
ومن نون المضموم فعلى القولين الأولين: على التشبيه بالأصوات [أو] للفرق بين المعرفة والنكرة.
واستبعد الأخفش التنوين مع الضم.
قال: لأنه ليس معه لام.
كأنه يقدره إذا رفعه ونونه مرفوعاً بالابتداء.
كما قيل: ويل له.
وقال في نصبه بالتنوين: إنه مثل: تعساً له.
ومعنى: ﴿فَلاَ تَقُل لَّهُمَآ أُفٍّ﴾ أي: أن يبلغا عندك من الكبر ما يحدثان عندك من الضعف تحتهما، فلا تقذرهما حين ترى الأذى.
ولكن تم [ي] ط عنهما ذلك كما كانا
يميطان [هـ] عنك صغيراً، قاله مجاهد.
وقيل معناه: لا تستثقلهما ولا تغلظ عليهما في القول ولا تتبرم عليهما.
و [أ] صل هذا: أن الإنسان إذا وقع عليه غبار أو شيء فتأذى به نفخه فقال: " أف " وقيل الأف: وسخ الأظفار.
والتف الشيء الحقير، نحو وسخ الأذن.
والأول أشهر وأعرف.
وقوله: ﴿وَلاَ تَنْهَرْهُمَا﴾.
[أي]: ولا تضجر عليهما وتصح.
وقال عطاء: لا تنفض يديك على والديك.
﴿وَقُل لَّهُمَا قَوْلاً كَرِيماً﴾، قال ابن جريج: أحسن ما تجد من القول.
وعن عمر ابن الخطاب [رضي الله عنهـ] أنه قال: لا تمتنع من شيء يريدانه.
وقال قتادة: ﴿قَوْلاً كَرِيماً﴾
سهلاً ليناً.
وقال ابن المسيب: هو قول العبد المذنب الذليل للسيد الفظ الغليظ.
قال: ﴿واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل مِنَ الرحمة﴾.
أي: كن لهما ذليلاً، رحمة منك لهما / وتعظيماً فيما أمر [ا] ك به مما ليس معصية [لله عز وجل] . هذا قول عروة بن الزبير.
وعنه أيضاً أن معناه: لا تمتنع من شيء أحياه.
والذل والذلة: مصدر الذليل.
والذل: بكسر الذال من غيرهما، مصدر الذلول.
نقول دابة ذلول بينة الذل إذا كانت لينة.
ومنه قوله:
﴿جَعَلَ لَكُمُ الأرض ذَلُولاً﴾ [الملك: 15].
وقرأ ابن جبير والجحدري " الذِل " بكسر الذال، بمعنى: ألِنْ لهما جانبك واسمح لهما.
يقال رجل ذلول بين الذل إذا كان سمحاً لينا مواتياً.
ومنه
﴿وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلاً﴾ [الإنسان: 17].
ثم قال تعالى: ﴿وَقُل رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾.
أي: وقل: يا رب اعطف عليهما برحمتك كما عطفا عليّ في صغر [ي] فرحماني وربياني صغيراً.
وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ذات يوم وهو رافع صوته: " من أدرك والديه أو أحدهما ثم دخل النار بعد ذلك فأبعده الله وأسحقه " وكانوا يرون أن من بر
والديه، وكان فيه أدنى تقى، فإن ذلك مبلغه جسيم بالخير.
و [قد] قال بعض العلماء أن قوله: ﴿رَّبِّ ارحمهما كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾ منسوخ بالنهي عن الاستغفار للمشركين.
وقال بعضهم: الآية مخصوصة في المؤمنين خاصة.
وقيل: هي عامة إلا لمن مات من المشركين، فلا يستغفر له.
فأما إذا كانا مشركين حَيَّيْنِ، فيجوز للمسلم أن يستغفر لهما كما فعل إبراهيم [ صلى الله عليه وسلم] خليل الرحمن [ عز وجل] .
ويروى أن رجلاً قال: " يا رسول الله هل بقي علي من بر والدي شيء أبرهما [به] بعد موتهما؟ قال: " نعم، الصلاة عليهما [يعني] الدعاء لهما، والاستغفار
لهما، وإكرام صديقهما ولإنفاذ عهدهما، وصلة الرحم التي لا يوصل إلا بهما ".
قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾.
معناه: ربكم يعلم ما تعتقدون من إبرار والديكم وتعظيمكم إياهم، أو ضد ذلك من العقوق لهم، فيجازيكم على ما تعتقدون في أمرهم.
[ومعنى ﴿إِن تَكُونُواْ صَالِحِينَ﴾ أي: إن أصلحتم نياتكم وأطعتم الله في والديكم في القيام بهم والمعرفة بعقوقهم بعد صبوة كانت معكم في أمرهم]، أو زلة زللتم، في [ترككم] إبرارهم، ﴿فَإِنَّهُ كَانَ لِلأَوَّابِينَ﴾ أي: للثوابين بعد الهفوة " غفوراً " أي: ساتراً لذنوبهم إذا تابوا منها.
قال ابن جبير في قوله: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ﴾.
هي المبادرة: تكون من الرجل إلى أبويه بذلك إلا الخير.
وقال ابن عباس: " للأوابين " المسبحين.
وقيل: هم المحسنون المطيعون.
روي ذلك عن ابن عباس أيضاً.
وقال قتادة: هم المطيعون، أهل الصلاة.
وقال ابن المنكدر: هم المصلّون بين المغرب والعشاء.
وقال عون العقيلي [هم] الذين يصلّون صلاة الضحى.
وقال مالك / عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: هو الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب.
وقال ابن جبير: هم الراجعون إلى الخير.
وقال مجاهد:
هم الذين يذكرون ذنوبهم في الخلاء فيتوبون منها.
وأصل آب إلى كذا، رجع إليه فكأنهم الراجعون من معصية الله [ عز وجل] إلى طاعته.
ومن آب الرجل من سفره، أي: رجع.
وأوّاب فعّال من أب.
والأوبة الرجعة منه.
قال تعالى: ﴿وَآتِ ذَا القربى حَقَّهُ والمسكين وابن السبيل﴾.
هذا خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد به أمته.
قال الحسن أمر الله [ عز وجل] في هذه الآية بصلة الرحم، ونذب إلى أن تعطي القرابة من المال من غير الزكاة، ولهم في الزكاة حق وغير ذلك.
وقال ابن عباس: هو أن تصل قرابتك والمساكين وتحسن إلى ابن السبيل.
وقيل: عني بذي القربى هنا قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وروي ذلك عن الحسن بن علي، أن يعطوا من غير الزكاة.
والمسكين هنا هو الدليل من الفقر.
وابن السبيل المسافر المنقطع به يضاف
ويحسن إليه.
وقيل: حق ابن السبيل ضيافته ثلاثة أيام.
وهذا ندب غير فرض.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تُبَذِّرْ تَبْذِيراً﴾.
أي: لا تمحق ما أعطاك الله [ عز وجل] من مال في معصيته، وأصل التبذير التفريق في السرف.
قال ابن مسعود: التبذير: الإسراف في الإنفاق في غير حق.
وهو قول ابن عباس وقتادة.
وقال ابن زيد: هو النفقة في المعاصي.
وهذا قوله حسن.
قال تعالى: ﴿إِنَّ المبذرين كانوا إِخْوَانَ الشياطين﴾.
[أي: المفرقين أموالهم في معاصي الله تعالى وفي غير الحق كانوا أولياء للشياطين].
﴿وَكَانَ الشيطان لِرَبِّهِ كَفُوراً﴾.
أي: لنعمة ربه [ عز وجل] جاحداً لا يشكره عليها، إذ يترك طاعته ويتبع معصيته فكذلك إخوانه من بني آدم.
وكل من تابع أمر قوم وسنتهم فالعرب تسميه أخاً.
فلذلك قال: ﴿كانوا إِخْوَانَ الشياطين﴾.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾.
أي: إن أعرضتم بوجوهكم عن هؤلاء الذين أمرتم أن تعطوهم حقوقهم من أجل عدمكم، تبتغون انتظار رزق من عند الله فلا تؤيسوهم ولكن قولوا لهم قولاً ميسوراً، أي: عدوهم وعداً جميلاً.
بأن تقولوا لهم: سيرزق الله فنعطيكم.
. . وشبه ذلك من القول اللين.
كما قال تعالى ذكره: ﴿وَأَمَّا السآئل فَلاَ تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 10] هذا معنى قول النخعي وابن عباس وغيرهما.
وقال ابن زيد: معنى الآية: إن خشيتم منهم أن ينفقوا ما أعطيتموهم في معاصي الله [ عز وجل] ورأيتم أن منعهم خير، فقولوا لهم: قولاً ميسوراً، أي: قولاً
جميلاً: رزقك الله، ووفّقك الله ونحوه.
وكان النبي عليه السلام إذا سئل وليس عنده شيء أمسك انتظار رزق الله [ عز وجل] أن يأتي كأنه يكره الرد.
فلما نزلت ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ كان إذا سئل ولم يكن عنده ما يعطي يقول / يرزقنا الله وإياكم من فضله.
وقال جماعة من المفسرين: [نزلت] هذه الآية في خباب، وبلال وعامر بن فهيرة، وغيرهم من فقراء المسلمين كانوا يسألون النبي صلى الله عليه وسلم فيعرض عنهم ويسكت.
إذ لا يجد ما يعطيهم، فأمر أن يحسن لهم في القول، إلى أن يرزقه الله ما يعطيهم، وهو قوله: ﴿ابتغآء رَحْمَةٍ مِّن رَّبِّكَ تَرْجُوهَا﴾، أي: انتظار الرزق من ربك تتوقعه ﴿فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُوراً﴾ أي: عدهم وعداً حسناً.
قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ﴾.
هذا مثل ضربه الله [ عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [ عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء.
والخطاب للنبي [ صلى الله عليه وسلم] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بلنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم.
ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة.
وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، " فتقعد ملوماً " مذنباً " محسوراً " منقطعاً بك.
وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل،
فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني.
وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [ عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء " محسوراً " أي منقطعاً ليس معك ما تعطي.
قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَآءُ﴾.
أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم.
وروي عن قالون: " كل البصط " بالصاد.
والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين.
قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تقتلوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾.
هذا نهي عما كانت العرب تفعله.
كانت تقتل البنات خوف الفر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [ عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [ عز وجل] .
وتقتلوا في موضع / نصب عطف على: ﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا﴾ [الإسراء: 23] ولا تقتلوا ". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي.
وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: 23].
" ولا تقتلوا ": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على:
﴿وقضى رَبُّكَ أَلاَّ تعبدوا﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: " ولا تقف " وقوله: " ولا تمش "، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله
مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [ عز وجل] .
ومعنى " كان خِطئاً ": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً.
لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خ [ا] طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً.
ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة.
ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر.
وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ.
وقراءة ابن ذكوان: " خَطَأ " بفتح الخاء والطاء.
ومعناها: كان غير صواب.
الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد.
والخطأ الاسم منه.
وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً.
وقرأ ابن كثير " خطاءً " بالمد وكسر الخاء.
وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد.
وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر.
وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه:
لها وثبات كصَرُبِ السحاب ... فواد خطاء وواد مُهْر
ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن.
ورواه أبو عبيدة " فواد خطيط ". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين.
فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور.
وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط.
فهذا تمثيل.
وفال ابن الإعرابي: " فواد خطا " أي يخطو وادياً، وواد مطر.
أي تعدو [وا] دياً.
فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء.
[فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل.
قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾.
أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا.
هذا [على] قول: من جعله في موضع
نصب.
ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة.
﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [ عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.
قوله: ﴿وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التي حَرَّمَ الله إِلاَّ بالحق﴾.
أي: لا تقتلوا نفساً قد حرّم الله [ عز وجل] قتلها.
" إلا بالحق " / أي: إلا أن تكفر بعد إسلام، أو تزنى بعد إحصان، أو قوداً بنفس.
وقوله: ﴿فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً﴾.
أي: جعلنا له نصراً وحجة على أخذ الثأر ممن قتل وليّه فإن شاء عفا وإن شاء قتل وإن شاء أخذ الدية.
