الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
له وظن أن صاحب الشراب مالأه على ذلك.
قال ذلك السدي: [قال]: لما دخل يوسف في السجن قال: إني أعبُر الأحلام.
فقال أحد الشابين [لصاحبه]: هلم فلنجرب هذا [العبد] العبراني.
فَتتَراءَيَا له، فَسَأَلاَه من غير أن يكون رأيا شيئاً، فقال صاحب الطعام: ﴿إني أراني أَعْصِرُ خَمْراً وَقَالَ الآخر إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطير مِنْهُ﴾، وقال صاحب الشراب: ﴿إني أراني﴾ أعصر خمراً وقيل: بل كانا رأياها على صحة في منامهما.
وروي أنه لما فسر لهما ما رأيا رجعاً، فقالا ما رأينا شيئاً، وإنما جربناك.
فقال يوسف صلى الله عليه وسلم: ﴿ قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41] أي: لا بد من كون ما قلت لكما من عبارة رؤياكما.
وقال ابن مسعود: قال الفتيان: إنما كنا تحالمنا لنجربا إنما كنا نلعب، فقال
يوسف لهم: ﴿قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41] (قال مجاهد: قال يوسف لهما): أنشدكما الله أتحباني.
فوالله ما [أ] حبني أحد قط، إلا دخل علي من حبه بلاء: لقد أحبتني عمتي، فدخل علي من حبها بلاء، ثم لقد أحبني أ [بي]، ولقد دخل عليّ من حبه بلاء، ثم لقد أحبتني زوجة صاحبي هذا، فدخل علي من حبها بلاء، فلا تحباني.
بارك الله فيكما.
(قال) فَأَبَيَا إلا حبه، وجعلا يعجبهما ما يريان من فهمه وعقله.
وفي قراءة ابن مسعود: " أعصر عنباً " ومعناه: خمر عنب.
قال ابن عباس: لغة عمان يسمون الخمر عنباً و (قيل): المعنى: أعصر
عنب خمر ومعنى: ﴿فَوْقَ رَأْسِي﴾ أي: على رأسي.
وقوله: ﴿إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين﴾: أي: تحسن إلينا.
قيل: كان يعود مريضهم، ويقوم عليه، ويعزي حزينهم.
وكان إذا احتاج [منهم] إنسان جمع له، وإذا ضاق المكان وسع له، ويجتهد لربه.
قال: لما دخل السجن، وجد قوماً قد انقطع رجاؤهم، واشتد بلاؤهم، وطال حزنهم، فجعل يقول: اصبروا تُؤْجَرُوا أجراً [إ] ن لهذا ثواباً.
فقالوا: يا فتى بارك الله فيك، ما أحسن وجهك، وأحسن خلقك، (لقد) بُورِكَ لنا في جوارك، ما نحب أنَّا كنا في غير هذا المكان لما تخبرنا من الأجر والكفارة، فمن أنت يا فتى؟ قال: أنا يوسف، نبي الله، ابن يعقوب بن ذبيح الله إسحاق، ابن خليل الله إبراهيم.
قال ابن مسعود: أعطي وأمه ثلث حسن الناس.
وقال جعفر بن محمد: أعطي يوسف نصف حسن الناس.
وروي مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: إن كانت المرأة الحامل لتراه فتضع).
وقيل معنى: ﴿مِنَ المحسنين﴾: إن نبَّأتنا بتأويل رؤيانا.
قال يوسف لهما ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ﴾: أي: في منامكما ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ يعني: في يقظتكما ﴿قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا﴾ تأويل ما رأيتما.
قال (ذلك السدي وابن اسحاق).
ثم قال: ﴿إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله﴾ أي: برئت منها.
وإنما أجابهما يوسف بهذا، وليس / بداخل في السؤال، لأنه كره أن يجيبهما عن تأويل رؤياهما، لما علم فيها من رؤيا الذي رأى أنه يحمل فوق رأٍه خبزاً.
وأعرض عن جوابهما مرتين، وأخذ في غيره كذا قال ابن جريج ومعنى: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: إن الملك (كان) إذا أر (ا) د قتل إنسان، صنع له طعاماً معلوماً.
فأرسل به إليه.
فقال يوسف لهما: ﴿لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ﴾ يعني: من عند الملك ﴿إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ﴾: أي: أخبرتكما: هل هو طعام من يراد قتله، أو طعام من يراد به غير ذلك.
فأعلمهما أن عنده علماً من معرفة الطعام.
فيكون المعنى: في اليقظة، لا في النوم.
وكان هذا بعدوله عن تفسير رؤياهما لما كره من ذلك، فلم يدعاه يعدل عن حوابهما، وسألاه ثانية، وكره العبارة فتمادى في العدل.
وقال:
﴿ياصاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ الله الواحد القهار﴾ [يوسف: 39]- إلى قوله - ﴿يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 46]: فلم يدعاه حتى سألاه ثالثة فعبر لهما، وقال ﴿ياصاحبي السجن أَمَّآ أَحَدُكُمَا (فَيَسْقِي) رَبَّهُ خَمْراً﴾ [يوسف: 41]- الآية - فلما عبر قالا: ما رأينا شيئاً، إنما كنا نلعب فقال: ﴿قُضِيَ الأمر الذي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾ [يوسف: 41].
قوله: ﴿أَن يَأْتِيكُمَا﴾ وقف (وفي) " ربي ": وقف.
قوله: ﴿واتبعت مِلَّةَ آبآئي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾: أي: دينهم، وطريقتهم ﴿مَا كَانَ لَنَآ أَن نُّشْرِكَ بالله (مِن شَيْءٍ)﴾: (دليله الشرك)، (ولفظه) لفظ الخبر، ومعناه النفي أي: لم يشرك بالله، دليله الشرك الذي بعده.
قوله: ﴿ذلك مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا وَعَلَى الناس﴾ فهو مقابل له: أي: ما ينبغي لنا أن نشر (ك) في عبادة الله أحداً.
﴿ذلك مِن فَضْلِ الله﴾ (أي تركنا الشرك، هو من فضل الله علينا) وعلى الناس، إذ جعلنا دعاة لهم إلى توحيده.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾: أي: من يكفر لا يشكر.
قال ابن عباس: ﴿مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا﴾: إذ جعلنا أنبياء، " وعلى الناس " أن بعثنا إليهم رسلاً ".
قوله: ﴿ياصاحبي السجنءَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرِّقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿تَسْتَفْتِيَانِ﴾ روي أن يوسف عليه السلام قال: هذا لأن أحد الفَتييْن كان مشركاً، فدعاه بهذا إلى الإيمان، ونبذ الآلهة، فجعلهما صاحبي السجن لأنهما فيه.
والمعنى: يا من في السجن.
وهذا
كقوله تعالى لسكان الجنة: ﴿أولئك أَصْحَابُ الجنة﴾ [البقرة: 82، الأعراف: 42، يونس: 26، هود: 23] ولسكان النار ﴿فأولئك أَصْحَابُ النار﴾ [البقرة: 81، 275].
والمعنى: أعبادة أرباب متفرقين خير؟ أم عبادة ﴿الله الواحد القهار﴾.
قال قتادة: لما علم يوسف أن أحدهما مقتول دعاه إلى حظه في الآخرة.
ثم قال (تعالى): ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ﴾: فجمع، لأنه قصد المخاطب، وكل من عبد غير الله، فجمع على المعنى: أي: ما تبعد أنت، ومن هو على ملتك ﴿إِلاَّ أَسْمَآءً سَمَّيْتُمُوهَآ أَنتُمْ وَآبَآؤُكُمْ﴾: أي: لم يأذن الله لكم بذلك، أنتم أحببتم أسماءها وآباؤكم.
﴿مَّآ أَنزَلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾: أي: من حجة، ومن كتاب، ومن دلالة.
وقوله /
﴿أَمَرَ أَلاَّ تعبدوا إِلاَّ إِيَّاهُ﴾: أي: أسس الدين عليه لئلا يُعبد غيره.
﴿ذلك الدين القيم﴾: أي: ذلك الذي دعوتكم إليه هو الدين الي لا اعُوِجَاجَ فيه ﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾: وهم المشركون.
ثم قال: ﴿ياصاحبي السجن﴾: يخاطب الفَتَيَيْنِ ﴿أَمَّآ أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْراً﴾: أي: سيده الملك، وهو (الذي) رأى أنه يعصر خمراً.
﴿وَأَمَّا الآخر فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ﴾ فقال عند ذلك: ما رأينا شيئاً، فقال: ﴿قُضِيَ الأمر الذي (فِيهِ) تَسْتَفْتِيَانِ﴾.
وقيل: إنما أنكر الذي أخبره أنه يصلب.
فقال: قضي الأمر سواء رأيت، أو لم تر وكان اسمه مجلث، واسم الثاني نبو.
قال ثابت البنان (ي): دخل جبريل عليه السلام على يوسف في السجن، فعرفه
يوسف، فقال له: أيها الملك، الحسن وجهه الطيب ريحه، الكريم على ربه: ﴿هَل لَّكَ﴾ [النازعات: 18] علم بيعقوب؟ قال: نعم.
قال: فما صنع؟ قال: ابيضت عيناه من الحزن، قال: وفيم ذلك؟.
قال: عليك.
قال: فما بلغ من حزنه؟ (قال): حزن سبعين مُثْكِلَة قال: فما له من الأجر على ذلك؟ قال: أجر مائة شهيد.
قال الحسن: مكث يعقوب، عليه السلام، ثمانين سنة، أو نحوها، لا يفارق قلبه الحزن، ولا تجف عيناه من البكاء.
وإنه لأَكْرَمُ أهل الأرض على الله يومئذٍ.
قوله: (﴿وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ (نَاجٍ مِّنْهُمَا﴾ - إلى قوله - ﴿بِعَالِمِينَ﴾
المعنى: وقال يوسف للذي علم أنه ناج) من الفتيين: اذكرني عند سيدك،
وهو الملك الأعظم.
وأعلمه بمظلمتي وأني محبوس بغير جرم.
وقيل: المعنى: اذكر ما رأيته مني من العلم بعبارة الرؤيا، وبحال (ي) في العلم عند الملك.
قوله: ﴿الشيطان ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، أي: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف للملك.
فالهاءان للساقي، بدلالة قوله: ﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: 45]، أي: تذكَّر الساقي ما قاله له يوسف بعد حين، يدل على أن النسيان كان من الساقي: أنساه الله عز وجل، أن يذكر يوسف عليه السلام.
وقيل: المعنى أنسى الشيطان يوسف ذكر ربه عز وجل فالهاءان ليوسف: أي: أنسى يوسُفَ الشيطان أن يرجع إلى ربه، ويسأله خلاصة،
ويرد أمره إلى الله عز وجل ورجع إلى سؤال أحد الفتيين أن يذكره عند الملك، فلبث في السجن عقوبةً بضع سنين.
(قال النبي صلى الله عليه وسلم: " لولا كلمةُ يوسف، ما لبث في السجن ما لبث " يعني قوله: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾ أي: عند سيدك.
قال ابن دينار لما قال يوسف للساقي: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾.
قيل: يا يوسف اتخذ [ت] من دوني وكيلاً، لأطيلنَّ حبسك.
فبكى يوسف، وقال: يا رب: أنسى قلبي كثرة البلوى، فقلت كلمةً فويل لإخوتي.
ويروى أن يوسف لما قال لصاحب الشراب: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾ أتاه جبريل عليه السلام فعاتبه، وخرق له بجناحه سبع أرضين، إلى منتهى الصخرة التي عليها
الأرض، وقوَّى الله، عز وجل، بصر يوسف، حتى نظر إلى نملة، على الصخرة تجر حبة.
فقال جبريل: يا يوسف لم يغفل ربك عن هذه النملة ورزقها، فكيف يغفل عنك، وأنت في السجن، حتى تشكو إلى صاحب / الشراب، وتأمُرهُ بذكرك، وبذكر عذرك عند سيده.
قال: فأخذ يوسف التراب فملأ به فمه، ورأسه، وقال: إلَهي! أسألك بوجه أبي وجدي - قال مجاهد -: فلم يذكره الساقي حتى رأى الملك الرؤيا.
قال قتادة: لبث في السجن سبع سنين.
قال وهب: أصاب أيوب البلاء سبع سنين، وترك يوسف في السجن سبع سنين، وعذب بختنصر فَحَوَّل في السباع سبع سنين وكذلك قال ابن جريج.
" والبضع ": ما بين الثلاث إلى التسع.
وقال الأخفش: هو من واحد إلى عشر.
قال قُطْرُبْ: هو ما بين الثلاث والسبع.
وقال أبو عبيدة: من الواحد إلى الأربعة.
(قال الحسن ذكر لنا أن النبي، صلى الله عليه وسلم، قال: لولا كلمة يوسف حيث يقول: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾، ما لبث في السجن طول ما لبث.
قال ابن عباس: عوقب بقوله للساقي: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾ فطال سجنه.
وروي أن يوسف، عليه السلام، لما قال له: ﴿اذكرني عِندَ رَبِّكَ﴾ أوحى الله إلى الأرض أن النفرج (ي) لعبدي يوسف.
فانفرجت له.
فقيل له: ما ترى؟ فقال: أرى أرضاً، وأرى ذرةً معها طعم لها.
قال: فقال: يا يوسف! ألم (أغفل) عن هذه في هذا الموضع، وأغفل عنك لتَلْبَثَنَّ في السجن بضع سنين.
وقوله: ﴿وَقَالَ الملك إني أرى سَبْعَ بَقَرَاتٍ (سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ)﴾:
وهو ملك مصر (ا) لأعظم.
والمعنى: (إني) أرى في منامي سبع بقرات سمان ﴿يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاَتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ﴾ فلم يكن عند الملك من يعبر ذلك، وقالوا له: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: أي: هي أضغاث.
ووقع في نفسه أنها رؤيا كائنة (لا بد) من ذلك.
ومعنى: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلاَمٍ﴾: (أي: أخلاط أحلام) كاذبة.
﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الأحلام﴾ الكاذبة ﴿بِعَالِمِينَ﴾: وتقديره: وما نحن بعالمين بتأويل الأحلام والأَغاث.
(والباء) في ﴿بِعَالِمِينَ﴾: لتأكيد النفي، (و " الباء " في ﴿بِتَأْوِيلِ﴾ لتعدية، متعلقة بعالمين) ففي الكلام تقديم وتأخير.
قوله: ﴿وَقَالَ الذي نَجَا مِنْهُمَا وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ - إلى قوله - ﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: المعنى: وقال الذي نجا [منهما] من القتل، يعني: من الفَتَيَيْن اللذين عبر لهما
يوسف الرؤيا.
﴿وادكر بَعْدَ أُمَّةٍ﴾: أي: تذكر بعد حين وصية يوسف، وأمره.
قال الكلبي: تذكر بعد سنين، فذكر أمره للملك.
وقرأ ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والضحاك: " بعد أمه " بالهاء، وفتح الميم والتخفيف أي: بعد نسيان.
وقرأ مجاهد: " بعد أمْهٍ " بإسكان الميم، وبالهاء: جعله مصدر أمة أمهاً: إذا نسي.
وتأويلها كتأويل من فتح الميم.
وأصل المصدر فتح الميم، ومن أسكن فللتخفيف.
وقرأ الحسن: أنا آتيكم بتأويله قال: وكيف ينبؤهم العلم؟
ثم قال: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: أي: فأطلقوني أمضي لآتيكم بتأويله من هذا العالم.
قوله: ﴿فَأَرْسِلُونِ﴾: وقف.
وقوله ﴿يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق﴾: أي: يا يوسف ﴿أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ﴾: أي: في سبع بقرات رُئينَ في المنام.
ويأكلهن سبع عجاف - الآية -. قال قتادة: السمان: السنين الخصبة /، والعجاف.
سنون جدْبَة.
ومعنى ﴿لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يعلمون تأويل رؤيا الملك.
وقيل: المعنى: لعلهم يعلمون مقدارك، فيخرجونك من السجن.
قال يوسف للسائل: ﴿تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَباً﴾: أي: على عادتكم التي كنتم عليها.
وقوله: ﴿فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُلِهِ﴾ فهو خبر معناه الأمر: (أي): ازرعوا، وفيه إيماءٌ إلى تعبير الرؤيا، (فلفظه خبر معناه: الخبر عن تعبير الرؤيا) وفيه معنى الأمر لهم بالزرع سبع سنين، وتركه في سنبله.
ودلّ على أنَّه أمر.
قوله: ﴿فَذَرُوهُ﴾، فرجع إلى لفظ الأمر بعينه، وعطفه على معنى الأول.
وقيل: هو رأي رآه، صلى الله عليه وسلم، لهم ليبقى طعامهم، فأمرهم أن يَدْعُوه في سنبله (إلاَّ ما يأكلون).
ثم قال له: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك سَبْعٌ شِدَادٌ﴾: أي: قحيطة، ﴿يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ﴾.
أي: يوكل فيهن ما أعددتم في السنين الخصبة من الطعام ووصفت السنون بالأكل، والمراد أنه يؤكل فيها، كما قال ﴿والنهار مُبْصِراً﴾ [يونس: 67، النمل: 86، غافر: 61]: أي: يبصر فيه.
وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً مِّمَّا تُحْصِنُونَ﴾: أي: تحزرونه، أي: ترفعونه للحرث.
﴿ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذلك عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾ أخبرهم، صلى الله عليه وسلم، عما لم يكن في رؤيا الملك، وذلك من علم الغيب، الذي علمه الله، ( عز وجل) دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم، ومعنى ﴿فِيهِ يُغَاثُ الناس﴾: أي: بالمطر، والخصب.
﴿وَفِيهِ يَعْصِرُونَ﴾: أي: يعصرون العنب، والسمسم، والزيتون: وهو قول ابن عباس، والضحاك، وقتادة، وابن جريج، وغيرهم.
وقيل: المعنى: وفيه تحلبون مواشيكم.
وقال أبو عبيدة: معناه: وفيه تنجون من البلاء من العصر (وهو الملجأ).
قوله: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ فَلَمَّا جَآءَهُ الرسول﴾ - إلى قوله - ﴿لاَ يَهْدِي كَيْدَ الخائنين﴾.
(المعنى): أن الملك لما أعلمه الرسول بتأويل رؤياه، علم أنه حق.
وقال: ﴿ائتوني بِهِ﴾.
فلما جاء يوسف الرسول يدعوه إلى الملك، قال [له] يوسف: ارجع إلى سيدك، ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾.
وأبى يوسف أن يخرج حتى يعلم صحة أمره ولم يذكر امرأة العزيز فيهن: حُسْنَ عشرة منه، صلى الله عليه (وسلم)، خلطتها بالنسوة، وأخبر عن الجميع.
(قال النبي صلى الله عليه وسلم: " رحم الله يوسف، لو كنت أنا المحبوس، ثم أرسل إلي لخرجت سريعاً.
إن كان لحليماً، ذا أناة ".
(وقال صلى الله عليه وسلم: " لقد عجبت من يوسف، وصبره، وكرمه، والله يغفر له حين سئل عن البقرات: لو كنت مكانه ما أخبرتهم حتى اشترطت أن يخرجوني.
ولقد عجبت منه حين أتاه الرسول لو كنت مكانه لبادرتهم الباب "
قوله: ﴿مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدتُّنَّ يُوسُفَ عَن نَّفْسِهِ﴾ إنما خاطبهن لأنهن قلن ليوسف إذ رأيته: وما عليك أن تفعل، فراودنه عن نفسه.
وقيل: إنه / خاطبهن من أجل امرأة العزيز فيهن، فجعل الخطاب للجميع، والمراد واحدةٌ منهن.
ودليل هذا جوابها وحدها، إذ حكاه الله، عز وجل، عنها فقال: ﴿قَالَتِ امرأت العزيز الآن حَصْحَصَ الحق﴾.
وقيل: إنما خاطبهن كلهن، لأن يوسف لما قال: ﴿فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النسوة اللاتي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ ظن الملك أنهن كذبن وراودنه، فجاوبته امرأة العزيز، وأقرت أنها هي الفاعلة.
وقيل: إنما جمعهن في الخطاب، لأنهن قلن: ﴿امرأة العزيز تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَن نَّفْسِهِ﴾ [يوسف: 30] وأشعن ذلك فقيل لهن: هل علمتنَّ ذنبه؟
﴿قُلْنَ حَاشَ للَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سواء﴾ فعند ذلك، أقرت امرأة العزيز أنها هي جاروته عن نفسه.
رجع الرسول، فقال ذلك للملك فأحضر الملك النسوة.
والكلام دل على الحذف.
ومعنى ﴿حَصْحَصَ الحق﴾: تبين وظهر وانكشف، فقالت: ﴿أَنَاْ رَاوَدْتُّهُ عَن نَّفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين﴾ في قوله: ﴿هِيَ رَاوَدَتْنِي عَن نَّفْسِي﴾ وذلك أنها اضطرت إلى أن تبلغ مراد الملك في صرف الإبهام عنه بالرؤيا التي شغلت قلبه، فبرأت يوسف ليصح صدقه عند الملك، ويعلم أن ما أفتى في الرؤيا حق، فتعطفه عليه.
وحصحص مأخوذ من الحصة، أي: بانت حصة الحق من حصة الباطل.
وأصله " حصص "، ثم أبدل من الصاد الثانية حاءً، كما قال:
﴿فَكُبْكِبُواْ﴾ [الشعراء: 94]، والأصل " كذبوا "، وقيل: كبكب، والأصل " كبب " ورَدْرَدَ والأصل ردَّد.
وقوله: ﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾ هذا من قول يوسف عليه السلام أي: قال: فعلت ذلك من ردي الرسول إليه، وتركي إجابته، والخروج إليه حتى يسأل النسوة، فيعلم الملك أني لم أذكره بسوء في الغيب.
(وقيل: المعنى: ليعلم العزيز أني لم أذكره بسوء في الغيب).
وقيل: المعنى: ليعلم أني لم أخنه في امرأته، وهو غائب (ويصح) ذلك عنده.
وقد قيل: إنه من كرم المرأة كله لتقديم كلامها.
لذلك قال ابن جريج: (هذا) متصل بما قبله، وفي الكلام تقديم وتأخير.
والمعنى: ﴿إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِ (هِنَّ) عَلِيمٌ﴾.
﴿ذلك لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بالغيب﴾.
فعلى هذا يكون يوسف قاله وهو في السجن.
وعلى قول ابن عباس، وغيره إنما قاله (بعد أن خرج، فلا تقديم في الكلام، ولا تأخير.
ولما قال يوسف ذلك قال له) جبريل، عليه السلام: ولا حين هممت؟ فقال يوسف: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ [يوسف: 53].
قاله ابن عباس، وابن جبير.
وقال السدي: امرأة العزيز هي التي قالت له: ولا حين هممت، فحللت السراويل فقال: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي﴾ [يوسف: 53].
وقيل: إنه من قول يوسف، وذلك أنه تذكر ما مضى.
فقال ذلك معتذراً لمليكه.
وذكر ابن لهيعة: أن امرأة العزيز لما اشتدت عليها الحاجة، (والمسبغة) أرادت الدخول على يوسف لتشكو إليه حاجتها، وإعوازها، / فقال لها أهلها وقومها: لا تفعلي، لأنا نخاف عليك، لأنه قد كان منك الذي كان، فقالت: كلا إني لا أخاف ممن يخاف الله، ويتقيه.
فدخلت عليه، وقامت بين يديه، ثم قالت: الحمد لله الذي جعل العبيد ملوكاً بطاعته، وأشارت إليه، ثم قالت: والحمد لله الذي جعل الملوك عبيداً
بمعصيته، وأشارت إلى نفسها.
(قال): ثم تزوجها يوسف، عليه السلام، فأصابها بكراً، فقال لها: أليس هذا أحسن مما كنت أردتيه مني؟ قالت له: إني كنت قج ابتليت منك بأربع خصال: (كنت) أنت أجمل الناس، وكنت أنا أجمل النساء في دهري، وكان زوجي عنيناً، وكنت بكراً حِدَثة السن قال: فأولدها يوسف، صلى الله عليه وسلم فأول ولد ولدته ابنه سماها " رحمة " وهي امرأة أيوب، عليهما السلام.
ويروى أن امرأة العزيز دخلت على يوسف، ( صلى الله عليه وسلم) ، وقد ملك مصر، فقالت له: بالذي رفع العبيد بطاعتهم، ووضع الملوك بمعصيتهم، فتصدق عليها يوسف، وتزوجها.
قوله: ﴿وَمَآ أُبَرِّىءُ نفسي إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ قوله: ﴿إِلاَّ مَا رَحِمَ ربي﴾: " ما " في موضع نصب، استثناء، ليس من الأول.
والمعنى: إلا أن يرحم ربي ما شاء من خلقه، فينجيه من اتباع هواه، وما تامر [هـ] به نفسه.
إن ربي ذو مغفرة عن ذنوب من تاب، (رحيم) (به) بعد توبته.
قوله: ﴿وَقَالَ الملك ائتوني بِهِ﴾، أمر ملك مصر الأعظم، وهو الوليد بن الريان بالإتيان بيوسف صلى الله عليه وسلم، لما تبين عذره.
وقال: ﴿أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾: أي أجعله من خلصائي وخاصتي.
﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ﴾: أي: ﴿فَلَمَّا﴾ كلم الملك يوسف صلى الله عليه وسلم علم براءته، وحسن عقله.
قال له: يا يوسف ﴿إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ﴾: أي: متمكن مما أردت، أمينٌ على ما ائتنمت عليه من شيء.
وقيل: أمين، لا تخاف عذراً.
ثم قال (له): ما من شيء إلا وأنا أحب أن تشركني فيه إلا أهلي، ولا يأكل معي عبدي، فقال (له) يوسف، ( صلى الله عليه وسلم) : أتأنف أن آكل معك؟ وأنا أحق أن آنف منك، أنا ابن إبراهيم، خليل الرحمان، وأنا ابن إسحاق الذبيح، وابن يعقوب الذي ابيضت عيناه من الحزن.
قوله: ﴿قَالَ اجعلني على خَزَآئِنِ الأرض﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾ والمعنى: قال يوسف صلى الله عليه وسلم، للملك: " اجعلني على خزائن أرضك ".
قال ابن زيد: فأسلم إليه فرعون سلطانه كله، فكان على خزائن الأطعمة، وغيرها من أمواله وعمله.
وروى مالك بن أنس، رضي الله عنهـ، عن ابن المنكدر عن جابر بن
عبد الله، قال: كان يوسف النبي عليه السلام لا يشبع فقيل له:
ما لك لا تشبع، وبيدك خزائن الأرض؟.
قال: إني إذا شبعت نسيت الجائعين.
قوله: ﴿إِنِّي حَفِيظٌ﴾: أي: لما وليت، ﴿عَلِيمٌ﴾ به.
وقيل: (إن) المعنى: إني حافظ للحساب، عالم بالألسن.
وقيل: المعنى: إني حافظ / لللأموال عالم بالموضع الذي يجب أن يجعل فيه مما يرضي الله، عز وجل، ولذلك سأل يوسف، ( صلى الله عليه وسلم) ، الملك في هذا ليتمكن له وضع الأشياء في حقوقها.
فأراد بسؤاله الصلاح صلى الله عليه وسلم.
ثم قال (تعالى) ﴿وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الأرض﴾: أي: في أرض مصر ﴿يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَآءُ﴾: أي: يتخذ منزلاً أين شاء بعد الضيق والحبس.
ومن قرأ بالنون، فمعناه: يصرفه في الأرض حيث يشاء.
﴿نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَن نَشَآءُ﴾: من خلقنا كما أصبنا بها يوسف.
﴿وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾: أي: لا نبطل أجر من أحسن (عملاً) فأطاع ربه، ( عز وجل) .
قال ابن إسحاق: ولاه الملك عمل العزيز زوج المرأة، فهلك العزيز في تلك الليالي، وزوج الملك زوجة العزيز ليوسف.
وقال ابن إسحاق: فلما دخلت عليه قال:: أليس هذا خيراً مما كنت
تريدين؟ فقال له: أيها الصديق لا تلمني، فإني كنت امرأة أوتيت كما ترى حسناً وجمالاً، وكان صاحبي لا يأتي النساء، وكنت كما خلقك في حسنك، وجمالك، فغلبتني نفسي على ما رأيت.
قال ابن إسحاق: فذكر أنه وجدها بكراً فأصابها، فولدت رجلين.
فولي يوسف مصر، وملكها، وبيعها وشرابها، وجميع أمرها.
ثم قال تعالى: ﴿وَلأَجْرُ الآخرة خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.
والمعنى: ولثواب الآخرة خير لمن صدق، وآمن، وخاف عقاب الله عز وجل، واتقاه سبحانه مما أعطى يوسف في الدنيا من التمكين في أرض مصر.
قوله: ﴿وَجَآءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ﴾ - إلى قوله - ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾ المعنى: فيما ذكر ابن إسحاق أن يوسف عليه السلام لما أعلمهم بما يأتي من القحط، وأن
يستعدوا لما يأتيهم، أتى الناس إلى مصر، يلتمسون المير (ة) من كل بلد.
فأصاب الناس جهدٌ، فأمر يوسف ألا يحمل الرجل إلا بعيراً واحداً، تقسيطاً بين الناس، ومنع أن يحمل أحد بعيرين.
فقد عليه إخوته فيمن قدم يلتمسون الميرة، فعرفهم، ولم يعرفوه لما أراد الله عز وجل.
وذكر السدي: أنه لما أصاب الناس الجوع، أتى أخوة يوسف ليتماروا، وهم عشرة: وأمسك يعقوب عند نفسه أخا يوسف بنيامين، فلا دخلوا على يوسف عرفهم، ولم يعرفوه.
قال لهم: أخبروني بأمركم، فأني أنكر شأنكم؟ قالوا: نحن قوم من أرض الشام.
قال وما جاء بكم؟ قالوا: جئنا نمتار طعاناً.
قال: فأخبروني خبركم.
قالوا: إنا أخوة، بنو رجل صديق.
وكنا اثني عشر.
وكان أبونا يحب
أخاً [ل] نا وإنه ذهب معنا إلى البرية فهلك فيها.
وكان أحبنا إلى أبينا.
قال: فإلى من يسكن أبوكم بعده؟ قالوا: إلى أخ لنا أصغر منه.
قال: وكيف تخبروني أنَّ أباكم صديق، وهو يحب الصغير منكم دون الكبير /. إيتوني بأخيكم هذا حتى أنظر إليه.
قالوا: سنراود عنه أباه، قال: فضعوا رهينة حتى ترجعوا، فوضعوا شمعون وجهَّزوا أبْعِرتهم بالطعام.
فقال لهم يوسف ( صلى الله عليه وسلم) : إنكم إذا أتيتموني بأخيكم ازددتم من عند [ي] حمل بعير له.
﴿أَلاَ تَرَوْنَ أني أُوفِي الكيل﴾: " ولا أبخسه أحداً ".
﴿وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين﴾: أي: وأنا خير من أنزل ضيفاً على نفسه في هذا البلد.
﴿فَإِن لَّمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِي﴾: أي: لا طعام أكيله لكم ﴿وَلاَ تَقْرَبُونِ﴾: أي: " لا تقربوا بلادي ".
وقد اعترض بعض أهل الزيغ في هذا الخبر، وقال: كيف لم يعرفوه، (وقد) عرف أن لهم أخاً من أب، وسألهم الإتيان به.
فجواب ذلك على قول بعض أهل النظر أن يوسف كان لا يعطي لكل نفس إلا حِمْلاً في تلك المجاعة.
(فلما) أخذوا لكل شخص منهم حِمْلاً.
قالوا: لنا أخ من أبينا غاب فأعطنا له حملاً، فأعطاهم وقال لهم: إيتوني بهذا الأخ إن أردتم أن أعطيكم عنه حِمْلاً إذا رجعتم للمير (ة) لنعلم صدقكم.
فإن لم تأتوني به علمت كذبكم، ولم أعطكم شيئاً.
وهذا كله داخل في قوله: ﴿كذلك كِدْنَا لِيُوسُفَ﴾ [يوسف: 76] صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿قَالُواْ سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَ (إِنَّا لَفَاعِلُونَ)﴾ - إلى قوله - ﴿كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾
المعنى: قالوا سنرجع إلى أبيه، فنسأله في أن يوجه به (معنا)، وإنا لفاعلون ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجعلوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَآ﴾ أي: قال يوسف لغلمانه و " فتيته ": أنَسْبُ لأنه للعدد القليل، و " فتيان ": حسن، فقال لهم: اجعلوا أثمان الطعام التي أخذوا بها طعامي في وسط رجحالهم، وهم لا يعلمون.
قال بعض أهل المعاني: إن يوسف خشي ألا يكون عند أبيه دراهم، إذا كانت سنة جَدْبٍ.
فرد عليهم الدراهم طمعاً أن يأخذها.
وقيل: إنما رَدَّ عليهم الثمن رفقاً بهم (من) حيث لا يعلمون، تكرماً منه، وتفضلاً.
وقيل: إنما جعل الثمن في الأوعية لتكون سبب رجوعهم إليه لعلمه، فكرمهم، وإنهم لا يرضون بحبس الثمن، وإنهم يتحرَّجُون من ذلك فيرجعون إليه
ضرورة.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَمَّا رَجَعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ يا أبانا مُنِعَ مِنَّا الكيل فَأَرْسِلْ مَعَنَآ أَخَانَا نَكْتَلْ﴾: من قرأ بالياء: فمعناه: يكتل لنفسه حملاً، ومن قرأ بالنون: أراد إنهم أخبروا عن أنفسهم، وعنه بالكيل.
والمعنى: إنهم قالوا: (له): يا أبانا منع (منا) أن نكتال فوق ما اكتلنا بعيراً لكل نفس.
فأرسل معنا أخانا يكتل لنفسه كَيْلَ بعير زائدة على ما اكْتَلْنَا لأنفسنا.
قال السدي: لما رجعوا إلى أبيهم قالوا: يا أبانا! إن ملك مصر أكرمنا كرامةً، لو كان رجلاً من ولد يعقوب ما أكرمنا كرامتَهُ، وإنه ارتهن منا شمعون.
وقال: ائتوني بأخيكم هذا الذي عطف عليه أبوكم بعد موت أخيكم / فإن لم تأتوني به، فلا تقربوا بلادي أبداً، فقال لهم يعقوب: ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ﴾ - الآية - ثم قال: ﴿فالله خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الراحمين﴾: أي: إن يفجعني في هذا الولد على كبر
سني، وهو أرحم الراحمين فيَّ إذا آتيتم إلى ملك مصر، فأقرؤه سلامي، وقولوا له: إن أبانا يدعو لك، ويصلي عليك لما أوليتنا من الجميل.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا فَتَحُواْ مَتَاعَهُمْ وَجَدُواْ بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ﴾: أي [لما] فتحوا أوعيتهم التي فيها الطعام، وجدوا الثمن الذي دفعوه ليوسف في الطعام، في أوعيتهم.
﴿قَالُواْ يا أبانا مَا نَبْغِي﴾: وراء هذا، إن بضاعتنا ردَّت إلينا، وقد أوفى لنا الكيل.
﴿وَنَمِيرُ أَهْلَنَا﴾ في رجوعنا: أي: نأتيهم بالطعام.
﴿وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ﴾: بسير أخينا معنا، لأن لكل نفس حمل بعير.
﴿ذلك كَيْلٌ يَسِيرٌ﴾: أي: يسير على الملك سهل.
وقيل: المعنى: كيلنا الذي نأخذ، يسير، فزيادتنا حملاً أحسن من تركه.
وقيل: المعنى: الذي جئتنا به يسير، فرجوعنا بأجمعنا نأتي لكل نفس بحمل أحسن.
قال مجاهد: حمل بعير: حمل حمار.
وقال غير [هـ] جمل، وهو المعروف في اللغة.
قوله: ﴿قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقاً مِّنَ الله﴾ إلى قوله ﴿لاَ يَعْلَمُونَ﴾، الموثق: الميثاق، من عهدٍ، أو يَمِينٍ.
ومعنى الآية: قال بعقوب لبنيه: لن أدفع إليكم أخاكم حتى تعطوني عهداً، أو يميناً أنكم لتردونه إلي معكم، إلا أن يحيط بكم أمر لا تقدرون على ردِّه معكم.
وقال ابن أبي نجيح في قوله: ﴿إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ﴾ معناه: إلا أن تهلكوا جميعاً.
﴿فَلَمَّآ آتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ﴾: أي عهدهم أن يردوه.
﴿قَالَ الله على مَا نَقُولُ وَكِيلٌ﴾: أي: شاهد: وحافظ.
ثم قال يعقوب يوصيهم لما أرادوا الخروج: ﴿يابني لاَ تَدْخُلُواْ﴾ - مصر - ﴿مِن بَابٍ وَاحِدٍ﴾: أي من طريق واحد ﴿وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ﴾.
قال ابن عباس، والضحاك، وابن جبير، وقتادة: خاف عليهم يعقوب العين لجمالهم، وحسنهم.
وقيل: إنه إنما خاف أن يلحقهم شيء، فيظن أنه من العين.
وقيل: إنه كره أن يدخلوا جميعاً من موضع واحد، فيُستراب منهم (ويخاف منهم): وهو اختيار النحاس.
ثم قال لهم: ﴿وَمَآ أُغْنِي عَنكُمْ مِّنَ الله مِن شَيْءٍ﴾: أي: ما أقدر على دفع
قضاء الله [سبحانه] عنكم.
ما الحكم فيكم وفيّ إلا لله ينفذ قضاءه عز وجل كيف أحب.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾: في ردكم وأنتم سالمون، وإليه فوضت أمري، وإليه فليفوض (المفوضون) أم (و) رهم.
ثم قال: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم﴾: أي: من طرق متفرقين، كما أمرهم ﴿مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ﴾ ذلك من الله من شيء، إلا [حاجة]: (وهو) استثناء منقطع، أي: لكل حاجة، أي: إلا أنهم قضوا حاجة يعقوب، لدخولهم من مواضع متفرقين.
﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾: أي: وإن يعقوب، / لذو حفظ لما استودعناه
صدره من العلم.
قال ابن جبير: المعنى ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِّمَا عَلَّمْنَاهُ﴾.
وقيل: المعنى: وإنه لعامل بما علم ولكن كثيراً من الناس لا يعلمون: ما يعلمه يعقوب.
قوله: ﴿وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ آوى إِلَيْهِ أَخَاهُ﴾ - إلى قوله - ﴿وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ﴾
المعنى: لما دخل إخوة يوسف عليه، قالوا: هذا أخونا الذي أمرتنا أن نأتيك به، فشكر لهم ذلك.
ثم قال لصاحب ضيافته: أنزلهم رجلين في كل مسكنٍ، وأكرمهم، فبقي أخوهم: وهو شقيق يوسف.
فقال لهم يوسف: إن هذا يبقى وحده، لا ثاني معه، فأنا أضمه إلى نفسي.
فأنزله عنده، وضمه ليه.
وقال له: أنا أخوك - يوسف -