الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
عشرة سنة، وأهل الكتاب يزعمون أن مدة الافتراق بينهما أربعون سنة.
وأن يعقوب بقي مع يوسف بعد أن اجتمع به سبع عشر [ة] سنة، ثم قبضه الله عز وجل إليه.
قوله: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بي﴾: معناه: أحسن الله بي، إذ أخرجني من السجن، وفي مجيئه بكم من البدو.
وكان مسكن يعقوب وولده في قول قتادة بأرض كنعان: أهل مواش وبرية والبدو مصدر: بدا فلان، إذا صار بالبادية.
وروى أهل التواريخ أن يعقوب عليه السلام دخل مصر يوم دخلها هو، وأولاده، وأهلوهم، وبنوهم ف أقل من مائة، وخرجوا منها يوم خرجوا، إذ أخرجهم فرعون، وهم أكثر من ستمائة ألف، فقال فرعون:
﴿إِنَّ هؤلاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾ [الشعراء: 54].
وقال ابن مسعود: " دخل بنو إسرائيل مصر، وهم ثلاثة وستون إنساناً، وخرجوا منها وهم ستمائة ألف ".
وحكى الطبري، وغيره أن يعقوب إنما سمي إسرائيل، لأن أخاه العَيْصُ تواعد (هـ) بالقتل، فخرج فراراً منه، فسرى الليل، وكمن النهار.
فسمي إسرائيل، لسريه بالليل.
وقيل: إن إسرائيل اسم عبراني تفسيره: عبد الله.
وروى عاصم العمري أن يعقوب (على نبينا) عليه السلام، قال: يا رب! أذهبت بصري، وأذهبت ولدي، فما ترحمني؟ قال: بلى، وعزتي! إني لأرحمك، ولأردَّنَّ عليك بصرك، ولو كنت أمت ولدك، لأردنه عليك.
إنما ابتليتك بهذه البلية أنك ذبحت
جملاً، فوجد جارك ريحه فلم تطعمه منه.
فكان منادي آل يعقوب إذا أصبح نادى في الناس: من كان مفطراً فليتغد عند آل يعقوب، ومن كان منكم صائماً فليفطر عند آل يعقوب.
قوله ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ - إلى قوله - ﴿بالصالحين﴾ قوله: ﴿مِنَ الملك﴾، و ﴿مِن تَأْوِيلِ (الأحاديث)﴾.
﴿مِن﴾: فيهما للتبعيض، على معنى: آتيتني بعض الملك، وعلمتني بعض التأويل.
وقيل: " من " لا تؤنث الجنس، فيكون المعنى: قد آتيتني الملك، (وعلمتني تأويل الأحاديث) مثل: ﴿فاجتنبوا الرجس مِنَ الأوثان﴾ [الحج: 30]: لم يؤمروا باجتناب بعض الأوثان دون بعض، ولكن المعنى: اجتنبوا الرجس الذي هو الوثن.
والمعنى: أن يوسف صلى الله عليه وسلم قال بعدما جمع الله ( عز وجل) بينه وبين أبويه وإخوته.
وتذكر ما بسط له من الدنيا والكرامة.
﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الملك﴾: أي: ملك مصر.
﴿وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِ الأحاديث﴾ يعني: عبارة الرؤيا، تقديراً لنعم الله عز وجل عليه، وشكراً له.
﴿أَنتَ وَلِيِّي فِي الدنيا والآخرة﴾: أي: أنت تثيبني في دنياي بنصرك على من عاداني، / وأرادني بسوء.
وتثيبني في الآخرة بفضلك.
ثم إنه صلى الله عليه وسلم لما أمره في دنياي قد تناهى في التمام، علم أنه لا يكون بعد التميم إلا النقص والزوال، لأنها دار زوال.
قال: فسأل الله أن يقبضه على الإسلام، ويلحقه بآبائه الصالحين، فقال: ﴿تَوَفَّنِى مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بالصالحين﴾.
قال ابن عباس: لم يتمنَّ أحد من الأنبياء الموت قبل يوسف.
وذكر السدي أن يعقوب مات قبل يوسف، وأوصى إلى يوسف بأن يدفنه عند قبر أبيه إسحاق.
وكان قبر إسحاق بالشام.
فلما مات عمل ما أمر، وحمل إلى الشام.
فلما بلغوا (إلى) ذلك المكان، أقبل عيص أخو يعقوب، فمنعهم أن يدفنوه.
ثم قال هشام (بن دان) بن يعقوب لبعض من كان بالحضرة: ما لكم لا تدفنون جدي؟ وكان هشام أصماً.
