الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
ليلاً أو نهاراً ما يستعجل من نزول العذاب المجرمون، وهم لا يقدرون على دفعه.
فمعنى الكلام: الإنكار عليهم لاستعجالهم بأمر، لا يقدرون على دفعه إذا حل بهم.
ثم قال تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾.
قال الطبري: " أثم " بمعنى " هنالك " إذا وقع العذاب بكم آمنتم بالله عز وجل.
وليست عنده، ثم التي للعطف وهو غلط منه.
وإنما التي تكون بمعنى " هنالك " هي المفتوحة / الثاء بمنزلة قوله: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيماً﴾ [الإنسان: 20].
والتقدير عند غيره أنها " ثم " التي للعطف.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: أتأمنون إذا نزل بكم العذاب، فتؤمنون ثم يقال لكم: الآن آمنتم، وقد كنتم تريدون استعجاله، وحلوله بكم، فلما عاينتم حلوله آمنتم حين لا ينفعكم الإيمان، وهو مثل قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قالوا آمَنَّا بالله وَحْدَهُ﴾ [غافر: 84] إلى قوله ﴿بَأْسَنَا﴾ [غافر: 85]: أي: لم ينفعهم الإيمان
عند معاينة العذاب.
كذلك سنة الله عز وجل في الكافرين لا يقيلهم من كفرهم عند معاينتهم العذاب.
و" آلآنَ " عند الفراء أصلها: أوان، ثم حذغت الهمزة الثانية منها، وقُلِبَتْ الواو ألفاً، ثم دخلت الألف واللام وبنيت على الفتح.
وقيل: أصلها " آن " مثل " حان " ثم دخلتها الأف واللام، وبقيت على فتحها مثل: " قيل، وقال ".
وقال الزجاج: لا يحسن هذا القول: لأنه لو كان كذلك لم تدخل عليه الألف واللام، كما لا تدخل على " قيل ".
وقال سيبويه: سبيل الألف واللام أن يدخلا لمَعْهُود، و " الآن ": ليس بمعهود، وإنما معناه: " نحن في هذا الوقت نفعل كذا، فلما تضمنت هذا بنيت على الفتح ".
قوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾: أي: ظلموا أنفسهم.
﴿ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد﴾: أي: العذاب الدائم.
هل تجزون إلا ما علمتم في حياتكم من المعاصي، وما اكتسبتم في دنياكم.
قوله: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وربي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ إلى قوله ﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾.
﴿أَحَقٌّ هُوَ﴾ هو: ابتداء، وخبره " أحق ".
وقال سيبويه: (أحق): ابتداء، وهو فاعل يسد مسد الخبر.
ومعنى الآية: ويستخبرك يا محمد هؤلاء المشركون: أحق ما تعدنا به من الآخرة، ومن المجازاة على أعمالنا.
قل لهم يا محمد: ﴿إِي وربي﴾: نعم وربي: ﴿إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ أي: إن الذي يعدكم من ذلك، لحق آت لا شك فيه.
﴿أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾: أي: لستم تعجزون الله إذا أراد بكم أمراً بهرب، ولا
امتناع.
﴿إِي وربي﴾: وقف، كما تقول: " نعم والله ". والتمام: إنه لحق.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الأرض﴾: " أَنَّ ": في موضع رفع فعل مضمر، لأن حق لو (أ) لا يليها إلا الفعل مضمراً، أو مظهراً.
فسبيل ما بعدها أن يكون مرفوعاً بالفعل المقدر.
والمعنى: ولو أن لكل نفس كفرت بالله سبحانه، وآياته، (جلت عظمته) ما في الأرض، من قليل، أو كثير لافتدت به من عذاب الله إذا عاينته.
وذلك لا يكون لها أبداً، ولو كان لها لافتدت به، ولو افتدت به لم يقبل منها.
قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ الندامة﴾: أي: أسَرَّ كثيراً.
وهي الندم من ضعفائهم حين عاينوا العذاب، وعلموا أنه واقع بهم.
وقيل: المعنى: (وأسروا): أظهروا الندامة عند ذلك.
قال المبرد: معناه: بدت الندامة في أسرة وجوههم، وهي الخطوط التي في الجبهة، واحِدها سِرارٌ.
﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بالقسط﴾: أي: بالعدل.
ثم قال تعالى منبهاً: (أَنَّهُ غَنِيٌ عما في الأرض (و) لو افتدوا به) وأنه لا يملك هذا الكافر شيئاً: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض﴾: فليس للكافر شيء يفتدي به.
ثم قال: ﴿أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ﴾: أي: عذابه الذي استعجله / هؤلاء المشركون حق واقع لا شك فيه.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾: حقيقة ذلك، فهم من أجل جهلهم يكذبون.
قوله: ﴿هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ إلى قوله: ﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾.
والمعنى: والله عز وجل يحيي ويميت، فلا يتعذر عليه إحياؤهم بعد مماتهم.
﴿وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
و" ألا " في جميع هذا تنبيه.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الناس قَدْ جَآءَتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور﴾: وهو القرآن، يذكركم عقاب الله عز وجل، وثوابه، جلت عظمته.
﴿مِّن رَّبِّكُمْ﴾: أي: لم يختلق ذلك محمد، بل هو من عند الله عز وجل، ﴿ وَشِفَآءٌ لِّمَا فِي الصدور﴾: أي: دواء لما في الصدور من الجهل بالله سبحانه، وآياته، وفرائضه، وطاعته، ومعاصيه.
﴿وَهُدًى﴾: أي: " وبيان لحلاله وحرامه ".
﴿وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي: يرحم به من يشاء من خلقه، فينقذه به من الضلالة إلى الهدى، فهو رحمة للمؤمنين، وعمى للكافرين، كما قال: ﴿وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44].
ثم قال تعالى: قل - يا محمد - ﴿بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾ أي: بفضل الله عز وجل، وهو الإسلام الذي تفضل على العباد المؤمنين بالهداية إليه وبرحمته سبحانه التي رحمكم، فاستنقذكم من الضلالة.
﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ﴾:
وعن ابن عباس أنه قال: فضل الله عز وجل القرآن، ورحمته سبحانه أن جعلهم
من أهل القرآن.
وهو قول مجاهد.
والعرب تأتي " بذلك " للواحد والاثنين والجمع، وهو هنا للاثنين.
وقرأ يزيد ابن القعقاع: " فلتفْرَحُوا " بالتاء، ورواها عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقرأ أُبَيّ بالتاء في الحرفين.
وفي حرف أبَي: " فبذلك فافرحوا ".
وقيل: الفضل هنا الإسلام، والرحمة: القرآن، قاله ابن عباس، وقتادة.
وقال أبو سعيد الخدري الفضل: القرآن، والرحمة: أن جعلكم من أهله.
وروي عن ابن عباس أيضاً: الفضل: القرآن، والرحمة: الإسلام.
وهو قول زيد ابن أسلم، والضحاك.
﴿خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: أي: من الأموال.
ومن قرأ " فلترحوا " بالتاء، ويجمعون بالياء.
فمعناه: فبذلك فافرحوا يا أيها المؤمنون.
هو خير مما يجمع الكفار من الأموال.
ومن قرأهما بالتاء، فعلى المخاطبة للمؤمنين.
ومن قرأهما بالياء، فعلى الأمر للكفار: أي: فبالقرآن، والإسلام فليفرح هؤلاء المشركون.
﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾: من الأموال.
﴿مَا فِي السماوات والأرض﴾ [يونس: 55]: وقف.
﴿يَوْمَ القيامة﴾ [يونس: 60]: وقف عند أحمد بن جعفر.
قوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ - إلى قوله - ﴿يَشْكُرُونَ﴾:
والمعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين: أرأيتم الذي أنزل الله إليكم من رزق، وحوَّلكموه فَحَلَّلْتمْ بعضه، وحرمتم بعضه: وذلك أنهم كانوا يحرمون بعض أنعامهم، وبعض زروعهم، وقد ذكر ذلك في المائدة، والأنعام.
ومعنى الآية: أنها نهي عن تحليل ما حرم الله.
وعن تحريم ما أحل الله سبحانه، وعن تحليل ما لم يأذن الله بتحليله، وتحريم ما لم يأذن بتحريمه.
﴿ءَآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾: أي: تختلقون ما لم يأمر به.
ثم قال تعالى: ﴿وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذبإن الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾ أي: ما ظن هؤلاء الذين
يحرمون ما أحل الله، فيختلقون ما لم يأمر به، ويتخرصون عليه / ما لم يقل.
إن الله يفعل بهم يوم القيامة، أيحسبون أنه يصف عنهم؟ كلا، بل يصليهم سعيراً.
﴿إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ عَلَى الناس﴾: أي: ذو تفضل على خلقه، بتركه معاجلة من افترى على الله الكذب بالعقوبة في الدنيا.
﴿ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ﴾ على تفضل الله عز وجل عليهم.
قوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ مِن قُرْآنٍ﴾
قوله: ﴿تَتْلُواْ مِنْهُ﴾: " التاء " تعود على الشأن.
والمعنى " وما تتلو من الشأن.
أي: من أجل الشأن، أي: يحدث شأن، فيتلى القرآن من أجله ليعلم كيف حكمه ".
وقال الطبري: ﴿وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ﴾: أي: من كتاب الله عز وجل.
﴿ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ﴾: أي: عملاً.
" ومن " زائدة للتأكيد.
﴿إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً﴾: أي: " إلا ونحن شهود لأعمالكم " إذا عملتموها.
ومعنى: ﴿إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾: أي: إذ تفعلون.
وقال الضحاك: المعنى: إذ " تشيعون " في القرآن من الكذب وقيل: المعنى: " إذ تنتشرون فيه ".
وقيل: إذ " تأخذون فيه ": أعلم الله عز وجل المؤمنين أنهم لا يعملون عملاً إلا كان شاهده وقت عملهم له.
ثم قال: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ﴾ أي: وما يغيب عن ربك مثقال ذرة.
" وَلاَ أَكْبَرَ وَلاَ أَصْغَرَ ". عن نصب عطفه على لفظ " مثقال "، وعلى لفظ " ذرة ". وهو لا ينصرف، وموضعه خفض.
ومن رفع، رفعه على موقع مثقال، لأن " من " زائدة للتوكيد.
والمعنى: ليس يغيب عن ربك يا محمد من أعمال العباد زنة ذرة، وهي النملة
الصغيرة.
ولا يغيب ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾: أي: هو محصى في كتاب مبين: فكل عنده في اللوح المحفوظ، ومن باطن وظاهر، والحفظة يكتبون ما ظهر لهم من الأعمال التي تقدمت في اللوح المحفوظ، وما خفي عنهم من أعمال بني آدم، وأسرارهم لا يكتبونه ولا يعلمونه.
وعلمه كله عند الله عز وجل مثْبت في اللوح المحفوظ، لا يعزب عنه منه شيء.
قوله: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ إلى قوله ﴿الفوز العظيم﴾.
" ألا ": تنبيه، وأولياؤه ": قوم يُذكَر الله عز وجل عند رؤيتهم، لما عليهم من سمات الخير، والإخبات: قاله ابن عباس.
وروي ذلك عن النبي، عليه السلام.
وروى أبو هريرة عن النبي عليه السلام أنه قال: " إن من عباد الله عباداً يغبطهم الأنبياء والشهداء.
قيل: من هم يا رسول الله؟ لعلنا نحبهم.
قال: هم قوم متحابون في
الله عز وجل من غير أموال، ولا أنساب.
وجوههم نور، على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس ثم قرأ: ﴿ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ "
ثم قال تعالى: ﴿الذين آمَنُواْ (وَكَانُواْ) يَتَّقُونَ﴾: أي: هم الذين آمنوا بالله عز وجل ورسوله، وبما جاء من عند الله سبحانه ﴿وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾: محارمه.
﴿لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الآخرة﴾ قال عروة بن الزبير، ومجاهد: " هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل الصالح، أو ترى له ".
قال أبو الدرداء: " سألت النبي صلى الله عليه وسلم، عن هذه الآية فقال: هي الرؤيا الصالحة يراها الرجل، وتُرى له، وهي / جزء من سبعة وأربعين جزءاً من النبوءة ".
وعن ابن عباس أنه قال: هو قول الله عز وجل لنبيه: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين بِأَنَّ لَهُمْ مِّنَ الله فَضْلاً كَبِيراً﴾ [الأحزاب: 47] قال: " (هي) الرؤيا الصالحة ". وبشرى الآخرة الجنة.
وعلى هذا أكثر أهل التفسير.
وقال قتادة، والزهري هي: بشرى عند الموت في الدنيا.
وقال الضحاك: يعلم أين هو قبل الموت، ويدل على هذا القول قوله: ﴿يُبَشِّرُهُمْ (رَبُّهُم) بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ﴾ [التوبة: 21] الآية.
وقوله: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الملائكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ﴾ الآية.
[فصلت: 30].
وقال أبو ذر: " سألت النبي عليه السلام: فقلت: الرجل يعمل لنفسه خيراً، ويحبه الناس.
فقال: تلك عاجل بشرى المؤمنين في الدنيا، وفي الآخرة إأذا أخرجوا من قبورهم ".
﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله﴾: أي: لا خُلف لوعده.
لا بد أن يكون ما قاله تعالى.
﴿ذلك هُوَ الفوز﴾: أي: البشرى في الحياة الدنيا، وفي الآخرة: ﴿هُوَ الفوز العظيم﴾.
والفوز: الظَّفر.
قوله: ﴿لِكَلِمَاتِ الله﴾ وقف.
قوله: ﴿وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾ إلى قوله ﴿بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ﴾
والمعنى: ولا يحزنك يا محمد تكذيبهم لك، واستطالتهم عليك.
﴿إِنَّ العزة للَّهِ جَمِيعاً﴾: أي: له عزة الدنيا والآخرة، فهو ينتقم من هؤلاء.
﴿هُوَ السميع العليم﴾: أي: ذو سمع لما يقولون، وما يقول غيرهم، وذو علم
بهم وبغيرهم، ودل هذا النص على أن كل عزيز في الدنيا فالله ( عز وجل) . أعَزَّه، وكل ذَليل، فالله سبحانه أذله.
ثم قال تعالى: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات وَمَنْ فِي الأرض﴾: أي: له كل شيء.
فكيف يعبد هؤلاء غيره؟ فليس يدعون في عبادتهم الأصنام شُرَكاءَ له لأن كل شيء له.
ما يتبعون في عبادتهم لها إلا الشك، وما هم إلا يتخرصون والعامل الناصب للشركاء: " يدعون "، ولا يعمل فيه " يتبع " لأنه نفي عنهم.
وقد أخبرنا الله أنهم يعبدون الشركاء.
ومفعول " يتبع " قام مقامه.
﴿إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن﴾ لأنه هو، فكأنه قال: وما يتبع الذين يدعون من دون الله شركاء إلا الظن.
فالظن مفعول " يتبع "، و " شركاء " مفعول يدعون.
قوله: ﴿هُوَ الذي جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾: أي: تستريحون فيه من
تصرفكم.
وجعل النهار مبصراً فيه على النسب بمنزلة ﴿عِيشَةٍ رَّاضِيَةٍ﴾ [الحاقة: 21].
﴿إِنَّ فِي ذلك لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾: أي: يسمعون هذه الأدلة فيفهمونها، ويتَّعِظون بها.
ثم قال تعالى حكاية عن قوم الكفار: ﴿قَالُواْ اتخذ الله وَلَداً﴾ يعني: قولهم: إن الملائكة بنات الله.
سبحانه: أي تنزيهاً له من ذلك، ومن كل السوء.
﴿هُوَ الغني﴾ أي: الغني عن خلقه، فلا حاجة له إلى ولد.
﴿لَهُ مَا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض﴾ أي: يملك جميع ذلك، فأي حاجة له إلى ولد، وكيف يكون عبده ولداً له.
وأيضاً: فقد أقررتم أيها الجاهلون أنه لا شبه له، ولا مثل، وعلمتم أن الولد يشبه الوالد، وأنه من جنس والده يكون.
فواجب أن يكون الولد الذي ادعيتم مثل الوالد.
فقد أوحيتم بذلك أن له مثلاً، وشبيهاً، لأن ولده / مثله.
وإذا وجب ذلك زالت عنه صفة ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11].
وإذا زالت هذه الصفة عنه، فقد
نقصت صفاته عن الكمال.
والناقص محدث، ففي إيجابكم له الولد، إيجابكم أنه محدث، وتعطيل للربوبية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
لا إله إلا هو، لم يلد ولم يولد، فلا شبيه له ولا مثيل، ولا نظير.
ليبس كمثله شيء، لا إله إلا هو.
()
قوله: ﴿إِنْ (عِندَكُمْ) مِّن سُلْطَانٍ بهاذآ﴾: أي: ما عندكم أيها القوم من حجة بقولكم.
﴿أَتقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾: أي: لا تعلمون حقيقته، وصحته، فتضيفون ذلك إلا من يجوز إَافته إليه بغير حجة.
ولا برهان.
ثم قال تعالى لنبيه: قل يا محمد: ﴿قُلْ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب﴾: أي: يتخرصون، ويختلقون الكذب على الله.
﴿لاَ يُفْلِحُونَ﴾: أي: " لا يَبْقَوْنَ في الدنيا "، والفَلاَح: البقاء.
﴿مَتَاعٌ فِي الدنيا﴾: أي: لكن لهم متاع في الدنيا.
وقيل: افتراؤهم متاع، وقيل: المعنى: ذلك متاع، وقيل: هو متاع.
وقيل: التقدير إنما ذلك متاع، أو إنما هذا متاع، أي: يمتعون به إلى الأجل الذي كتب لهم.
﴿ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ أي: يرجعون إلينا عند انقضاء أجلهم الذي كتب لهم.
﴿ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد﴾ وهو عذاب النار بكفرهم بالله سبحانه، وبرسله صلوات الله عليهم، وكتبه.
قوله: ﴿واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ المسلمين﴾.
قوله: وشركاؤهم: قال الكسائي، والفراء: هو بمعنى: وادعوا شركاءكم.
وقال المبرد: نصبه على المعنى، كما قال متقلداً سيفاً ورمحاً، وقال الزجاج هو مفعول معه.
وروى الأصمعي عن نافع: " فاجْمَعُوا " موصولة الألف من: جمَع، وهي قراءة
الجحدري.
وهما لغتان: جمع وأَجمع.
وقرأ الحسن، وابن أبي إسحاق، وعيسى ويعقوب: " فأجْمِعُوا أمركم وشركاؤُكم بالرفع، عطفا على المضمر في " أجمِعوا ": وحسن ذلك لما حال بينهما بالمفعول، فقام مقام التوكيد.
وقيل: إن " الشركاء " رفع بالابتداء، والخبر محذوف.
أي: وشركاؤكم ليجمعوا أمرهم، والشركاء هنا: الأصنام، وهي لا تصنع شيئاً.
إلا أن يكون المعنى
على التوبيخ لهم، كما قال لهم إبراهيم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ [الأنبياء: 63].
ومن نصب " الشركاء " حمله على المعنى، أي: وادعوا شركاءكم، ولا يُعطف على الأمر بتغير المعنى.
يقال: أجمعتُ الأمر وعلى الأمر: عزمتُ عليه.
فلا معنى لعطف الشركاء على هذا المعنى، فلا بد من إضمار فعل.
ومعنى الآية: إن الله تعالى ذكره، يقول لنبيه: واتل عليهم يا محمد خبر نوح إذ قال لقومه: يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي، وشق عليكم تذكيري بآيات الله، ووعظي إياكم، فعزمتم على قتلي، أو طردي من بين أظهركم فعلى الله اتكالي، وبه ثقتي.
﴿فأجمعوا أَمْرَكُمْ﴾: أي: أعدوا ما تريدون، واعزِموا على ما تشاؤون.
يقال: أجمعت على كذا: إذا عزمت عليه.
والشركاء هنا: آلهتهم.
وقوله: ﴿لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾: أي: لا يكن ملتبساً مشكلاً، من قولهم: غم على الناس الهلال: وذلك إذا أِكل عليهم أمره.
وقيل معناه: " ليكن أمركم ظاهراً منكشفاً ".
﴿ثُمَّ اقضوا إِلَيَّ وَلاَ تُنظِرُونَ﴾: أي: ثم افعلوا ما بدا لكم ولا تؤخروه.
﴿فَإِن تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِّنْ أَجْرٍ﴾: أي: إن توليتم عين بعد دعائي إياكم إلى الله عز وجل.
فإني لم أسألكم عما دعوتكم إليه أجراً، ولا عوضاً أعتاضه منكم على دعائي.
ما أجري إلا على الله، وأمرني ربي أن أكون من المسلمين.
فمن أجل ذلك
أدعوكم إلى مثل ما أنا عليه.
قوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِي الفلك وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ﴾ إلى قوله ﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾:
والمعنى " فكذب نوحاً قومه فيما أخبركم به على الله عز وجل من الرسالة ".
﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ﴾: أي: ممن آمن في الفلك، وهي السفينة.
﴿وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ﴾: أي: جعلنا من معه ممن حمل في النفس خلائف: أي: يخلفون من أهلك من قومه، وهو جمع خليفة.
﴿وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾: أي: بحُجَجِنا وأدلتنا.
فانظر يا محمد ﴿كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين﴾: الذين أنذرهم نوح.
فكذبوه.
فليحذر هؤلاء الذين كذبوا بك مثل ما نزل بقوم نوح.
قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ﴾: أي: بعثنا بعد نوح كل رسول إلى قومه، ﴿فَجَآءُوهُمْ بالبينات﴾: وهي العلامات الواضحات الدالة على صدقه فيما
يقول: وما يدعو إليه.
﴿فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ - بذلك - كذلك نَطْبَعُ على قُلوبِ المعتدين﴾: أي: كما طبعنا على قلوب قوم نوح، كذلك نطبع على قلوب من اعتدى فتجاوز أمر ربه، وكفر به.
﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِمْ موسى﴾: أي: من بعد الرسل التي بعثت من بعد نوح ﴿إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ﴾: أي: وأشراف قومه، فاستكبروا عن الإقرار بآياتنا ﴿وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ﴾: أي: آثمين بكفرهم.
﴿فَلَمَّا جَآءَهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا﴾: أي: جاءهم ما لا يشكون في أنه حق قالوا: إن الله الذي جئت به ﴿لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾: ظاهر، قال لهم موسى: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا﴾.
قال الأخفش: أسحر هذا: حكاية لقولهم.
وقيل: إن الألف دخلت، لأنهم تعجبوا، واستعظموا ما أتاهم به موسى،
فقالوا: أسحر هذا على الاستعظام، لا على الاستخبار.
وقيل: إن السحر من قوم موسى مُنْكر على فرعون وملته إذ قالوا: هذا سحرٌ.
وفي الكلام حذف.
والتقدير: قال موسى: ﴿أَتقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَآءَكُمْ أَسِحْرٌ هذا﴾: فقولهم محذوف دلَّ عليه قول موسى على طريق الإنكار لما قالوا: ﴿وَلاَ يُفْلِحُ / الساحرون﴾: أي: لا ينجحون.
﴿اأَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا﴾: أي: لتصرفنا، وقيل: لتلوينا.
وقيل: لتعدلنا.
والمعنى متقارب.
﴿عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾: من عبادة الأصنام.
﴿وَتَكُونَ لَكُمَا الكبريآء﴾: أي: الملك وقيل: السلطان.
وقال الضحاك: الطاعة، وقيل: العظمة.
والمعاني متقاربة.
﴿وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ﴾: أي: بمصدقين أنكما رسولان لله عز وجل.
بسم الله الرحمن الرحيم
صلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم أول الرابع والعشرين بحول الله.
قوله تعالى: ﴿وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائتوني بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾.
والمعنى: إنه الملعون، قال لقومه، جئوني بكل ساحر عليم بالسحر.
ومن قرأ " سحَّار " فعلى المبالغة.
قوله: ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ يعني: من حبالهم، وعصيهم، وفي الكلام اختصار، والمعنى: فأَتَوْه بالسحرة ﴿فَلَمَّا جَآءَ السحرة﴾ فرعون بفعلهم ﴿قَالَ لَهُمْ موسى أَلْقُواْ مَآ أَنتُمْ مُّلْقُونَ﴾ ﴿فَلَمَّآ أَلْقُواْ﴾ أي: ألقَوْا حبالهم وعصيهم.
قال موسى: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾ من استفهم جعل " ما " في موضع
نصب، كما تقول: أزَيْداً مررت به، أو في موضع رفع بالابتداء.
و " جئتم به ": الخبر، ومعناه: التوبيخ والتقصير لما جاؤوا به.
السحر على إضمار مبتدأ: أي: هُوَ السحْرُ، أو على إضمار خبر، أي: أسحر هو.
ومن قرأ بغير استفهام " فما " بمعنى: " الذي " في موضع رفع بالابتداء.
والسحر: الخبر.
وهو خبر عن قول موسى لهم، وهو الاختيار.
لأن موسى قد عَلِمَ أنهم لا شيء عندهم إلا السحر، وأن فرعون بعث وراء السحرة في سائر البلدان.
فاستفهام موسى عما أتوا به، هل هو من سحر لا معنى له: وقد احتج اليزيدي بقراءة أبي عمرو بالمد بقوله: " آسِحْرٌ " هذا وهذا منه غلط عند
النحويين، لأن موسى استفهم بقوله: آسِحْرٌ، عن سحر السحرة، فهو استرشاد.
وفيه معنى النهي لهم عن ذلك.
واستفهم بقوله: أٍحر هذا عما جاء هو به من عند الله عز وجل، على معنى التوبيخ، والتقرير لهم.
وفيه معنى الدعاء لهمز ليقلبوه، فبينما بعد في المعنى، ودخلت الألف واللام لتقدم ذكر السحر في قوله: ﴿أَسِحْرٌ هذا﴾ [يونس: 77] وعلى هذا يقال في أول الكتب: سلام عليك، وفي الآخر: والسلام عليك، وكذلك لو قال قائل: " وجدت درهماً " فسألته عن موضع الدرهم لقلب: " وأين الدرهم، ويُفْتَح " وأين درهم.
وأجاز الفراء نصب السحر على أن تجعل " ما " شرطاً، وتحذف الفاء من " أن ". وذلك لا يجوز إلا في الشعر.
ومعنى ﴿سَيُبْطِلُهُ﴾: أي: سيذهب به الله.
فذهب به تعالى بأن سلط عليه عصا موسى، فحولها ثعباناً، فلقفته كله.
﴿إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين﴾ أي: عمل من سعى بالفساد في الأرض، ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ﴾: وقف على قراءة من استفهم، و (السحر): وقف على قراءة من لم يستفهم.
ثم قال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ الله الحق بِكَلِمَاتِهِ﴾: هذا إخبار من الله عز وجل عن قول موسى للسحرة.
والمعنى: ويثبت الحق الذي جئتم به.
﴿بِكَلِمَاتِهِ﴾: أي: بأمره، ﴿وَلَوْ كَرِهَ المجرمون﴾: أي: ولو كره الذين اكتسبوا الإثم بمعصيتهم ربهم.
قوله / ﴿فَمَآ آمَنَ لموسى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ﴾ إلى قوله ﴿مِنَ القوم الكافرين﴾.
والمعنى: أنه لم يؤمن لموسى، صلوات الله عليه، من قومه مع ما جاءهم به من الحجج إلا ذرية من قومه، وهم خائفون من فرعون وملإهم.
قال ابن عباس: الذرية في هذا الموضع القليل، وكذلك قال الضحاك.
وقال مجاهد: إن المعنى ما آمن لموسى إلا أولاد من أرسل إليهم، والمرسل إليهم هلكوا غير مؤمنين، وذلك لطول الزمان.
وهو اختيار الطبري.
ورُوي عن ابن عباس أيضاً (من قوم فرعون) قال: وهم قوم من قوم فرعون، غير بني إسرائيل، منهم ارمأة فرعون، ومومن آل فرعون، وخازن فرعون، وامرأته خازنه.
وقال بعض أهل اللغة: إنما قيل لهم " ذُرِيَّةَ "، لأن آباءهم قِبْطٌ، وأمهاتهم من بني إسرائيل.
كما قال لأبناء الفرس الذين أمهاتهم من العرب، وآباؤهم من الفرس أبناء.
وقوله تعالى: ﴿وَمَلَئِهِمْ﴾: بالجمع: الضمير راجع إلى فرعون، لأن الجبار يخبر عنه بلفظ الجمع.
وقيل: إنه إنما فعل ذلك، لأن فِرْعَون لما ذكر، علم أن معه غيره فعاد الضمير
عليه، وعلى من تَضَمَّنَ الكلام ذكره.
وقيل: المعنى على خوفٍ من فرعون وملتهم.
ثم حذف مثل: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: 82].
وقال الأخفش: الضمير يعود على الذرية، وهو اختيار الطبري، ومعنى: ﴿يَفْتِنَهُمْ﴾: أي: يفتنهم بالعذاب فيصدهم عن دينهم.
ووَحَّدَ على الخبر عن فرعون، لأن الخَبَر عنه يدل، على أن قومه يفعلون مثل فعله.
﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الأرض﴾: أي: لجبار متكبر.
﴿وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين﴾ أي: من " المتجاوزين الحق إلى الباطل ".
ثم قال تعالى: ﴿وَقَالَ موسى ياقوم إِن كُنتُمْ آمَنتُمْ بالله فَعَلَيْهِ توكلوا﴾ أي: فوضوا الأمر إليه إن كنتم آمنتم (ولا تخافون من آل فرعون) ﴿إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ * فَقَالُواْ على الله تَوَكَّلْنَا﴾ " أي: به وثقنا "، وهذا يدل على أن التوكل على الله عز وجل في جميع الأمور
واجب، وأنه من كمال الإيمان.
وقد قال الله عز وجل: ﴿ لِلَّذِينَ آمَنُواْ وعلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشورى: 36]، وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3]، أي: فهو كافيه.
قال ابن عباس: الذرية القليل.
قال مجاهد: الذرية، يعني: أولاد الذين أرسل إليهم موسى من طول الزمان، وقد مات آباؤهم.
قال ابن عباس: كانوا ست مائة ألف.
" وذلك أن يعقوب ركب إلى مصر من كنعان في اثنين وسبعين إنساناً فتوالدوا بمصر حتى بلغوا ست مائة ألف ".
قال الفراء: بلغنا أن الذرية الذين آمنوا كانوا سبعين، أهل بيت.
ثم قالوا: ﴿رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلْقَوْمِ الظالمين﴾: أي: لا تظهرهم علينا، فيفتتنوا بذلك، ويظنوا أنهم خير منا، فيزدادوا طغياناً.
وقيل: المعنى: لا تسلطهم علينا
فيفتنونا.
وقال مجاهد: المعنى: لا تعذبنا بأيدي قوم فرعون، ولا بعذاب من عندك.
فيقول قوم فرعون: لو كانوا على حق ما عذبوا، ولا سلطنا عليهم.
وكذلك قال ابن جريج.
وقال ابن زيد: المعنى " لا تَبْتَلِنا " ربنا فتجهدنا، وتجعله فتنة لهم "
﴿وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين﴾: يعنون قوم فرعون.
قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءَا لِقَوْمِكُمَا إلى قوله - الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾:
المعنى: / " اتخذا لقومكما بمصر بيوتاً ": ﴿واجعلوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ أي: " مساجد تصلون فيها "، لأنهم كانوا يَفْرَقون من فرهون، وقومه أن يصلوا.
فقال
لهم: اجعلوا بيوتكم مساجد حتى تصلوا فيها.
قال النخعي: خافوا، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم.
(وعن ابن عباس، قال مجاهد: كانوا لا يصلون إلا في البيع خائفين، فأُمروا أن يصلوا في بيوتهم).
وعن ابن عباس: (واجعلوا بيوتكم قبلة): يعني: قِبَل الكعبة.
وقيل: كان فرعون أمر بهدم الكنائس، فأمروا أن يجعلوا بيوتهم مساجد، يصلون فيها سِرّاً.
قال مجاهد: مِصْرُ هنا الإسكندرية.
وقال ابن جبير: المعنى: واجعلوا بيوتكم يقابل بعضها بعضاً.
﴿وَأَقِيمُواْ الصلاة﴾، أي: بحدودها.
﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾: هذا (خطاب) للنبي صلى الله عليه وسلم، أي: وبشر مُقيمي الصلاة بالثواب الجزيل.
ثم قال تعالى حكاية عن قول موسى أنه قال: ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً﴾، ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾: المعنى: إنه لما آل أمرهم إلى هذا كان كأنه إنما أتاهم ذلك للضلال.
وأصل هذا اللام لام كي، وقيل هي لام العاقبة.
وقيل: هي لام الفاء، أي: فكان لهم ذلك، لأنه قد تقدم في علمه تعالى ذلك.
وقيل: المعنى: لئلا يضِلُّوا وحذفت " لا " كما قال: ﴿يُبَيِّنُ الله لَكُمْ أَن تَضِلُّواْ﴾ [النساء: 176]. وهذا القول لا يحسن، لأن العرب لا تحذف لا إلا مع " أن ". ومعنى الآية:
أن موسى قال: يا رب إنك أعطيت فرعون، وعظماء قومه، وأِرافهم (زينة): يعني من متاع الدنيا وأثاثها (وأموالاً) يعني من الذهب والفضة.
﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّواْ عَن سَبِيلِكَ﴾، أي: أعطيتهم ذلك ليضلوا، ثم دعا عليهم موسى، فقال: ﴿رَبَّنَا اطمس على أَمْوَالِهِمْ﴾، أي: اذهبها، وغيرها، واجعلها حجارة.
قال قتادة: جعل زرعهم حجارة.
قال مقاتل " جُعلت دنانيرهم، ودراهيمهم حجارة منقوشة، كهيئتها على ألوانها، لتذوب، ولا تلين، فجعل الله سكرهم حجارة.
قال قتادة: تحول زرعهم، وكذلك قال الضحاك.
وقال ابن عباس: (اطمس عليها: أي: دمِّرها، وأهلِكْهَا.
وكذلك قال مجاهد.
واشدد على قلوبهم): أي: حتى لا تنشرح للإيمان، فلا تؤمن.
وقال مجاهد: اشدد عليها بالضلالة.
قال ابن عباس: استجاب الله عز وجل من موسى، فحال بين فرعون وملئه، وبين الإيمان حتى أدركه الغَرق، فلم ينفعه الإيمان.
والعذاب الأليم في هذه الآية: الغرق.
قوله: ﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ قال المبرد: موضعه موضع نصب، وليس بدعاء.
وهو معطوف على " ليضلوا " وهو قول الزجاج.
وقال الكسائي، وأبو عبيدة: هو دعاء في موضع جزم.
وقال الأخفش، والفراء: هو جواب الدعاء في موضع نصب، مثل: إلى سليمان فَنستريحا - البيتَ -.
فقال تعالى لهما: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما﴾: هذا خطاب لموسى، وهارون، لأن موسى كان يدعو، / وهارون يؤمن.
وقيل: إنَّه خِطَابُ موسى، خطاب الاثنين لغة العرب.
وقوله: ﴿دَّعْوَتُكُمَا فاستقيما﴾: يدل على أن ذلك لموسى وهارون عليهما السلام: فالداعي موسى، والمؤمن هارون، والمؤمن داع أيضاً، لأنه يقول: اللهمَّ استجب فهو داع بإجابة الذي دعا موسى.
وكان بين الإجابة ودعاء موسى
أربعون سنة.
وقوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ﴾ من خفف " النون " فهو على النفي، لا على النهي.
والرواية عن ابن ذكوان بالتخفيف: يزيد عند القرَّاء تخفيف التاء، وهو وجه الرواية.
غير أنا لم نقرأ إلا بتخفيف النون دون التاء.
ومعنى: ﴿فاستقيما﴾ أي: اثبتا على دعاء فرعون، وقومه إلى الإيمان.
قال ابن جريج: مكث فرعون بعد هذه الآية أربعين سنة.
ومعنى: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ﴾: أي: يجهلون حقيقة وعيد الله ( عز وجل) .
قوله: ﴿وَجَاوَزْنَا ببني إِسْرَائِيلَ البحر فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ﴾ إلى قوله: ﴿لَغَافِلُونَ﴾.
ومن قرأ " إنه " بكسر الهمزة، فعلى الابتداء.
وتقدير الكلام: آمنت بالذي كنت به مكذباً.
ثم ابتدأ: إنه لا إله إلا الله.
وقيل: المعنى: صرتُ مؤمناً.
ثم قال: " إنه مستأنفاً.
وقال أبو حاتم: القول محذوف، والتقدير، قال: آمنتُ فقلت: إنه ومن فتح فمعناه: آمنت بأنه، " فأن " في موضع نصب بحذف الخافض.
وعلى مذهب الكسائي في موضع خفض بتقدير الخافض.
والمعنى: وقطعنا ببني إسرائيل البحر،