الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقيل: إنما وصفه بالحلم، لأنه صلى الله عليه وسلم لم ينتصر لنفسه قط، إنما كان ينتصر لله عز وجل، ولم يعاقب أحداً بذنب صنعه إلا لله، ولم يغضب قطُّ إلا لله.
والأوّاه: الدّعَاء، البكَّاء، والمنيب: التارك للذنوب، الراجع إلى ما يحبه الله عز وجل، ويرضى به، وقيل: الأوَّاه: الدَّعاء، وقيل: هو المتأوه، المرتجع من الذنوب.
وقوله: ﴿وَلَمَّا جَآءَتْ رُسُلُنَا لُوطاً سياء بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾ - إلى قوله - ﴿شَدِيدٍ﴾.
والمعنى: ولما جاءت الرسل لوطاً ساءه ذلك، ولم يعرفهم، وخاف من قومه.
﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعاً﴾: أي: ضاقت نفسه بهم لما يعلم من فسق قومه.
فالضمير في " بهم " في الموضعين للرسل.
قال قتادة: قالت الرسل: لا تهلكهم حتى يشهد عليهم لوط، قال: فأتوه، وهو في أرض (له)، يعمل فيها، فقالوا له: إنا متضيفوك الليلة.
فانطلق به، فلما مشى، قال: أما بلغكم أمرهم؟ قالوا: وما أمرهم؟ قال: أشهد بالله إنها لشر قرية
بالأرض عملاً، يقول ذلك أربع مرات.
وروي أنهم لقوه، وهو يحطب، فسلموا / عليه، فرد عليهم السلام، ثم حمل حزمته، ودعاهم إلى ضيافته.
فلما دخل بهم المدينة، مر بقوم فقالوا: هذا مع لوط حاجتنا، قوموا بنا إليهم.
فقال لوط: أشهد أنكم قوم سوء، ثم مر بآخرين، فقالوا بمثل ذلك، فشهد لوط عليهم بمثل ذلك، ثم مر بآخرين.
فقالوا بمثل ذلك، فشهد عليهم لوط مثل ذلك.
فقال جبريل لإسرافيل، وميكائيل، عليهم السلام: هذه ثلاث مرات شهد بها نبيهم عليهم.
وقال السدي: خرجت الملائكة من عند إبراهيم، عليهم السلام، نحو قرية لوط، فأتوها نصف النهار، فلما بلغوا نهر سَدُوم، لقد بنت لوط تستقي من الماء لأهلها، فقالوا لها: يا جارية هل من منزل؟ قالت: نعم، مكانكم حتى آتيكم.
فرقت عليهم من قومها، فأتت أباها، فقالت: يا أبتاه: إن أدرك فتْيَاناً على باب المدينة، ما
رأيت وجوه قوم هي أحسن منهم، لئلا يأخذهم قومك فيفضحوهم وقد كان قومه نهوه أن يضيف رجلاً، وقالوا: خل عنا نضيف الرجال، فجاء بهم لوط، ولم يعلم أحد إلا أهل بيت لوط، فخجرت امرأته، فأخبرت قومها، وقالت: إن في بيت لوط رجالاً ما رأيت قط مثلهم.
﴿وَجَآءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ﴾: أي: يسرعون، وقيل: يسعون، وقيل: يهرولون، فقال لهم لوط: ﴿هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ﴾: أي: شديد شره، عظيم بَلاَؤُهُ.
﴿وَمِن قَبْلُ كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات﴾: أي: من قبل مجيئهم إلى لوط، كانوا يأتون الرجال في أدبارهم، فراودُوه في أضيافه، فقال: ﴿هؤلاء بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾،
أي: هؤلاء النساء هن أحل لكم، يريد نساءهم، والنبي أبٌ لأمته.
وقد قرئ: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " قرأه ابن مسعود.
قال عكرمة: إنما قال لهم هذا لينصرفوا، ولم يعرض بأحد.
وقيل: عرض التزويج عليهم من بناته إن أسْلموا.
وقيل: كان في ملتهم جائز أن يتزوج الكافر المسلمة.
وقوله: ﴿أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ﴾: أي: يعرف الحق، فيأمر به.
قالوا له: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ﴾: أي: هل لنا أزواجاً.
﴿وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ﴾: أي: أضيافك إياهم نريد، قال لهم لوط، عليه السلام، ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ أي:
أنصاراً ينصرونني عليكم.
﴿أَوْ آوي إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾: أي: أنضم إلى عشيرة مانعة، تحول بينكم، وبين أضيافي.
والجواب محذوف، والمعنى محذوف، والمعنى: لقاتلتكم، ولحلت بينكم وبينهم.
وقال ابن جريج: " بلغنا أنه لم يبعث نبي من بعد لوط، إلا في ثروة من قومه.
وروى أبو هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " رحمة الله على لوط، إنه كان ليأوي إلى ركن شديد "
وقيل: إن لوطاًَ لما قال ذلك وجدت عليه الملائكة، وقالوا: إن ركنك لشديد.
قوله: ﴿قَالُواْ يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يصلوا إِلَيْكَ﴾ - إلى قوله - ﴿بِبَعِيدٍ﴾.
والمعنى: قالت له الرسل، لما ضاق، ونزل الركب، فقال لقومه ما قال:
/ ﴿لَن يصلوا إِلَيْكَ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ﴾ - بسوء - ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ الليل﴾: أي: اخرج بهم في بقية من الليل، وفي طائفة منه، ﴿إِلاَّ امرأتك﴾ نهى أن يخرج بها.
ومن قرأ بالرفع، فالمعنى: " ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك " فيكون قد خرج بها، فالتفتت تنظر ما حل بقولمها، فأصابها ما أصابهم.
ومن نصب فعلى الاستثناء.
وفي قراءة ابن مسعود: " فأسر بأهلك إلا امرأتك ". وهذا يدل على الاستثناء، والمعنى: فأسر بأهلك إلا امرأتك، فيكون المعنى: إنه خرج بهم إلا امرأته، وإنه لم يخرج بها.
والنهي في الالتفات، إنما وقع على من خرج معه، إلا امرأته ﴿إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ﴾ من العذاب.
قال ابن إسحاق: قال الرسل للوط: إنما ينزل عليهم العذاب من صبح ليلتك هذه، فامض لما تُؤمَر.
فقالوا: ﴿أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ﴾؟ أي: عند الصبح ينزل بهم العذاب.
فلما كانت الساعة التي أهلكوا بها، أدخل جبريل عليه السلام، جناحه، فرفعها حتى سمع أهل السماء صياح الديكة، ونباح الكلاب، فجعل عليها سافلها، وأرسل عليهم حجارة من سجيل.
وسمعت امرأة لوط الهَدَّة، فقالت: واقوماه! والتفتت، فأدركتها أحجار، فقتلتها.
وكانت مدائنهم خَمْساً، فدمرت إلا زعن وحدها تركها الله عز وجل، لآل لوط، وهي بالشام.
وقال السدي: لما قال لوط: (لو أن لي بكم قوة، أو آوي إلى ركن شديد) بسط جبريل حينئذ جناه، ففقأ أعينهم، وخرجوا يدوس بعضهم بعضاً عمياناً، يقولون: النَّجَاءَ! النجاءَ! فإن في بيت لوط أسْحَرَ قوم، فذلك قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَن ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَآ أَعْيُنَهُمْ﴾ [القمر: 37] فأخرج الله عز وجل، لوطاً وأهله إلى الشام.
قال مجاهد: " سجيل " بالفارسية أولها حجر، وآخرها طين.
وقال قتادة: " سجيل ": طين.
وقال ابن عباس: " سجيل ": سنك وجل.
فالسنْك: الحجر، والجل: الطين، وهو فارسي أعرب.
وقيل: سجيل، من أسجلته، أي: أرسلته، فكأنها مرسلة.
وقيل: هي من أسجلت: إذا
أعطيت، فهي من السجل، وهو الدلو.
وقيل: " سجيل " من " سجَّل ": إذا كتب، أي: مما كتب لهم، وهو اختيار الزجاج.
وقيل: " سجيل " اسم للسماء الدنيا، أي: أرسل عليهم حجارة من سماء الدنيا.
والمعنى: أنها حجارة من كتب الله عز وجل، لهم أن يعذبهم بها، ويدل عليه قوله: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: 8 - 9]، والنون بدل من اللام.
قال عكرمة: " منضود " (مصفوفة)، وقيل: " منضوط ": متراكب بعضها على بعض.
وقيل المعنى نضد بعضها على بعض.
وقيل: المعنى: إنها في السماء منضودة، أي: مُعدة لهم، يعلق بعضها على بعض.
﴿مُّسَوَّمَةً﴾: قال ابن جريج: لا تشبه حجارة الأرض.
وقال الحسن: معلمة ببياض، وحمرة.
وقال السدي: المسومة المختمة، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظالمين بِبَعِيدٍ﴾: أي: من ظالمي قومك يا محمد، فهذا على التهديد للمشركين.
و " هي " تعود على / الحجارة.
وقيل: تعود على القرى.
وما قرى قوم لوط من ظالمي قومك ببعيد، وكانت قرى قوم لوط بين الشام والمدينة، وأتى ببعيد مذكراً على معنى: بمكان بعيد عند ربك تمام عند أبي حاتم، ﴿مَّنْضُودٍ﴾: وقف عند نافع، وهو قبيح، لأن " مسومة " نعت للحجارة.
﴿وإلى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً﴾ - إلى قوله - ﴿بِحَفِيظٍ﴾.
والمعنى: وأرسلنا إلى مدين أخاهم شعيباً، فقال لهم: ﴿ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان﴾: أي: " لا تنقصوا الناس حقوقهم في مكيالهم وميزانهم ".
﴿إني أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾: أي: برُخْصٍ في أسْعَارِكُمْ قاله ابن عباس، وقيل: المعنى: أراكم أغنياء، ذوي مال وزينة.
" ومدين ": اسم أرض، فلذلك لم ينصرف، لأنه معرفة مؤنثة.
وقال مقاتل: هو اسم رجل في الأصل أعجمي معرفة، وقيل: هو اسم رجل سميت به أمته، فلم ينصرف للتأنيث، والتعريف أيضاً.
قوله: و ﴿وإني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ﴾: أي: محيط بكم عذابه، ثم كرر عليهم الوصية، فقال: ﴿وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط﴾: أي: بالعدل
﴿وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَآءَهُمْ﴾ أي: حقوقهم.
﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأرض﴾، أي: لا تسيروا في الأرض مفسدين.
وقال الضحاك: ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ﴾ أي: لا تسعوا بنقص الكيل، والوزن.
﴿بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ﴾: أي: ما أبقاه الله لكم من الحلال بعد أن توفوا الناس حقوقهم، خير لكم من الذي يبقى لكم يبخسكم الناس حقوقهم.
﴿إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾: أي: " مصدقين بوعد الله عز وجل، ووعيده " وقال مجاهد: ﴿بَقِيَّتُ الله خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، أي: طاعة الله خير لكم.
وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة.
وعن ابن عباس: رزق الله خير لكم.
وقيل: المعنى: مراقبة الله خير لكم.
وقيل: المعنى: حظكم من ربكم خير لكم قاله قتادة.
﴿وَمَآ أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾: أي: برقيب.
أراقبكم عند كيلكم، ووزنكم، إنما علي أن أبلغكم رسالة ربي.
قوله: ﴿قَالُواْ ياشعيب أصلاتك﴾ - إلى قوله - ﴿وَدُودٌ﴾.
والمعنى: قالوا: يا شعيب: أصلواتك أي: أدعواتك ﴿تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ ءابَاؤُنَآ أَوْ أَن نَّفْعَلَ في أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ﴾ من بخس الناس في الكيل والوزن.
قال ابن زيد: نهاهم عن قطع الدنانير، والدراهم، كانوا ينقصون منها، ويجوزونها بالوازنة.
وقيل: معناه: مساجدك التي تتعبد فيها تأمرك بِنَهْيِنَا.
وقد سمى الله، عز وجل، المساجد صلوات، فقال: ﴿وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسم الله كَثِيراً﴾ [الحج: 40].
وقيل: هي صلاته لله عز وجل، لأنها كانت على خلاف ما كانوا عليه.
قوله: ﴿إِنَّكَ لأَنتَ الحليم الرشيد﴾ قالوا على معنى الاستهزاء.
وقيل:
المعنى: إنك لأنت الحليم الرشيد عند نفسك.
وقيل: المعنى: أنت الحليم، الرشيد، فكيف تأمرنا بترك عيادة ما كان آباؤنا يعبدون، وتنهانا أن نفعل في أموالنا ما نشاء، من قطع، أو بخس، أو غير ذلك.
وقال: هو تعريض يُراد به الشتم ومعناه: إنك لأنت السفيه الجاهل.
ثم قال تعالى حكاية عن جواب شعيب لهم: ﴿قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ (إِن كُنتُ على بَيِّنَةٍ) مِّن رَّبِّي﴾: أي: على بيان، وبرهان فيما أدعوكم إليه.
﴿وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً﴾ أي: حلالاً، وجواب / الشرط محذوف لعلم السامع.
والمعنى: أفتأمرونني بالعصيان.
وقيل: المعنى: أفلا أنهاكم عن الضلالة.
ثم قال: ﴿وَمَآ أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَآ أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾: أي: لست أنهاكم عن شيء، وأركبه.
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإصلاح مَا استطعت﴾: أي: ما أريد فيما آمركم به إلا الإصلاح، لئلا ينالكم من الله، عز وجل، عقوبة.
﴿وَمَا توفيقي إِلاَّ بالله﴾: أي: ليس توفيقي، وإصابتي الحق فيما أنهاكم عنه إلا بالله.
﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ أي: فوضت أمري إليه، ﴿وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾: أي: أرجع.
﴿رِزْقاً حَسَناً﴾: وقف عند أبي حاتم.
﴿مَا استطعت﴾: وقف عند نافع.
ثم قال لهم: ﴿وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي﴾: أي: لا يكسبنكم مشاقتي، أي: مخالفتي، وعداوتي، ﴿أَن يُصِيبَكُم مِّثْلُ مَآ أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾: من الغرق، ﴿أَوْ قَوْمَ هُودٍ﴾: من العذاب، ﴿أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ﴾: من الرجفة.
﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِّنكُم بِبَعِيدٍ﴾ الذين انقلبت عليهم مدائنهم.
وأًل الشقاق في اللغة: العداوة.
﴿واستغفروا رَبَّكُمْ﴾: أي: من ذنوبكم التي أنتم عليها مقيمون.
﴿ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ﴾: أي: ارجعوا إليه باتباع طاعته.
﴿إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ﴾: أي: رحيم لمن تاب إليه، ﴿وَدُودٌ﴾: أي: ذو محبة لمن تاب وأناب.
قوله: ﴿قَالُواْ ياشعيب مَا نَفْقَهُ كَثِيراً مِّمَّا تَقُولُ﴾ - إلى قوله - ﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾ والمعنى: ما نفقه كثيراً مما تقول.
وقوله: ﴿وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً﴾ أي: قيل: ضعيفاً، قيل: إنه صلى الله عليه وسلم، كان أعمى.
قال أبو إسحاق: حمير تسمي المكفوف ضعيفاً.
ويقال: إن شعيباً كان خطيب الأنبياء صلى الله عليه وسلم، ( وعليهم أجمعين).
ثم قالوا له: ﴿وَلَوْلاَ رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾: أي: لولا عشيرتك وأهلك لسبَبْناك.
وقيل: معنى " لرجمناك ": لقتلناك رجْماً.
﴿وَمَآ أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ﴾: أي: لست ممن يكرم علينا "، ﴿قَالَ﴾ لهم شعيب: ﴿ياقوم أرهطي أَعَزُّ عَلَيْكُم مِّنَ الله﴾: أي: أعشيرتي أعز عليكم من الله، فترركم إيَّايَ لله عز وجل أولى لكم من أن تتركوني لعشيرتي، فلا يكون رهطي أعظم في قلوبكم من الله، سبحانه.
﴿واتخذتموه وَرَآءَكُمْ ظِهْرِيّاً﴾: أي: تركتم أمر الله سبحانه، خلف ظهوركم، فلا تراقبوه في شيء مما تراقبون قومي.
فالضمير في ﴿واتخذتموه﴾ يعود على اسم الله سبحانه، وقيل: يعود على ما جاءهم به شعيب.
﴿إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾: أي: لا يخفى عليه شيء من ذلك، يجازيكم على جميعه.
ثم قال لهم: ﴿وياقوم اعملوا على مَكَانَتِكُمْ﴾: أي: على منازلكم، وقيل:
المعنى: على مكانتكم من العمل، ﴿إِنِّي عامل﴾.
﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾: أينا الجاني على نفسه، وأينا المصيب وأينا المخطئ.
﴿مَن يَأْتِيهِ﴾: " مَنْ ": في موضع نصب " بتعملون "، مثل: ﴿يَعْلَمُ المفسد مِنَ (المصلح)﴾ [البقرة: 220]. وقيل: هي في موضع رفع على أنها استفهام.
" ومَن " الثانية عند الطبري في موضع نصب عطف على الهاء، في " يُجْزِيه " على معنى: ويخزي من هو كاذب منا، ومنكم.
﴿وارتقبوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ﴾: أي: انتظرونا إني منتظر.
﴿تَعْلَمُونَ﴾: وقف إن جعلت " مَن " استفهاماً ". وقيل: لا يكون وقفاً، لأن الجملة إذا رفعت في موضع نصب " بتعملون " فالوقف عليه قبيح.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْباً﴾: أي: جاء قومه العذاب / نجيناه
والمؤمنين به، ﴿وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ﴾، أي: صيحة من السماء أخرجت أرواحهم ﴿فَأَصْبَحُواْ فِي (دِيَارِهِمْ) جَاثِمِينَ﴾ أي: خامدين في دارهم ﴿كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَآ﴾: أي: (كأن لم يعيشوا فيها)، وقيل: لم يقيموا.
﴿أَلاَ بُعْداً لِّمَدْيَنَ﴾، أي: أبعدهم الله، فبعدوا بُعداً.
﴿كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾، أي: أهلكهم الله، كما هلكت ثمود.
وقيل: المعنى: أبعد الله مدين من رحمته، كما أبعد ثمود، يقال: بعِد يبعد: إذا هلك، وبعُد يبعد: إذا تباعد.
قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ - إلى قوله - ﴿المرفود﴾.
والمعنى: ولقد أرسلنا موسى بالأدلة، والحجة الظاهرة.
﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾ أي: أطراف قومه.
﴿فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ﴾: أي: اتبع ملؤه قوله، وكذبوا بما جاء به موسى ﴿وَمَآ أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ﴾: أي: لا يرشد من اتبعه إلى خير، بل يورده جهنم.
﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة﴾.
(قال قتادة: يمضي فرعون بين أيدي القوم) حتى يهجم بهم على النار.
وقال ابن عباس: " أضلهم فأوردهم النار، والورد هنا: الدخول " قوله: ﴿وَبِئْسَ الورد المورود﴾: أي: يبس ما أوردهم.
﴿أَمْرُ فِرْعَوْنَ﴾: وقف، وكذلك ﴿فَأَوْرَدَهُمُ النار﴾.
ثم قال تعالى: ﴿وَأُتْبِعُواْ فِي هذه لَعْنَةً﴾: أي: أتبعوا في الدنيا لعنة مع العذاب الذي عجل بهم، وهو الغرق.
﴿وَيَوْمَ القيامة﴾ يلعنون أيضاً، فتلك لعنتان.
﴿بِئْسَ الرفد المرفود﴾: أي: بئس اللعنة بعد اللعنة، وأصل الرفد: العطاء، والمعنى: الذي يقوم لهم مقام العطاء اللعنة، وبئس العطاء ذلك.
والتقدير في العربية: بئس الرفد رفْدَ المرفود.
﴿وَيَوْمَ القيامة﴾: وقف.
قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَآءِ القرى﴾ - إلى قوله - ﴿أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾
المعنى: هذا الذي نقصه عليك، مِن أخبار القرى، منها ما هو عامر، ومنها ما هو خرب، فيه عامر.
وقيل: المعنى: منها ما بقي أثره، ومنها ما لم يبق له أثر.
قال ابن جريج: ﴿مِنْهَا قَآئِمٌ﴾: خاوٍ على عروشه، وباق رسمه، ﴿وَحَصِيدٌ﴾: ملزق بالأرض، لا رسم له، وهو معنى قول قتادة، وغير (هـ).
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ ولكن ظلموا أَنفُسَهُمْ﴾: أي: لم نضع العقوبة بهم في
غير موضعها، بل أوجبوا لأنفسهم بكفرهم العقوبة، إذ وضعوا العبادة في غير موضعها.
﴿فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ﴾: التي عبدوها، ودعوها من دون الله شيئاً لما جائهم العذاب، وما زادهم آلهتهم ﴿غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾: أي: إلا خسراناً، ونقصاً، وهلاكاً، وتدميراً.
ثم قال تعالى: ﴿وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ أي: وكما أخذ ربك يا محمد هذه القرى بظلمهم، كذلك يأخذ القرى الظالم أهلها، فيهلكهم.
(هذه الآية تحذير لهذه الأمة أن تسلك في المعصية طريق من كان قبلها من الأمم) فيحل بهم ما حل بأولئك، وأخذ الله عز وجل في سطوته.
﴿إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾: أي: موجع.
ومعنى ﴿أَخَذَ القرى﴾: أي: أخذ أهلها.
وقرأ الجحدري: " إذ أخذ القرى ".
قوله: ﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّمَنْ خَافَ عَذَابَ الآخرة﴾ - إلى قوله - ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾:
والمعنى: إن في أخذه القرى لعظةً، وعبرةً / ممن خاف عذاب الآخرة، وحجة عليه.
﴿ذلك يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس﴾: أي: يُحشَر الناس كلهم من قبورهم للجزاء فيه.
﴿(وذلك يَوْمٌ) مَّشْهُودٌ﴾: أي: يشهده الخلق كلهم: أهل السماء، وأهل الأرض، وهو يوم القيامة.
قال ابن عباس: الشاهد محمد صلى الله عليه وسلم، والمشهود يومُ القيامة.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلاَّ لأَجَلٍ مَّعْدُودٍ﴾: أي: ما نؤخره يوم القيامة عنكم إلا لأجل قد قضيتُهُ، وعددتُهُ وأحصيتُهُ.
فلا يتقدم اليوم ولا يتأخر.
ثم قال تعالى: ﴿لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلاَّ بِإِذْنِهِ يَوْمَ يَأْتِ﴾: أي: يوم تقوم الساعة ما تكلم نفس إلا بإذن الله، وهو مثل قوله: ﴿هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ﴾ [المرسلات: 35].
وقد قال في موضع
آخر: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ على بَعْضٍ يَتَسَآءَلُونَ﴾ [الصافات: 50]، وقال: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَن نَّفْسِهَا﴾ [النحل: 111]، وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَّسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لاَّ يُسْأَلُ عَن ذَنبِهِ إِنسٌ وَلاَ جَآنٌّ﴾ [الرحمن: 39].
وهذه الآيات يسأل عنها أهل الإلحاد.
فالجواب عن ذلك: أنه تعالى قد أحصى الأعمال، وعِلِمَها قبل أن تكون، فلا حاجة (له) إلى سؤال أحد عن ذنبه، (ليعلم) ما عنده.
فأما قوله: (إنهم مسئولون) فإنما هو سؤال توبيخ، وتقرير، لا سؤال استخبار.
وقوله: ﴿لاَ يَنطِقُونَ﴾ [النمل: 85، المرسلات: 35] بحجة تجب لهم، وإنما يتكلمون بذنوبهم، ويلوم بعضهم بعضاً بعد أن ينطلق لهم الكلام، بإذنه تعالى في لوم بعضهم بعضاً، لا في حجة يقيمونها لأنفسهم.
﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾: أي: فمن هذه النفوس التي لا تتكلم إلا بإذن الله، سبحانه، شقي وسعيد.
وذكر ابن الأنباري أنه قد قيل: إن الضمير لأمة محمد، صلى الله عليه وسلم، خاصة: أي: فمن هذه الأمة يا محمد شقي، وسعيد ﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار.
. .﴾ ﴿خَالِدِينَ فِيهَا.
. .﴾ ﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾: أي: إلا ما شاء الله من ترك خلودهم، وإخراجهم إلى الجنة بإيمانهم على ما روي في الآثار المشهورة.
والأشهر أن الضمير في " فمنهم " يعود على الخلق كلهم، على كل نفس.
﴿فَأَمَّا الذين شَقُواْ فَفِي النار لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾: قال ابن عباس: " صوت شديد، (وصوت) ضعيف ".
قال أبو العالية: الزفير في الحلق، والشهيق في الصدر، وروي عنه ضد ذلك.
قال قتادة: " صوت الكافر في النار صوت الحمار، أَوَّله زفيرٌ، وآخره شهيق.
وقال أهل اللغة: الزفير مثل: " ابتداء الحمار في النهيق، والشهيق بمنزلة آخر
صوت الحمار في النهيق ".
(ولما نزلت) هذه الآية، قال عمر رضي الله عنهـ: " سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله فعلام عملنا؟: على شيء قد فرغ منه؟ أم على شيء لم يُفْرَغْ منه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: على شيء قد فرغ مِنه يا عمر، وجرت به الأقلام، ولكن كل مُيَسَّر لما خلق له ".
قوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾: أي: وقت دوام ذلك.
ومعنى الآية: أبداً، لأن العرب تقول: لا أكلمك ما دامت السماوات والأرض، وما اختلف الليل والنهار /. فخوطبوا على ما يعلمون، ويفهمون بينهم.
وقوله: (﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾) اختلف في ذلك اختلافاً شديداً.
1 - فمن العلماء من قال: " إلا " للاستثناء، استثنى به من الزمان، " فما " على بابها: لما لا يعقل.
2 - ومنهم من قال: " إلا " بمعنى: " سوى " " وما " على بابها للزمان، فهي في زيادة الخلود.
3 - ومنهم من قال: " إلا " على بابها، و " ما " بمعنى " من ": جاءت لِمَنْ يعقل، فهي استثناء من الأشخاص والمعذبين الذين يخرجون من النار من المؤمنين.
وسنذكر قول من بلغنا (قوله) من العلماء في ذلك.
قال قتادة: " الله أعلم بِثَنِيَّاه.
ذُكِر لنا أن ناساً يصيبهم سَفَعٌ من النار
بذنوب أصابوها، ثم يدخلهم الله الجنة برحمته يسمون: الجهنميون.
فيكون هذا الاستثناء في أهل التوحيد.
(وقيل: المعنى: إلا ما شاء ربك أن يتجاوز عنه.
وذلك في أهل التوحيد) فهو استثناء من الداخلين النار، لا من الخلود.
" فإلا " على هذين القولين لللاستثناء، و " ما " بمعنى " من ": استثنى خروج من يدخل النار من المؤمنين.
وقيل: " عنى بذلك أهل النار، وكل من دَخَلَهَا ".
وروي عن ابن مسعود رضي الله عنهـ، أنه قال: " ليأتين على جهنم زمان تَخْفِقُ أبوابها، ليس فيها أحد ".
وقال الشعبي: " جهنم أسرع الدارين عمراناً، وأسرعها خراباً ". وهذان القولان شاذَّان.
وقال ابن زيد: هي مشيئته في الزيادة من العذاب، أو في النقصان، وقد
تبين لنا معنى تبيانه في أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: إنه في الزيادة، ولم يبين لنا ذلك في أهل النار.
وهو محتمل للزيادة والنقص من العذاب.
وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُواْ فَلَن نَّزِيدَكُمْ إِلاَّ عَذَاباً﴾ [النبأ: 30]، يدل على أنه في الزيادة.
وقال بعض (أهل) العربية: وهو استثناءٌ استثناه، ويفعله، كقولِك: " لأضربنك إلا أن أرى غير ذلك، وعَزْمِك على ضربه وقال بعضهم: " إلا " هنا: بمعنى سوى.
والمعنى: سوى ما شاء الله من الزيادة في الخلود، وهو اختيار أبي بكر.
قال: لأن الله تعالى لا خلف لوعده، وقد وصل الاستثناء في أهل الجنة بقوله: ﴿عَطَآءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾، (فدلّ) على أن الاستثناء إنما هو في زيادة الخلود.
" فما " على بابها، و " إلا " لللاستثناء.
وقول آخر، وهو قول المازني: إنه استثناء إقامتهم، واحتسابهم، ما بين
الموت والبعث.
وهو البرزخ، إلى أن يصيروا في الجنة.
يقول: لم يغيبوا عنها إلا مقدار إقامتهم في البرزخ.
" فما " أيضاً على بابها للزمان، و " إلا " للاستثناء.
وقول آخر: وهو أن يكون الاستثناء يراد به من دوام السماوات والأرض في الدنيا.
ومعنى: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ يعني: تعميرهم في الدنيا قبل ذلك.
وقيل: الاستثناء واقع على مقامهم في قبورهم.
وقيل: إن معنى الاستثناء في أهل الجنة مخصوص في بعضهم.
يراد به: قدر بعث من دخل النار من الموحدين إلى أن رحموا، وأخْرجوا، وأدخلوا الجنة.
وقال ابن زيد: المعنى: " ما دامت الأرض أرضاً، والسماء سماء ". ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ﴾: أي: لا يمنعه مانع من فعل ما أراد.
(قال أبو محمد مكي).
وقد أفردنا / كتاباً مفرداً لشرح هذه الآية، وذكرنا فيها من أقاويل
العلماء بضعة عشر قولاً، وبيَّنا جواز وقوع " ما " لمن يعقل بياناً شافياً في ذلك الكتاب.
وذكرنا في هذا اختصار ما ذكرنا في ذلك الكتاب.
ومن قرأ " سعدوا " بالفتح فهي اللغة الجيدة المشهورة.
يقال: ما سعد حتى أسعده الله.
وإجماعهم على " شقوا " بالفتح يدل على فتح " سعدوا "، ولو كانت بالضم لقيل: " سعدوا "، ومن قرأ بالضم فهي مكروهة عند أكثر النحويين، واحتج الكسائي في الضم بقولهم: " مسعود: (وهذا) لا حجة فيه له، لأن " فيه " محذوفة منه.
يقال: مكان مسعود فيه.
واحتج الكسائي بقول العرب: " فغر فاه، وفغر فوه "، وجبر العظم وجبرته، ونزحت البئر ونزحتها: فهذا لا يقاس عليه، إنما يسمع
سماعاً.
واحتج الكسائي للضم أيضاً، بأنه كذلك سمعتُ من أًحاب عبد الله يقرؤونها.
وكان الكسائي، وغيره حكوها لغة في " أسعد ": تسقط الألف وتضم السين.
كقوله: ﴿مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾، وقال في موضع آخر: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104]، وقال: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [إبراهيم: 48].
فإن قيل: فما دوام ذلك على هذا؟ فالجواب إن ابن عباس قال: وقد سأله رجل، فقال: يا أبا عبد الله من أي شيء خلقت الأشياء؟ فقال: من خمسة أشياء من نار، وتراب، وريح، وماء، ودخان.
فقال له: ومن أي شيء خلقت هذه الخمسة؟ فقال: من نور العرش.
فقال له: أفرأيت قول الله عز وجل، ﴿ مَا دَامَتِ السماوات والأرض﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض﴾ [إبراهيم: 48] وقوله:
﴿يَوْمَ نَطْوِي السمآء كَطَيِّ السجل لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: 104] فما دوامها، وقد فنيتا.
فقال ابن عباس: فإذا كان ذلك، ردتا إلى النور الذي أخذتا منه، فهما دائمتان لا بد في نور العرش.
ومعنى: ﴿غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾: غير مقطوع، وقيل: غير منزوع.
(شقي وسعيدٌ): وقف.
﴿إِلاَّ مَا شَآءَ رَبُّكَ﴾ وقف عند أبي حاتم في الموضعين.
والوقف على الاستثناء في قصة أهل النار جائز وليس بجائز في قصة أهل الجنة، لأن بعده " عطاء " منصوب على المصدر، فما قبله يعمل فيه.
فإن نصبته بإضمار فعل وقفت على ما قبله.
قوله: ﴿فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّمَّا يَعْبُدُ هؤلاء مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ آبَاؤُهُم مِّن قَبْلُ﴾ - إلى قوله - ﴿مُرِيبٍ﴾.
الإشارة في هؤلاء إلى مشركي قريش.
والمعنى: فلا يكن من آمن بك يا محمد في شك مما يعبده مشركو قريش من الأصنام، إنها باطل.
ما يعبدون إلا كعبادة آبائهم من قبل.
﴿وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ﴾ يا محمد ﴿نَصِيبَهُمْ﴾، أي: حظهم من خير وشر.
﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾: أي: " لا أنقصهم مما وعدتهم ".
ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا موسى الكتاب فاختلف فِيهِ﴾: وهذا تسلية من الله تعالى لنبيه عليه السلام، في تكذيب مشركي العرب له، فيما جاءهم به من عند الله عز وجل.
فالمعنى: آتينا موسى الكتاب، كما آتيناك، ﴿فاختلف فِيهِ﴾: فكذب بعضهم، وصدق بعضهم، كما فعل قومك يا محمد.
﴿وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ وهو أنه سبق / أن يؤخر عقوبتهم
إلى يوم القيامة.
فإنه لا يعجل عليهم.
﴿لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: أي: في الدنيا.
﴿وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مُرِيبٍ﴾: أي: وإن الذين كذبوا، لفي شك منه إنه من عند الله.
﴿مُرِيبٍ﴾: أي: " يريبهم، فلا يدرون أحق؟ أم باطل؟ ".
قوله: ﴿وَإِنَّ كُلاًّ لَّمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ﴾ - إلى قوله - ﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾.
قرأ الزهري: " وإن كلاًّ " بالتشديد، لما " بالتنوين مشدداً أيضاً، وقرأ الأعمش: (" وإن كلا " بتخفيف " إنْ "، ورفع " كل " وتشديد " لما ". (وفي حرب أبي ": " وإن كلّ " إلا ليوفينَّ ربك أعمالهم ". وفي حرف ابن مسعود: " وإن كل) إلا ليوفينهم ربك أعمالهم ". ومن شدَّدَ " إنَّ " نصب " كلاً " بها.
واللامُ في " لَما " لام تأكيد.
و " ما " صلة، هذا على قراءة التخفيف.
والخبر في " ليوفينهم ".
والتقدير: وإن كلاً ليوفينهم.
وقراءة من خفف إنْ، ونصب " كلا " على هذا التقدير، إلا أنه، خفف " إن " وأعملها كما يفعل الفعل، وهو محذوف منه.
وأنكر الكسائي التخفيف والعمل.
وقال الفراء: من خف " إن " نصب " كلاً " بقوله: " ليوفينهم، وهذا لا يجوز أن يعمل ما بعد اللام فيما قبلها.
ومن شدد " إن " و " لما " فهي غير جائزة عند
المبرد، والكسائي.
قال المبرد: لا يجوز: " أن زيداً إلا لأضربنه ".
وقال الفراء: الأصل " لمن ما "، فاجتمعت ثلاث ميمات عند الإدغام، فحذفت إحداهن.
وهذا لا يجوز عند البصريين.
وقال المازني: الأصل التخفيف في " لَما "، ثم ثقلت.
وهذا أيضاً لا أصل له، (و) يجوز (تثقيل المخفف)، إلا لمعنى.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: الأصل " لما " بالتنوين، من لممته لمّا: أي: جمعته، ثم بني منه فَعْلى، كما قرأ: " تثرا، و " تثري ".
ومن خفف " إن "، وشدد " لما "، " فإن " بمعنى " ما "، و " لما " بمعنى " ألا " حكى ذلك الخليل، وسيبويه بمنزلة قوله: ﴿إِن كُلُّ نَفْسٍ لَّمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ﴾ [الطارق: 4] أي: إلا عليها حافظ والقراءات الثلاث تكون فيها " إن " بمعنى " ما " لا غير.
وقد قيل: في قراءة من شدد " إنَّ " وخفف " لما ": إنَّ (ما) بمعنى: " من ". وإن المعنى: وإن كلا ﴿لَّمَّا﴾ ليوفينهم ربك أعمالهم، كما قال: ﴿فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء﴾ [النساء: 3]: أي: ما طاب لكم نكاحه.
وقوله: ﴿إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾: أي: " لا يخفى عليه شيء من عملكم ".
ثم قال تعالى: ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾: أي: دم يا محمد على ما أنت عليه.
﴿وَمَن تَابَ مَعَكَ﴾: أي: رجع إلى عبادة ربك، يدوم على ذلك.
﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾: أي: ولا تتعدوا أمره إلى ما نهاكم عنه.
﴿إِنَّهُ بِمَا (تَعْمَلُونَ) بَصِيرٌ﴾: أي: ذو علم، لا يخفى عليه شيء من عملكم.
وقال سفيان: معنى ﴿فاستقم كَمَآ أُمِرْتَ﴾: أي: " استقم على القرآن "، ﴿وَلاَ تَطْغَوْاْ﴾: وقف.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تركنوا إِلَى الذين ظَلَمُواْ﴾.
قرأ الأعمش ويحيى بن وثاب: " فتمسكم " بكسر التاء.
وقرأ قتادة: ولا تركُنوا بالضم في الكاف، يقال: رَكَنَ يركنُ، وركُنَ يركَنُ.
قال ابن عباس: معناه: لا تذهبوا إلى الكفار.
وقال ابن جريج: لا تميلوا إليهم.
وقال أبو العالية: " لا ترضوا أعمالهم ".
وقال قتادة: لا تلحقوا بالشرك ".
وقال ابن زيد: الركون هنا: / الإذعان.
وذلك ألا ينكر عليهم كفرهم، وهذا لأهل الشرك.
نهى الله عز وجل، المؤمنين أن يميلوا إلى محبتهم، ومصافاتهم، وليس لأهل الإسلام.
فأما أهل الذنوب من أهل الإسلام، فقد بينت السنة، والكتاب أنه لا يجوز أن يركن إلى شيء من معاصي الله، ولا يصالح عليها، ولا يقرب.
فالمعنى: ولا تميلوا إلى قول المشركين، فتمسكم النار، (بفعلكم ذلك).
﴿ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ﴾: إن فعلتم.
وليس لكم ولِيّ من دون الله، ينقذكم من عذابه.
قوله ﴿وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَيِ النهار وَزُلَفاً مِّنَ اليل﴾ - إلى قوله - ﴿وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ﴾.