الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
يصف ناقته أن السير نقص سنامها بعد تمكنه.
ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: رؤوف أن آخر هؤلاء الذين مكروا السيئات فلم يعجل لهم بالعقوبة، رحيم بعباده، إذ لم يعجل عقوبتهم، وجعل لهم فسحة في التوبة.
قال ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَيْءٍ﴾ الآية: أي: أولم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسم قائم شجراً أو جبالاً أو غير ذلك ﴿يَتَفَيَّؤُاْ ظِلاَلُهُ﴾ أي: يرجع من موضع إلى موضع [و] يكون في أول النهار على حال، ثم يعود إلى حال آخر في آخر النهار.
قال قتادة: أما اليمين فأول النهار، والشمال: آخر النهار.
وقال ابن جريج: اليمين والشمال الغدو والآصال، فإذا فاءت الظلال سجدت لله بالغدو والآصال.
قال الضحاك: سجد ظل المؤمن طوعاً.
وقال
الضحاك إذا فاء الفيء توجه كل شيء ساجداً قبل القبلة من نبت أو شجر، قال مجاهد إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله [ عز وجل] .
وعن مجاهد: أن السجود في / هذا الموضع سجود الظلال دون التي لها الظلال.
وعن ابن عباس أنه قال: الكافر يسجد لغير الله [سبحانه] وظله يسجد لله [ عز وجل] . أي ينقاد دليلاً على دبره الله [ عز وجل] عليه.
فتحقيق المعنى في هذه الآية: أن ظلال الأشياء هي التي تسجد، وسجودها: ميلانها ودورانها من جانب إلى جانب.
يقال سجدت النخلة إذا مالت.
وسجد البعير، وأسجد، إذا طؤطئ ليركب.
ومن هذا قيل لمن وضع جبهته في الأرض ساجد، لأنه تطامن.
وقد يستعار السجود في موضع الاستسلام والطاعة والذل، كما
يستعار التطامن والتطأطأ فيوضعان موضع الخضوع والانقياد فيقال: تطامن للحق وتطأطأ أي: انقاد وخضع.
فأما قوله: ﴿عَنِ اليمين﴾ فوحّد ﴿والشمآئل﴾ فجمع: فإن " اليمين " وإن كان موحداً، فإنه في موضع جمع ومعناه.
وقيل: إنه رد " اليمين " على لفظ " ما " ورد " الشمائل " على المعنى، كما قال: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 42] فرد على المعنى، ثم قال
﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾ [يونس: 43] فرده على اللفظ.
وهذا كثير.
وقال الزجاج: معنى " ظله " ها هنا جسمه الذي يكون له الظل.
فالمعنى: أن جسمه ولحمه وعظامه منقادات لله [ عز وجل] دالة عليه، عليها الخضوع والذل.
قال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض مِن دَآبَّةٍ والملائكة﴾.
المعنى: ولله يسجد ما في السماوات من الملائكة وما في الأرض من دابة ومن الملائكة.
إلا أنه حمل " والملائكة " من الاعراب على " ما " لأنها ساجدة.
ومعناها تخضع وتذل وتستسلم لأمر الله ﴿وَهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ﴾ أي لا يستكبرون عن التذلل [لله عز وجل] .
ودخلت " من " لأن معنى " دابة " الجمع، أي: من الدواب.
وقيل دخلت لما في " ما " من الإبهام فأشبهت الشرط.
والشرط تدخل " من " فيه تقول: من ضربك من رجل فاضربه.
قال تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِّن فَوْقِهِمْ﴾.
أي يخاف هؤلاء الملائكة التي في السموات والأرض والدواب ربهم أن يعذبهم إن عصوا أمره.
﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي: يطيعونه فيما أمرهم به.
قال أبو إسحاق: معناه يخافون ربهم خوف مطيعين مجلين له، لا يجاوزون أمره.
قوله: ﴿وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين﴾ إلى قوله (فسوف تعلمون) [51 - 55].
المعنى: قال الله لا تتخذوا لي شريكاً فلا تعبدوا معبودين ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ أي: معبود واحد، وأنا ذلك المعبود.
﴿فَإيَّايَ فارهبون﴾.
أي فاتقون وخافون.
أمرهم الله [ عز وجل] بذلك لأنهم قالوا في الأصنام: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَآ إِلَى الله زلفى﴾ [الزمر: 3] فأعلمهم أنه: لا يجوز أن يعبد غيره.
وقوله: " اثنين " تأكيد.
كما قال: ﴿إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ﴾ فأكده بواحد.
وقيل / التقدير: اثنين إلهَين.
فلما لم يتعرف معنى اثنين لعمومها في كل شيء بين بإلهين، وإذا تقدم إلهين لم يحتج إلى اثنين، لخصوص اللفظ بالألوهية.
قال تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السماوات والأرض﴾.
أي: له ملك ما فيهما لا شريك له في ذلك.
﴿وَلَهُ الدين وَاصِباً﴾ أي: له الطاعة والإخلاص دائماً.
قال: ابن عباس ومجاهد وعكرمة والضحاك.
ومنه قوله: ﴿عَذابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: 9] أي دائم، والوصوب الدوام.
وعن ابن عباس أيضاً: الواصب: الواجب.
قال مجاهد: الدين هنا: الإخلاص.
ثم قال تعالى: ﴿فَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ﴾.
أي: ترهبون وتخافون أن يسلبكم نعمة الله عليكم إذا أفردتم العبادة لله [سبحانه].
وقال الزجاج: معناه: أفغير الذي أبان لكم أنه واحد، وأنه خالق كل شيء تخافون.
قال تعالى: ﴿وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ الله﴾.
التقدير: وما حل بكم من نعمة فمن الله هي.
وقال الفراء: التقدير: وما [يكن] بكم من نعمة.
وقال قوم: " ما " بمعنى: الذي، فلا يحتاج إلى إضمار فعل.
ودخلت الفاء في الخبر للإبهام الذي في " ما ".
ومعنى الآية ما أعطاكم الله [سبحانه] من مال وصحة جسم وولد فهو من فضله، لا من فضل غيره.
﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾.
أي: إذا مسكم في أبدانكم ضر وشدة، فإلى الله تصرخون بالدعاء، وبه تستغيثون في كشف ذلك [عنكم].
يقال: جأر، إذا رفع صوته شديداً من جوع
أو غيره، والأصوات مبنية على فُعَال وعلى فَعِيل نحو الصراخ والخوار والبكاء.
ونحو العويل والزفير، والفعال أكثر.
أي ثم إذا وهبكم العافية وفرج عنكم إذا جماعة منكم يشركون بربهم.
أي: يجعلون له أنداداً يعبدونها ويذبحون لها الذبائح شكراً لغير من أنعم عليهم بالفرج.
﴿لِيَكْفُرُواْ بِمَآ آتَيْنَاهُمْ﴾.
ليجحدوا بما أتاهم الله [ عز وجل] من نعمته، التي فرج عنهم بها.
﴿فَتَمَتَّعُواْ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾.
هذا وعيد وتهدد من الله [ عز وجل] لهؤلاء الذين تقدم وصفهم، أي: فتمتعوا في هذه الحياة الدنيا إلى أن توافيكم آجالكم وتلقون ربكم.
قال الزجاج: و ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنْكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: 54] هذا خاص لمن كفر.
قوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ [نَصِيباً]﴾.
المعنى: ويجعل هؤلاء المشركون لما لا يعلمون، أنه لا يضرهم ولا ينفعهم نصيباً مما رزقهم الله، يعني: لأوثانهم.
قال قتادة: هم مشركو العرب جعلوا لأوثانهم نصيباً وجزءاً مما رزقهم الله من أموالهم.
وقيل: يعلمون الآلهة التي كانوا يعبدونها، وهي " ما " فيعلمون ردها على معنى " ما ". / وأتى بالواو والنون لأنهم كانوا قد أجروها مجرى من يعقل في
جعلهم لها نصيباً من [م [زروعهم.
فمفعول " يعلم " محذوف.
تقديره: ويجعل هؤلاء الكفار للأصنام التي لا تعلم شيئاً نصيباً.
وعلى القول الأول " يعلمون " للكفار.
وفيه ضميرهم، أي: هؤلاء الكفار يجعلون نصيباً للأصنام التي يعلم الكفار أنها لا تنفع ولا تضر.
ومثله في الأخبار عن الأصنام بالواو والنون قوله:
﴿وتراهم يَنظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 198] فالنظر للأصنام.
وقيل للكفار وقد تقدم شرحه.
وقال ابن زيد: جعلوا لآلهتهم نصيباً من الحرث والأنعام يسمون عليها [أ] سماءها ويذبحون عليها.
وهو قوله تعالى في الأنعام عنهم: ﴿بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَآئِنَا﴾ [الأنعام: 136].
ثم قال تعالى: ﴿تالله لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾.
أي: والله يا أيها المشركون لتسئلن يوم القيامة عما كنتم تختلفون في الدنيا علي
من الكذب فتعاقبون على ذلك.
قال الزجاج: معناه لتسئلن توبيخ حتى تعترفوا به على أنفسكم وتلزموها الحجة.
قال تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنات سُبْحَانَهُ﴾ أي: ومن جهل هؤلاء المشركين، وافترائهم على ربهم [سبحانه] أنهم يجعلون له البنات ولا ينبغي أن يكون له ولد لا ذكر ولا أنثى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهاً له عما يقولون.
ثم قال [تعالى]: ﴿وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ﴾.
أي: أضافوا إليه ما يكرهون، فما كفاهم ما أضافوه إليه من الولد حتى جعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم وما يقتلونه إذا أتاهم، فأضافوا إليه ما يكرهون لأنفسهم وهن البنات، وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون وهم البنون.
قال تعالى: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾.
أي: وإذا بشر أحد هؤلاء المشركين بولادة ما قد أضافه إلى الله [سبحانه] ظل وجهه مسوداً كراهية لذلك ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ﴾ أي: قد كظمه الحزن وامتلأ غماً بولادتها وهو لا يظهر ذلك.
والكظيم الذي يخفي غيظه ولا يشكو ما به، وهو فعيل بمعنى فاعل، كعليم.
قيل الذي حسب في نفسه وعظمه هو ما فسره بعد ذلك من قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب﴾ فهذا عظم في نفسه.
وقيل معنى: ﴿ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّاً﴾ أي: ظل كئيباً مغموماً بذلك.
والعرب تقول لكل مغموم قد تغير لونه من الغم، واسودّ وجهه: كظيم.
وقال قتادة أخبرهم الله [ عز وجل] بخبيث أعمالهم، فأما المؤمنون فراضون بما
قسم الله [ عز وجل] لهم.
قال ابن عباس: الكظيم الحزين.
وقال الضحاك: هو الكمد.
ثم قال تعالى: ﴿يتوارى مِنَ القوم مِن سواء مَا بُشِّرَ بِهِ﴾.
أي: يستتر هذا المبشر / بالأنثى من القوم فيغيب عن أبصارهم من سوء ما بشر به عنده.
رويَ أن [ال] رجل كان في الجاهلية يتوارى إذا حضر وقت الولادة أو قبله فإن ولد له ذكر سر به وظهر، وإن كانت أنثى استتر وربما وأدها، أي دفنها حية، وربما أمسكها على كراهية وهوان.
وهو قوله: ﴿أَيُمْسِكُهُ على هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التراب﴾.
ثم قال [تعالى]: ﴿أَلاَ سَآءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾.
أي: بئس الحكم حكمهم، يجعلون لله ما لا يرضون لأنفسهم، وما لا يجوز
أن يكون له ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون.
والهون والهوان في لغة قريش.
وبعض [بني] تميم يجعل الهون مصدراً للشيء الهين.
وقرأ عاصم الجحدري " أم يدسها ورده على الأنثى.
وكان يلزمه أن يقرأ: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾.
وقرأ عيسى بن عمر " أيمسكها على هوان " وقرأ الأعمش: " أيمسكه على سوء ".
قال تعالى ﴿لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالآخرة مَثَلُ السوء﴾.
والمعنى: للذين لا يصدقون بالآخرة المثل السوء، وهو القبيح، وهو ما يسوء من ضرب له.
﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾.
[أي]: الأفضل والأكمل والأحسن وهو التوحيد.
قال قتادة: ﴿وَلِلَّهِ المثل الأعلى﴾ شهادة أن لا إله إلا الله.
وقيل: [هو] الواحد الصمد الحليم الفرد العزيز الذي لم يلد ولم يولد.
﴿وَهُوَ العزيز﴾.
أي: ذو العزة الذي لا يمتنع عليه معها عقوبة هؤلاء وغيرهم ممن يريد عقوبته على عصيانهم.
﴿الحكيم﴾ في تدبيره، فلا يدخل تدبير [هـ] خلل ولا خطأ.
وقيل هي كلمة الوحدانية وصفتها أحد، صمد، فرد، لم يلد، ولم يولد، ولم يكن له كفواً، أحد.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾.
أي: لو أخذ الله عصاة بني آدم لمعاصيهم، ما ترك على الأرض أحداً ممن [يدب] ﴿ولكن يُؤَخِّرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى﴾ أي: إلى وقتهم الذي كتب لهم ووقت.
فإذا جاء ذلك الأجل الذي وقت لهلاكهم، لم يستأخروا عن الهلاك ساعة ولم يستقدموا ساعة قبله.
قال بعضهم: كاد الجُعَل أن يعذب بذنب بني آدم وقرأ:
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِظُلْمِهِمْ﴾ الآية.
وسمع أبو هريرة رجلاً يقول: أن الظالم لا يضر إلا بنفسه.
فالتفت إليه أبو هريرة فقال: بلى والله، إن الحبارى لتموت في
وكرها هزالاً بظلم الظالم.
وقال ابن مسعود: خطيئة ابن آدم قتلت الجعل.
قوله ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾.
قوله: ﴿أَلْسِنَتُهُمُ﴾ جمع لسان على لغة من ذكره.
ويجمع إلى ألسن على لغة من أنثه.
ولو سميت بالسن لم ينصرف في المعرفة خاصة للتعريف ولأنه على وزن الفعل إذا قلت: أنا أخرج وأنا أدخل، ولو سميت بالسنة لم تنصرف على كل حال.
ومعنى الآية: ويجعل هؤلاء المشركون لله ما يكرهون لأنفسهم.
وذلك جعلهم له البنات وهم يكرهونها ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب أَنَّ لَهُمُ الحسنى﴾ أي الجنة: أي: يكذبون فيدعون أن لهم الجنة.
﴿لاَ جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النار﴾.
أي: وجب أن لهم النار، وقال مجاهد: ﴿أَنَّ لَهُمُ الحسنى﴾ هو: قول كفار قريش لنا البنون / ولله البنات.
وقال قتادة: الحسنى هنا الغلمان.
وقرأ بعض الشاميين " ألسنتُهم الكُذْب " بالرفع، جعله نعتاً للألسنة، وبناه على فُعُل جعله جمع كذوب " وأن " عند قطرب في موضع رفع بجرم لأنه بمعنى: وجب أن لهم.
وعند غيره في موضع نصب بجرم لأنه بمعنى كسب، أي: كسب لهم ذلك أن لهم النار، وما بعدها رد لما قبلها، وقد تقدم ذكره ﴿لاَ جَرَمَ﴾ في سورة هود بأشيع من هذا.
وقال ابن عباس ﴿لاَ جَرَمَ﴾ معناه: بلى أن لهم.
وقيل: واجباً أن لهم.
وقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ﴾.
من قرأ بفتح الراء، فمعناه عند الحسن: معجلون إلى النار.
وقال ابن جبير، منسيون فيها، متركون فيها.
قال مجاهد: منسيون.
وفي الحديث " أنا فَرْطُكُم على الحوض " [أي] متقدمكم إليه حتى تردوا علي.
