الهداية إلى بلوغ النهايةصفحات 4086-4126
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الناس

صفحات 4086-4126
عن هذه الطبعة
عَلَم
مكي بن أبي طالب
الكتاب
الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
المؤلف
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
المحقق
مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
الناشر
مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
الطبعة
الأولى، 1429 هـ - 2008 م
عدد الأجزاء
13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]

﴿إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين﴾ [الحجر: 40] فهؤلاء لم: يجعل للشيطان عليهم سبيلاً.
قوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَآ آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ﴾.
المعنى عند مجاهد: وإذا رفعنا آية وأنزلنا أخرى.
وعنه [أيضاً]: وإذا رفعنا آية فنسخناها وأثبتنا غيرها.
وقال قتادة وهو قوله: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا﴾ [البقرة: 106]. وقيل معناه: وإذا بدلنا حكم آية بحكم آية أخرى ﴿والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ مما هو أصلح لخلقه.
قال المشركون لك يا محمد ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُفْتَرٍ﴾ أي: متخرص الكذب على الله ﴿بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ حقيقة ذلك لجهالتهم.
قال: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ القدس مِن رَّبِّكَ بالحق﴾.
أي: قل لهم يا محمد: نزَّل هذا القرآن ناسخه ومنسوخه جبريل [ صلى الله عليه وسلم] من عند الله ﴿بالحق لِيُثَبِّتَ الذين آمَنُواْ﴾ أي: ليقوي إيمانهم ويتضاعف تصديقهم إذا آمنوا بناسخه ومنسوخه.

﴿وَهُدًى﴾ من الضلالة ﴿وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ﴾ وبشرى للذين استسلموا لأمر الله [ عز وجل] ونهيه وما أنزله في كتابه.
قال [تعالى]: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾.
أي: ولقد نعلم يا محمد أن هؤلاء المشركين يقولون جهلاً منهم إنما يعلم محمداً هذا الذي يتلو علينا بشر من بني آدم وما هو من عند الله.
فقال الله مكذباً لهم: ﴿لِّسَانُ الذي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾.
أي لسان الذي يميلون إليه أنه يعلم محمداً [ صلى الله عليه وسلم] أعجمي ﴿وهذا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ لأنهم زعموا أن الذي يعلم محمداً عبد رومي.
قال ابن عباس: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم فتى بمكة، وكان اسمه بلعام، وكان أعجمي اللسان فلما رأى المشركون النبي صلى الله عليه وسلم، يدخل عليه ويخرج، قالوا [له] إنما يعلمه

بلعام، فأنزل الله [ عز وجل] الآية.
وقيل: كان اسمه يعيش، [قال عكرمة: كان النبي عليه السلام يقرئ غلاماً لبني المغيرة اسمه يعيش] أعجمياً، فقال / المشركون إنه يعلم محمداً.
وقيل: هو [عبد] لبني الحضرمي يقال له يعيش.
وقيل: كان اسمه جبراً.
كان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيراً ما يجلس عنده عند المروة.
فقال المشركون هو يعلم محمداً [ صلى الله عليه وسلم] ما يتلو علينا، وكان جبر أَعجمي اللسان، فاحتج الله عليهم أنه أعجمي وأن القرآن عربي والعجمي، لا يعلم العربي.
وقيل: كانا غلامين اسم أحدهما جبر، والآخر يسار يقرآن التوراة

وكان النبي صلى الله عليه وسلم يجلس إليهما.
فقال كفار قريش إنما يجلس إليهما يتعلم منهما.
وقال الضحاك: هو سلمان الفارسي.
وروي أن الذي قال هذا رجل كاتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ارتد عن الإسلام وكان يملي عليه النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أو ﴿عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أو غير ذلك من خواتم الآي، ويشتغل النبي صلى الله عليه وسلم فيبدل هو في موضع سميع عليم وعزيز حكيم ويقوله للنبي صلى الله عليه وسلم، فيقول له النبي عليه السلام، أي ذلك كتبت فهو كذلك ففتنه ذلك.
وقال [إن] محمداً يكل ذلك إلي وأكتب ما شئت فارتد.
وقال للمشركين أنا أفظن الناس بمحمد والله ما يعلمه إلا عبد بني فلان.
فنزلت الآية في كذبه لهم.
أي: إن الذين يجحدون بآيات الله لا يوفقهم الله لإصابة الحق ولهم في الآخرة عذاب مؤلم.

﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ الله﴾ أي: الذين يجحدون آياته، ويفتري بمعنى يتخرص.
وقال بعض أهل المعاني إنما أعاد الكاذبين، و [قد] تقدم الإخبار عنهم بالكذب لأن الثاني صفة، والصفة ألزم من الخبر، لأن من نعت بصفة فهي لازمة له، ومن أخبر عنه بخبر فقد يحول عنه.
فأعاد ذكر الكذب لأنه ألزم في أكثر الأحوال من الخبر.
وهذا الذي قال إنما يلزم إذا كانت الصفة صفة ذات فهي لا تتغير كالأحمر والأسود.
ويتغير الخبر بالأفعال.
وإذا كانت الصفة صفة فعل فهي تتغير أيضاً كتغيير الخبر بالفعل.
والصفة في هذه صفة فعل لا صفة ذات، فلا يلزم قوله، ولا يستقيم، ولكن أعيد ذكر الكذب عنهم للتأكيد.

