الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
كلها، وبيده الضر والنفع.
فلن يضر الماكرون بمكرهم أحداً إلا بإذن الله، لأن أسباب المكر كلها بأمر الله، وإنما يضرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم.
فكذلك هؤلاء يمكرون بمكرهم أنفسهم، لأنهم أسخطوا ربهم عليهم حتى أهلكهم.
فكذلك هؤلاء يمكرون بك يا محمد، والله منجيك من مكرهم، وملحق ضرر مكرهم بهم دونك.
ومعنى المكر من الله " أن ينزل العقوبة بمن يستحقها من حيث لا يعلمون ".
ثم قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ﴾ أي: يعلم ما يفعل هؤلاء المشركون، وما يسعون فيه من المكر بك، ويعلم جميع أعمال الخلائق كلهم.
﴿وَسَيَعْلَمُ الكفار لِمَنْ عُقْبَى الدار﴾ أي: سيعلمون، إذ قدموا على ربهم يوم القيامة لمن عاقبة (عقبى) الدار في الآخرة.
وقيل: الكافر هنا يراد به أبو جهل لعنة الله.
(ومن قرأ): " الكفار " بالجمع.
قيل: عني به المستهزءون وهم خمسة، والمقتسمون، وهم ثمانية وعشرون.
قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لَسْتَ مُرْسَلاً﴾ إلى قوله: ﴿عِلْمُ الكتاب﴾ المعنى: ويقول الذين كفروا من قومك يا محمد! لست مرسلاً، تكذيباً لك.
فقل لهم يا محمد ﴿كفى بالله شَهِيداً﴾ أي: حسبي الله ﴿شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ أي: عليَّ وعليكم، والذي ﴿عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾.
أي: علم الكتب التي أنزلت قبل القرآن، كالتوراة، والإنجيل، وهو عبد لله ابن سلام في قول مجاهد، وكذلك روى عبد الله بن سلام أنه قال يوم قتل عثمان لما
نهاهم عن قتله: قالوا: كذب اليهودي، فقال: وآثمتم، إني لمسلم، يعلم الله ذلك، ورسوله، والمؤمنون.
وقد أنزل فيَّ: ﴿كفى بالله شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾.
﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ وهذا يدل على (أن) هذه الآية مدنية، لأن عبد الله بالمدينة أسلم.
وقل قتادة أيضاً: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾: هم ناس من أهل الكتاب، كانوا يشهدون بالحق، ويقرون به، ويعلمون أن محمداً رسول الله، كنا نحدث أن منهم عبد الله بن سلام.
وروي عنه أنه، قال: منهم عبد الله بن سلام، الفارسي، وتميم الدار (ي).
وقال الحسن: ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾ هو الله؟
يذهب إلى أن المعنى: كفى بالله، والذي عنده علم الكتاب.
واختار النحاس هذا القول، واستبعد أن يستشهد الله لأحد من خلقه.
ودل على ذلك قول عكرمة، وابن جبير، وغيرهما: نزلت هذه الآية بمكة، فلا سبيل إلى ذكر عبد الله بن سلام هنا، لأنه بالمدينة أسلم.
ويدل على ذلك أيضاً أنه قد قرأ ﴿وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الكتاب﴾: فهذا هو الله، جل ذكره، لا يجوز غيره، أي: ومن عند الله علم الكتاب.
وهي قراءة مروية عن ابن عباس /، وغيره.
ومن فتح " ومَنْ عنده " كانت الهاء تعود على " من ".
و" من ": هو الله، أو على ابن سلام، وشبهه على الاختلاف المذكور.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
عليه السلام
وهى مكية
إلا آيتين منها نزلتا بالمدينة , فى من قتل من المشركين يوم بدر , وهما قوله (تعالى):
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا)
إلى آخر الآيتين - قاله قتادة.
قوله: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله ﴿ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾ قد تقدم الكلام في ﴿الر﴾ والمعنى: هذا الكتاب أنزلناه إليك يا محمد، لتخرج به الناس من الضلال
إلى الهدى.
فالكفر بمنزلة الظلام، والإيمان كالنور.
وهذا يدل على إرسال محمد عليه السلام، إلى جميع الخلق لقوله: ﴿لِتُخْرِجَ الناس﴾، ولم يقل لتخرج بني إسماعيل، كما قال (في) التوراة ﴿وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لبني إِسْرَائِيلَ﴾ [السجدة: 23].
ولم يقل للناس، وقال في الفرقان: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً﴾ [الفرقان: 1]، ولم يقل للعرب.