وأفرطته أقدمته.
وقال أبو عبيدة والكسائي معناه: متركون في النار.
فأما من قرأ بكسر الراء فمعناه: مبالغون في الإساءة.
يقال: أفرط فلان على فلان إذا أربى عليه وبالغه في الشر.
وقرا أبو جعفر " مفرِّطون "، بالتشديد وكسر الراء ومعناه: مضيعون ما ينفعهم في الآخرة.
وتصديقه قوله: ﴿أَن تَقُولَ نَفْسٌ ياحسرتا على مَا فَرَّطَتُ فِي جَنبِ الله﴾ [الزمر: 56].
قال تعالى: ﴿تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾.
أي: والله يا محمد لقد أرسلنا رسلاً من قبلك إلى أممها بمثل ما أرسلناك به إلى أمتك ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطان أَعْمَالَهُمْ﴾ أي: حسنها لهم حتى كذبوا الرسل.
﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم﴾.
أي: والشيطان وليهم، أي: ناصرهم اليوم في الدنيا.
ولهم في الآخرة عذاب أليم.
وقيل: إنه يقال لهم: هذا الذي أطعتموه فاسألوه حتى يخلصكم [تبكيتاً
لهم و] تأنيباً وتوبيخاً لهم.
فيكون قوله: ﴿فَهُوَ وَلِيُّهُمُ اليوم﴾ إشارة إلى يوم القيامة.
وهذا كله تعزية للنبي [ صلى الله عليه وسلم] وتصبير له إذا كذبه قومه، فأعلمه الله [ عز وجل] أنه قد فعل ذلك بمن أرسل قبله فيتأسى النبي [ صلى الله عليه وسلم] بذلك ويزداد صبراً.
قال تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب إِلاَّ لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الذي اختلفوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾.
أي: وما أنزلنا عليكم الكتاب يا محمد وجعلناك رسولاً إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه من دين الله [ عز وجل] فتعرفهم الصواب منه من الباطل والهدى والرحمة.
فهدى ورحمة مفعولان من أجلهما.
قال تعالى: ﴿والله أَنْزَلَ مِنَ السمآء مَآءً فَأَحْيَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَآ﴾.
أي: والله أنزل من السماء مطراً فأحيى به الأرض الميتة وهي التي لا نبات فيها
وحياتها بكون النبات فيها.
وهذا كله تنبيه من الله [ عز وجل] لخلقه على صنعه ولطفه ونعمه وإلا لا يفعل ذلك غيره وأن من كان مفرداً / باختراع هذه الأشياء لا تصلح العبادة إلا له لا إله إلا هو، وفيه إشارة على إحياء الموتى كما أحيى الأرض بعد موتها.
ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾.
أي: [إن] في أحياء الأرض بالنبات بعد أن كانت ميتة لا نبات فيها لعلامة ودليلاً على توحيد الله [ عز وجل] ، وإحياء الموتى لقوم يسمعون هذا القول فيتدبرونه.
قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأنعام لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.
قوله: ﴿نُّسْقِيكُمْ﴾ مَنْ ضَمَّ النون، أو فَتَح، فهما لغتان عند أبي
عبيدة.
وقال الخليل وسيبويه: سقيته ناولته، وأسقيته جعلت له سقياً.
وقوله: ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ يذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام بخير الواحد.
وقال [الكسائي معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا.
فذكر على ذلك.
وقال] الفراء: الأنعام والنعم واحد فرجع هنا إلى تذكير النعم.
وحكى عن العرب: هذا نعم وارد.
وقال أبو عبيدة: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان [ذا] لبن لأنها ليست كلها لها [لبن].
وعن الكسائي أن التذكير على البعض أي نسقيكم مما في
بطون بعض الأنعام.
وقيل: المعنى: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ذكر النعم، لأن اللبن للذكر منسوب.
ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اللبن للفحل " وبذلك يحكم أهل المدينة وغيرهم في حكم الرضاع.
ومعنى الآية: وأن لكم لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم.
والفرث ما يكون في الكرش من غذائها.
ويقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها.
لبنا خالصاً: أي خلص من مخالطة الفرث والدم.
والمعنى: أن الطعام يكون منه [ما] في الكرش، ويكون منه الدم، فيخلص اللبن من الدم.
ومعنى: ﴿خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: يسوغ لمن شربه، ولا يغص به.
وقيل: معناه: سهلاً لا يشجى به من شربه متساغ في الحلق لا يساحه [فيه] مرارة.
وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط.
وهذه الآية تدل على فساد قول من يقول: أن المني إنما نجس لسلوكه مسلك البول [فهذا اللبن يسلك مسلك البول] وهو طاهر.
وهذا إنما يصح على قول: من يرى أن أبوال الإبل والبقر والغنم غير طاهرة.
ولا يلزم من قال: إن أبوالها
طاهرة.
قال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النخيل والأعناب تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾.
معناه: ولكم أيضاً أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب.
و " ما " محذوفة من الكلام.
والمعنى من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون.
وإنما جاز الحذف لدلالة " من " عليها لأن " من " تقتضي التبعيض، فدلت على الاسم المبعض فحذف.
وقال بعض البصريين التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون، وحذف شيء لدلالة الهاء في " منه " عليه.
فأما " السكر " [ف] قال / ابن عباس: " السكر " ما حرم الله [ عز وجل] من
شرابه، و " الرزق الحسن " ما أحل من ثمرته، يعني: الزبيب والتمر.
وقال [به] ابن جبير ومجاهد.
وقال الحسن: ذكر نعمته في السكر قبل تحريم الخمر.
وقال قتادة: السكر خمور الأعاجم، والرزق الحسن مما تنتبذون وما تخللون وما تأكلون.
وهذا منسوخ عند أكثر العلماء، وهو قول: مجاهد وابن جبير والشعبي.
والذي عليه أهل النظر: إن هذا لا يجوز نسخه لأنه خبر، وليس بأمر فينسخ، وإنما نزلت هذه الآية قبل أن تحرم الخمر.
أخبرنا الله [ عز وجل] أنهم يتخذون [به] ذلك.
فلم يأمرنا بشربها، إنما هو خبر عما أنعم عليهم به وقد قال أبو عبيدة
السكر: الطعم يعني: الزبيب، والعنب، والثمر والرطب.
وقال غيره السكر ما يسد الجوع مشتق من سكرت النهر إذا سددته.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾.
أي: إن في ما ذكر من النعم التي أنعمها عليهم لدلالة واضحة لقوم يعقلون عن الله [ عز وجل] حججه [و] يفهمون عنه [سبحانه] مواعظه [جلت عظمته].
قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً﴾.
أي: ألهم ربك يا محمد النحل بأن تتخذ من الجبال بيوتاً ﴿وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾.
يعني الكروم، وقيل: " يعرشون " يبنون من السقوف.
﴿فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾.
أي: طرق ربك، ﴿ذُلُلاً﴾ أي: متذللة.
وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته.
فيكون على هذا التأويل " ذللاً " حالاً من السبل، وعلى القول الأول: حالاً من الضمير في اسلكي، وهو قول: قتادة، لأنه قال: معناه: فاسلكي سبل ربك مطيعة.
وقال ابن زيد: الذلول: الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي بينهم.
ثم قرأ:
﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: 71].
فيكون ذللاً على هذا
التأويل حالاً من النحل.
واختار الطبري أن يكون حالاً من السبل لقربه منها.
وقوله: ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، أي: منه أبيض وأحمر.
وقوله: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾.
قال مجاهد: الهاء في فيه ل [ل] قرآن، وقال [به] الحسن والضحاك، أي: فيما قصصنا عليك من الآيات شفاء للناس، وقيل: الهاء عائدة على العسل، قال: قتادة.
وقيل " للناس ": عام يراد به الخصوص.
والمعنى: لبعض الناس، لمن قدر الله [ عز وجل] له أن يشفى بالعسل.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك أخبار أنه العسل، وهو قول: ابن عباس.
وقال: ابن مسعود: عليكم بالشفاءين فإن الله جعل في القرآن شفاء وفي العسل شفاء.
وقال: " العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور " وكان ابن عمر لا يشكو قرحة، ولا شيئاً، إلا وجعل عليها العسل حتى الدمل إذا كان به طلاه بعسل، / فقيل له في ذلك فقال: أليس الله [ عز وجل] يقول: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾.
وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال [نعم]: ايتوني بماء سماء فإن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السمآء مَآءً مباركا﴾ [ق: 9].
وايتوني بزيت فإن الله يقول:
﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: 35] فجاء بذلك، فخلطه جميعاً [ثم شربه] فبرئ.
ثم قال [تعالى] ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
أي: إن في إخراج العسل من أفواه النحل كما يخرج الريق من فم أحدكم على اختلاف مطاعمها ومراعيها إذ ترعى حامضاً ومراً وما لا طعم له، ثم تهتد [ي] إلى سلوك السبل وترجع إلى بيوتها، لدلالة وحجة لمن تفكر في ذلك فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن العبادة لا تكون إلا له، لا إله إلا هو.
قوله: ﴿والله خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ﴾.
أي: والله خلقكم أيها الناس فأوجدكم ولم تكونوا شيئاً، ثم يتوفاكم أي: يميتكم ﴿وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إلى أَرْذَلِ العمر﴾.
[أي]: ومنكم من يهرم فيصير إلى أرذل العمر، أي: إلى أرداه.
وقيل: إنه يصير كذلك في خمس وسبعين سنة.
قال علي بن أبي طالب [رضي الله عنهـ]: أرذل العمر خمس وسبعون سنة.
لكن المسلم إذا صار إلى أرذل العمر ازداد مع طول العمر عند الله كرامة وأجراً، كما قال [في] سورة والتين والزيتون: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: 4] يعني: آدم خلقه في أحسن صورة، ثم قال: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 5] يعني: الكافر من ولد آدم ثم استثنى المؤمنين من ولد آدم فقال: ﴿إِلاَّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: 6].
أي: غير مقطوع عنهم وذلك إذا ضعف الرجل المسلم عن الصلاة النافلة والصيام النافلة وما هو رضى
لله [ عز وجل] أجرى الله [سبحانه] عليه ثواب ذلك في كبره ولذلك قال: ﴿أَلَيْسَ الله بِأَحْكَمِ الحاكمين﴾ [التين: 8] أي: إذا فعل ذلك بالمؤمنين فهو أعدل العادلين.
ثم قال: ﴿لِكَيْ لاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئاً﴾.
أي: يرد إلى الهرم ليصير جاهلاً بعد أن كان عالماً.
يعني: الخرف والخفة التي تدخل الشيوخ، وتحدث فيهم فيصيرون كالصبيان.
فهذا تنبيه من الله عز وجل للخلق أن الله [سبحانه] نقلهم من جهل إلى علم.
ثم من علم إلى جهل، ومن ضعف إلى قوة، ثم من قوة إلى ضعف.
فهو يقدر على أن ينقلكم من حياة إلى موت ثم من [موت إلى] حياة، فكل ذلك بيده.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾.
أي، أنه عليم [قدير] لا ينسى شيئاً ولا يتغير علمه بعلم ما كان وما يكون،
قدير على ما يشاء.
قال تعالى: ﴿والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِي الرزق﴾.
أي: فضل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا فما الذين فضلهم الله [ عز وجل] على غيرهم في الرزق براد [ي] رزقهم على مماليكهم فيستوون فيه [هم] و/ مماليكهم، فهذا لا يرضونه لأنفسهم فيما رزقهم الله [ عز وجل] من المال والأزواج [وقد جعلوا] عبيد الله [سبحانه] شركاء في ملكه، فجعلوا له ما لا يرضونه لأنفسهم.
هذا كله مثل ضربه الله [ عز وجل] لهم في عبادتهم الأصنام من دون الله [سبحانه].
فهو خطاب وتوبيخ وتقريع للمشركين.
فالمعنى أنتم لا
يش [ر] ككم عبيدكم فيما أنعم الله به عليكم من المال ولا ترضون بذلك لأنفسكم فتكونون أنتم وعبيدكم في ذلك سواء، فكيف رضيتم بأن جعلتم لله [سبحانه] شركاء من خلقه، فعبدتم معه غيره؟ فإذا كنتم تأنفون من مساواة عبيدكم بكم فيما في أيديكم [من رزق الله] فكيف رضيتم لرب العالمين بمساواة خلقه له فعبدتموهم؟
وقيل: عنى بذلك الذين قالوا المسيح ابن الله من النصارى.
ثم قال [تعالى] ﴿أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ﴾.
[أي]: يجحدون نعمة الله عليهم فيجعلون له شركاء من خلقه.
قال ابن عباس في الآية: معناها: لم يكونوا ليشركوا عبيدهم في أموالهم ونسائهم فكيف يشركون عبيدي معي في سلطاني، وهو معنى قول قتادة.
وقيل: معنى الآية أن
من فضله الله [ عز وجل] في الرزق لا يشارك فيه مملوكه وهو بشر مثله، فكيف شركتم بين الله [ عز وجل] وبين الأصنام فجعلتم له نصيباً وللأصنام نصيباً؟ فلم يحسن عندكم أن تشاركوا عبيدكم [فيما رزقهم] [وأنتم] كلكم بشر ويحسن أن تشاركوا بين الله [سبحانه] والأصنام وليست كمثله، لأنها مخلوقة.
فإذا نزهتم أنفسكم عن مشاركة عبيدكم فيما رزقهم الله [سبحانه] فالله [ عز وجل] أحق أن تنزهوه عن مشاركة الأصنام.
قال تعالى: ﴿والله جَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً﴾، [أي]: والله خلق زوجة آدم من ضلعه، قاله: قتادة.
وقيل معناه: جعل لكم من جنسكم أزواجاً.
ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِّنْ أَزْوَاجِكُم بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾.
قال ابن مسعود: الحفدة: الاختان.
وهو قول ابن عباس وابن جبير.
وعن ابن عباس: أنهم الأصهار.
وقال محمد بن الحسن: الختن الزوج ومن كان من ذوي رحمه، والصهر من كان من قبل المرأة من الرجل.
وقال ابن الأعربي ضد هذا القول في الأختان والأصهار.
وقال [الأ] صمعي الختن من كان من الرجال من قبل المرأة والأصهار منهما جميعاً، وقيل: الحفدة أعوان الرجل
وخدمه.
وروي عن ابن عباس أنه سئل عن الحفدة في الآية فقال: من أعانك فقد حفدك.
[و] قال عكرمة: الحفدة الخدام.
[و] عنه أيضاً الحفدة من خدمك من ولدك.
وعن مجاهد أنه قال: الحفدة ابن الرجل وخادمه وأعوانه.
وعن ابن عباس أيضاً هم ولد الرجل وولد ولده.
وقال ابن زيد وغيره: هم ولد الرجل [و] الذين يخدمونه.
وعن ابن عباس: أنه قال: هم بنو امرأة الرجل من غيره.
والحفدة: جمع حافد كفاسق / وفسقة، والحافد في كلام العرب المتخفف في الخدمة والعمل ومنه قولهم، وإليك نسعى ونحفده، أي: نسرع في العمل بطاعتك.
ثم قال [تعالى] ﴿وَرَزَقَكُم مِّنَ الطيبات﴾.
أي: من خلال المعاش.
﴿أفبالباطل يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: [أ] فبما يحرم عليهم الشيطان من البحائر والوصائل يصدق هؤلاء المشركون.
وقيل معناه: أفبالأوثان والأصنام يؤمنون.
﴿وَبِنِعْمَتِ الله هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
أي: وبما أحل الله لهم من ذلك يكفرون، وأنعم عليهم بإحلاله لهم، هم يكفرون أي ينكرون تحليله ويسترونه.