فقيل له: إن عيصاً أخاه يمنعه من ذلك.
فقال: أرونيه، فأروه إياه، فضربه ضربة (تساقطت) عيناه على لحد يعقوب، فدفنا في قبر واحد.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ الغيب﴾ إلى قوله ﴿وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾
معنى الآية: أن الله ( عز وجل) يقول لنبيه عليه السلام (إن) الذي اقتصصنا عليك من خبر يوسف، ويعقوب من أخبار الغيب الذي لم تشاهدها، ولا عاينتها يا محمد.
ثم قال: ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ﴾: أي عند إخوة يوسف ﴿إِذْ أجمعوا أَمْرَهُمْ﴾ على إلقاء يوسف في الجب.
وهو مكرهم بيوسف.
ثم قال (تعالى) ﴿وَمَآ أَكْثَرُ الناس﴾ يعني: مشركي قريش بمؤمنين، ولو حرصت على إيمانهم، ولكن الله ( عز وجل) يهدي من يشاء.
(ثم قال تعالى): ﴿وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾: أي: لست تسأل قريشاً يا محمدا أجراً) على دعائك إياهم إلى الإيمان.
فيقولون لك: إنما تريد بدعائك
إيانا إلى الإيمان أخذ أموالنا، وإذا كان حالك أنك لا تريد منهم جزاء، فالواجب عليهم أن يعلموا أن دعاءك لهم نصيحة منك لهم، وأتباعاً لأمر ربك.
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ﴾: أي: ما الذي أرسلك به ربك إلا عظة للعالمين.
ثم قال (تعالى): ﴿وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السماوات والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾: المعنى وكم يا محمد من علامة، ودلالة، وعبرة، وحجة في السماوات والأرض: كالشمس، والقمر، والنجوم، والجبال (والبحار) والنبات، وغير ذلك من آيتهما يُعاينونها، فيمرون عليها، وهم معرضون، لا يعتبرون بها، ولا يتفكرون بها.
وفيما دلّت عليه من توحيد خالقها عز وجهه.
وقرأ السدي: ﴿والأرض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا﴾ (بالنصب).
(و) الوقف على هذه القراءة، على [السماوات] تمام.
[و] النصب على إضمار فعل بمنزلة: " زيد أنزلت عليه "، كأنه قال:
ويغشون (الأرض) يمرون عليها، أو " ويلامسون الأرض " يمرون عليها، وشبه ذلك من الإضمار.
وهو مثل ﴿والظالمين أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: 31].
وذكر الأخفش رفع " الأرض " على الابتداء، ويكون على / " السماوات " حسناً أيضاً على هذا.
وقد تقدم القول في ﴿وَكَأَيِّن﴾ [آل عمران: 146] من آل عمران.
وقد ذكر الفراء أن " كائن " على قراءة ابن كثير: فاعل من " الكون " فيحسن الوقف على " النون "، لأنها لام الفعل.
وذكر الأخفش أن قوله: ﴿سبيلي أَدْعُو إلى الله﴾ [يوسف: 108]: تمام، وتابعه على ذلك أبو حاتم، وهو مروي عن نافع.
ويبتدأ: ﴿على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾ [يوسف: 108] فيكون " أنا " ابتداء، والمجرور: الخبر.
وقال عبيدة: ﴿أَنَاْ﴾ [يوسف: 108] تأكيد للضمير في ﴿أَدْعُو﴾ [يوسف: 108]، فتكون ﴿على بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: 108] متصلاً بأدعو، ويكون التمام على هذا: ﴿المشركين﴾ [يوسف: 108].
قوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله﴾ إلى قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾ المعنى: وما يقرأ أكثرهم، ولا الذين وصف إعراضهم عن الآيات بالله ( عز وجل) ، أنه خالفهم، ورازقهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ به: في عبادتهم الأوثان من دون الله
(سبحانه)، وفي زعمهم أن له ولداً.
تعالى الله عن ذلك.
قال ابن عباس: إذا سألتهم من خلقكم؟، وخلق الحبال والبحار؟ قالوا: الله وهم يشركون به.
قال ابن زيد: ليس لأحد يعبد مع الله (سبحانه) غيره إلا وهو مؤمن بالله، ولكنه يشرك به.
ثم قال جل ذكره: ﴿أفأمنوا أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِّنْ عَذَابِ (الله)﴾ (والمعنى: أفأمن هؤلاء الذين يشركون بالله أن تأتيهم غاشية من عذاب الله).
ومعنى " الغاشية " المجللة: يجللهم عذابها، ومنه ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الغاشية﴾ [الغاشية: 1].