وقال لموسى عليه السلام ﴿أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ﴾ [إبراهيم: 5]، ولم يقل للناس كما قال لمحمد صلى الله عليه وسلم: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ: 28]، ولم يقل: للعرب.
وقوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾: أي: يخرجهم بإذن ربهم، أي: بتوفيقه لهم
ولطفه، وأمره لا يهدى أحد إلا بإذنه.
ثم بين النور ما هو فقال: ﴿إلى صِرَاطِ العزيز الحميد﴾: أي: إلى طريق الله، عز وجل المستقيم، وهو دينه الذي ارتضاه لخلقه.
" والحميد ": فعيل مصروف من " مفعول " المبالغة، ومعناه، المحمود بآلائه.
وأضاف الإخراج إلى النبي صلى الله عليه وسلم ( لأنه) المنذر المرسل بذلك.
و (الله)، ( عز وجل) هو المخرج لهم، والهادي على الحقيقة.
ثم بين العزيز الحميد من هو؟ فقال: ﴿الله الذي لَهُ مَا فِي السماوات﴾ أي: وهو الذي يملك جميع ما في السماوات، وجميع ما في الأرض.
فأعلم الله، ( عز وجل) نبيه صلى الله عليه وسلم أنه إنما أنزل عليه كتاب ليدعو عبادة إلى عبادة من هذه صفته، ويتركوا عبادة
من لا يملك ضراً ولا نفعاً.
ثم توعد الله ( عز وجل) ، من لا يؤمن بما جاء (ب) هـ نبيه صلى الله عليه وسلم: فقال: ﴿وَوَيْلٌ لِّلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾: وقد تقدم بيان معنى (ويل).
وأكثر المفسرين على أن ويلاً واد في جهنم، فيه عقارب كالنجب، وفيه ألوان من العذاب.
ثم بين صفة الكافرين، فقال: ﴿الذين يَسْتَحِبُّونَ الحياة الدنيا عَلَى الآخرة﴾ أي: يختارون زينة الحياة الدنيا، فيعصون الله، ويتركون طاعته، وهم مع ذلك
﴿وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله﴾: أي: يمنعون من أراد الإيمان بالله، ( عز وجل) واتباع رسوله.
﴿وَيَبْغُونَهَا عِوَجاً﴾: أي: يلتمسون العوج لدين الله، (سبحانه)،
والتحريف والتبديل بالكذب والزور.
ونصبه لأنه مصدر في موضع الحال.
وقيل: هو مفعول به، وحرف الجر، مقدر مع المفعول المتصل.
والتقدير: ويبغون لها عوجاً، والعوج بكسر / العين، وفتح الواو في الدين والأرض، وكل ما لم يكن قائماً، ويفتح العين والواو: فيما كان قائماً مثل الحائط، والرمح، والسن.
﴿أولئك فِي ضَلاَلٍ بَعِيدٍ﴾، أي: هؤلاء المذكورون في ذهاب عن الحق بعيد.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ إلى قوله ﴿(مِّن رَّبَّكُمْ) عَظِيمٌ﴾: المعنى: وما أرسلنا رسولاً إلا بلغه ليفهموا عنه، فالمعنى: وأرسل النبي صلى الله عليه وسلم، بلغة سعد ابن بكرٍ بن هوازن: وهي أفصح اللغات.
فالمعنى: وما أرسلنا إلى أمة من الأمم من قبل محمد ( صلى الله عليه وسلم من رسول) إلا بلسان الأمة التي أرسل إليها، ليبين لهم ما أرسله
الله به إليهم من أمره ونهيه، لتقوم الحجة عليهم، ولا يبقى لهم عذر.
فيوفق الله من يشاء إلى الإيمان، ويخذل من يشاء فيبقى على كفره.
﴿وَهُوَ العزيز﴾: أي: الممتنع ممن أراده (ولا يمتنع عليه أحد) [إن] أراد خذلا (نه)، لأنه الحكيم في توفيقه للإيمان من أراد أن يوفقه.
فإن قيل: فيجب ألا تلزم الحجة من كان من العجم، لأنهم لا يفهمون لسان العرب، فالجواب: أنه إذا ترجم ما جاءهم به النبي صلى الله عليه وسلم بلسانهم، وفهموا الدعوة لزمتهم الحجة، لقوله تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ كَآفَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً﴾ [سبأ 28]، ولقوله: ﴿(لأُنذِرَكُمْ) بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] ولقوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].
فكل من بلغته دعوة النبي صلى الله عليه وسلم, وفهم ما دعاه إليه
(يأتي يساره إن) لزمته الحجة، ودخلت تحت قوله ﴿وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: 19] وتحت قوله: ﴿كَآفَّةً لِّلنَّاسِ﴾ [سبأ 28].
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَآ أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ (مِنَ الظلمات إِلَى النور)﴾: قوله: ﴿أَنْ أَخْرِجْ﴾ " أن " في موضع نصب على تقدير حذف (حرف) الجر.
والتقدير: بأن أخرج.
(وقيل: " أن " زائدة، ومثله: كتبت إليه أن قم): ومعنى الآية ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى﴾ من قبل محمد صلى الله عليه وسلم، بالأدلة والحجج، والآيات، وهي التسع آيات المذكورة في القرآن.
بأن يخرج قومه من الكفر إلى الإيمان، ويذكرهم: ﴿بِأَيَّامِ الله﴾: أي: بنعم الله عليهم في الأيام الخالية، إذ أنقذهم من آل فرعون،
ومما كانوا فيه من العذاب، وإذا فلق لهم البحر، وظلّل عليهم الغمام، وأنزل عليهم المنَّ والسلوى في أِباه لهذا من النعم.
قاله مجاهد، وقتادة.
(وكذلك رواه ابن عباس، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: بأيام الله: بنعم الله).
قال مالك، ( رحمه الله) ﴿ بِأَيَّامِ الله﴾: ببلاء الله الحسن عندهم، وأياديه.
وقال ابن زيد: المعنى: وذكرهم بالأيام التي انتقم الله، فيها من الأمم الماضية، فيتعظوا، ويزدجروا، ويخافوا أن يصيبهم مثل ما أصاب من كان
قبلهم، ودل على ذلك قوله بعد الآية: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾ [إبراهيم: 9]، ثم قال: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ﴾: والمعنى: إن في النعم التي مضت على الأمم الخالية، وأن في النعم التي أنعم عليكم لعلامات ظاهرة، لكل ذي صبر على / طاعة الله عز وجل وشكر له على ما أنعم عليه من نعمة، (جلت عظمته).
وقال قتادة عند تلامة هذه الآية: " نِعْم العبدُ عبدٌ إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر ".
ثم قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ اذكروا﴾: أي: واذكر يا محمد! إذ قال موسى لقومه: ﴿اذكروا نِعْمَةَ الله عَلَيْكُمْ إِذْ أَنجَاكُمْ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سواء العذاب﴾: (أي): يذيقونكم شديد العقاب.
وقد يجوز (مع ذلك) أبناءكم، ودخلت الواو مع
" ويذبحون "، لتدل على آل فرعون كانوا يعذبون بني إسرائيل بأنواع (غير) التذبيح.
وروي أن فرعون كان يذبح كل غلام، ويستحي النساء، وكانت الحوامل عنده مدونات، والقوابل يغدون عليهن ويرحن.
وعندهم رجال قد شدوا أوساطهم، وجعلوا فيها السكاكين التي يذبحون بها الولدان.
وأيديهم مخضبة بالدماء.
ثم قال (تعالى): ﴿وَفِي ذلكم بلاء مِّن رَّبَّكُمْ عَظِيمٌ﴾: أي: اختبار لكم من ربكم.
ويكون البلاء هنا النعمة، فيكون المعنى: (إن) في إنجائه
إياكم نعمة عظيمة.
وقيل: المعنى: وفيما جرى عليكم بلية عظيمة.
قوله: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾ والمعنى: واذكروا إذا تأذن ربكم.
(أي): أعلمكم ربكم.
ومنه الأذان، أنه إعلام.
" وتفعل " يقع على موضع " أفعل "، والعرب تقول: أوعدته، وتوعدته، بمعنى واحد.
وقال ابن مسعود: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ﴾: أي: قال ربكم.
وكذلك قال ابن زيد: معناه: قال ربكم ذلك التأذن.
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ﴾: معناه: القسم، والمعنى: ولئن شكرتم ربكم بطاعتكم إياه، فيما أمركم به، ونهاكم عنه، ليزيدنكم من النعم.
وقال الحسن: معناه: لأزيدنكم من طاعتي.
وقال سفيان بن عيينة: (قال سفيان): ليست الزيادة من الدنيا، أهون على الله من أن يجعلها ثواباً لطاعته، ولا أثاب (بها) أحداً من رسله وأهل طاعته، وهم أشكر الخلق.
وقيل: المعنى: لئن أطعتموني بالشكر، لأزيد (نك) م من أسباب الشكر ما يعينكم عليه.
وقيل: إن المعنى: لأزيد (نك) م من الرحمة والتوفيق والعصمة.
وقوله: ﴿لَئِن شَكَرْتُمْ﴾: أي: (إن) كفرتم النعمة، فجحدتموها بترك الشكر عليها.
﴿إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾: أي: لشديد على من كفر وعصى.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ موسى إِن تكفروا أَنتُمْ وَمَن فِي الأرض جَمِيعاً﴾.
أي: قال لقومه: إن تكفروا، فتجحدوا نعمة الله عليكم، ويفعل مثل ذلك كل من في الأرض ﴿فَإِنَّ الله لَغَنِيٌّ﴾ عنكم وعنهم.
﴿حَمِيدٌ﴾: أي: ذو حمد إلى خلقه بما أنعمه عليهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الذين مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ﴾.
والمعنى: إن الله تعالى أخبرنا خبر الأمم الماضية، الذين لا يحصى عددهم إلا الله ( عز وجل) ﴿ جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ﴾: بالآيات الظاهرات، يدعونهم إلى الله (سبحانه) وإلى طاعته.
﴿فردوا أَيْدِيَهُمْ / في أفواههم﴾: أي: عضت الأمم على أصابعها، تغيظاً
على الرسل، قاله ابن مسعود.
وقال ابن زيد: هو مثل: ﴿عَضُّواْ عَلَيْكُمُ الأنامل مِنَ الغيظ﴾ [آل عمران: 119].
وقيل: المعنى: أنهم لما سمعوا كتاب الله عز وجل عجبوا منه، و (و) ضعوا أيديهم على أفواههم تعجباً.
قاله ابن عباس.
وقيل: المعنى: كذبوهم بأفواههم، وردوا عليهم.
قاله مجاهد.
وقال قتادة: كذبوا الرسل، وردوا عليهم بأفواههم، فقالوا: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ مُرِيبٍ﴾.
وهو مثل قول مجاهد.
وقيل: معناه: إنهم كانوا يشيرون بأيديهم إلى أفواههم، يسكتون الرسل إذا دعوهم إلى الإيمان أن اسكتوا تكذيباً لهم، ورداً لقولهم.
وقيل: المعنى: إنهم كانوا يضعون أيديهم على أفواه الرسل، رداً لقولهم،
وتكذيباً (لهم).
وقيل: هو مثل يراد به السكوت، لأن العرب تقول: سألت فلاناً (في) حاجة فرد يدع في فيه، إذا سكت عنه فلم يجبه.
فالمعنى: أنهم يسكتون إذا دعتهم الرسل إلى الله، فلا يقبلون الدعاء وقيل: المعنى: (فردوا أيدي الرسل) في أفواههم، أي: ردوا نعم الله، الت يأتتهم على ألسنة الرسل بأفواههم فتكون " في " بـ (معنى) " الباء "، واليد تكون في كلام العرب: النعمة، يقال: لفلان عندي (يد: نعمة، وكان (.
. .) على هذا القول (. . .) يكون على وزن (. . .) لأن جمع يد (النعمة):
أيادٍ، وجمع اليد من الجارحة: أيدٍ.
وقوله: ﴿بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ الله﴾ يدل على كثرة من مضى من الخلائق.
قال ابن مسعود: وكذب النسَّابون.
قال عروة بن الزبير: ما وجدنا أحداً يدري ما وراء عدنان.
وقال ابن عباس: بين عدنان، وإسماعيل ثلاثون أباً لا يُعرفون.
ثم أخبر عنهم تعالى بما قالوا للرسل (فقال): ﴿وقالوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَآ أُرْسِلْتُمْ بِهِ﴾: أي " كفرنا بما جئتمونا من ترك عبادة الأوثان [وقالوا]: ﴿وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِّمَّا تَدْعُونَنَآ إِلَيْهِ﴾ أي: لفي شك من توحيد الله الذي تأمروننا (به).
﴿مُرِيبٍ﴾: أي: يريبنا ذلك الشك، أي: يوجب لنا الريبة.
قوله (تعالى): ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي الله شَكٌّ فَاطِرِ السماوات﴾ إلى قوله ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾: والمعنى: أن الله ( عز وجل) أعلمنا بجواب الرسل للأمم، إذ شكت في توحيد الله سبحانه، وأنها قالت للأمم: ﴿أَفِي الله شَكٌّ﴾: أي (أ) في توحيد الله شك وهو خلق السماوات والأرض، يدعوكم إلى توحديه، وطاعته، ليغفر لكم من ذنوبكم، إن أنتم آمنتم به، واتبعتم أمره، وقبلتم نهيه.
فلا يعذبكم على ما ستر عليكم من ذنوبكم، ويؤخر آجالكم، فلا يعاقبكم في العاجل فيهلككم، ولكن يؤخركم إلى الوقت الذي كتب (عليكم) في أم الكتاب.
و" من " في قوله: ﴿مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾، قال أبون عبيدة: هي زائدة، والمعنى:
يغفر لكم ذنوبكم.
وقيل: ليست بزائدة.
والمعنى: يغفر لكم / بعضها، إذ لا يأتي أحد يوم القيامة إلا بذنب، إلا النبي محمداً صلى الله عليه وسلم، لأنه قد غفر له ما تقدم من ذنبه، وما تأخر في الدنيا.
والمغفرة لغيره إنما تكون في الآخرة.
فأما قوله في الصف: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ﴾ [الصف: 12]، فإنما ذلك على الشرط الذي تقدم من الله لهم.
فقالت الأمم لهم: ﴿إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُنَا﴾: أي: ما أنتم أيها الرسل إلا بشر مثلنا في الصورة، ولستم ملائكة تريدون بقولكم هذا أن تصرفونا: ﴿عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ [آبَآؤُنَا]﴾: من الأوثان، ﴿فَأْتُونَا﴾ على قولكم: ﴿بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾: أي: بحجة ظاهرة.
ثم قال تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِن نَّحْنُ إِلاَّ بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ﴾: أي: صدقتم في قولكم لنا: ما أنتم إلا بشر مثلنا.
﴿ولكن يَمُنُّ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾: فيهديه، ويوفقه للحق، ويرسله إلى
من يشاء خلقه.
﴿وَمَا كَانَ لَنَآ أَن نَّأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ﴾: أي: بحجة وبرهان على ما ندعوكم إليه من توحيد الله ( عز وجل) ، وطاعته (جلت عظمته).
﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾: أي بأمره، ﴿وَعلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ / المؤمنون﴾: أي: عليه فليتوكل من آمن به، وأطاعه.
فهذا كلام ظاهره الحظر والمنع، ولا يحظر (على فعل شيء لا يقدر) عليه البتة، ولا في الطاقة فعله، ولكن معناه: وما كنا لنأتي بسلطان ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾: نفوا ذلك عن أنفسهم، إذ، لا قدرة لهم عليه.
ولو حمل على ظاهره لكان معناه: إنهم يقدرون على الإتيان بالسلطان، وهو الحجة.
ولكن لا يفعلونه إلا بإذن الله، وليس الأمر كذلك (إذ) لا مقدورة لهم على ذلك البتة، فلا يتم المعنى حتى يحمل على النفي.
ثم قال تعالى: قالت لهم الرسل: ﴿وَمَا لَنَآ أَلاَّ نَتَوَكَّلَ عَلَى الله﴾: (أي: شيء لنا في ترك التوكل على الله)، ﴿وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا﴾.
أي: قد بصرنا طريق النجاة من عذابه.
﴿وَلَنَصْبِرَنَّ﴾، قسم من الرسل، أقسموا ليصبرن على أذى الأمم إياهم في الله، ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون﴾.
فقالت الأمم للرسل: ﴿لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِّنْ أَرْضِنَآ﴾: أي: لنطردنكم من مدينتنا، ﴿أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾: أي: إلا أن تدخلوا في ديننا.
و " أو " عند بعض أهل اللغة بمعنى: " إلا ". وقيل: معنى " أو ": حتى تعودوا ودخلت اللام في " لتعودن " لأن في الكلام معنى الشرط، كأنه جواب لليمين.
والتقدير: لنخرجنكم من أرضنا، أو لتعودن في ملتنا، كما تقول: لأضربنك أو تُقِرَّ لي.
﴿فأوحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ﴾: أي: أوحى الله إلى الرسل.
﴿رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظالمين﴾: وهو قسم من الله، (وهو) كله وعيد وتهدد لقريش (ومن يليهم من العرب، وتنبيه للنبي صلى الله عليه وسلم، ليعلم ما لقيت الرسل مثله من الأمم، فيهون عليه ما يلقى من قريش) وغيرهم ممن امتنع أن يؤمن (به).
ثم قال تعالى للرسل: ﴿وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأرض مِن بَعْدِهِمْ﴾: أي: لنسكنن من آمن بكم الأرض، ومن بعد إهلاك الظالمين.
فوعدهم تعالى بالنصر في الدنيا.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿ذلك لِمَنْ خَافَ مَقَامِي﴾: أي: ذلك النصر يكون لمن خاف مقامي بين يدي الله ( عز وجل) في الآخرة، فاتقى الله، وعمل بطاعته.
والمصدر يضاف إلى الفاعل مرة، وإلى المفعول به أخرى.
فهو هنا مضاف إلى الفاعل.
ثم قال: ﴿وَخَافَ وَعِيدِ﴾: أي: خاف تهددي.
قوله: ﴿واستفتحوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾ إلى قوله: ﴿عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾.
والمعنى: واستفتحت الرسل على قومها لما كذبوهم: أي: استنصروا الله عليها لما وعدهم بالنصر على الأمم، وأنه يسكنهم الأرض من بعد الأمم.
هذا قول ابن عباس، ومجاهد، وقتادة.
وقال ابن زيد: استفتحت الأمم بالدعاء، كقول قريش: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السمآء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الأنفال: 32].
وقد أعلمنا الله أن قوم هود استفتحوا، وقالوا لهود: ﴿فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ (مِنَ الصادقين)﴾ [الأعراف: 70].
فالاستفتاح عنده مسألة العذاب.
وقد روي أنه قيل لقريش حين استفتحوا / العذاب: إن لهذا أجراً يؤخر إلى يوم القيامة، فقالوا: ﴿رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الحساب﴾ [ص: 16]: أي: عجل لنا نصيبنا من العذاب على (طريق) التكذيب به، (و) على هذا أتى قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالعذاب﴾ [العنكبوت: 53] الآية.
وقوله: ﴿وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ﴾: أي: أهلك كل متكبر عن الإيمان معاند.
قال المفسرون: هو من امتنع أن يقول: لا إله إلا الله.
وقال قتادة: العنيد: الذي أبى أن يقول لا إله إلا الله ".
وقيل: الجبار هو الذي لا يرى لأحد عليه حقاً.
وقيل: هو أبو جهل لعنه الله وُنَظَراؤُهُ.
ويقال: جبار بين الجبرية والجَبْرِيَّة بكسر الجيم، والباء، والجَبَرُوةُ والجَبْرُوَّة، والجبروت، والعنيد: المعاند للحق.
ثم قال تعالى: ﴿مِّن وَرَآئِهِ جَهَنَّمُ﴾: أي: من وراء ذلك الجبار العنيد جهنم يردها: أي: من أمامه جهنم.
كما يقال: إن الموت من ورائك، أي: من أمامك.
وأصل: " وراء ": ما توارى عنك، وهو يصلح لخلف ولقدام، وليس هو من الاضداد.
وقوله: ﴿ويسقى مِن مَّآءٍ صَدِيدٍ﴾: الصديد: الدم، والقيح يتجرعه ﴿وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ أي: يتحساه، ولا يكاد يزدرده من شدة كراهيته، أي: لا يقدر يبلعه.
وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه قال في قوله: ﴿يَتَجَرَّعُهُ وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾.
قال يقرب إليه فيكرهه، فإذا دنا منه شوى وجهه، ووقعت فروة رأسه.
فإذا شربه، قطع
أمعاءه، حتى يخرج من دبره.
يقول: (الله تعالى): ﴿وَسُقُواْ مَآءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَآءَهُمْ﴾ [محمد: 16]: وقال: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٍ كالمهل يَشْوِي الوجوه﴾ [الكهف: 29].
ثم قال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: يأتيه الموت عن يمينه، وشماله، وخلفه، وقدامه.
وقيل: معناه: من كل مكان في بدنه من شدة عذابه.
﴿وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾: أي: لا تخرج نفسه، والمعنى: يأتيه ما يُمات منه من كل جانب، وليس يموت.
قال: ابن جريج: " تعلق نفسه عند حنجرته، فلا تخرج من فيه فيموت، ولا ترجع إلى مكانها من جوفه، فيجد لذلك راحة ".
وقيل: المعنى ﴿وَيَأْتِيهِ الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾: أي: " من تحت كل شعرة في جسده ".
ثم قال: ﴿وَمِن وَرَآئِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ﴾: أي: من وراء ما هو فيه من العذاب، - يعني - أمامه (عذاب غليظ).
قال الفضيل: هو حبس الأنفاس.
وقال القرظي: محمد بن كعب: إذا دعا الكافر في جهنم بالشراب فرآن، مات موتات، فإذا دنا منه مات موتات، فإذا شرب منه مات موتاتٍ.
فهو قوله: ﴿(وَيَأْتِيهِ) الموت مِن كُلِّ مَكَانٍ﴾.
قوله (تعالى): ﴿مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ﴾ - إلى قوله - ﴿عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾، التقدير عند سيبويه، والأخفش، وفيما نَقُص عليكم مثل الذين كفروا، كما قال: ﴿مَّثَلُ الجنة﴾ [الرعد: 35].
وقال الكسائي تقديره مثل أعمال / الذين كفروا كرماد.
ومعنى الآية: أنه مثل ضربه الله لأعمال الكفار يوم القيامة، وأنها مثل رماد ضربته ريح عاصف.
فماذا تبقى منه؟ (كذلك) لا يبقى للكفار من أعمالهم شيء ينتفعون به، لأنهم أرادوا بها غير ذلك (سبحانه).
ووصف (يوم) بالعصوف، (وحقيقته) للريح، وإنما جاز ذلك لأنه بمعنى النسب.
تقديره: في يوم عصف، (وتقديره) عند الفراء: في يوم عاصف الريح، وحذفت الريح لتقدم ذكرها.
﴿لاَّ يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُواْ على شَيْءٍ﴾: أي: لا يقدرون أن ينفعهم شيء من أعمالهم، كما لا يقدرون على النفع بشيء، ومن رماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف.
﴿ذلك هُوَ الضلال البعيد﴾: أي: عملهم الذي كانوا يعملون ضلال، بعيد عن الحق.
ثم قال تعالى ذكره: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله خَلَقَ السماوات والأرض بالحق﴾ والمعنى: ألم تر يا محمد بعين قلبك أن الله أنشأ السماوات والأرض بالحق، أي انف (ر) د بذلك من غير ظهير، (ولا) معين.
﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾: أي: يفنيكم، ﴿وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ عوضاً منكم، ﴿وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ﴾: أي: ومت ذهابكم، وخلق عوضكم بممتنع على الله ( عز وجل) ، لأنه القادر على ما يشاء.
فأول الآية خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد به أمته دلّ على ذلك أنه رد الخطاب في آخر الآية إليهم، فقال: ﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ﴾.
قوله: ﴿وَبَرَزُواْ للَّهِ جَمِيعاً﴾ - إلى قوله - ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
المعنى: وبرزوا من قبورهم، (أي) ظهر هؤلاء الذين كفروا من قبورهم فصاروا بالبراز من الأرض جميعاً.
﴿فَقَالَ الضعفاء لِلَّذِينَ استكبروا﴾: أي قال التباع للمتبوعين المستكبرين في الدنيا عن عبادة الله عز وجل.
﴿ إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾، في الدنيا، أي: نتبع أمركم لنا بمعصية الله، عز وجل، وترك اتباع الرسل.
﴿فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ الله مِن شَيْءٍ﴾: أي: دافعون عنا (من العذاب) شيئاً.
قال المتبوعون، وهم القادة للعضفاء، وهم التابعون: ﴿لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ﴾: أي: لو أن لنا شيئاً ندفع به عذابه عنا اليوم، لبيناه حتى تدفعوا به العذاب عن أنفسكم.
﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾: أي: سواء علينا الجزع والصبر، ما لنا من خلاص، ومن ملجأ، ومن مهرب، ومن مَعْدِل، و " سواء " بمتدأ، وما بعده خبر.
قال محمد بن كعب القُرظي: بلغني أن أهل النار، يقول بعضهم لبعض: يا هؤلاء! إنه قد نزل بكم من العذاب والبلاء ما ترون، فلهم فلنصبر، فلعل الله ينفعنا كما صبر أهل لدنيا على طاعة الله ( عز وجل) ، فنفعهم الصبر.
فأجمعوا رأيهم على الصبر، فصبروا، فطال صبرهم، ثك جزعوا فنادوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ /: (أي) من ملجأ.
وقال ابن زيد: إن أهل النار قال بعضهم لبعض: تعالو فإنما أدرك أهل
الجنة الجنة ببكائهم، وتضرعهم لله تعالى.
(تعالوا) نبكي، ونتضرع إلى الله، جل ذكرهز فبكوا وتضرعوا، فلما رأوا ذلك لا ينفعهم، قالوا: تعالوا فإنما أدرك أهل الجنة الجنة بالصبر، تعالوا نصبر.
فصيروا صبراً لم ير مثله، فلم ينفعهم ذلك، فعند ذلك قالوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾.
وروى مالك (رضي الله عنهـ)، عن زيد بن أسلم أنه قال: صبروا (مائة) عام، ثم بكوا مائة عام.
فقالوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾.
وروى كعب ابن مالك، عن أبيه، ورفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " يقول أهل النار إذا اشتد بهم العذاب: تعالوا نصبر، فيصبرون خمسمائة عام، فلما رأوا أن ذلك لا ينفعهم، قالوا: هلم فلنجزع، فيجزعون ويضجون خمسمائة عام، فلما رأوا
أن ذلك لا ينفعهم قالوا: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ ".
ثم قال تعالى: (ذكره): ﴿وَقَالَ الشيطان لَمَّا قُضِيَ الأمر﴾.
أي: قال إبليس لما دخل أهل الجنة، وأهل النار النار، واستقر بكل فريق قراره.
﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ﴾: أيها الأتباع النار، ﴿وَوَعَدتُّكُمْ﴾: النصرة.
وقيل، معنى: ﴿وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق﴾: أي: وعد من أطاع (هـ) الجنة، ومن عصاه النار.
ووعدتكم أنا خلاف ذلك ﴿فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ وعدي، وفي لكم الله بوعده.
﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِّن سُلْطَانٍ﴾: أي: ما كان لي عليكم فيما وعدتكم به من النصرة حجة، تنبتُ لي عليكم بالصدق قول (ي).
﴿إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِي﴾: أي: دعوتكم إلى طاعتي، ومعصية الله، فأجبتموني.
﴿فَلاَ تَلُومُونِي﴾ " على إجابتكم إياي ﴿ولوموا أَنفُسَكُمْ﴾ عليها.
﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾ أي: بمغيثكم، ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ﴾:
أي: بمغيثي يقال: أصرخت الرجل إصراخاً: أغثته.
﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ أي: إني جحدت أن أكون شريكاً لله، (سبحانه) فيما أِركتموني فيه من عباد (ت) كم (من قبل): في الدنيا.
وقال قتادة: معناه: إني عصيت الله فيكم.
وقيل: (من قبل): أي: بطاعتكم إياي في الدنيا، وفيه بعد.
﴿إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي، إن الكافرين لهم اليوم عذاب موجع.
قال محمد بن كعب القرظي: فلما سمعوا مقالة إبليس هذه في خطبة يقوم بها عليهم، مقتوا أنفسهم، فنودوا: ﴿لَمَقْتُ الله أَكْبَرُ مِن مَّقْتِكُمْ أَنفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الإيمان فَتَكْفُرُونَ﴾ [غافر: 10].
روي أن إبليس اللعين يقوم فيقول: أين أوليائي فيجتمعون إليه فيقول: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾.
قال الحسن: إذا كان يوم القيامة يقوم إبليس خطيباً على منبر من نار فيقول: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ / وَعْدَ الحق وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾.
وقال قتادة: رحمة الله عليه في قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾: معناه: إني " عصيت الله قبلكم ".
وقال سفيان الثوري (نظر الله إلى وجهه): {إِنِّي كَفَرْتُ بِمَآ (أَشْرَكْتُمُونِ)
مِن قَبْلُ} [24] يقول: كفرت بطاعتكم إياي في الدنيا.
وقال ابن عباس: ﴿مَّآ أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ﴾: أي بنافعكم، وما أنتم بنافعي.
وقال الربيع بن أنس ( رحمه الله) : ( ما) أنا بمنجيكم وما أنتم بمنجي.
وقال محمد بن كعب: إنما قال ذلك، حين قال أهل الجنة: ﴿سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا﴾.
وروي (عن): عقبة بن عامر الجهني (رضي الله عنهـ):، قال: سمعت رسول الله يقول: " إذا جمع الله الأولين والآخرين، وفرغ من (القضاء): بين الناس، قال المؤمنون: قد قضى بيننا ربنا.
فمن يشفع لنا عند ربنا، فيقول: انطلقوا بنا إلى من خلقه الله، وكلمه آدم.
فيأتونه، فيقولون: اشفع لنا لى ربنا، فيقول: عليكم بنوح
.
فيأتون نوحاً، فيدلهم على إبراهيم، فيدلهم على موسى، فيأتون موسى، فيدلهم على عيسى.
فيأتون عيسى، فيقول لهم: هل أدلكم على النبي الأمي.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( وعليهم أجمعين): فيأتوني فيسألوني أن أشفع لهم إلى ربهم، فيأذن الله لي بالقيام، فيثور لمجلسي أطيب ريح، شمها أحد، حتى آتي ربي فأشفع فيشفعني، (جل وعز): فيقول الكفار عنج ذلك: وقد وجد المؤمنون من يشفع لهم، فمن يشفع لنا؟ فيقولون: ما هو إلا إبليس، هو الذي أضلنا.
فيأتون إبليس فيقولون له: قد وجد المؤمنون من يشفع لهم إلى ربهم فاشفع لنا إلى ربنا فإنك (أنت): أضللتنا فيقوم، فيثور من مجلسه أنتن ريح شمها أحد قط: فيعظم لجهنم فيقول: إبليس عند ذلك: ﴿إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق﴾ - إلى قوله - ﴿أَلِيمٌ﴾، وإنما ذكر الله هذا من أمر إبليس، تحذيراً من أعدائه.
"