فإذا عفا بعض الورثة لم يقتل القاتل.
والمرأة في ذلك والرجل سواء إذا كانا وارثين، هذا قول الشعبي وعطاء وطاووس والنخعي
والثوري والشافعي وابن حنبل.
فإن كان في الورثة صغيراً استوني بالقتل حتى يبلغ، فإن عفا لم يقتل وإن لم يعف قتل، وهو قول عمر بن عبد العزيز، وابن أبي ليلى.
وابن شبرمة.
والثوري وأحمد وإسحاق.
وقال الحسن البصري وقتادة لا عفو للنساء وإن كن وارثات.
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ في المرأة اختلاف، وروي عنه أنه قال: لا عفو
للزوج، وعنه: لا عفو للمرأة في الدم.
وقال الليث وربيعة والأوزاعي ليس للنساء عفو في دم ولا قسامة.
وقال مالك إذا كان ورثة المقتول بنين وبنات فعفت إحدى البنات لم يجز عفوها، فإن عفا أحد البنين جاز العفو وأخذت الدية ويرثها الورثة على قدر موارثهم من الميت، ويقضي عن الميت من الدية دين إن كان عليه.
وقوله ﴿لِوَلِيِّهِ﴾ يحتمل واحداً وجماعة، كما قال: ﴿إِنَّ الإنسان لَفِى خُسْرٍ﴾ [العصر: 2].
ومعنى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً﴾ أي: من قتل على غير المعاني المتقدم ذكرها.
وقال الشافعي: إذا عفا الولي استحق أخذ الدية.
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾.
أي: لا يقتل الولي غير قاتل وليه.
لأن أهل الجاهلية كانوا يفعلون ذلك: يقتل الرجل الرجل فيقتل أولياء المقتول أشرف من القاتل ويتركون القاتل، فنهى الله [ عز وجل] عند ذلك بقوله: ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ أي لا يسرف الولي.
ومن قرأ بالتاء، جعله مخاطبة للنبي صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده.
وقيل هو مخاطبة للقاتل ألا يقتل غيره فيسرف في ذلك فيناله القتل.
وقيل: معنى ﴿فَلاَ يُسْرِف فِّي القتل﴾ لا يمثل ولي المقتول بالقاتل، بل يقتله كما قتل وليه، قاله قتادة.
وقيل: معناه لا يقتل اثنان بواحد.
والهاء في " أنه " تعود على المقتول، فتعود الهاء على " من " قاله مجاهد.
فيكون
المعنى: إن المقتول كان منصوراً بوليه.
وقال قتادة: الهاء للولي.
أي: [بأن الولي] كان منصوراً.
وقيل: الهاء تعود على الدم.
أي: [إن] دم المقتول كان منصوراً على القاتل.
وقال الفراء: الهاء تعود على القتل أي القتل كان منصوراً.
وقال أبو عبيدة الهاء للقاتل [أي]: إن القاتل كان منصوراً إذا قيد منه في الدنيا وسلم من عذاب الآخرة بقتله.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾.
أي: لا تأكلوا أموال اليتامى إسرافاً وبدراً أن يكبروا ولكن / أقربوها بالإصلاح والتثمير لها.
قال قتادة: لما نزلت هذه الآية، اشتد ذلك على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
فكانوا لا
يخالطوهم في طعام ولا أكل ولا غيره.
فأنزل الله [ عز وجل] .
﴿ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح﴾ [البقر: 220] فكانت هذه رخصة لهم في المخالطة.
وقال مجاهد: معنى الآية: لا تقربوا مال اليتيم فتستقرضوا منه ﴿إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ التجارة لهم فيها.
وقوله: ﴿حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾.
قال ربيعة وزيد بن أسلم ومالك بن أنس: الأشد: الحلم.
ومعناه في اللغة: حتى يبلغ وقت اشتداده في العقل وتدبير ماله وصلاح حاله في دينه.
وأن يكون مع ذلك في غير ذي عاهة في عقل وأن يكون حاز ما في ماله.
وكذلك الأشد في قصة يوسف [عليه السلام] هو الحلم، فأما الأشد في [قصة] موسى [عليه السلام] فقيل: هو بضع وثلاثين سنة.
و " استوى " بلغ أربعين سنة.
و [قيل]: الأشد هنا ثمان عشرة سنة.
والأشد، عند سيبويه، جمع واحد [هـ]: شَد كقَد وأقدُ.
وهو عند غيره اسم مفرد.
ثم قال [تعالى]: ﴿وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً﴾.
أي: مسؤولاً عنه من نقضه.
أي: أوفوا بما عاهدتم عليه الناس من صلح أو بيع أو شراء.
إن الله سائل ناقض العهد عن نقضه إياه، وقيل: مسؤولاً: مطلوباً.
ومن العهد الذي أمر الله [ عز وجل] بوفائه الوقوف عند أمره ونهيه والعمل بطاعته ومنه جميع ما أمر الله [ عز وجل] به في هذه الآية قبله ونهى عنه.
قوله: ﴿وَأَوْفُوا الكيل إِذا كِلْتُمْ﴾.
أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد.
وقال الضحاك: هو الميزان.
وقال
الحسن: هو القبان.
وروى الأعمش عن أبي بكر: " القصطاس " بالصاد في السورتين.
ثم قال: ﴿ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾.
أي ذلك خير لكم.
أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة.
وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [ عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك ".
وقال قتادة: " وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً " وأحسن ثواباً وعاقبة.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.
قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم.
وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله.
وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور.
وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم.
وكذلك قال مجاهد:
فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس / بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن.
وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به.
والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه.
وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا]
أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ.
وقرأ بعضهم: " ولا تقف " مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت.
وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة.
ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد.
فأما قوله: ﴿إِنَّ السمع والبصر والفؤاد﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر.
وأصل القفو في اللغة التتبع.
ومه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، " ولا تَقْفُ مَا لَيْس " لا تتبع ما ليس لك به علم.
وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها.
فيكون على القلب مثل قول الشاعر:
ولو أني رميتك من بعيد ... لعاقك من دعاء الذنب عاق
يريد عائق، فقلب.
وقوله: " كُلُّ أُولَئِكَ " ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن " أولئك " و " هؤلاء " للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكي.
و " هذه " و " تلك " للجمع الكثير.
والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده.
فكذلك التذكير للجمع الأول.
والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير.
وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك.
وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾.
أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً.
ونصب " مرحاً " على الحال وهو مصدر في موضع الحال.
وقرأ بعضهم: " مَرِحاً " بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً.
واختار الأخفش هذه القراءة.
واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل.
ثم قال [تعالى] " ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض﴾.
أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك.
وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [ عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم
خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء.
أي: كل ما نهى الله [ عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة.
وقرأ الكوفيون وابن عامر " سيئة " بإضافة السيء إلى الهاء.
وحجة هذه القراءة أن الله [ عز وجل] قدّم ذكر أشياء / أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها.
ولو كان " سيئة " غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه.
سيئة.
وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً.
وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه.
واحتج أيضاً لها بقوله: " مكروهاً " ولم
يقل " مكروهة " فوجب تذكير " السيء " وإضافته لذلك.
وهذا لا يلزم من قرأ " سيئة " غير مضاف لأن الله [ عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت " كل ذلك [في قوله: " كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله.
وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر " مكروهاً وعلى لفظ " كل " و " كل " مضمر في " كان " و " مكروهاً " خبر عن ذلك المضمر.
و " سيئة " خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث.
وقال إنما ذكر " مكروهاً " في قراءة من قرأ " سيئة " لأن تأنيث السيئة غير حقيقي.
وقيل: " السيء " و " السيئة " واحد فأجرى " مكروهاً " على " السيء " كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على
المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث.
وقيل: " السيئة " و " السوء " واحد فذكر " مكروهاً " حملاً على " السوء ".
وقيل إن من قرأ " سيئة " بالإضافة، إنما إضافة على معنى " السيء " كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء.
كقوله: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الحكمة﴾.
المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، " مما أوحى إليك ربك من الحكمة " أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾.
أي: شريكاً في عبادته.
﴿فتلقى فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾.