الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقيل: " السبع المثاني ": الحمد " والقرآن العظيم " الحواميم.
وقال علي وأبو هريرة: والسبع المثاني، فاتحة الكتاب، قاله قتادة ومجاهد.
وقيل: المعنى وآتيناك سبع آيات وهي الحمد ﴿مِّنَ المثاني﴾ من القرآن، فمن للتبعيض.
و [قوله] ﴿والقرآن العظيم﴾ عني به الحمد على قول من رأى السبع المثاني [السبع] الطوال.
وقيل: [هي] القرآن كله.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾.
معناه / استعن بما آتاك الله من القرآن عما في أيدي الناس.
ومنه حديث النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس منا من لم يتغن بالقرآن " أي: يستغني به عن المال.
وعلى هذا تأول الحديث سفيان بن عيينة، وتأول الآية.
وروى: من حفظ القرآن فرأى أن أحداً
أعطي أفضل مما أعطي فقد صغر عظيماً وعظم صغيراً.
فالمعنى: لا تتمنين ما جعلنا من زينة الدنيا متاعاً للأغنياء من قومك المشركين ﴿وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾.
أي: على ما متعوا به من ذلك.
فعجل لهم في الدنيا فإن لك في الآخرة مما هو خير لك من ذلك.
ومعنى: ﴿أَزْوَاجاً مِّنْهُمْ﴾ أمثالاً منهم، يعني: الأغنياء منهم.
والأزواج في اللغة: الأصناف.
﴿واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾.
أي: ألن جانبك لمن آمن بل وقربهم من نفسك.
والجناحان من ابن آدم جنبناه، والجناحان الناحيتان، ومنه قول الله تعالى ﴿واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ﴾ [طه: 22].
وقيل: معناه: إلى ناحيتك وجنبك.
وقل للمشركين ﴿إني أَنَا النذير المبين﴾ أي أنا [النذير] المنذر لكم عذاباً.
﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين﴾.
أي: مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين " المبين " لكم ما جئتكم به من الإنذار والأعذار والوعد والوعيد.
قوله: ﴿كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين﴾.
الكاف من " كما " في موضع نصب نعت [لمصدر محذوف].
و [قيل]: للمفعول المحذوف، أي: النذير عذاباً مثل العذاب الذي أنزلنا على المقتسمين.
قال ابن عباس: المقتسمين اليهود والنصارى، قسموا القرآن فآمنوا ببعض وكفروا ببعض.
قال مجاهد: هم أهل الكتاب جزءوا القرآن فجعلوه أعضاءً، آمنوا ببعض وكفروا ببعض.
وقال عكرمة: هم أهل الكتاب اقتسموا القرآن، استهزءوا به فقال بعضهم: هذه السورة لي، وقال آخر: هذه السورة لي.
وعن مجاهد أيضاً: هم أهل الكتاب اقتسموا كتابهم فكفر بعضهم ببعضه، وآمن الآخرون بذلك البعض، وكفروا [ب] بعض آخر.
وقال قتادة: هم قوم من قريش خمسة عضهوا كتاب الله [ عز وجل] .
وقيل: عني بذلك قوم صالح الذين تقاسموا على تبييت صالح وأهله، وهم تسعة، قاله ابن زيد.
وقيل: هم قوم اقتسموا طريق مكة أيام مقدم الحاج بعثهم أهل مكة ليشيعوا في كل ناحية عند كل من يقدم مكة [من الناس] أن محمداً مجنون وأنه شاعر وأنه ساحر.
قال ابن عباس: هم اثنا عشر رجلاً من قريش اقتسموا على أعقابِ مكة لمن يقدم مكة من الناس ليصدوهم عن نبي الله.
فيقول بعضهم: هو كاهن، وبعضهم هو شاعر، وبعضهم هو مجنون.
وقيل: هم قوم أقسموا ألا يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا يفارقوا الانحراف عنه، والطعن عليه.
وقال عطاء: هم قوم من قريش فرقوا القول في القرآن / فقال بعضهم: هو سحر وقال آخرون: هو شعر وقال آخرون: هو أساطير الأولين.
وعن ابن عباس أيضاً في ﴿جَعَلُواْ القرآن عِضِينَ﴾ أي: فرقوه فرقاً.
وهو مشتق من العَضْو، والمحذوف منه على هذا القول واو.
والكسائي يذهب إلى أنه من: عَضَهْت الرجل، إذا رميته بالبهتان.
والتصغير على هذا القول الأول " عضية " وعلى قول الكسائي عُضَيْهَة.
وقال الفراء: العِضُون في كلام العرب المتفرقون.
واستجيز جمعه بالواو والنون عند البصريين ليكون ذلك عوضاً مما حذف منه.
وحكى الفراء أن من العرب من يقول: هذه عضينك.
فتركه بالياء في كل حال، ويجعل الإعراب في النون، بمنزلة ذهبت سنينك في لغة من
جعلها بالياء على كل حال وجعل الاعراب في النون.
[قال]: وهي كثيرة في أسد وتميم وعامر.
توهموا أن الواو واو فعول لما وقعت موضع حرف ناقص [و] قلبوها ياء لأنها أخف من الواو وجعلوا الاعراب في النون.
كما قال بعضهم سمعت لغاتَهم.
فنصب، وحق التاء الكسر في النصب والخفض كتاء " مسلمات ". لمن نصبها في موضع النصب كما تقول: سمعت أصواتهم.
فمن قال في التصغير عضيهة، وجعله على عضين، قال: فعلت به ما فعلت ببرة وبرين.
وحذفت الهاء كما حذفتها من شفه وأصلها شفهة وتصغيرها [شفيهة.
ومثله شاة وتصغيرها] شويهة، وأصلها شاهه وجمعها شياه.
كما تقول في شفه: شفاه.
ومن أخذه من عضيت أي: فرقت أعضى تعضية فهو من قول الشاعر:
" وليس دين الله بالمعضى " ... أي بالمفرق.
قال [تعالى]: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾.
أي: فوربك يا محمد لنسئلن هؤلاء الذين جعلوا القرآن عضين في الآخرة عما كانوا يعملون في الدنيا.
وقيل: معناه، لنسئلن هؤلاء عن شهادة أن لا إله إلا الله.
قاله: ابن عمر ومجاهد.
قال ابن مسعود: والذي لا إله غيره، ما منكم أحد إلا سيخلو الله [ عز وجل] به كما يخلو أحدكم بالقمر ليلة البدر فيقول: ابن آدم [ماذا] أخرك مني؟ ابن آدم ما عملت فيما علمت؟ ابن آدم ماذا أجبت المرسلين؟.
[قال أبو العالية: يسأل العباد كلهم عن خلتين يوم القيامة عن ما كانوا
يعبدون وعن ما أجابوا المرسلين].
وعن ابن عباس في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ ثم قال في موضع آخر: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: 39] معنى الأول يسألهم لم عملتم كذا وكذا، ومعنى الثاني لا يسألهم هل عملتم كذا وكذا لأنه عالم بذلك.
قال ابن عباس: نزلت في الوليد بن المغيرة ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ﴾ إلى آخرها.
روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم [ قال] " كلكم مسئول يوم القيامة: فالإمام يُسْأل عن الناس وعن رعيته.
والرجل يُسْأَل عن أهله وولده/ والمرأة تُسْأل عن بيت زوجها.
والعبد يُسْأل عن مال سيده ".
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " ما من راع استرعى رعية إلا سأله الله يوم القيامة عن
رعيته، هل أقام فيهم أمر الله أم أضاعه، حتى أن الرجل ليُسْألَ عن خاصته وأهل بيته ".
قال معاذ بن جبل: " لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة حتى يُسْأَل عن أبعة، عن عمره فيما أفناه وعن جسده فيما أبلاه وعن ماله من أين كسبه وفيما أنفقه وعن عمله كيف عمل فيه ". وروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يسألون عن شهادة أن لا إله إلا الله ".
قال تبارك وتعالى: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ﴾.
معناه، بلغ ما أرسلت به إليهم، قال ابن زيد.
وقال ابن عباس: معناه افعل ما تؤمر وامضه.
وعنه: أعلن بالقرآن، قال: وكان نبي الله اكتتم مخافة [قومه] سنتين فأمره الله أن [يصدع] بما يؤمر أي: يعلن به وظهره وأن يعرض عن المشركين ثم نسخ ذلك وأمره بقتالهم وقال ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين﴾.
وقال مجاهد: المعنى: اجهر بالقرآن في الصلاة.
قال عبد الله بن عبيد: لم يزل النبي [ صلى الله عليه وسلم] بمكة مستخفياً حتى نزلت: ﴿فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ فخرج هو [و] أصحابه.
وقال الزجاج: معناه: ابنِ ما تؤمر به وأذهره، مشتق من الصديع وهو الصبح.
وقال المبرد: [معناه]: اصدع الباطل بما تؤمر: أي: افرق بين الحق والباطل بهذا القرآن وبينه.
يقال: تصدع القوم إذا تفرقوا.
ومنه صداع الرأس وتصدعت الزجاجة تفرقت أجزاؤها.
وفاء الفعل مصدر عند البصريين، فلذلك لم يقل: " بما تؤمر به:.
وتقديره: فاصدع بأمرنا وهو القرآن.
وقال الكسائي: " ما " بمعنى: الذي.
والتقدير بما تؤمر به، ثم حذفت: " به ".
فأما قوله ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين﴾ فهذا كان قبل أن يؤمر بالقتال ثم، أمر بالقتال
فنسخه الأمر بالقتال، قاله: ابن عباس والضحاك.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ المستهزئين * الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها آخَرَ﴾.
المستهزؤون: في قول ابن عباس، وهم الوليد بن المغيرة المخزومي والعاصي بن وائل، وعدي بن قيس، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وهو ابن خال رسول الله صلى الله عليه وسلم والأسود بن المطلب، وأبو زمعة الحرث بن عيطلة كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام.
وعن ابن عباس: أنهم خمسة، ولم يذكر الحرث بن عيطلة، كانوا يهزؤون بالنبي عليه السلام.
فروي أنهم مروا، رجلاً [رجلاً] على النبي صلى الله عليه وسلم ومعه جبريل عليه السلام، فإذا مر رجل منهم قال [له] جبريل: كيف تجد هذا؟ فيقول/ النبي: بئس
عبد الله، فيقول له جبريل: كفيناكه.
فهلك الخمسة بأمر الله [ عز وجل] ونصره لنبيه [ صلى الله عليه وسلم] : أما الوليد بن المغيرة فإنه تردى بردائه فتعلق سهم بردائه فقعد يحله فقطع أكحله فنزف فمات.
وأما الأسود بن عبد يغوث فأتى بغصن فيه شوك فضرب به وجهه فسالت حدقتاه على وجهه.
فكان يقول: دعوت على محمد [دعوة] ودعا علي دعوة، فاستجيب لي، واستجيب له: دعا علي أن أعمى، فعميت.
ودعوت عليه: أن يكون وحيداً فريداً في أهل يثرب فكان ذلك.
وأما العاصي بن وائل فوطئ شوكة فتساقط لحمه على عظامه حتى هلك.
وأما الأسود بن المطلب وعدي بن قيس فإن أحدهما قام من الليل وهو مطمئن يشرب من جرة فلم يزل يشرب حتى ينفتق بطنه فمات.
وأما الآخر فلدغته حية فمات.
فمعنى الآية: إنا كفيناك يا محمد الساخرين منك الجاعلين مع الله إلهاً آخر [سبحانه وتعالى]، ﴿فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾ ما يلقون من عذاب الله عند مصيرهم إليه
يوم القيامة.
وقال عكرمة: المستهزؤون قوم من المشركين كانوا يقولون سورة البقرة سورة العنكبوت يستهزؤون بأسماء السور.
وروى ابن وهب: عن زيد بن أسلم أن وهب الذماري قال: " إن نيباً من الأنبياء حدث قومه بحوت ينزله أهل الجنة فاستهزأ به رجل من قومه.
فقال النبي [ صلى الله عليه وسلم] اذهب فأريكه.
فذهب حتى إذا جاء البحر جاز حوت مثل البيت قال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: لا، ثم جاز حوت مثل الجبل.
فقال: هو ذا يا نبي الله؟ قال: لا، ثم جاز حوت مثل القصر.
قال: هون ذا يا نبي الله؟ قال لا.
ثم جاز حوت مر صدره ضحى، ولم يمر آخره إلى العصر، فقال: هو ذا يا نبي الله؟ فقال: كيف ترى؟ فقال: والله إن في هذا لمأكلاً ومشرباً.
قال: فوالذي نفسي بيده إنه ليتغذى كل يوم طلعت فيه الشمس بسبعين ألف حوت كلهم مثل هذا الحوت، فصعق
الرجل فمات ".
وذكر عند مروان بن الحكم [هذا الحديث] فقال: لقد ذكر لي أن هذا الحوت قد أحاط بالسماوات السبع ومن تحت العرش.
وعن ابن عباس: أنهم هلكوا في ليلة واحدة كل رجل منهم يميته سوى ميتة صاحبه.
قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ﴾.
المعنى: ولقد نعلم يا محمد أنك يضيق صدرك بما تقول هؤلاء من تكذيبك، فسبح بحمد ربك أي: افزع فيما نزل بك منهم إلى الشكر لله [ عز وجل] والثناء عليه والصلاة، يكفيك ما همك من ذلك، و " كان النبي عليه السلام إذا أحزنه أمر فزع إلى الصلاة ".
قوله: ﴿وَكُنْ مِّنَ الساجدين﴾ أي: / من المصلين.
قوله: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ أي: الموت.
ومعناه: اعبد ربك أبداً، ولو لم
يقل ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ لكان بعبادته ساعة واحدة طائعاً قد فعل ما أمر به.
ولكن قوله: ﴿حتى يَأْتِيَكَ اليقين﴾ يبينه، وهذا مثل قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: 31] أي: أبداً ولو لم يقل: ﴿مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ لكان بصلاة واحدة وزكاة مرة يؤدي ما وصاه به.
تفسير سورة
سورة النحل مكية
قال ابن عباس: هي مكية إلا ثلاث آيات نزلت بين مكة والمدينة، حين رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - من أحد، وقد قتل حمزة، وقد مثل به، فقال النبي [- صلى الله عليه وسلم -] "لأمثلن بثلاثين منهم".
وقال المسلمون: "لنمثلن بهم".
فأنزل الله (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ [بِهِ]) [126]، إلى آخر السورة.
[ويقال لسورة النحل سورة النعم لكثرة ما نبه الله فيها على نعمه , وعدد ما فيها من منته على خلقه]
قوله [تعالى] ﴿أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.
ومعنى أتى أمر الله: يأتي.
ولا يحسبن عند سيبويه في أخبار الناس وما يجري بينهم: فَعَل بمعنى يَفعل إلا في الشرط.
وقيل: إنما أتى بالماضي لأنه أمر سيكون لا بد منه، فأتى فيه بالماضي الذي قد كان في موضع ما سيكون.
وقيل: إنما جاء كذلك لأنهم استبعدوا ما وعدهم الله من عذاب، فأتى
بالماضي في موضع المستقبل لقربه من الإتيان، ولصدق المخبر به.
وقد قال الضحاك: ﴿أَمْرُ الله﴾: فرائضه وحدوده وأحكامه.
وقيل: هو وعيد من الله لأهل الشرك على ما تقدم.
قال ابن جريج: لما نزلت ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ الآية، قال رجل من المنافقين بعضهم لبعض: إن هذا يزعم أن أمر الله قد أتى فامسكوا عن بعض ما كنتم تعملون حتى ننظر ما هو كائن.
فلما رأوا أنه لا ينزل شيئاً، قالوا: ما نراه ينزل شيئاً، فنزلت [الآية]: ﴿اقترب لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ [الأنبياء: 1] الآية.
فقالوا: إن هذا يزعم مثلها أيضاً.
فلما رأوا ألاّ ينزل شيئاً، قالوا: ما نراه ينزل شيئاً فنزلت ﴿[وَ] لَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ [لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ]﴾ [هود: 8] الآية.
وروي عن اضحاك ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ يعني القرآن: أي أتى بفرائضه
وحدوده وأحكامه، وهو القول الأول عنه.
وقيل: أمر الله نصر النبي عليه السلام.
وقيل هو يوم القيامة.
وقال الزجاج: ﴿أَمْرُ الله﴾ ما وعدهم به من المجازاة على كفرهم بمنزلة قوله:
﴿حتى [إِذَا جَآءَ] أَمْرُنَا وَفَارَ التنور﴾ [هود: 40] وقوله: ﴿أَتَاهَآ أَمْرُنَا لَيْلاً أَوْ نَهَاراً﴾ [يونس: 24].
ومعناه: أنهم استبطأوا العذاب فأخبرهم الله بقربه.
ويدل على أنه وعيد وتهدد للمشركين قوله بعد: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
وأمر الله قديم غير محدث وغير مخلوق، بدلالة قوله: ﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾ [الأعراف: 54] فالأمر غير الخلق.
وبدلالة قوله: ﴿لِلَّهِ الأمر مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ﴾ [الروم: 4] أي: من قبل كل ئيء ومن بعد كل شيء، فهو/ غير محدث.
وأمره صفة له هو كلامه غير مخلوق.
وقيل معنى: ﴿أتى أَمْرُ الله﴾ أي أتت أشراط الساعة، وما يدل على قرب القايمة.
وقيل: هو قيام الساعة.
وقيل: هو جواب لقولهم بمكة: ﴿[فَأَمْطِرْ] عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء﴾ [الأنفال: 32] الآية.
قال [تعالى]: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
من قرأ: ﴿يُشْرِكُونَ﴾ بالتاء جعل الاستعجال للمشركين.
ومن قرأ بالياء جعل الاستعجال لأصحاب محمد صلى الله عليه وسلم.
قال تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ﴾.
أي: ينزل الملائكة بالوحي من أمره ﴿على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: عليه السلام على المرسلين بأن ينذروا العباد بأن لا إله إلا أنا.
وقيل: " من " بمعنى الباء.
أي: بالروح [بأمره]، أي بالوحي بأمره.
فالباء متعلقة بينزل.
وقال قتادة: المعنى ينزل الملائكة بالرحمة والوحي من أمره على من اختار من خلقه لرسالته لينذر الناس.
لينذر [ب] أن لا إله إلا الله فاعبدوه.
وقال الربيع بن أنس: كل شيء تكلم به ربنا فهو روح منه، ومنه قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحاً مِّنْ أَمْرِنَا﴾.
وعن ابن عباس، أيضاً أنه قال: الروح خلق من خلق الله، وأمر من أمره صوره على صورة آدم لا ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد منهم.
وقال الحسن: ﴿بالروح﴾: بالنبوة.
وقال الزجاج: الروح ما كان فيه من أمر الله حياة للقلوب، بالإرشاد، إلى
أمر الله [ عز وجل] .
﴿ فاتقون﴾.
أي: فأطيعوا أمري، واجتنبوا معصيتي.
ووقع الإنذار في هذا الموضع في غير موضعه.
وأصله أن يقع تنبيهاً وتحذيراً مما يخاف منه.
وضده البشرى.
وليس لا إله إلا الله مما يخاف منه ويحذر.
ولكن في الكلام معنى النهي عما كانوا عليه من عبادة غير الله [سبحانه]، فحسن الاتيان به مع ما لا يخاف منه، ولا يحذر.
ودل على ذلك قوله: ﴿فاتقون﴾ وقوله بعد ذلك: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.
قال تعالى: ﴿خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾.
أي: من خلق هذا وابتدعه، فلا تصلح الألوهيم إلا له.
ومعنى ﴿بالحق﴾: بالعدل، أي: للعدل.
وقيل: ﴿بالحق﴾ بقوله: كن فكانتا ﴿بالحق﴾.
فالحق كناية عن قوله: " كن ". والقول الأول أبين.
أي: خلق الإنسان من ماء مهين، وصوره ونقله من حال إلى حال، وأخرجه إلى ضياء الدنيا وغذاه ورزقه وقواه.
حتى إذا استوى، كفر بخالقه وجحد نعمته وعبد ما لا يضره و [ما] لا ينفعه وخاصم الله [سبحانه] في قدرته [جلت عظمته]، فقال: ﴿مَن يُحيِي العظام وَهِيَ رَمِيمٌ﴾ [يس: 78] ونسي خلقه، وانتقاله من ماء إلى علقة إلى مضغة إلى عظم إلى تصوير إلى خروج إلى الدنيا، وضعف إلى قوة [وضعف] بعد قوة.
ومعنى ﴿مُّبِينٌ﴾ أي: مبين عن خصومته بمنطقه، ومجادل بلسانه.
والإنسان هنا جميع الناس.
وقيل: عني به أبي بن خلف، ثم هو عام ف [ي [من كان مثله.
قوله: ﴿والأنعام خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾.
فالمعنى: وخلق الأنعام لكم فيها ما يدفئكم، أي ما يمنع عنكم ضر البرد، وضر الحر.
لأن ما يستر من الحر يستر من البرد.
وذلك ما ينتفع به من الأصواف والأوبار والأشعار.
ثم جعل لكم فيها منافع، يعني من ألبانها، وركوبها، وأكل لحومها، والانتفاع بنسلها.
وعن ابن عباس: الدفء نسل كل دابة.
فهذا كله حجة على الخلق احتج عليهم بنعمته عندهم ولطفه بهم.
قال ابن عباس: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ يعني الثياب.
قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ﴾.
أي: تتجملون بها إذا وردت بالعشي من مسارحها إلى مراحها التي تأوي إليها.
﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: وتتجملون بها حين تسرح بالغدو ومن مراحها إلى مسارحها.
قال قتادة: أعجب ما تكون النعم إذا راحت عظاماً ضروعها، طوالاً أسمنتها.
يعني: إذا رجعت من مرعاها.
قال تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إلى بَلَدٍ لَّمْ تَكُونُواْ بَالِغِيهِ إِلاَّ بِشِقِّ الأنفس﴾.
أي: تحمل لكم هذه الأنعام أثقالكم إلى بلد بعيد لا تبلغو [نه] إلا بجهد شديد ومشقة عظيمة لو وكلتم [إلى] أنفسكم، قاله: مجاهد.
وقيل الأثقال يراد بها في هذا الموضع الأبدان بدلالة قوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2] أي: ما فيها من الموتى.
ومنه سمي الجن والإنس
الثقلان.
وروى المسيِّبي عن نافع " بشَقَ " بفتح الشين، وبه قرأ أبو جعفر.
وهو مصدر.
ومن كسر جعله اسماً.
وقيل معنى الكسر: إلا بنقص من القوة، أي ذهاب شق منها، أي: ذهاب نصفها.
﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾:
أي: لذو رأفة بكم وذو رحمة، ومن رحمته خلقه الأنعام لكم لمنافعكم ومصالحكم، وخلقه السماوات والأرض، وغير ذلك مما يقوم به أمركم فليس يجب الشكر والحمد إلا له.
قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا [وَ] زِينَةً﴾ أي: وخلق لكم أيضاً هذه، نعمة بعد نعمة وفضلاً بعد فضل.
وبهذه الآية يحتج من منع أكل لحوم الخيل لأنه تعالى ذكر ما يؤكل أولاً، وهي الأنعام، ثم ذكر ما يركب ولا يؤكل وهي الخيل وما بعدها.
وأجاز جماعة أكل لحوم الخيل ورووا فيها أحاديث وآثار.
واحتجوا بأنه لا دليل من لفظ الآية على تحريمها وإن قوله: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾ [الأنعام: 145]
الآية، يدل [على] تحليلها.
والذين [ر] ووا تحريمها، رووا في ذلك أحاديث عن النبي عليه السلام في النهي عن أكلها.
فيكون تركها كلها عندهم بالسنة وبدليل هذه الآية.
وقوله ﴿وَزِينَةً﴾.
[أي: وللزينة.
فهو] مفعول لأجله.
وقيل: المعنى وجعلها زينة، فهو مفعول به.
وقرأ أبو عياض: " لتركبوها زينة " بغير واو.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
أي يخلق مع خلقه لهذه الأشياء ﴿مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ وهو ما أعد الله لأهل الجنة في الجنة، ولأهل النار في النار، مما لا تراه عين ولا خطر على قلب بشر.
وعن ابن عباس أنه قال: خلق الله ألف أمة، منها ست مائة في البحر، وأربع مائة في البر، فليس شيء في البر إلا وفي البحر مثله، وفضل البحر بمائتين.
وعن وهب بن منبه أنه قال: إن لله ثمانية عشر ألف عالم، الدنيا منها عالم واحد.
وما العمران في الخراب إلا كفسطاط في الجنان.
وما الخلق كله في قبضة الله [ عز وجل] إلا كخردلة في كف أحدكم.
وعن وهب أيضاً، يرفعه إلى النبي عليه السلام، أنه قال: " إن لله [ عز وجل] ثمانية
[عشر] [ألف] عالم، الدنيا منها عالم واحد، وإن لله في الدنيا ألف أمة سوى الانس والجن والشياطين، أربع مائة في البر، وست مائة في البحر ".
وقد قال بعض المفسرين: إن هذا [هو] تأويل ﴿الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين﴾ [الفاتحة: 2] فجمع العالم لكثرة ذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31].
وروي أنه: نهر عن يمين العرش من نور السماوات السبع والأرضين السبع والبحار السبع، يدخل فيه جبريل عليه السلام كل سحر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نوره، وجمالاً إلى جماله، وعظماً إلى عظمه.
ثم ينتفض فيخلق الله جلّ ذكره من كل نقطة تقع منه كذا وكذا ألف ملك.
يدخل منهم كل يوم سبت المعمور سبعون ألفاً، وسبعون ألفاً في الكعبة ثم لا يعودون إليه أبداً إلى أن تقوم الساعة.
تصديقه:
﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: 31].
وقال السدي: هو خلق السوس في الثياب.
والأحسن في هذه الآية: كونها على العموم، أن الله يخلق الأشياء لا يعلمها ولا يعرفها [أحد] وأنه هو العالم بها وحده لا إله إلا هو.
قال تعالى: ﴿وعلى الله قَصْدُ السبيل﴾.
أي: وعلى الله تبيين الطريق المستقيم إليه بالحجج والبراهين.
فالسبيل الطريق، والقصد الاستقامة.
وقيل معناه: رجوعكم ومصيركم [إلي] كما قال: ﴿هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ﴾ ﴿إِنَّ رَبَّكَ لبالمرصاد﴾ [الفجر: 14].
والقول الأول: أحسن لدلالة قوله: ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أي: من السب [ي] ل ما
هو جائر عن الحق.
والسبيل هنا جمع [في المعنى بدلالة قوله: ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾] فدخول " مِن " يدل على أن السبيل جمع.
أي: من السب [ي] ل سبيل جائر.
أي: غير قاصد للحق.
يعني ما خالف دين الإسلام من الأديان.
قال ابن عباس: قصد السبيل: تبين الهدى من الضلالة.
وقال مجاهد: هو طريق الحق إلى الله.
قال قتادة: ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ أي: ومن السبيل، سبيل الشيطان.
وقال الضحاك: يعني السبيل التي تفرقت عن سبيل الله [سبحانه].
وقال ابن زيد: جائر عن الحق.
والجائر في اللغة: العادل عن الحق.
وفي قراءة عبد الله: ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ ورواية عن علي أيضاً، ويقويها: ﴿وَلَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾ معناه: ولو شاء [الله] للطف بكم بتوفيقه فكنتم تهتدون إلى طريقه المستقيم.
ولكن يضل من يشاء ويهدي من يشاء، لا معقب لأمره ومشيئته.
وقال الزجاج: معناه.
لو شاء لأنزل آية يضطر الخلق [بها] إلى الإيمان به.
قوله: / ﴿هُوَ الذي أَنْزَلَ مِنَ السماء مَآءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ﴾.
والمعنى: الذي أنعم عليكم بالنعم المتقدم ذكرها، هو الذل أنزل من السماء ماء تشربون منه وأنعامكم، وينبت لكم به الشجر ويسقي به النبات والزرع وجميع الثمار.
والمعنى: لكم منه شراب وسقي شجر.
وفي ذلك الشجر تسيمون أي: ترعون أنعامكم.
ومن قيل للمواشي المطلقة: السائمة، أي: الراعية.
وهو من
السومة.
وهي العلامة.
لأنها إذا رعت أثرت في الأرض.
وقيل السوم في البيع مأخوذ من السائمة لأن كل واحد من المتابعين يقول ما شاء عند السوم، كما أن الأنعام ترعى حيث شاءت.
فكل هذا تنبيه على نعمه علينا وفضله لدينا وحجة على من عبد غيره.
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾.
أي: [إن] في هذه النعم التي وصفت لدلالة واضحة وعلامة بينة على قدرة الله [سبحانه]، وتوحيده [جلّ وعزّ] لقوم يعتبرون مواعظ الله [جلت عظمته] ويتذكرون حججه تعالى.
قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اليل والنهار والشمس والقمر﴾ الآية.
أي: وأنعم عليكم أيضاً مع النعم المتقدمة، بهذه الأشياء.
فسخرها لكم،
يتعاقب عليكم الليل والنهار والشمس والقمر لمصالحكم وقوام أموركم.
إن في ذلك لدلالات واضحات لقوم يعقلون حجج الله [سبحانه] ويفهمون تنبيهه [تعالى] إياهم.
قال تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الأرض مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ﴾.
أي: وسخّر [لكم] ما خلق في الأرض مختلفاً ألوانه.
قال قتادة: يعني: ما خلق من الدواب، والأشجار والثمار.
﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾.
أي: يتذكرون قدرة الله ونعمه عليهم فلا يشكرون إلا إياه.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾.
المعنى: وهو الذي سخر لكم البحر المالح والعذب، مع ما تقدم من النعم
المذكورة، سخره لكم لتأكلوا من صيده لحماً طرياً ولتستخرجوا منه حلية تلبسونها: اللؤلؤ والمرجان من المالح خاصة.
ثم قال: ﴿وَتَرَى الفلك مَوَاخِرَ فِيهِ﴾.
قال الحسن: يعني: مواخر مشحونة.
وقال عكرمة: ما أخذ عن يمين السفينة ويسارها من الماء فهو المواخر.
قال مجاهد: تمخر السفن الرياح.
وعن الحسن، أيضاً: ﴿مَوَاخِرَ﴾ جواري.
وقيل معنى ﴿مَوَاخِرَ﴾ معترضة تجري.
وعن قتادة: مواخر تجر [ي] بريح واحدة مقبلة ومدبرة.
والمخر في اللغة: الشق.
يقال: مخرت السفينة الماء، أي شقته ولها صوت أي عند هبوب الريح.
ومخر الأرض أيضاً هو شق الماء إياها.
وقيل: مواخر مُلَجِّجَة
في داخل البحر.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ﴾.
أي: لتتصرفوا فيه لطلب معايشكم في التجارة.
قال مجاهد: هي تجارة البر والبحر.
﴿[وَ] لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرون ربكم [ عز وجل] على هذه النعم التي أنعم عليكم بها.
قال تعالى: ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ﴾.
أي: ومن نعمه/ أيضاً أن ألقى في الأرض رواسي، لئلا تميد بكم الأرض، وقد كانت تميد قبل كون الجبال على ظهرها.
والراسي: الثابت.
والرواسي: جمع راسية.
يقال: رست، ترسو، إذا ثبتت.
والمرسى اسم المكان.
[و] قال قيس بن عباد: إن الله جلّ ذكره لما خلق الأرض جعلت تمور،
فقالت الملائكة: ما هذه بمقرة على ظهرها أحداً فأصبحت ضحى وفيها رواسيها.
وقال علي بن أبي طالب [عليه السلام]: لما خلق الله الأرض قَمَصت، وقالت: أي رب، أتجعل عليّ بني آدم يعملون عليَّ الخطايا ويجعلون [عليَّ] الخبث.
فأرسى الله [ عز وجل] فيها من الجبال ما ترون وما لا ترون.
ثم قال تعالى: ﴿وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً﴾.
أي: وجعل لكم أنهاراً وسبلاً.
ولا يحسن حمله على " ألقى " لأنه لا يقال: ألقى الله الأنهار والسبل ولكن حمل على المعنى.
لأن معنى ﴿وألقى فِي الأرض رَوَاسِيَ﴾ جعل فيها رواسي، فعطف ﴿وَأَنْهَاراً وَسُبُلاً﴾ على هذا المعنى.