قوله: ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ﴾.
هذه الآية نزلت في عمار بن ياسر [ووالده ياسر] وأمه سمية وخباب بن الأرت، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة والمقداد بن

الأسود وقوم أسلموا ففتنهم المشركون عن دينهم فثبت على الإسلام بعضهم وافتتن بعضهم.
فمن ابتداء ﴿ولكن مَّن شَرَحَ﴾ ابتداء [أيضاً]، وخبرهما ﴿فَعَلَيْهِمْ﴾.
وقيل: ﴿مَن كَفَرَ﴾ في موضع [رفع] على / البدل من " الكاذبين ". وفيه بعد.
وقال ابن عباس وقتادة: نزلت في عمار بن ياسر، قال قتادة: أخذه بنو

المغيرة فغطوه في بئر ميمون، وقالوا: أكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم فتابعهم على ذلك وقلبه كاره موقن بأن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله جاء بالحق من عنده، فأنزل الله [ عز وجل] ﴿ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾.
وقوله: ﴿ولكن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾.
أي: من كفر على اختيار منه واستحباب ﴿فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ الله﴾، قال عكرمة نزلت الآية في قوم أسلموا بمكة ولم يمكنهم الخروج، فلما كان يوم بدر أخرجهم المشركون فقتلوا وفيهم نزلت ﴿إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء﴾ [النساء: 98] الآيتين.
[وقيل إنهم كانوا بمكة لا يقدرون على الخروج فلما نزلت: ﴿إِلاَّ المستضعفين مِنَ الرجال والنسآء﴾ [النساء: 98] الآيتين]، كتب بها المسلمون الذين بالمدينة إلى إخوانهم الذين يخبرونهم بما نزل فيهم فلما وصل إليهم الكتاب، خرج ناس كانوا أقروا

بالإسلام فطلبهم المشركون فأدركوهم فرجعوا وأعطوهم الفتنة، قولاً دون اعتقاد.
فأنزل الله [ عز وجل] فيهم: ﴿وَمِنَ الناس مَن يِقُولُ آمَنَّا بالله فَإِذَآ أُوذِيَ فِي الله جَعَلَ فِتْنَةَ الناس كَعَذَابِ الله﴾ [العنكبوت: 10]، وأنزل فيهم ﴿إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان﴾، وأنزل فيهم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾ [النحل: 110] الآية فسمع ذلك رجل من بني بكر كان مريضاً، فقال لأهله: أخرجوني إلى الروح، يعني المدينة.
فأخرجوه فمات قبل الليل، فأنزل الله [ عز وجل] : ﴿ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى الله وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الموت﴾ [النساء: 100] الآية.
قال مجاهد: أول من أظهر الإسلام سبعة: رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] ، وأبو بكر الصديق وبلال وخباب وصهيب، وعمار، وسمية أم عمار.
فأما رسول الله عليه السلام فمنعه أبو طالب، وأما أبو بكر فمنعه قومه، وأخذ الآخرون فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فبلغ منهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ من حر الحديد والشمس، فلما كان من العشاء أتاهم أبو جهل ومعه حربة، فجعل يسبهم ويوبخهم، ثم أتى

سمية فطعن بالحربة في فرجها، فقتلها.
فهي أول شهيد استشهد في الإسلام.
قال: وقال الآخرون ما سألوهم، إلا بلالاً فإنه هانت عليه نفسه، فجعلوا يعذبونه وهو يقول: أحد أحد، حتى ملوه، ثم كتفوه، وجعلوا في عنقه حبلاً من ليف، ودفعوه إلى صبيانهم يلعبون به بين أخشبي مكة، حتى ملوه فتركوه.
فقال عمار: كلنا قد تكلم بالذي قالوا له، فلولا أن الله تداركنا - غير بلال - فإنه هانت عليه نفسه في الله [ عز وجل] فهان على قومه حتى تركوه، وملوه، فنزلت هذه الآية في هؤلاء.
قال ابن عباس: والله إن كانوا ليضربون أحدهم ويخنقونه ويعطشونه ويجوعونه / حتى [ما] يقدر أن يستوي جالساً من شدة الضر الذي به حتى أنه ليعطيهم ما سألوا من الفتنة التي رمي بها، وحتى يقولوا له: اللات والعزى إلهك من دون الله؟ فيقول: نعم.
وحتى أن الجُعل ليمر بهم فيقولون: هذا الجُعل إلهك ن دون الله؟ فيقول: نعم، افتداء منهم لما يبلغون من جهده فنزلت فيهم: ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ﴾ الآية.