﴿أَوْ تَأْتِيَهُمُ (الساعة) بَغْتَةً﴾: أي: فجأة، وهم مقيمون على كفرهم،
وشركهم.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ هذه سبيلي﴾ الآية والمعنى: قل لهم يا محمد: هذه الدعوة التي أدعوكم إليها، والطريقة التي أنا عليها من الدعاء إلى توحيد الله عز وجل، أدعوكم إلى الله [سبحانه] على بصيرة أي: على منهاج ظاهر، ويقين ﴿أَنَاْ وَمَنِ اتبعني﴾.
ثم قال: ﴿وَسُبْحَانَ الله﴾: أي: وقل يا محمد سبحان الله: أي: تنزيهاً لله من شرككم، ﴿وَمَآ أَنَاْ مِنَ المشركين﴾.
قوله: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ﴾ إلى قوله ﴿المجرمين﴾: والمعنى: ألم نرسل قبلك يا محمد إلا رجالاً يوحى إليهم بالأمر، والنهي، والدعاء إلى توحيد الله ( عز وجل) ، وهم ﴿مِّنْ أَهْلِ القرى﴾، أي: من أهل الأمصار دون أهل البوادي.
أي: لم نرسل نبياً، ولا ملائكة.
ثم قال (لهم): ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض﴾، أي: أفلم يسر المشركون في
الأرض، فيعتبرون بمن كان قبلهم من الأمم، الذين كذبوا رسلهم، ويخافون أن يهلكوا بذنوبهم كما هلك من كان قبلهم.
ثم قال: ﴿وَلَدَارُ الآخرة خَيْرٌ﴾: أي: الجنة خير لهم لو آمنوا من دار الدنيا.
ثم قال تعالى: ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ الآية، ومعنى الآية: أنها مردودة على ما قبلها، وهو قوله (تعالى): ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نوحي إِلَيْهِمْ مِّنْ أَهْلِ القرى﴾ فالمعنى: حتى إذا استيأس الرسل الذين تقدم ذكرهم، من إيمان قومهم، وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوهم.
جاء الرسل نصرنا.
فيكون الفعلان " للرسل / " والضمير ان في " أنهم "، وجاءهم للرسل أيضاً، هذا على قراءة من شدَّد " كُذِّبوا.
قال هذا التفسير: الحسن، وقتادة وتحتمل هذه القراءة معنىً آخر، وهو أن يكون المعنى: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان من كذبهم (من) قومهم، وظنوا أن من آمن من قومهم قد كذبوهم، لما لحقهم من البلاء والامتحان، جاء الرسل نصرنا.
(وهذا المعنى مروي من عائشة رضي الله عنها: (روى عروة عنها أنها) قالت: مَحَنَ المؤمنين بالبلاء، والضر حتى ظن الرسل أن المؤمنين قد كذبوهم لما لحقهم فيكون الظن بمعنى: الشك لا بمعنى اليقين.
فأما المعنى على قراءة من خفف " كذبوا " فعلى تقدير: حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كُذِبُوا: أي: أخلفوا لما وعدوا به من النصر.
جاء الرسل نصرُنا.
فيكون الظن بمعنى: اليقين، وبمعنى: الشك، وتحتمل هذه القراءة أيضاً معنى آخر، وهو أن يكون التقدير: ﴿حتى إِذَا استيأس الرسل﴾ من إيمان قومهم، وظن قومهم أن الرسل قد كذبتهم.
ثم رَدَّ إلى ما لم يسم فاعله.
وقد قرأ مجاهد " كَذبُوا " بفتح الكاف والتخفيف، ومعناه: وأيقن الرسل أن قومهم قد كذبوا في ردهم على الرسل.
وقيل: الظن بمعنى: الشك، وهو للمرسل إليهم.
والمعنى: وظن المرسل إليهم أن الرسل كذبوا فيما دعوهم إليه من الإيمان بالله، ( عز وجل) ، وفيما وعدهم به من النصر عليهم، والانتقام منهم.
وقيل: معناه: حتى إذا استيأٍ الرسل من عذاب الله (سبحانه) قومها المكذبين لها، وظنت الرسل أن قومها قد كذبوا، وافتروا على الله، (سبحانه)، بكفرهم، جاء الرسل نصرُنا.
فالظن على هذا بمعنى اليقين.
وقيل: المعنى: استيأس الرسل أن يأتي قومهم العذاب، قال (هـ) مجاهد.
وعن ابن عباس أن المعنى:
وظن الرسل أنهم قد كذبوا واستشهد على ذلك بقول نوح: ﴿إِنَّ ابني مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق﴾ [هود: 45]، وبقول: إبراهيم، ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الموتى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بلى وَلَكِن لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ [البقرة: 260] (فيكون) الظن بمعنى الشك.
كأن الرسل دخلها شك كما يدخل سائر الخلق.
وهذا تأويل فيه رجاء عظيم للمؤمنين، وفيه صعوبة لما أضيف إلى الرسل من الشك، والله أعلم بذلك كله.
وعن ابن عباس أيضاً في معنى ظن الرسل أنهم أخلفوا، وهو المعنى المتقدم.
قال ابن عباس: كانوا بشراً، يريد أن الأنبياء يعتريهم ما يعتري البشر.
وروى ابن الزهري: (عن عروة بن الزبير) أنه سأل عائشة رضي الله عنها، عن هذه الآية،
وقرأها بالتشديد، وقال: قلت لها: قد استيقن (الرسل) أن قومهم قد (كذبوهم)، فقال (ت): أجل، قد استيقنوا ذلك.
قلت: فلعلعل، وظنوا أنهم قد كذبوا بالتخفيف.
فقالت معاذ الله لم تكن الرسل لتظن ذلك بربها.
قال: قلت: فما هذه الآية؟ فقالت / هم اتباع الرسل الذين آمنوا بهم وصدقوهم، وطال عليهم البلاء، واستأخر عنهم النصر، حتى إذا استيأس الرسل ظن (من كذب بهم من قومهم)، أن أتباعهم الذين آمنوا بهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك.
ومعنى: ﴿فَنُجِّيَ مَن نَّشَآءُ﴾، (أي): ننجي الرسل، ومن نشاء من عبادنا المؤمنين.
وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ﴾ إلى آخر السورة المعنى: لقد كان في خبر يوسف وإخوته عبر لأهل الحجى، والعقول، يعتبرون بها، ويتعظون: كل هذا مخاطبة (ل) قريش، وتنبيه لهم على لطائف الله (سبحانه) في خلقه،
وصنعه، إذ ملك (يوسف صلى الله عليه وسلم ملك) مصر بعد أ (ن) بيع بالثمن الخسيس، وبعد طول حبسه، ثم جمع بينه وبين أبويه وإخوته.
﴿مَا كَانَ حَدِيثاً يفترى﴾: أي: ليس لما قصصنا عليك (يا محمد) من خبرهم حديثاً يختلق.
﴿ولكن تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾: أي: هذا الذي قصصنا عليك يا محمد من خيرهم مصدق لما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وشاهد له أنه حق كله.
ثم قال: ﴿وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: تفصيل كل ما بالعباد إليه الحاجة، من بيان أمر الله ( عز وجل) ونهيه وحلاله وحرامه.
﴿وَهُدًى﴾ لمن آمن به ﴿وَرَحْمَةً﴾.
والتقدير في نصبه ﴿تَصْدِيقَ﴾ و ﴿تَفْصِيلَ﴾ إنه على أضمار ﴿كَانَ﴾ أي: ولكن كان ﴿تَصْدِيقَ الذي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾: كله
نصب، عطف على خبر كان المضمرة.
ويجوز الرفع في جميع ذلك في الكلام على معنى: ولكن هو تصديق الذي بين يديه، وتفصيل (كل شيء)، ورحمة.
فإذا نصبت أضمرت كان، وفيها اسمها مُضْمَرٌ.
وإذا رفعت أضمرت هو لا غير.
بسم الله الرحمن الرحيم سورة
: (مكية، وقيل: مدنية)
قال ابن جبير، ومجاهد: هي مكية.
وقال قتادة: هي مدنية إلا آية واحدة، قوله: (وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا)
[32] وعنه: إلا قوله: (وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ) [32]، فإنه نزل بمكة.
وسئل ابن جبير عن قوله: (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ): أهو عبد الله بن سلام؟
فقال: كيف يكون عبد الله بن سلام، والسورة مكية وابن سلام إنما أسلم بالمدينة.
قوله: ﴿المر﴾ إلى قوله: ﴿تُوقِنُونَ﴾ قال ابن عباس معناها: أنا الله أرى، وقيل: معناه: أنا الله أعلم، وأرى.
وقوله: ﴿المر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ (مِن رَّبِّكَ الحق)﴾ المعنى: يا محمد تلك الآيات التي قصصت عليك خ [برها] هي آيات الكتاب التي أنزلت قبل هذا الكتاب، (الذي أنزلته إليك).
أعني: بذلك: التوراة والإنجيل، قاله قتادة،
ومجاهد.
وقيل: المعنى: هذه آيات الكتاب، يعني القرآن.
ثم ابتدأ فقال: ﴿والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق﴾ على وجه الإخبار لمحمد ( صلى الله عليه وسلم) أن الذي أنزل إليه، نزَّله الله عليه هو حق.
فعلى هذا المعنى تقف على الكتاب، وعلى القول الأول، لا تقف عليه لأن الإخبار عن / الكتب الثلاثة أنها حق.
ثم قال (تعالى): ﴿والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ الحق﴾ أي: وهذا القرآن الذي أنزل إليك من ربك يا محمد! هو الحق أيضاً.
فاعمل بما فيه، واعتصم به.
قاله قتادة، ومجاهد، فيكون على هذا القول (الكتاب): تمام حسن، ويكون " الذي " (مبتدأ والحق خبره.
فإن قد أن " الذي " في موضع خفض على معنى:
وآية ﴿والذي أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾، كان الوقف على (ربك).
وتبتدأ الحق، وترفعه على إضمار مبتدأ: أي: هو الحق، وذلك الحق.
ثم قال تعالى: ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ (أي: لا يؤمنون) بعد وضوح الحق بهذه الآيات.
ثم قال تعالى: ﴿الذي رَفَعَ السماوات﴾ الآية.
المعنى: أنه أخبرنا تعالى ذكره أن من آياته أن رفع السماوات، فجعلها سقفاً للأرض ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ﴾ مرئية، فهي على عمد، ولكنها لا ترى، فيكون " ترونها " نعتاً للعمد.
والهاء والألف تعود على العمد، هذا قول ابن عباس وعكرمة، (وهو قول مجاهد).
وفي مصحف أبي
" ترونه "، رده على العمد.
فهذا يدل على أن لها عمداً لا ترى.
قال أبو محمد: وأقول إن عمدها القدرة، فهي لا ترى.
قال ابن عباس: عمدها قاف الجبل الأخضر.
وقال قتادة: ليستعلى عمد، بل خلقها عز وجل، بغير عمد، وهو أولى بظاهر النص، وأعظم في القدرة، ودل عليه قوله: ﴿إِنَّ الله يُمْسِكُ السماوات والأرض أَن تَزُولاَ﴾ [فاطر: 41]: فهذا يدل على أنها غير عمد يُمسكها، ولو كان لها عمد لم يمسكها العمد حتى يعتمد العمد على شيء آخر إلى ما لا نهاية له.
فالقدرة نهاية ذلك كله.
فيكون " ترونها " على هذا القول [حا] لاً من السماوات: (أي: خلق السماوات مرئية بغير عمد.
وتكون " الهاء " و " الألف " تعود على السماوات)، فإذا رجع [الضمير] على العمد احتمل أن يكون المعنى: بغير عمد مرئية البتة، فلا عمد لها.
ويحتمل أن يكون المعنى: بغير (عمد) مرئية لكم: أي: لا ترون العمد.
وثَمَّ عمد لا ترى، وإذا رجع الضمير على " السماوات " فلا عمد ثم البتة.
ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ استوى عَلَى العرش﴾ أي: علا عليه علو قدرة، لا علو مكان.
ثم قال (تعالى): ﴿وَسَخَّرَ الشمس والقمر كُلٌّ يَجْرِي لأَجَلٍ مُّسَمًّى﴾ أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا، وقيام الساعة.
فَتُكَوُّرُ الشمس حينئذ، ويُخسف القمر، وتنكدر النجوم التي سخرها في السماء لصالح عباده ومنافعهم فيعلمون
بجريها عدد (السنين) والحساب، والأوقات، ويفرقون بين الليل والنهار.
ودل تعالى بذلك أنها مخلوقات.
إذ كُلٌ مدبر مملوك مقهور، لا يملك لنفسه نفعاً فيخلصها مما هي فيه.
ثم قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الأمر﴾: أي: بحكمه وحده بغير شريك، ولا ظهير.
ومن الأمر الذي دبره: خلق السماوات [ب] غير عمد، وسخر الشمس، والقمر والنجوم فيهن.
ثم قال: ﴿يُفَصِّلُ الآيات﴾: أي: يبين آياته في كتابه لكم، لتقوم بها عليكم الحجة، إن لم تؤمنوا، ثم بين تعالى لِمَ فعل هذا؟ فقال: ﴿لَعَلَّكُمْ بِلِقَآءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾: أي: لعلكم تصدقون بوعده، ووعيده، وتزدجرون عن عبادة الأوثان.
قوله ﴿وَهُوَ الذي مَدَّ الأرض﴾ - إلى قوله - ﴿يَعْقِلُونَ﴾: المعنى: أن الله، جل ذكره، بعد / أن بين آية السماوات والأرض، أنه هو بسط الأرض
طولاً وعرضاً.
قيل: إنها كانت مدورة فمدت.
ثابتة: أي: جبالاً، والرواسي جمع راسية، وهي الثابتة، وجعل فيها أنهاراً للسقي، والشرب، والعسل، وغير ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ﴾: أي: نوعين، والزوج: الواحد الذي له قرين، والزوج: الصنف، والنوع.
وقال أبو عبيدة، والفراء: والمراد بالزوجين: الذكر والأنثى من كل صنف، وهذا خلاف ظاهر النص، لأنه تعالى إنما ذكر الثمرات، ولم يذكر الحيوان.
فالمعنى: من كل الثمرات جعل صنفين حلواً وحامضاً، وأحمر وأبيض، ونحو ذلك ودليله قوله: ﴿وَمِن كُلِّ الثمرات جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ﴾ أي: خلق الأصناف كلها من نبات الأرض ومن غيرها.
ثم قال: ﴿يُغْشِى اليل النهار﴾: أي: يلبس الليل النهار، فذلك كله فيه: آية لمن تفكر فيه، واعتبر، فعلم أن العبادة لا تصلح إلا لمن خلق هذه الأشياء، ودبرها، دون
أن يملك ضراً، ولا نفعاً.
ثم قال تعالى: ﴿وَفِي الأرض قِطَعٌ مُّتَجَاوِرَاتٌ﴾ الآية والمعنى: وفي الأرض قطع متدانيات، وتت [ف] اضل في النبات، فمنها قطعة سبخة، لا تنبت شيئاً، وتجاوزها قطعة طيبة تنبت.
قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والضحاك.
وقيل: المعنى: وفي الأرض أمكنة متجاورة تسقى كلها بماء واحد، وهي مختلفة.
طعام النبات والثمر: بعضها حلو، وبعضها حامض، وبعضها مُرٌّ، وبعضها سباخ لا تنبت شيئاً.
ففي ذلك مع اتفاق شرب جميعها من ماء واحد، دلالة على نفاذ قدرة الله (تعالى)، وتعظيم سلطانه، و [ب] دائع تركيباته سبحانه.
وقيل: في (ال) كلام حذف، والمعنى: وفي الأرض قطع متجاورات وغير
متجاورات، ثم حذف لعلم السامع.
وقيل: المتجاورات: المدن، وما كان عامراً، والتي غير متجاورات: الصحاري، وما كان غير عامر.
وقوله (﴿صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: معنى: صنوان: النخلة، والنخلتان، والثلاث، والأربع أصلهن واحد)، ﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: النخلة، والنخلتان، والأكثر كل واحدة في أصل متفرق، قاله البراء بن عازب.
وقال ابن عباس: معنى: الصنوان: النخلة التي يخرج من أصلها النخلات، فيحمل بعضه، ولا يحمل البعض.
فيكون أصله واحداً، ورؤوسه متفرقة.
﴿وَغَيْرُ صِنْوَانٍ﴾: كل واحدة من النخل في أصل واحد.
ومعنى الآية عند الحسن، (رحمة الله عليه)، أنه مثل ربه الله [تعالى] لقلبو بني آدم، وذلك أن الأرض كانت في يد الرحمن طينة واحدة، فبسطها، وبطحها فصارت قط [عاً] متجازات.
فينزل عليها الماء، فتخرج هذه زهرتها، وثمرتها، وشجرها، وتخرج هذه ملحها، وسبخها، وخبثها: وكلتاهما تسقى بماء واحد.
فلو اختلف (ت) مياهها لقيل: إنما وقع الاختلاف لأجل الماء، كذلك الناس خلقوا من آدم.
وينزل عليهم من السماء ماءاً: يذكرهم فترق قلوب، وتخشع قلوب / وتخضع، وتقسو قلوب، وتلهو وتسهو.
قال الحسن: والله ما جالس القرآن أحدٌ، إلا قام من عنده بزيادة، أو نقصان.
دليله قوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القرآن مَا هُوَ شِفَآءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَاراً﴾ [الإسراء: 82].
قال أبو محمد، رضي الله عنهـ، هذه الآية نبه الله تعالى (فيها على) قدرته وحكمته، وأنه المدير للأشياء كلها.
وذلك أن الشجرة تخرج أغصانها، وثمارها في وقت معلوم لا تتأخر عنه، ولا تتجاوزه.
فدل ذلك على مدبر فعل ذلك.
إذ لا يقدر الشجر على ذلك، ثم يتصعد الماء في ذلك الوقت علواً علواً، وليس من طبعه إلا التسفل.
فدل ذلك على مصدعه صعَّده، إذ لا يقدر الماء والشجر على ذلك، ثم يتفرق ذلك الماء في الورق والأغصان، والثمرة كل بقسطه، وبقدر ما فيه صلاحه، فدل ذلك على مقسم قسَّمه، ومجز جزأه على العدل والقوام.
ثم تختلف طعوم الثمرات والماء الواحد.
والشجر جنس واحد.
فدل ذلك على مدبر (دبر) ذلك، وأحكمه لا
يشبه المخلوقات: فهذا وأشباهه يدل على توحيد الخالق بالعقول، وإفراده بالقدرة على كل شيء وبالحكمة واللطف في أفعاله بالرسل.
إنما أكدت هذا الذي هو ظاهر للعقول من إيجاب التوحيد، وإثبات الصانع ما بينت الرسل من الشرائع.
وكل القراء كسر الصاد من " صِنوان "، إلا ما رواه (أ) بو شعيب: عن حفص، (عن عاصم) أنه قرأ بضم الصاد فيهما.
وهي لغة (بني) تميم، وقيس.
والكسر لغة أهل الحجاز، وواحده صِنْوٌ
كقنوان، واحدهُ.
قِنْوٌ، ونِسوانٌ: واحده نِسْوةٌ، ولا يعتد بالهاء.
وحكى سيبويه " قُنْوان " بالضم.
ثم قال تعالى: ﴿يسقى بِمَآءٍ وَاحِدٍ﴾: (أي: يسقى ذلك بماء واحد) من السماء، (و) بعضها يَفْضُلُ بعضاً في الأكل: كالحلو، والحامض، والمر.
قال ابن جبير: هي الأرض الواحدة يكون فيها الكوخ، والكمثري، والعنب الأبيض، والأسود، ويكون بعضها أكثر في الحمل من بعض.
والأكل: الثمر الذي يؤكل.
ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾: أي: (إن) في اختلاف مطاعم هذه الشجر على ما تقدم وصفه لآيات: لعلامات لقوم يعقلون فيستدلون على أن
الذي خالف بين هذه الشجر في الطعم والماء واحد، والأرض واحدة: لهو الذي يقدر على مخالفة أحوال خلقه، فيقسم لهذا هداية، ولهذا ضلالة، وتوفيقاً لهذا، وخذلاناً لهذا.
ولو شاء لَسَوَّى بين (جميع) طعم ثمر الشجر كله.
كذلك لو شاء [الله] لسوى بين جميع الخلق في الهداية، أو في الضلالة.
قوله: ﴿وَإِن تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿لَشَدِيدُ العقاب﴾ المعنى: يا محمد من هؤلاء المشركين، فعجب إنكارهم للبعث.
قال قتادة: عجب الرحمن من تكذيبهم البعث بعد الموت.
وقال ابن زيد: المعنى: أن تعجب يا محمد من / تكذيبهم لك، وقد رأوا قدرة الله، عز وجل في الحياة، وفي جميع ما ضرب لهم به الأمثال، فعجباً إنكارهم
البعث.
على معنى: فذلك من فعلهم مما يجب لكم أن تعجبوا منه.
وقد قرأ الكسائي ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ﴾ [الصافات: 12] بضم التاء على أَحَدِ المعنيين المذكورين.
ثم أخبرنا الله، عز وجل، أن من أنكر البعث، بعدما بين له من الآيات الدالات على قدرة الله، (سبحانه) فالأغلال في أعناقهم يوم القيامة، وأنهم أصحاب النار خالدين فيها.
وقيل: الأغلال: أعمالهم، كما تقول للرجل عمل عملاً سيئاً: " هذا غل في عنقك "، فسمي العمل السيء بالغل، لأنه سبب إلى الغل.
ثم قال تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بالسيئة (قَبْلَ الحسنة)﴾ الآية.
والمعنى: يستعجلك يا محمد، مشركو قومك بالعذاب والعقوبة، قبل الرخاء
والعافية، فيقولون: ﴿اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ﴾ [الأنفال: 32]- الآية وهم يعلمون ما حل بالأمم قبلهم من العقوبات وهو قوله: ﴿وَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِمُ المثلات﴾: أي: العقوبات في الأمم الماضية على تكذيبهم الرسل، فهلك قوم بالخسف، وقوم بالرجفة، وقوم بالغرق في أشباه لذلك من العقوبات.
قال قتادة: المُثلاتُ: وقائع الله، عز وجل في الأمم الماضية.
وقال الشعبي: المثلات: القردة والخنازير.
ثم قال تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾: أي: لذو ستر على ذنوبهم، وهم ظالمون.
﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ العقاب﴾ (أي):، لمن مات مصراً على كفره.
ولما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا عفو الله، ورحمته، وتجاوزه من هنأ لأحَدٍ عيش، ولولا عاقبة، ووعيده، وعذابه لا تكل كل واحد ".
وقال ابن عباس: ما في كتاب الله، ( عز وجل) آية أرْجَى من قوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ على ظُلْمِهِمْ﴾.
(وقيل: المعنى) هو أن العبد يمحو الله بحسنته عشر سيئات، وإذا همّ بالحسنة كتب له، وإن لم يعملها.
قوله: ﴿وَيَقُولُ الذين كَفَرُواْ لولا أُنزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِّن رَّبِّهِ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ إلى قوله ﴿المتعال﴾ المعنى: أن الله عز وجل أخبرنا أن المشركين يقولون هلا أنزل على محمد آية، تدل على نبوته، وهي قوله: ﴿لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَآءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: 12].
ثم قال الله عز وجل، لنبيه عليه السلام ﴿إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٌ﴾ لهم لا غير.
ثم قال تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾: أي: ولكل أمة هاد، يهديهم؛ إما إلى هدى، وإما إلى ضلال، دليله قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا﴾ [الأنبياء: 73]، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النار﴾ [القصص: 41]
وقال قتادة: معناه: ولكل قومٍ داعٍ يدعوهم إلى الله (سبحانه).
فأنت يا محمد داعي هؤلاء.
فمحمد، عليه السلام، هو الهادي، وهو المنذر.
وقال ابن جبير: الهادي هو الله، ( عز وجل) ، والمعنى: إنما أنت يا محمد منذر،
ولكل قوم اهتدوا هادٍ يهديهم، وهو الله (تعالى).
(و) قال مجاهد: المنذر: النبي صلى الله عليه وسلم، والهادي / الله ( عز وجل) ، وقال (هـ) ابن عباس، والضحاك.
وقال أبو صالح: معناه: ولكل (قوم) قادة يقودونهم، إما إلى هدى، وإما إلى ضلال.
وعن ابن عباس رضي الله عنهـ معناه: ولكل قوم داع يدعوهم إلى الله تعالى.
ثم قال تعالى (جل ذكره): ﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى﴾ الآية المعنى: إنه ذكر عن قريش أنهم ينكرون البعث، فذكرهم بعلمه ﴿مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى﴾، وما يزيد الرحم في حمله على التسعة أشهر، وما ينقص من التسع أشهر.
وإِنَّ من عَلِمَ هذا
قادر على إعادتكم بعد موتكم، لأن الابتداء أصعب من الإعادة.
﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾: أي: قدره، ودبره، فلا تنكروا البعث بعد الموت.
وقال قتادة: ﴿تَغِيضُ الأرحام﴾: هو ما يسقط من الأولاد قبل التسعة.
وقال مجاهد: الغيض: النقصان، وذلك أن المرأة إذا أهرقت الدم، وهي حامل (انتقص) المولود، وإذا لم تهرق الدم، عظم الولد وتم.
وقال أيضاً " (إذا حاضت) المرأة في حملها كان (ذلك) نقصاناً في ولدها.
فإن زادت على تسعة أشهر كان ذلك تماماً لما نَقْصَ من ولدها.
وقال الحسن: الغيض أن تضع لثمانية أشهر، وأقل الازدياد أن تز (يـ) ـد
على تسعة أشهر.
وعنه (أيضاً) أنه قال: (الغيض الذي يولد لغير تمام، وهو السِّقط.
والاز (د) ياد: ما ولد لتمام كقوله: ﴿مُّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ [الحج: 5]: أي تامة وغير تامة.
وقال ابن جبير: إذا حملت المرأة، ثم حاضت نقص ولدها، ثم تزداد في الحمل مقدار ما جاءها الدم فيه، فتزيد على تسعة أشهر مثل أيام الدم.
وقال عكرمة: غيضها: الحيض على الحمل، ﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: تزداد كل يوم حاضته في حملها يوماً طاهراً في حملها حت تُوِفي عُدَّة حملها، وهي طاهرة.
وعن مجاهد أيضاً: غيضها دون التسعة أشهر، والزيادة فوق التسعة أشهر.
واجتمع العلماء على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر.