الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قريش قمت فمثل لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه ".
وقال أبو العالية: " جاء جبريل [إلى النبي] صلى الله عليه وسلم ومعه ميكائيل فقال جبريل لميكائيل إيتني بطست من ماء زمزم كيما أطهر قلبه وأشرح له صدره.
فشق عن بطنه فغسله ثلاث مرات، واختلف إليه ميكائيل بثلاث طسس من ماء زمزم فشرح صدره، ونزع ما كان فيه من غل، وملاه حلماً وإيماناً وعلماً ويقيناً وإسلاماً، وختم بين كتفيه بخاتم النبوءة، ثم أتاه بدابة فحمل عليه، كل خطوة [منها] منتهى بصره، فسار وسار معه جبريل.
فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد [كما كان] فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون في سبيل الله، تضاعف لهم الحسنة بسبع مائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه
وهو خير الرازقين.
ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما أرضخت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء فقال من هؤلاء يا جبريل؟ [فقال] هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة.
ثم أتى على قوم على إقبالهم رقاع وعلى إدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الإبل والغنم ويأكلون الضريع / والزقوم، ورضف جهنم، وحجارتها، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله شيئاً وما الله بظلام للعبيد.
ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيء في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من النيء الحبيث ويدعون النضيج الطيب، فقال: من هؤلاء يا جبريل؟ [قال]: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى تصبح، والمرأة تكون عند الرجل [الطيب] فتأتي رجلاً خبيثاً فتبيت معه حتى تصبح، قال: ثم أتى على خشبة من الطريق لا يمر بها ثوب إلا شقته ولا شيء إلا حرقته فقال: ما هذا يا جبريل؟ فقال: هذا مثل أقوام من أمتك يقعدون على الطريق فيقطعونه، ثم تلا ﴿وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ﴾.
ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يزيد عليها، قال من هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل من أمتك
تكون عليه آمانات الناس لا يقدر على أدائها وهو يريد أن يزيد عليها.
ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقارض من حديد كلما قرضت عادت لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: من هؤلاء [يا جبريل؟ قال: هؤلاء] خطباء الفتنة.
ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، قال: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها.
ثم أتى على واد فوجد ريحاً طيبة باردة، وريح المسك وسمع صوتاً.
فقال: يا جبريل ما هذه الريح الطيبة الباردة وريح المسك؟ وما هذا الصوت؟ فقال: هذا صوت الجنة تقول: يا رب ايتني ما وعدتني فقد كثر زخرفي، واستبرقي، وحريري، وسندسي، وعبقريي، ولؤلؤي [ومرجاني]، وفضتي، وذهبي، وأكوابي، وصحافي، وأباريقي، وفواكهي، وعسلي، ولبني، وخمري فأين ما وعدتني؟ فقال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحاً ولم يشرك بي، ولم يتخذ من دوني أنداداً، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جزيته، ومن توكل عليّ كفيته، إني أنا الله لا إله إلا أنا لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين.
قالت: قد رضيت.
ثم أتى على واد فسمع صوتاً منكراً ووجد ريحاً
منتنة فقال: ما هذا يا جبريل؟ وما هذا الصوت.
فقال: هذا صوت جهنم، تقول: يا رب، ايتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وضريعي وغساقي وعذابي.
[وقد] بعد قعري، واشتد حري، فأتني ما وعدتني، فقال لها: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة، وكل خبيث وخبيثة، وكل جبار / لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت.
ثم أتى بحديث غلإسراء بطوله، وفيه اختلاف بين الرواة.
فمذهب من قدمنا ذكره أن النبي صلى الله عليه وسلم [ أسرى] بجسمه وعليه أكثر الناس ".
وروي عن معاوية بن أبي سفيان أنه قال: كانت رؤيا من الله صادقة: وروي ذلك عن عائشة أيضاً [رضي الله عنها].
واستدل الحسن على صحة ذلك بقوله
﴿وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ﴾ [الإسراء: 60] فالوحي يأتي للأنبياء في [النوم] وفي اليقظة
ودليل ذلك قول إبراهيم [ صلى الله عليه وسلم] : ﴿ إني أرى فِي المنام أَنِّي [أَذْبَحُكَ]﴾ [الصافات: 102] ثم مضى لذلك ليفعل ما أمر به في النوم.
والاختيار عند أهل النظر: أن يكون أسرى الله [ عز وجل] بجسمه وليست برؤيا في المنام.
والدليل على صحة ذلك: أنها لو كانت رؤيا رآها في منامه لم يكن في ذلك دليل ولا حجة على نبوته، لأن كل إنسان يرى أنه ببلد بعيد وهو في بلد آخر.
فقد يرى الإنسان أنه في الصين و [هو].
بقانة، وبينهما سيرة نحو السنتين وأكثر.
وقد قال الله [تعالى]: ﴿أسرى بِعَبْدِهِ﴾ ولم يقل: بروح عبده، فلا يتعدى ما قاله الله [ عز وجل] إلى غيره إلا بدليل قاطع.
وقوله: ﴿إلى المسجد الأقصا﴾ يعني مسجد بيت المقدس.
وقوله: ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾.
أي: جعلنا حوله البَركَة لسكانه في معايشهم وكثرة ثمارهم وطيبها.
وقيل معناه: أن الأنبياء من بني إسرائيل بعد موسى كلهم كانوا ببيت المقدس فمعنى البركة فيه أنه طهر من الشرك وبوعد منه وخص بالأنبياء.
وقوله: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَآ﴾.
أي: أسري بمحمد [ صلى الله عليه وسلم] لكي يرى من آيات الله [ عز وجل] وعجائبه [سبحانه] وذلك ما رآه [في] طريقه مما ذكرنا بعضه.
وروي: أن أهل مكة قالوا للنبي عليه السلام: إن لنا في طريق الشام إبلاً، فأخبرنا خبرها ومتى تقدم.
فأخبرهم أنها تقدم عليهم في يوم سماه لهم مع شروق الشمس، وأنه فقد منها جمل أورق فخرجوا في ذلك اليوم فقال أحدهم: هذه الشمس قد أشرقت وقال: هذه الإبل قد [أقبلت].
وقوله: ﴿إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾ معناه السميع لما يقول هؤلاء المشركون من تكذيب محمد صلى الله عليه وسلم وغير ذلك.
البصير بما يعملون.
لا يخفى عليه شيء من ذلك.
وكسرت: إن " في قوله: " إنه " لأن معنى الكلام: قل يا محمد سبحان الذي أسرى بعبده، وقل [يا محمد] إنه هو.
ويروى: " أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أعلم قريشاً بالإسراء كذبوه، وقالوا له: نسألك عن عير لنا، هل رأيتها في الطريق؟ فقال: نعم، فقالوا: أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالرواح، قد أضلوا ناقة لهم، وهم في طلبها.
فمررت على [ر] حالهم وليس بها منهم أحد.
فوجدت في إناء من آنيتهم ماء فشربته / فسلوهم إذا رجعوا هل وجدوا الماء [في] الإناء أم لا؟ فقالوا: هذه آية.
قال: ومررت على عير بني فلان فنفرت مني الإبل فانكسر منها جمل أحمر عليه أبناء فلان.
فقالوا: هذه آية أخرى.
[قال ومررت على عير بني فلان] بالتنعيم حين انشق الفجر.
قالوا: فإن كنت
صادقاً، فإنها تقدم الآن.
قال أجل.
قالوا: فحدثنا بعدتها، وأحمالها، ومن فيها.
قال: كنت مشغولاً عنها.
فمثل ذلك لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم] فقال هي منحدرة من الثنية يقدمها جمل أورق عدتها كذا وكذا، وأحمالها كذا وكذا، فيها فلان وفلان، يسمي الرهط الذين فيها، وخرج رهط من قريش يسعون إلى الثنية فإذا هم بها حين انحدرت على ما [وصفها] لهم [النبي] صلى الله عليه وسلم ".
وأخبار الإسراء كثيرة مختلفة الألفاظ، منها المطول، ومنها المختصر، والمعاني متقاربة، فاقتصرنا على ما ذكرنا اختصاراً.
قوله: ﴿وَآتَيْنَآ مُوسَى الكتاب وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿عَبْداً شَكُوراً﴾.
ذرية نصب على النداء، أو على البدل من وكيل، لأنه بمعنى الجميع، وعلى أنه مفعول ثان ليتخذوا.
أو على إضمار أعني.
هذا كله على قراءة من
قرأ [يتخذ [وا] بالياء.
فأما من قرأ بالتاء، فذرية نصب على النداء أو على البدل من وكيل وفيه بعد في المعنى.
والمعنى: سبحان الذي أسرى بعبده وأتى موسى الكتاب وهو التوراة.
لكنه خرج من الغيبة إلى الأخبار وذلك كثير في القرآن وفي كلام العرب.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
[أي]: بياناً لهم ودليلاً إلى الحق لئلا يتخذوا من دوني شريكاً.
وقيل: وكيل رب.
وقيل: كفيل.
وقيل: وكيلاً كافياً.
وقيل معناه: لئلا يتخذوا من دوني رباً.
وعني بالذرية هنا جميع من احتج عليهم بهذا القول من جميع الأمم لأن من على وجه الأرض من جميع بني آدم كلهم ذرية من أنجى الله [ عز وجل] في السفينة مع نوح [ صلى الله عليه وسلم] .
وهو نوح وثلاثة بنون وامرأته وثلاث نسوة لبنيه.
وبنوه هم سام وحام ويافث.
أما سام فأبو العرب وأما حام فأبو الحبش وأما يافث فأبو الروم.
وقد تقدم ذكر هذا بأوعب من هذا البيان.
ثم قال تعالى: ﴿نَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً﴾.
يعني: نوحاً [ صلى الله عليه وسلم] . قال سلمان الفارسي: إنما سمي نوحاً عبداً شكوراً، لأنه كان إذا لبس ثوباً حمد الله، وإذا أكل طعاماً حمد الله، وهو قول مجاهد.
وقيل: إنه كان يقول إذا أكل [طعاماً] الحمد لله الذي أطعمني ولو شاء أجاعني.
وإذا شرب قال: الحمد لله الذي سقاني ولو شاء أظمأني.
وإذا لبس ثوباً قال: الحمد لله الذي أكساني، ولو شاء أعراني.
وإذا لبس نعلاً، قال: الحمد لله الذي حذاني ولو شاء أحفاني.
وإذا قضى حاجته قال: الحمد لله الذي أخرج عني
الأذى ولو شاء لحبسه.
وقيل: سمي " شكوراً " / لأنه كان يقول: إذا خرج البراز منه: الحمد لله الذي سوغنيك طيباً وأخرج مني أذاك وأبقى منفعتك.
وقيل: سمي بذلك لأنه كان إذا لبس ثوباً جديداً قال: الحمد لله، وإذا أخلقه قال الحمد لله.
وقال القرظي: كان [يقول] إذا أكل أو شرب أو ركب دابة أو لبس ثوباً [ال] حمد لله.
و [روي] عن سلمان أيضاً مثله.
فالحمد لله والشكر له والإقرار له بالحمد على نعمه يعني: بالشكر.
وروي عن بعض الصحابة أو بعض التابعين أنه قال: لو جمع نعم الدنيا كلها في قشرة بيضة ثم لحسه مؤمن، وقال الحمد لله لأدى شكر [هـ] ذلك.
وروى مالك عن سهل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة [أنه] قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
" إذا مرض العبد، المؤمن بعث الله [ عز وجل] إليه ملكين فيقول: انظرا ما يقول لعواده.
فإن هو إذا دخلوا عليه حمدا لله رفعوا ذلك إلى الله [ عز وجل] ، وهو أعلم، فيقول الله عز وجل: لعبدي، إن أنا توفيته، أن ادخله الجنة، وإن أنا شفيته، أن أبدله لحماً خيراً من لحمه، ودماً خيراً من دمه، وأن أكفر عنه سيئاته ".
وروى مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم
يرويه عن ربه [ عز وجل قال]: " إذا ابتليت عبدي [بلاء] فصبر أبدلته لحماً خيراً من لحمه ودماً خيراً من دمه وإن أنا قبضته في علّته تلك قبضته إلى رحمتي وكرامتي ".
قوله: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب﴾ إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ نَفِيراً﴾.
معنى القضاء في اللغة: أحكام الشيء والفراغ منه.
فمعنى الآية: وفرغ ربك إلى بني إسرائيل فيما أنزل من كتابه إلى موسى [ صلى الله عليه وسلم] إنكم يا بني إسرائيل تعصون الله وتخ [ا] لفون أمره وتستكبرون عليه استكباراً شديداً مرة بعد مرة.
قال ابن عباس وابن زيد: ﴿وَقَضَيْنَآ [إلى بَنِي] إِسْرَائِيلَ﴾ أعلمناهم بذلك في
كتابهم.
وقيل: معناه: إن ذلك سبق في أم الكتاب عليهم أنهم يفسدون ويخالفون أمر الله [سبحانه] ويستكبرون في الأرض مرتين.
قاله قتادة.
وروي [ذلك] أيضاً عن ابن عباس قال: [قضاء] قضاه الله [ عز وجل] على القوم كما تسمعون.
قال مجاهد: دخلت على ابن عباس فقلت: إن على الباب رجل يقول في القدر.
فقال: ادخلوه علي.
فقلت ما تريد به؟ قال: اقرءوا عليه قول الله: ﴿وَقَضَيْنَآ إلى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الكتاب لَتُفْسِدُنَّ فِي الأرض مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً﴾ قال فقضى عليهم ليفسدن في الأرض مرتين وليعلن علواً كبيراً قبل أن يخلقهم، فقضى عليهم ما علم أنهم عاملون، وكتبه عليهم ففعلوه.
قال ابن عباس وابن مسعود: كان إفساد بني إسرائيل [في الأرض] في أول
مرة قتل زكرياء [ صلى الله عليه وسلم] فبعث الله [ عز وجل] عليهم ملك [ال] نبط.
فبعث إليهم الجمود من أهل فارس، فهم أولوا بأس شديد.
/ فتحصنت بنو إسرائيل وخرج فيهم بختنصر يتيماً مسكيناً، خرج يستطع [م] وتلطف حتى دخل المدينة.
فأتى مجالسهم فسمعهم يقولون: لو علم عدونا ما قذف في قلوبنا من الرعب بذنوبنا ما أرادوا قتالنا، فخرج بختنصر حين سمع ذلك منهم واشتد القيام على الجيش فرجعوا فذلك قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَّنَآ أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ الآية: ثم إن بني إسرائيل تجهزوا فغزوا النبط فأصابوا منهم فاستنفذوا ما في أيديهم، فذلك قوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ﴾ الآية.
و " نفيراً " معناه عدداً.
وقال ابن زيد: كان إفسادهم الأول قتل زكرياء، والثاني قتل يحيى.
فسلط الله عليهم ابور ذا الاكتاف، وهو ملك من ملوك فارس، في قتل زكرياء، وسلط عليهم بختنصر في قتل يحيى.
وقال قتادة: بعث عليهم أول مرة جالوت والثانية بختنصر.
ومعنى قوله: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ أُولاهُمَا﴾ أي: أول المرتين اللتين قضينا إلى بني إسرائيل، أي أو [ل].
الفسادين.
وقوله: ﴿فَجَاسُواْ خِلاَلَ الديار﴾.
أي: ترددوا بين الدور والمساكن وذهبوا وجاءوا.
وقال ابن عباس: " جاسوا " مشوا.
وقال الزجاج: الجوس طلب الشيء
باستقصاء.
فمعناه: طلبوا هل يجدون أحداً.
وقال بعض أهل اللغة: معنى " جاسوا " قتلوا.
وقوله: ﴿وَكَانَ وَعْداً مَّفْعُولاً﴾.
أي: كان جوس القوم خلال ديار بني إسرائيل وعداً من الله [ عز وجل] ، لا يخلف.
قال ابن عباس وقتادة: أتاهم في المرة الأولى جالوت فجاس خلال ديار بني إسرائيل وضرب عليهم الخراج والذل.
فسألوا الله [ عز وجل] أن يبعث إليهم ملكاً يقاتلون في سبيل الله.
فبعث الله طالوت.
فقاتلوا جالوت، فنصره الله، وقتل جالوت، على يدي داوود ورد الله [ عز وجل] إلى بني إسرائيل ملكهم.
وعن مجاهد أنه قال: جاءهم بختنصر في أول مرة من جهة فارس فهزمهم بنو إسرائيل، ثم رجعوا ثانية فقتلوا بني إسرائيل ودمر [و] هم تدميراً، وجلوهم عن بيت المقدس فلم يصلوا إلى دخوله سبعين سنة.
وروي عن مجاهد أنه قال: إنما جاءهم في أول مرة قوم من أهل فارس معهم بختنصر يتجسسون أخبارهم ثم رجعت فارس وقد وعى بختنصر أخبارهم دون أصحابه، ولم يكن قتال.
وقيل: إنما جاءهم في المرة الأولى، أي: بختنصر ومن معه من جبابرة فارس، بعثه الله نقمة لهم حين أفسدوا وقتلوا يحيى بن زكرياء.
ويروى: أن يحيى كان قد قال لهم: إياكم أن يقع من دمي شيء في الأرض فتهلك بنو إسرائيل.
فذبحوه واحتفظوا بدمه، فجعلوه في طست من ذهب.
فوقعت منه نقطة في الأرض / فما زالت تفور وتغلي حتى هجم عليهم بختنصر.
فيروى: أنه ذبح على ذلك الدم سبعين ألفاً من بني إسرائيل، فهدأ الدم.
سبى بني إسرائيل حتى سبى أبنائهم وخرج بهم إلى أرض العراق.
ويروى: أن الفساد الثاني الذي ارتكب بنو إسرائيل هو قتلهم زكرياء ويحيى عليهم السلام بعد أن أقاموا في الدعة والسلامة عشرين ومائتي سنة.
فأرسل عليهم من قتلهم وسباهم، وحرق بيت المقدس وأخرجه.
فلم يزل الذين ظهروا عليهم ببيت
المقدس حتى فتحه الله عز وجل في زمان عمر رضي الله عنهـ وفيه الروم فقتلوا وأخرجوا منه إلى الآن لا يدخلونه إلا مستخفين.
وقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة عَلَيْهِمْ﴾.
قال السدي: هي ما نصر الله عز وجل بني إسرائيل، إذ غزوا النبط، فأصابوا منهم واستنقدوا ما في أيديهم.
وقيل: هو إطلاق الملك الذي غزاهم [ما في يديه من] أسراهم ورد ما كان أصاب من أموالهم من غير قتال، سخره الله عز وجل لذلك فهو رد الكرة لبني إسرائيل.
وقيل: هي نصر الله عز وجل إياهم على جالوت حتى قتلوه.
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيراً﴾.
أي: عدد [اً]، وذلك في أيام داود.
وقوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾.
المعنى: أن الله أخبرنا عما قال لبني إسرائيل في التوراة لنتأسى بذلك
﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ﴾، يا بني إسرائيل أي: [إن] أطعتم الله فيما أمركم به على نعمه عندكم إذا دلكم من عدوكم ﴿أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ﴾ أي: ما فعلتم من ذلك لأنفسكم تفعلوه، وعليكم يعود نفعه.
﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ﴾ أي: عصيتم الله [ عز وجل] ﴿ فَلَهَا﴾ أي: فإلى أنفسكم تسيئون.
لأن ضرره عليكم يعود.
وقيل: معنى ﴿فَلَهَا﴾ أي: إليها.
كما قال: ﴿أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: 5] أي: إليها.
أي: فإلى أنفسكم يعود الضرر.
وقيل: اللام على بابها [على معنى] فلها يكون العقاب على الإساء.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ الآخرة لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾.
والمعنى: فإذا جاء الفساد الثاني من فسادكم يا بني إسرائيل، وهو قتلهم يحيى على ما ذكرنا ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ﴾ أي: خلينا بينكم وبينهم، ولم نمنعهم منكم.
فبعث الله عليهم بختنصر فقتل المقاتلة وسبى الذراري وأخذ ما وجد من الأموال ودخلوا بين المقدس.
وهو قوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ [المسجد] كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ فتبروه وخربوه وألقوا فيه
الجيف والعذرة.
وقيل: [ليسوء] معناه: أمرناهم بغزوكم بما عصيتم وأفسدتم.
﴿لِيَسُوءُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ [أي]: ليسوء المبعوثون عليكم وجوهكم.
ومن قرأ بفتح الهمزة، فمعنى: " ليسوء " الوعد بسوء الله.
أو ليسوء العذاب.
ومن قرأ بالنون فهو على الأخبار عن الله جل ذكره.
وقوله: ﴿وَلِيَدْخُلُواْ المسجد كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
أي: كما دخلوه في الانتقام / منكم في فسادكم الأول.
وقوله: ﴿وَلِيُتَبِّرُواْ مَا عَلَوْاْ تَتْبِيراً﴾.
قال قتادة معناه: ما علوا عليه.
وقيل معناه: ويتبروا ما داموا عالين.
وحقيقة أن ما، وما بعدها في موضع نصب على الظرف.
والتقدير: وليتبروا وقت غلبتهم.
والتتبير التدمير.
وقوله: ﴿مَا عَلَوْاْ﴾ عند الزجاج [ما] في موضع الحال.
أي: وليدمروا في حال علوهم.
قال تعالى: ﴿عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.
المعنى: لعل ربكم يا بني إسرائيل أن يرحمكم بعد انتقامه منكم بالقوم الذين يبعثهم عليكم.
و ﴿عسى﴾ من الله واجبة وقد فعل بهم ذلك فكثر عددهم وجعل منهم الملوك والأنبياء.
ثم قال: ﴿وَإِنْ عُدتُّمْ عُدْنَا﴾.
أي: [و] إن عدتم [ل] أمخالفة أمري، وقتل أنبيائي عدنا عليكم بالقتل
والسباء والذلة والصغار.
فعادوا، فعاد الله عليهم بذلك.
إذ بعث محمداً.
قال ابن عباس: عادوا فعاد، ثم عادوا فعاد.
فسلط الله عليهم ثلاثة ملوك فارس.
وعنه: عادوا فسلط الله عليهم المؤمنين.
وقال قتادة: عادوا فسلط الله عليهم محمداً [ صلى الله عليه وسلم] يعطونه الجزية عن يد وهم صاغرون.
وقال الضحاك: الرحمة هنا بعث محمد صلى الله عليه وسلم.
وقال الأخفش: المعنى: عسى ربكم أن يرحمكم إن فعلتم ذلك.
ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيراً﴾.
أي: سجناً يسجنون فيها.
قاله قتادة وغيره.
وقال ابن عباس: ﴿حَصِيراً﴾ مأوى.
وقال الحسن: ﴿حَصِيراً﴾ بساطاً ومهاداً كما قال: ﴿لَهُمْ مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ [الأعراف: 41].
ويقال للملك: ﴿حَصِيراً﴾ بمعنى محصوراً لأنه محجوب عن الناس.
ويقال
للبخيل: حصوراً وحصيراً لمنعه ما عنده، ومنه الحصر في المنطق لأنه يمتنع عليه الكلام.
ومنه الحصور عن النساء لامتناع الجماع عليه، ومنه الحصر في الغائط إذا احتبس عليه.
وقيل للحصير المنسوج حصيراً، لأنه حُصِرت جوانبه عن أن تنفلت.
وقيل: لأنه حصرت طاق [اته بعضها من بعض.
وقوله: ﴿إِنَّ هذا القرآن يَِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.
المعنى: أن هذا القرآن يا محمد يرشد من اهتدى به للحال التي هي أقوم الحالات أي: أصوبها.
وذلك دين الله [سبحانه] المستقيم وتوحيده [جلت عظمته] والإيمان بكتبه ورسله وهو مع هدايته يبشر المؤمنين العاملين الأعمال الصالحة أن لهم أجراً كبيراً وهو الجنة /.
وكل شيء في القرآن أجر كريم وأجر كبير ورزق كريم فهو الجنة.
وقيل:
المعنى: ويبشر [الله] المؤمنين بذلك.
قال مقاتل وغيره: التي هي أقوم شهادة أن لا إله إلا الله.
وقيل معناه يهدي للخصال التي هي أصوب مما أمر الله [ عز وجل] ، ودعا إليه ووعد عليه العطاء الجزيل والثواب العظيم وعلى هذا أكثر المفسرين.
ولا إله إلا الله أصل الخصال الحسنة وأعظم ما دعا الله إليه عباده وندبهم إلى اعتقاده فهي العروة الوثقى والكلمة المنجية من العذاب.
قال [تعالى]: ﴿وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة﴾.
أي: لا يصدقون بها أعددنا لمقدمهم على ربهم عذاباً أليماً، أي: مؤلم وموجع، وذلك عذاب جهنم [أعاذنا الله منها].
قال: ﴿وَيَدْعُ الإنسان بالشر دُعَآءَهُ بالخير﴾.
المعنى: ويدع الإنسان على نفسه وولده وماله بالشر دعاء مثل دعائـ[هـ]
ربه [ عز وجل] بالخير.
أي: يسأل أن يهلك نفسه وولده وماله إذا غضب كما يسأل أن يجيبه ويحيي ولده ويثمر ماله إذا رضي، فلو استجاب له في الشر كما يستجيب له في الخير لأهلكه.
ثم قال: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾.
أي: يعجل على نفسه بالدعاء، ولا يعجل الله [ عز وجل] عليه بالإجابة.
وروي أنها نزلت في النضر بن الحارث [بن] علقمة كان يدعو ويقول:
﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].
وكان يدعو على نفسه بالشر كما يدعو [لها] بالخير.
﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ أي: عجلة النضر بالدعاء على نفسه، كعجلة آدم حين نهض [قبل] أن
يجري فيه كله.
وقال ابن عباس: لما نفخ الله [ عز وجل] في آدم من روحه فدارت النفخة من قبل رأسه، فجعل لا يجري منها شيء في جسده إلا صار لحماً [دوماً].
فلما انتهت النفخة إلى سرته نظر إلى جسده [فأعجبه] ما رأى من حسنه فذهب لينهض فلم يقدر فهو قوله: ﴿وَكَانَ الإنسان عَجُولاً﴾ فالإنسان هنا في موضع الناس.
وروى أن النبي صلى الله عليه وسلم دفع إلى سودة بنت زمعة أسيراً، فجعل يئن من الليل.
فقالت له: ما بالك تئن؟ فشكى إليها ألم القد.
فأرخت كتافه.
فلما نامت أخرج يده وهرب.
فلما أصبح النبي [ صلى الله عليه وسلم] دعا به، فأعلم شأنه.
فقال: اللهم اقطع يدها، فرفعت سودة يدها تتوقع الاستجابة، أن يقطع الله يدها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إني سألت [الله] أن
يجعل لعنتي ودعائي على من لا يستحق من أهلي رحمة، لأني بشر أغضب كما يغضب البشر، فلترد سودة يدها
قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل﴾.
معناه: أن الله [ عز وجل] عرف عباده نعمه عليهم، / فمن نعمه [أن] جعل الليل مخالفاً للنهار ليسكنوا في الليل ويتصرفوا في معائشهم [التي قدرت لهم] بالنهار، وليعلموا عدد [السنين والحساب أي: عدد] سنينهم وحساب ساعات الليل والنهار.
ومعنى ﴿آيَتَيْنِ﴾ أي: جعلنا الليل والنهار علامتين.
فعلامة النها [ر] الشمس وعلامة الليل القمر ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً﴾.
أي: بيناه [تبييناً] بياناً شافياً.
وقوله: ﴿فَمَحَوْنَآ آيَةَ اليل﴾، أي: لم يجعل للقمر ضياء ونوراً كالشمس وقوله: ﴿وَجَعَلْنَآ آيَةَ النهار مُبْصِرَةً﴾ أي: مضيئة، وهي: الشمس.
والمحو الذي في القمر هي اللطخة التي تظهر فيه للمتأمل، ويروى أن الله جل ذكره أمر جبريل عليه السلام، فأمرَّ بجناحه على القمر فصار فيه المحو الذي فيه.
وقد كان ضياؤه مثل الشمس أو أشد، ولكن الله جل ذكره فرق بينهما ليعرف الليل من النهار، وليعلم عدد السنين والشهور، والأجل، والحج وغير ذلك.
وعن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " خلق الله [ عز وجل] شمسين من نور
عرشه فأما ما كان في سابق علمه أنه يدعها شمساً فإنه جعلها مثل الدنيا على قدر ما بين مشارقها إلى مغاربها.
وأما ما كان في سابق علمه أن يطمسها ويحولها قمراً فإنه جعلها دون الشمس في العظم، ولكن إنما يرى صغرها لشدة ارتفاع السماء وبعدها من الأرض.
ولو ترك الله القمر كما خلقه أول مرة لم يعرف الليل من النهار، ولا النهار من الليل، ولا عدد الأيام ولا الشهور، فأرسل جبريل [عليه السلام] إلى القمر فأمرَّ جناحه على وجه القمر وهو يؤمئذ شمس، ثلاث مرات فطمس عنه الضوء وبقي منه النور فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا اليل والنهار آيَتَيْنِ﴾ الآية " فالسواد الذي يرون في القمر أثر المحر.
قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾.
المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة.
فعمله في عنقه لا يفارقه.
وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله
[ عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً.
قال ابن عباس: " طائره " عمله وما قدره الله [ عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾ [الأعراف: 37] أي: ما سبق لهم.
يعني: كتاب عمله.
وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب / بلسانها وبما تستعمله من لغاتها.
والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه.
ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: " ذلك بما كسبت يداك ". وإن
كان الذي كسبه لسانه أو فرجه.
وقيل: " طائره " حظه.
من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء.
وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ القيامة كِتَاباً﴾.
قرأه مجاهد والحسن وابن محيص " ويخَرج " بياء مفتوحة.
على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً.
فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً.
وقرأ أبو جعفر " ويُخرج " بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و " كتاباً " منصوب أيضاً على الحال، و " كتاباً " على
قراءة الجماعة مفعول بـ " نخرج ".
وقال قتادة: " طائره " عمله.
والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ اليمين وَعَنِ الشمال قَعِيدٌ﴾ [ق: 17]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك ف [ي] حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً.
فيقال لك.
﴿اقرأ كتابك كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك.
ومعنى: ﴿اقرأ كتابك﴾.
أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها.
قال: ﴿مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾.
أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [ عز وجل] ودخول جنته.
﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها].
وتقدير من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: 7] [وهو] مثل
قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾.
ويروى أنه نزلت في أبي سلمة / بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره.
وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم.
فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾.
والآية عامة في كل مؤمن وكافر.
ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى﴾.
أي: لا يحمل أحد ذنبغيره.
وقال " وازرة " بمعنى نفس وازرة.
وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار.
﴿إِنَّا وَجَدْنَآءَابَآءَنَا على أُمَّةٍ وَإِنَّا علىءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: 22].
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل.
وقال قتادة: إن الله [ عز وجل]
ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [ عز وجل] بينة.
وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار.
فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [ عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه.
ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾.
وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة.
وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول.
فأما عذاب
الاخرة يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يلأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق.
فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول.
فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [ عز وجل] عليه الدلالات والعلامات.
قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾.
قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو.
وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد.
وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف.
ومعناها: عند أبن عبس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها.
وقيل: " المترفون " هنا الفسقة.
وقيل: هم المستكبرون.
والفاسق والمستكبر إذا أمر عصما فيحق عليه القول بعصيانه.
وعن قتادة: أن معنى " أمرنا " أكثرنا.
وقال الكسائي: يجوز أن يكون " أمرنا " من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون / بمعنى أكثرنا.
قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد.
وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد " أمرنا " مقصوراً، بمعنى أكثرنا.
ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة.
فالسكة
المأبورة النخل المصلح.
والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج.
وهي من أمر.
فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا.
والمترفون هنا الإشراف.
ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره.
فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم.
يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، وغلإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: 71] أي: عظيماً.
وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾.
أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا القول﴾ أي: وجب عليها