و [قيل] معنى ﴿مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْراً﴾، أي: قبله وانفسح له صدره.
قال: ﴿ذلك بِأَنَّهُمُ استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة﴾ أي: وجب العذاب لهم لاختيارهم زينة الحياة الدنيا على الآخرة ﴿وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِي القوم الكافرين﴾ أي: لا يوفقهم بجحودهم آيات الله وتوحيده، وعبادتهم غيره.
قوله: ﴿أولئك الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾.
معناه: أولئك الذين تقدمت صفتهم، هم طبع الله على قلوبهم، أي ختم عليها بطابعه فلا يؤمنون ولا يهتدون، وأصم أسماعهم، فلا يسمعون داعي الله [ عز وجل] سماع قبول، وأعمى أبصارهم، فلا يبصرون بصر مهتد معتبر.
﴿وأولئك هُمُ الغافلون﴾ أي: هم الساهون عما أعد الله [ عز وجل] لأمثالهم من أهل الكفر وعما يراد بهم.
ثم قال: (لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [109]. قال الطبري: لا جرم معناه لا بد أنهم في الآخرة هم الهالكون الذين غبنوا أنفسهم حظوظها.
قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ﴾.
أي: هاجروا إلى المدينة وتركوا ديارهم وأموالهم، أي من بعدما عذبوا على الإسلام بمكة ثم جاهدوا المشركين في الله [ عز وجل] مع نبيه [ صلى الله عليه وسلم] وصبروا في الجهاد، وعلى طاعة الله [ عز وجل] إن ربك من بعد ذلك: أي: من بعد الفعلة التي

فعلوها ﴿لَغَفُورٌ﴾ أي لساتر على ذنوبهم ﴿رَّحِيمٌ﴾ بهم.
وقد تقدم الكلام فيمن نزلت هذه الآيات.
ومن قرأ ﴿فُتِنُواْ﴾ بالفتح، وهي قراءة ابن عامر، فمعناه: عذبوا غيرهم على الإيمان ثم آمنوا هم من بعدما فعلوا ذلك بالمؤمنين، إن ربك من بعد الفعلة التي

فعلوها ساتر لذنوبهم، رحيم بهم.
قال ابن عباس وقتادة: نزلت في قوم خرجوا إلى المدينة فأدركهم المشرطون ففتنوهم فكفروا مكرهين.
وقال الحسن وعكرمة: نزلت في شأن ابن أبي سرح: فتنه المشركون فكفر، فنزلت: ﴿مَن كَفَرَ بالله مِن بَعْدِ إيمَانِهِ﴾ [النحل: 106]. [الآية، ثم استثنى إلا من أكره] ثم نسخ واستثنى بقوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ﴾ الآية، وهو عبد الله بن أبي سرح كان يكتب للنبي صلى الله عليه وسلم فلحق بالمشركين، وأمر به النبي [ صلى الله عليه وسلم] يوم فتح مكة، بأن يقتل فاستجار له عمر فأجاره رسول الله / صلى الله عليه وسلم.

قال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾.
يوم منصوب برحيم.
وقيل انتصب على إضمار: [و] اذكر ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾.
ومعنى الآية: أن الله أعلمنا أن كل إنسان [منهم] يوم القيامة منشغل بنفسه، يطلب خلاصها.
وروي أن كعباً قال لعمر [رضي الله عنهـ]: تزفر جهنم يوم القيامة زفرة، فلا يبقى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، إلا جثا على ركبتيه، يقول: يا رب نفسي، حتى أن إبراهيم، خليل الرحمن، ليجثو على ركبتيه.
ويقول: لا أسألك إلا نفسي، ثم قال كعب: إن هذا لفي كتاب الله، ثم تلى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ الآية.
قوله: ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّ﴾.

أي: ضرب الله مثلاً، مثل قرية، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
وقوله: ﴿آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً﴾ خبر بعد خبر.
و ﴿رَغَداً﴾ مصدر في موضع الحال.
والمعنى: [و] مثل الله مثلاً لمكة التي سكنها أهل الشرك.
والقرية مكة، في قول: ابن عباس ومجاهد وقتادة وابن زيد.
وعن حفصة أم المؤمنين [رضي الله عنها]: هي المدينة، والأول أشهر.
قال ابن شهاب: الغاسق إذا وقب: الشمس إذا غربت.
والقرية التي أرسل

إليهم اثنتان انطاكية، والقرية التي بحاضرة البحر، طبرية.
والقرية التي كانت آمنة مطمئنة هي يثرب.
وقوله: ﴿كَانَتْ آمِنَةً﴾ أي: لا يخاف فيها أحد، لأن العرب كانت يسبي بعضها بعضاً، وأهل مكة لا يغار عليهم ولا يحاربوا في بلدهم.
ومعنى ﴿مُّطْمَئِنَّةً﴾: قارة بأهلها لا ينتجع أهلها من البلدان كما ينتجع أهل البوادي.
﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً﴾ أي: يأتي أهلها معائشهم واسعة كثيرة ﴿مِّن كُلِّ مَكَانٍ﴾ من البلدان.
ومعنى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ الله﴾ أي: كفر أهلها بأنعم الله.
وواحد الأنعم على

مذهب سيبويه نعمة.
وقال قطرب: واحدها نَعْم [مثل] وُدّ وأَوُدّ، وقال بعض الكوفيين: وأحدها نَعْماء [كبأ] ساء وأبْؤُس وضراء و [أ] ضر.
﴿فَأَذَاقَهَا الله﴾.
أي: أذاق أهلها ﴿لِبَاسَ الجوع﴾ أي: أذاقهم جوعاً خالط أجسامهم فجعل ذلك لمخالطته [جسادهم بمنزلة اللباس لها، وذلك أنه سلط عليهم الجوع سبع سنين متواليات حتى أكلوا العِلْهزَ.
والعِلْهِزُ أن تُؤْخذ الحَلَمَة فَتُفْقأ على الوبر

حتى يبتل بدمها، ثم يغلى ويؤكل.
ويروى: أنهم أكلوا لحوم الكلاب.
وأصل الذوق بالفم ولكنه استُعمِلَ هنا للآبتداء والاختبار.
وقوله: ﴿والخوف﴾.
[هو] ما كان يلحقهم من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجيوشه كانت تطيف بهم.
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾.
أي: بكفرهم وجحدهم للنعم.
وإنما قال: ﴿والخوف بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ﴾ ولم يقل: بما كانت تصنع لأنه رده على المعنى.
لأن معنى ذكر / القرية في الآية: يراد به أهلها.
فرجع " يصنعون " على المعنى: [و] مثله قوله ﴿وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ﴾ [الأعراف: 4].
فرجع، آخر الكلام إلى

الأهل، وقد جرى أوله على الأخبار عن القرية والمراد بها أهلها.
وهذا هو قوله في السجدة: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى دُونَ العذاب الأكبر﴾ [السجدة: 21] فالعذاب الأدنى [هو الجوع] والأكبر ما حل بهم يوم بدر من القتل والأسر.
وهو أيضاً قوله: ﴿فارتقب يَوْمَ تَأْتِي السمآء بِدُخَانٍ مُّبِينٍ﴾ [الدخان: 10] وهو الجوع، كان الرجل يرى بينه وبين السماء دخاناً من شدة الجوع.
قوله: ﴿وَلَقَدْ جَآءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾.
أي: ولقد جاء أهل هذه القرية، يعني مكة، ﴿رَسُولٌ مِّنْهُمْ﴾ أي: من أنفسهم يعرفونه ويعرفون نسبه وصدق لهجته فدعاهم إلى الحق ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ العذاب﴾ وهو: لباس الجوع والخوف، وقتلهم يوم بدر بالسيف ﴿وَهُمْ ظَالِمُونَ﴾ أي: مشركون.
قال [تعالى]: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله حلالا طَيِّباً﴾.
أي: فكلوا من الأنعام التي رزقكم الله خلالاً، أي: مذكاة على اسم الله ولا تَحرِّموها كما حَرَّمَتِ العرب الوصائل والسوائب والحامي وغير ذلك

﴿واشكروا نِعْمَتَ الله﴾ أي: واشكروه على ما خلق لكم من ذلك، وما أحل لكم من أكله على غيره من النعم ﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ أي: تطيعون.
وقيل: إنما عني بقوله: ﴿فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله﴾ الآية: المشركين وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لحقته رقة في أيام القحط فوجه إليهم طعاماً يرتفقون به، فأمرهم الله بأكله وبالشكر عليه إن كانوا يعبدون الله.
والقول الأول: [أولى] لأن بعده: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة﴾ وهذا إنما هو مخاطبة للمؤمنين بلا اختلاف.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير﴾.
أي: إنما حرم عليكم ما مات من النعم حتف أنفه، والدم السائل وهو

المسفوح، ولحم الخنزير ﴿وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ﴾ أي: ما ذبح للأنصاب وسمي عليه غير الله، فمن اضطر إلى شيء من ذلك في مخمصة وهي: المجاعة.
حل له.
وقوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي: باغ في أكله، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ أي: لا يتعدى حلالاً إلى حرام، وهو يجد عنه مندوحة.
﴿فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ أي: ساتر عليه ذنبه فلا يؤاخذه رحيم به أن يعاقبه على ذلك، وقد تقدم تفسير ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾ في البقرة بأبين من هذا.
قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الكذب هذا حَلاَلٌ وهذا حَرَامٌ﴾.
قرأ الحسن والأعرج وطلحة وأبو معمر: " الكَذِبِ " بالخفض على أنه

نعت لما، أو بدل منه.
ومن نصب جعله مفعولاً بتصف.
وقرأ بعض أهل الشام: " الكُذُبُ " بضم الكاف والذل والباء، نعت للألسنة، جمع كذوب، مثل: شكور، وشكر.
ومعنى الآية: ولا تقولوا لوصف ألسنتكم الكذب فيما رزق الله عباده من المطاعم، هذا حلال وهذا حرام لكي تفتروا على الله الكذب فإنه لم يحرم من ذلك كثيراً مما تحرمون ولا أحل كثيراً مما تحلون.
وذلك أن اليهود والمشركين أحلوا الميتة فقال المشركون: ﴿مَا فِي بُطُونِ هذه الأنعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا وَإِن يَكُن مَّيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَآءُ﴾ [الأنعام: 139] يأكله الرجال والنساء.
ثم قال: ﴿إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ على الله الكذب﴾.

أي: يتخرصونه ويختلقونه ﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا يخلدون في الدنيا ولا يبقون فيها.
﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ أي: الذي هم فيه من هذه الدنيا متاع قليل.
قال: ﴿وعلى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِن قَبْلُ﴾.
أي: وحرمنا يا محمد على اليهود ما قد أنبأناك به في سورة الأنعام.
وهي: كل ذي ظفر والشحوم.
قاله: عكرمة والحسن وقتادة.
وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ﴾.
[أي: وما ظلمناهم] بتحريمنا ذلك [عليهم] ﴿ولكن كانوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بِجَهَالَةٍ﴾، أي: للذين عصوا الله

[سبحانه] فجهلوا ثم راجعوا طاعة الله [ عز وجل] والندم على ما عملوا والاستغفار منه ﴿وأصلحوا﴾ أي: عملوا ما يجب عليهم.
﴿إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا﴾ أي: من بعد ذنوبهم لهم " غفور رحيم ". قال: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ﴾.
أي: [كان] معلم [خير] يأتم به أهل الهدى.
قال مجاهد كان أمة على حدة.
وروي عنه أنه قال: كان مؤمناً وحده والناس كلهم كفار.
قال ابن مسعود: " الأمة " معلم الخير.
ورواه مالك عن ابن مسعود أن [هـ] قال: " الأمة "

الذي يعلم الناس الخير، " والقانت " المطيع لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم، " والحنيف " المخلص.
قال مالك: وذكر عبد الله بن مسعود معاذ بن جبل فقال: يرحم [الله] معاذاً لقد كان أمة قانتاً لله [ عز وجل] حنيفاً.
وأصل القنوت الطاعة.
فكان إبراهيم عليه السلام قائماً لله [ عز وجل] ، ودعا إلى عبادته، ولم تأخذه في الله لومة لائم، فأعطاه الله عز وجل ألا يبعث نبياً من بعده إلا من ذريته.
وأعطاه الله عز وجل ألا يسافر في جميع الأرض فتخطر سارة على قلبه إلا هتك الله ما بينه وبينها من الحجب حتى يراها ما تصنع.
وكان صلى الله عليه وسلم أول من اختتن، وأقام مناسك الحج، وضحى، وعمل بالسنن، نحو: قص الشارب والأظفار ونتف الإبط

وحلق العنة وشبهه.
و" الحنيف ": الحاج في قول الضحاك، وعن ابن عباس: " الحنيف " المسلم.
ويدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ المشركين﴾ [النحل: 123] وقيل حنيفاً على دين الإسلام.
﴿وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين * شَاكِراً لأَنْعُمِهِ﴾ أي: مخلصاً بشكر الله [ عز وجل] فيما أنعم عليه " واجتباه [واختاره] واصطفاه لخلته ﴿وَهَدَاهُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ أي: ارشده إلى الطريق المستقيم وذلك دين الإسلام.
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدنيا حَسَنَةً﴾.
أي: ذكر [اً] جميلاً حسناً باقياً على الأيام ﴿وَإِنَّهُ فِي الآخرة لَمِنَ الصالحين﴾ أي: أنه

في الآخرة لمن صلح أمره وشأنه عند الله [ عز وجل] وحسنت منزلته.
وقيل: معناه، وأنه في ثواب الآخرة / لمن الصالحين لأن الآخرة ليست بدار عمل إنما هي دار جزاء.
فالمعنى: أنه وإن أعطي أجره في الدنيا، فإنه في الآخرة على مثل ثواب الصالحين، لا ينقصه من ثوابه شيء لأجل إيتائه أجره في الدنيا.
وقيل في الآية: تقديم وتأخير، والتقدير: وآتيناه أجره في الدنيا والآخرة وإنه لمن الصالحين.
[و] في هذا القول: بعد، لأن ما بعد [إن] لا يقوى بها التقديم وما بعد: " إن " منتظر [لما] لم يكن، وما قبلها قد كان ووقع فلا يدخل أحدهما في الآخر.
وقيل المعنى: وأنه في أجر الآخرة والعمل لها لمن الصالحين.
وهذا: قول صالح حسن.
قال مجاهد: الحسنة هنا لسان صدق.
وقال قتادة: الحسنة أنه ليس أهل دين ألا يتولاه ويرضاه.

قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾.
أي: أوحينا إليك يا محمد بأن تتبع دين إبراهيم مائلاً عن كل الأديان إلا عنه.
قال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السبت على الذين اختلفوا فِيهِ﴾.
[أي: إنما فرض تعظيم السبت على الذين اختلفوا فيه].
فقال بعضهم: هو أفضل الأيام، لأن الله فرغ من خلق الأشياء يوم الجمعة، ثم سبت يوم السبت، وقال آخرون: أفضل الأيام [يوم] الأحد، لأنه [ال] يوم الذي ابتدأ فيه خلق الأشياء.
واختلفوا في تعظيم غير ما فرض عليهم تعظيمه ثم استحلوه.
قال مجاهد: جعل السبت على الذين اختلفوا فيه فاتبعوه وتركوا يوم الجمعة.
وقال قتادة: " اختلفوا فيه ": استحله بعضهم وحرمه بعضهم، وهو قول:

ابن جبير.
وقال ابن زيد: كانوا يطلبون يوم الجمعة فأخطؤوه وأخذوا يوم السبت [فجعل عليهم، وقيل: إنهم ألزموا يوم الجمعة عيداً فخالفوا، وقالوا: نريد يوم السبت] لأنه يوم فرغ الله فيه من خلق السماوات.
وروي: أن عيسى [بن مريم] عليه السلام أمر النصارى أن يتخذوا يوم الجمعة عيداً فقالوا لا يكون عيدنا إلا بعد عيد اليهود فجعلوه الأحد.
ويروى أن موسى عليه السلام قال لبني إسرائيل: تفرغوا لله في سبعة أيام في يوم تعبدونه ولا تعملون فيه شيئاً من أمور الدنيا، فاختاروا السبت فأمرهم موسى [ صلى الله عليه وسلم] بالجمعة فأبوا إلا السبت، فجعله الله [ عز وجل] عليهم.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.
أي: من هذه الأيام وفي استحلالهم للسبت.

قال تعالى: ﴿ادع إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحكمة والموعظة الحسنة﴾.
أي: ادع يا محمد من أرسلت إليه إلى طاعة الله [ عز وجل] والإقرار له بوحدانيته.
و" الحكمة " هنا: كتاب الله [سبحانه].
و " الموعظة الحسنة ": العبر التي هي حجة عليهم مما ذكرهم به من الآيات في كتابه.
﴿وجادلهم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: جادلهم بالمجادلة التي هي أحسن من غيرها، وهي الصفح عنهم.
وقال الزجاج: " الحكمة " هنا: النبوة / و " الموعظة ": القرآن: ﴿وجادلهم بالتي هِيَ أَحْسَنُ﴾ غير فظ ولا غليظ القلب، أي: ألن لهم جناحك، وهي منسوخة عند جماعة من العلماء نسخها المر بالقتال.
وقيل: هي محكمة غير منسوخة، ومعناه: الانتهاء إلى ما أمر الله [ عز وجل] به، وهذا لا ينسخ.

ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ﴾.
أي: بما حاد عن طريق الهدى من المختلفين في السبت وغيره.
﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين﴾ أي: يسلك الطريق المستقيم.
قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ إلى آخر السورة.
المعنى: وإن ظفرتم أيها المؤمنون بالمشركين فافعلوا بكم ﴿وَلَئِن صَبَرْتُمْ﴾ عن عقوبتهم وأحسنتم [واحتسبتم] عند الله [ عز وجل] ما نالكم منهم للصبر خير للصابرين.
وهذه الآيات الثلاث: نزلن بالمدينة دون سائر السورة.
نزلت حين

أقسم النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ليمثلن بالمشركين إن ظفروا بهم كما فعل المشركون بحمزة وغير [هـ] يوم أحد من التمثيل [بهم.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم " لما بلغه ما فعلوا بحمزة من التمثيل].
قال: " لئن ظهرنا عليهم لنمثلن بثلاثين رجلاً منهم " فلما سمع ذلك المسلمون قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأمرهم الله [ عز وجل] أن يفعلوا بهم مثل ما فعلوا، ولا يتجاوزوا إلى أكثر، ثم أعلمهم أن الصبر وترك الانتقام بالمثلة خير وأحسن.
وقيل: إنها منسوخة بقوله: ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾ وقيل: هي منسوخة بالقتال والأمر به، وإنما كان هذا أمر الله [ عز وجل] نبيه [ صلى الله عليه وسلم] ألا يقاتل إلا من قاتله لقوله: ﴿وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله الذين يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تعتدوا﴾ [البقرة: 190].

أي: تقاتلوا من لم يقاتلكم.
فقال المسلمون إن قاتلونا وأظهرنا الله عز وجل عليهم لنمثلن بهم فنسخ ذلك في براءة بقوله ﴿فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ [التوبة: 5] وهذا القول: مروي عن ابن عباس.
ومن قال: إن هذه الآية، قال: عني بقوله ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾ نبي الله [ عز وجل] وحده ثم نسخ ذلك بالأمر بالقتال في براءة وهو قول ابن زيد.
وعن ابن سيرين والنخعي وسفيان: إن الآية عامة معناها من ظلم بظلامة فلا يحل [له] أن يأخذ من ظالمه أكثر مما ناله منه ولا يتجاوز إلى أكثر من حقه.
وروى أبو هريرة: " أن النبي صلى الله عليه وسلم وقف على حمزة بن عبد المطلب حيث استشهد فنظر إلى شيء لم ينظر قط إلى شيء كان أوجع منه لقلبه ونظر إليه، قد مثل به، فقال:

رحمة الله عليك، فإنك كنت ما علمتك، فعولاً للخيرات، وصولاً للرحم، ولولا حزن من بعدك لسرني أن أدعك حتى تحشر من أفواه شتى.
أما والله، مع ذلك، لأمثلن بسبعين منهم.
فنزل جبريل [والنبي صلى الله / عليهما] واقف بخواتم النحل ". ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ﴾ الآية.
فصبر النبي صلى الله عليه وسلم، وكفر عن يمينه، ولم يمثل بأحد.
ثم قال تعالى: ﴿واصبر وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله﴾.
أي: اصبر يا محمد على أذى من أذاك، وما صبرك إذا صبرت إلا بمعونة الله [لك] وتوفيقه إياك لذلك.
﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ أي: على هؤلاء المشركين الذين يكذبون ويمثلون بالمسلمين.
﴿وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ﴾ أي: لا يضيق صدرك من قولهم فيما جئتهم به أنه سحر، وأنه شعر، والمكر الخديعة.
﴿إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا﴾ [أي: الذين اتقوا] محارمة ﴿والذين هُم مُّحْسِنُونَ﴾ أي: الذين احسنوا فيما فرض الله عليهم.

بسم الله الرحمن الرحيم سورة سبحان مكية قال ابن مسعود: بنو إسرائيل, والكهف , ومريم, وطه, والأنبياء, من العتاق الأول وهن من تلادي يريد أنهن [نزلن] في أول ما نزل [من القرآن] وهو صغير.
قوله: ﴿سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ إلى قوله: ﴿السميع البصير﴾.

" سبحان: عند الخليل وسيبويه منصوب على المصدر، إلا أنه لا ينصرف لأنه معرفة في آخر [هـ] زائدتان.
وحكى سيبويه: أن من العرب من ينكره فيصرفه.
وقال أبو عبيدة: هو منصوب على النداء.
وقال بعضهم.
هو موضوع موضع المصدر فنصب لوقوعه موقعه، فهو موضع تسبيح.
والتسبيح: يكون [بمعنى الصلاة، ومنه قوله تعالى في يونس: ﴿فَلَوْلاَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ المسبحين﴾ [الصافات: 143] أي: من المصلين.

وفي لغة لبعض أهل [اليمن]، يستعملونه في معنى الاستثناء، ومنه قوله: ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ لَوْلاَ تُسَبِّحُونَ﴾ [القلم: 28] أي: تستثنون إذا أقسمتم ﴿لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ [القلم: 17] ولم يستثنوا.
فإنما ذكر [هم] بتركهم الاستثناء.
ويستعمل في معنى النور.
ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا ذلك لأحرقت سبحات وجهه.
. . "، أي نور وجهه.
ومعنى " سبحان الله ": براءة الله من السوء.
كذلك فسره النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل عن معنى التسبيح.
وروي عنه أنه " سئل عن معنى سبحان [الله]، فقال: تنزيه لله من كل

سوء " وسئل عنها علي [رضي الله عنهـ] فقال: هي كلمة رضيها الله لنفسه.
وعنه أيضاً أنه قال: هي كلمة أحبها الله ورضيها لنفسه فأحب أن تقال.
ومعنى المسجد الحرام [أي]: المسجد الممنوع من الصيد فيه، لأن الحرم ممنع.
والحرم كله مسجد.
عن أم هانئ أنها قالت: ما أسري برسول الله [ صلى الله عليه وسلم] إلا وهو [في بيتي].

وقيل: إنما أسري به من المسجد.
عن قتادة عن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة [وهو رجل من قومه، قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: " بينا [أنا] عند البيت بين النائم واليقظان، إذ سمعت قائلاً يقول أحد الثلاثة: فأوتيت بطست من ذهب فيه ماء زمزم، قال: فشرح صدري فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم [ثم] أعيد مكانه ثم خشي إيماناً وحكمة، ثم أتيت بداية بيضاء يقال لها البراق، فوق الحمار ودون البغل، يضع خطوه أقصى طرفه، فحملت عليه.
ثم انطلقنا حتى / [أ] تيت السماء الدنيا " ثم ذكر الحديث بطوله قال ابن شهاب، أخبرني ابن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن، " أن النبي صلى الله عليه وسلم أسري به على البراق وهي دابة إبراهيم خليل الرحمن التي كان يزور عليها البيت الحرام يقع حافرها موقع طرفها.
قال: فمرت بعير من عيرات قريش بواد من تلك الأودية فنفرت العير، حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم إيلياء فأتي بقدحين: قدح خمر، وقدح لبن، فأخذ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] قدح اللبن، فقال له جبريل [ صلى الله عليه وسلم] : هديت إلى الفطرة لو أخذت قدح الخمر [ل] غوت أمتك.
[و] قال ابن

شهاب: فأخبرني ابن المسيب أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] لقي هنالك إبراهيم وموسى وعيسى، فنعتهم رسول الله [ صلى الله عليه وسلم] . فقال: أما موسى فَضَرْب، رجل الرأس كأنه من رجال شنوة.
وأما عيسى [فهو] فهو رجل أحمر كأنه خرج من ديماس وأشبه من رأيت به عروة بن مسعود الثقفي.
وأما إبراهيم فإنه أشبه ولده به.
فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً أنه أُسريَ به، قال عبد الله: فارتد ناس كثير بعدما أسلموا، فأتى أبو بكر الصديق [رضي الله عنهـ] فقيل له: صاحبكم يزعم أنه أُسريَ به إلى بيت المقدس ثم رجع في ليلة واحدة.
قال أبو بكر: [أ] وقال ذلك؟ قالوا: نعم.
قال: فاشهد [وا] إن كان كان قال ذلك لقد صدق.
قالوا: أفتشهد أنه جاء الشام في ليلة واحدة؟ فقال إني أصدقه بأبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء.
قال أبو سلمة: سمعت جابر بن عبد الله يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: لما كذبتني

فصول الكتاب · 136 فصل · 8522 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول الهداية إلى بلوغ النهاية · 8522 صفحة
ـ[الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه]ـأصل هذا الكتابمن مقدمة التحقيقحياتهاسمه ونسبهمولده وأسرته ونشأتهرحلاته ووفاتهصفاته وأخلاقه (1) وعقيدته وفقههمكانته العلميةشيوخهمن شيوخه في القيروانومن شيوخه في مصرومن شيوخه بمكة المكرمةومن شيوخه بقرطبةتلاميذهآثاره ومؤلفاتهالمطبوعة: وهي في علوم القرآن القراءات والتفسيرفي علوم القرآن والتفسيرفي علوم اللغة والأدبفي العقيدة والفقه وعلم الكلام والوعظتوثيق نسبة التفسيرتاريخ تأليف الهدايةمقدمة المؤلفالفاتحة
البقرة
آل عمران
النساء
المائدة
الأنعام
الأعراف
الأنفال
التوبة
يونسهوديوسفالرعدإبراهيمالحجر
النحل
الإسراء
الكهف
مريمطهالأنبياءالحجالمؤمنون
النور
الفرقان
الشعراء
النمل
القصص
العنكبوتالروملقمانالسجدةالأحزابسبأفاطريسالصافاتصالزمرغافرفصلتالشورىالزخرفالدخانالجاثيةالأحقافمحمدالفتحالحجراتقالذارياتالطورالنجمالقمرالرحمنالواقعةالحديدالمجادلةالحشرالممتحنةالصفالجمعةالمنافقونالتغابنالطلاقالتحريمالملكالقلمالحاقةالمعارجنوحالجنالمزملالمدثرالقيامةالإنسانالمرسلاتالنبأالنازعاتعبسالتكويرالانفطارالمطففينالانشقاقالبروجالطارقالأعلىالغاشيةالفجرالبلدالشمسالليلالضحىالشرحالتينالعلقالقدرالبينةالزلزلةالعادياتالقارعةالتكاثرالعصرالهمزةالفيلقريشالماعونالكوثرالكافرونالنصرالإخلاصالفلق
الناس
صفحات 2277-2316صفحات 2317-2356صفحات 2357-2396صفحات 2397-2436صفحات 2437-2476صفحات 2477-2516صفحات 2517-2556صفحات 2557-2596صفحات 2597-2636صفحات 2637-2676صفحات 2677-2717صفحات 2718-2757صفحات 2758-2797صفحات 2798-2837صفحات 2838-2877صفحات 2878-2917صفحات 2918-2957صفحات 2958-2997صفحات 2998-3037صفحات 3038-3077صفحات 3078-3117صفحات 3118-3157صفحات 3158-3197صفحات 3198-3238صفحات 3239-3278صفحات 3279-3319صفحات 3320-3359صفحات 3360-3399صفحات 3400-3439صفحات 3440-3479صفحات 3480-3520صفحات 3521-3560صفحات 3561-3600صفحات 3601-3640صفحات 3641-3680صفحات 3681-3721صفحات 3722-3761صفحات 3762-3802صفحات 3803-3842صفحات 3843-3885صفحات 3886-3925صفحات 3926-3965صفحات 3966-4005صفحات 4006-4045صفحات 4046-4085صفحات 4086-4126صفحات 4127-4166صفحات 4167-4206صفحات 4207-4246صفحات 4247-4286صفحات 4287-4326صفحات 4327-4366صفحات 4367-4406صفحات 4407-4446صفحات 4447-4486صفحات 4487-4526صفحات 4527-4566صفحات 4567-4607صفحات 4608-4647صفحات 4648-4687صفحات 4688-4727صفحات 4728-4767صفحات 4768-4807صفحات 4808-4847صفحات 4848-4887صفحات 4888-4927صفحات 4928-4967صفحات 4968-5007صفحات 5008-5047صفحات 5048-5087صفحات 5088-5127صفحات 5128-5167صفحات 5168-5208صفحات 5209-5248صفحات 5249-5289صفحات 5290-5329صفحات 5330-5369صفحات 5370-5409صفحات 5410-5449صفحات 5450-5489صفحات 5490-5529صفحات 5530-5569صفحات 5570-5613صفحات 5614-5653صفحات 5654-5693صفحات 5694-5734صفحات 5735-5775صفحات 5776-5816صفحات 5817-5856صفحات 5857-5897صفحات 5898-5937صفحات 5938-5977صفحات 5978-6018صفحات 6019-6058صفحات 6059-6098صفحات 6099-6138صفحات 6139-6178صفحات 6179-6224صفحات 6225-6264صفحات 6265-6305صفحات 6306-6345صفحات 6346-6385صفحات 6386-6425صفحات 6426-6465صفحات 6466-6506صفحات 6507-6546صفحات 6547-6586صفحات 6587-6626صفحات 6627-6666صفحات 6667-6706صفحات 6707-6746صفحات 6747-6786صفحات 6787-6829صفحات 6830-6869صفحات 6870-6910صفحات 6911-6950صفحات 6951-6990صفحات 6991-7030صفحات 7031-7071صفحات 7072-7111صفحات 7112-7152صفحات 7153-7192صفحات 7193-7233صفحات 7234-7274صفحات 7275-7314صفحات 7315-7354صفحات 7355-7394صفحات 7395-7435صفحات 7436-7476صفحات 7477-7517صفحات 7519-7558صفحات 7559-7599صفحات 7600-7640صفحات 7641-7681صفحات 7682-7722صفحات 7723-7763صفحات 7764-7803صفحات 7804-7844صفحات 7845-7884صفحات 7885-7925صفحات 7926-7965صفحات 7966-8006صفحات 8007-8047صفحات 8049-8089صفحات 8090-8130صفحات 8131-8171صفحات 8172-8212صفحات 8213-8253صفحات 8254-8294صفحات 8295-8336صفحات 8337-8379صفحات 8380-8419صفحات 8420-8462صفحات 8463-8505صفحات 8506-8522
جارٍ التحميل