الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ﴾.
" الهاء " لمسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقال الشعبي: هي لمسجد قُباء.
وكذلك قال شَهْرَ بْنُ حَوْشَب.
فعلى هذا يجوز أن يكون الضميران مختلفين، وأن يكونا متفقين.
وقوله: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ﴾.
مدحوا، لأنهم كانوا يستنجون بالماء من الغائط والبول، لا خلاف في هذا التفسير بين أهل التفسير.
قال قتادة: " لما نزلت هذه الآية، قال النبي صلى الله عليه وسلم، لأهل قُباء: إنّ الله قد أحسن عليكم الثناء في الطهور، فما تصنعون؟ قالوا: إنا نغسل عنّا أَثر الغائط والبول ".
قوله: ﴿أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ وقف، إن جعلت الضمير مخالفاً للضمير الأول: فإن جعلته مثله وقفت على: ﴿يَتَطَهَّرُواْ﴾.
قوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ﴾، الآية.
قرأ نصر بن علي: " أَسَسُ بُنْينِه "، بتخفيف السين ورفعه، وخفض البنيان.
وحكى أبو حاتم عن بعض القراء: " أفمن أساس بُنْيَنِهِ "، برفع أساس، وخفض البنيان.
و" أسَسُ " و " أُسُّ " سواء ك: عَرَبٍ وعُرْب.
و " أساسٌ " واحد، وجمعه: أُسُس.
وحكى أبو حاتم، أيضاً، قراءة أخرى: " أفمن أسس بنيانه " برفع " آساس " ومده، وخفض البنيان، وهو جمع " أُسّ " ك: " خُفٍ " و " أَخَفَافٍ " والكثير " إسَاسٌ " ك " خِفَاف ".
و ﴿جُرُفٍ﴾، و ﴿جُرُفٍ﴾ لغتان، وهو شفير ما ينفى من جُوُف
الوادي إذا أخذه السيل.
قال أبو حاتم: أصل ﴿هَارٍ﴾: هاورُ، ثم قل، ك: شاكي السلاك وشائك السلاح.
وحكى الكسائي: " تَهَوّر " و " تَهَيَّر ". والهائر المتقدم.
وحكى: هَارَيَهُورُ ويَهيرُ ويهار.
ومعنى الآية: أنها مثل.
والمعنى: / أيُّ هذين الفريقين خير؟ وأي هذين
البناءين خير وأثبت؟ من ابتدأ أساس نبيانه على طاعة الله، أم من ابتدأ على ضلال وخطأ من دينه؟
قوله: ﴿فانهار [بِهِ]﴾.
يحسن أن تكون الألف من " واو " أو " ياء " على ما تقدم.
قال ابن عباس: [﴿بِهِ فانهار﴾]، يعني قواعده ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
وذُكر أنه حفرت بقعة منها، فرئي الدخان.
قال ابن جريج: (فلما فرغوةا من بناء المسجد، صلوا فيه ثلاثة أيام، وأنهار اليوم الرابع ﴿فِي نَارِ جَهَنَّمَ﴾.
قال ابن جريج: ذكر لنا أنَّ رجلاً حفر فيه، فأبصر
الدخان يخرج منه.
وقال جابر: رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قوله: ﴿لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذي بَنَوْاْ رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾.
والمعنى: ولا يزال مسجدهم الذي بنوه، شكَّا في قلوبهم ونفاقاً، ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، أي: إلا أن تصدع قلوبهم فيموتوا.
قال ابن عباس: ومجاهد: ﴿إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾، إلا أن يموتوا.
وقال السدي ﴿رِيبَةً﴾: كفراً.
وفي حرف عبد الله: (ولو قطعت قلوبهم).
وقيل المعنى: إلا أن يتوبوا عما فعلوا، فيكونون بمنزلة من قطع قلبه.
قوله: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾.
قوله: ﴿أَنفُسَهُمْ﴾: استغنى بأقل الجمع عن الكثير، والمراد الكثير، ولفظه لفظ القليل، وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا النفوس زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: 7] فهذا لفظه ومعناه سواء لأكثر العدد.
ومن قرأ: ﴿فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾، فبدأ بالمعفول.
قيل: الفاعل بمعناه فيُقْتل بعضهم، ويقتل بعضهم الباقي المشركين.
والعرب تقول: نحن قتلناكم يوم كذا، أي: قتلنا منكم.
قوله: ﴿وَعْداً﴾، مصدر مؤكد، و ﴿حَقّاً﴾ نعن له.
والمعنى: وعدهم الله الجنة وعداً حقاً عليه.
قال ابن عباس: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ [وَأَمْوَالَهُمْ] بِأَنَّ لَهُمُ الجنة﴾، قال: ثامنهم والله، وأعلى لهم.
" ورُوي أن عبد الله بن رواحة قال للنبي صلى الله عليه وسلم: اشترط لربك ولنفسك ما شئت.
فقال النبي عليه السلام: اشترط لربي: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي: أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأموالكم.
فقالوا: فإذا فعلنا ذلك فماذا لنا؟ قال: الجنة.
قالوا: ربح البيع، لا نُقيل ولا نستقيل ".
فنزلت: ﴿إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ﴾، الآية.
ثم مدحهم الله، عز وجل، فقال: ﴿التائبون العابدون﴾، أي: هم التائبون.
وقال الزجاج: هو بدل.
والمعنى: يقاتل التائبون.
وقال: والأحسن أن يرتفعوا بالابتداء والخبر محذوف، أي: لهم الجنة.
وفي قراءة عبد الله: ﴿التائبون العابدون﴾، على النعت للمؤمنين، في موضع خفض، أو في موضع نصب على المدح.
وقيل: ﴿التائبون﴾ مبتدأ، وما بعدها إلى " الساجدين " عطف عليه، و ﴿الآمرون﴾ خبر الابتداء، أي: مرهم بهذه الصفة، فهم {الآمرون بالمعروف والناهون عَنِ المنكر
والحافظون لِحُدُودِ الله}.
ومعنى ﴿التائبون﴾: الراجعون مما يكرهه الله عز وجل، إلى ما يحبه.
وقال الحسن: ﴿التائبون﴾، أي: عن الشرك، ﴿العابدون﴾، الله وحده في أحايينهم كلها، أي: في أعمارهم.
ومعنى ﴿الحامدون﴾، الذين يحمدون الله على ما ابتلاهم به من خير وشر.
وقيل المعنى: الذين حمدوا الله على الإسلام.
ومعنى ﴿السائحون﴾: الصائمون روي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وكذلك قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، والضحاك.
وأصل السياحة: الذهاب في الأرض.
﴿الراكعون الساجدون﴾، يعني: في الصلاة المفروضة.
﴿الآمرون بالمعروف﴾، أي: بالإيمان بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام.
/ ﴿والناهون عَنِ المنكر﴾، عن الشرك ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾، أي: العاملون بأمر الله عز وجل، ونهيه سبحانه.
﴿وَبَشِّرِ المؤمنين﴾.
أي: بشر من آمن، وفعل هذه الصفات من التوبة والعبادة وغيرهما، وإن لم يغزوا.
وقال الحسن في هذه الآية: ﴿العابدون﴾: الذين عبدوا الله عز وجل، في أحايينهم كلها، أما والله ما هو بشهر ولا شهرين ولا سنة ولا سنتين، ولكن كما قال العبد الصالح: ﴿وَأَوْصَانِي بالصلاة والزكاة مَا دُمْتُ حَيّاً﴾ [مريم: 31].
قال: و ﴿السائحون﴾ الصائمون.
وقال: ﴿الآمرون بالمعروف﴾، أما والله، ما أمروا بالمعروف، حتى أمروا به أنفسهم، ولا نهوا عن المنكر، حتى نهوا عنه أنفسهم، ﴿والحافظون لِحُدُودِ الله﴾، قال: هم القائمون على فرائض الله.
قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، إلى قوله: ﴿حَلِيمٌ﴾.
والمعنى: ما ينبغي للنبي صلى الله عليه وسلم، والمؤمنين: ﴿أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانوا أُوْلِي قربى﴾ منهم، ﴿مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الجحيم﴾، أي: من بعد ما ماتوا على شركهم بالله سبحانه، وقد قضى القرآن (أنّ) من مات على الشرك، أنَّه من أهل النار.
وهذه الآية نزلت في شأن أبي طالب، أراد النبي عليه السلام، أن يستغفر له بعد موته، فنهاه الله، عز وجل، عن ذلك.
وروى الزهري عن ابن المسيب عن أبيه، أنه قال: " لما حضرت أبا طالبٍ الوفاة، دخل عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وعنده أبو جهل، وعبد الله بن أمية: يا عم، قل: لا إله إلا الله، كلمة أُحاجُّ لك بها عند الله.
فقال أبو جهل وعبد الله: يا أبا طالب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه، حتى قال آخر شيءٍ تكلم به: أنا على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرنَّ لك ما لم أُنه عنك.
فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾ "، الآية، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص: 56]، الآية.
الزهري عن ابن المسَيَّب قال: لما أحتضر أبو طالب أتاه النبي عليه السلام، وعنده عبد الله بن أبي أمية، وأبو جهل بن هشام، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقاً، وأحسنهم يداً، لأنت أعظم من والدي، فقل كلمة تجب لي يوم القيامة بها الشفاعة لك، قل: لا إله إلا الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟
فسكت، فأعادها عليه رسول الله، فقالا له: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ ومات.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: والله لأستغفرنَّ له ما لم أُنه عن ذلك، فأنزل الله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ﴾، الآية.
وقال مجاهد قال المؤمنون: ألا نستغفر لآبائنا، وقد استغفر إبراهيم لأبيه كافراً؟ فأنزل الله عز وجل: ﴿ وَمَا كَانَ استغفار إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ﴾، الآية.
وقال عمرو بن دينار: قال النبي عليه السلام، استغفر إبراهيم لأبيه وهو مشرك، فلا أزال أستغفر لأبي طالب حتى ينهاني الله عنه.
فقال أصحابه: فلنستغفرن لآبائنا كما استغفر النبي عليه السلام، لعَمِّه، فأنزل الله، عز وجل: ﴿ مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمنوا﴾، إلى: ﴿حَلِيمٌ﴾.
وقيل: نزلت في أُمِّ رسول الله عليه السلام أراد أن يستغفر لها، فمنع من ذلك.
رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قدم مكة، وقف على قبر أُمه حتى سَخِنَت عليه الشمس، رجاء أن يُؤْذن له فيستغفر لها/، حتى نزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ﴾، الآية قال ذلك ابن
عباس، وغيره.
ولم يختلف أهل العلم في الدعاء للأبوين ما دام حيين، على أيّ دين كانا، يدعى لهما بالتوفيق والهداية، فإذا ماتا على ك فرهما لم يستغفر لهما.
رُوي أن الآية نزلت في أبوي النبي عليه السلام، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم، سأل جبريل، عليه السلام، عن قبر أبويه، فأرشده إليهما، فذهب إليهما، فكان يدعو لهما، وعلي رضي الله عنهـ، يُؤَمِّنُ، فنهي عن ذلك، وأُعلم أنّ إبراهيم، صلوات الله عليه، إنما أستغفر لأبيه؛ لأن أباه وعده أن يُسْلِمَ، ويترك عبادة الأصنام، فكان إبراهيم يستغفر له طمعاً أن يؤْمن، فلما مات على كفره، تبرأ منه.
و" المَوْعِدَةُ " التي وعد إبراهيم أبوه هو أنه وعده أن يؤمن.
وقيل: بل هي كانت من إبراهيم لأبيه وعده أن يستغفر له، حكى الله عنه أنه قال: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ ربي﴾ [مريم: 47]، فلزمه إتمام وعده.
وقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ للَّهِ﴾.
فنهى الله، عز وجل، عن الاستغفار له تبرؤاً منه.
وقيل: لما مات على كفره تبرأ منه.
[فدل قوله: ﴿تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾] على هذا المعنى، أنه (إنما) استغفر له وهو حي لوعد وعده، أنه يؤمن، فلما رآه لا يؤمن، وأنه متماد على الكفر تبرأ منه.
وقيل: لما مات على كفره، (ولم يؤمن)، تبرأ منه، وترك الاستغفار له، قال ذلك ابن عباس، وغيره.
وقال ابن جبير: إنما تبرأ منه في الآخرة، وذلك إنَّ إبراهيم عليه السلام يسأل في والده يوم القيامة ثلاث مرات، فإذا كانت الثالثة، أخذ بيده، فليتفت إليه، فيتبرأ منه.
و" الأَوَّاهُ " الدَّعَّاء.
وقيل: الرحيم.
قال ذلك قتادة، والحسن، وروي ذلك عن ابن مسعود.
وعن ابن عباس: أنَّه: الموفق، بلسان الحبشة، (وكذلك قال مجاهد وعطاء.
وعن ابن عباس أيضاً: " الأوّاه " بلسان الحبشة)، المؤمن التواب.
وقال كعب: " الأوَّاهُ " الذي إذا ذكر النار تأوّه.
وعن ابن جبير: أنه المُسبِّحُ، الكثير الذكر لله عز وجل.
وروي ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم.
وروي عن النبي، أنه قال لرجل: " يرحمك الله إن كنت لأواهاً " يعني
تلاءً للقرآن.
وقال كعب " الأوَّاه " الكثير التَّأوُّهِ.
وعن مجاهد أيضاً: أنه الفقيه ..
وروى شَدَّاد بن الهادي، قال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم،: ما لأواه فقال: المتضرع.
وفي حديث آخر: الخاشع المتضرع.
ومعنى ﴿حَلِيمٌ﴾، أي: حليم عمن ظلمه.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم، أيضاً " الأوّاه "، الدَّعّاء.
وقال ابن مسعود.
وأصل " التأوه ": الترجُّع والتوجع بحزنه.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ﴾، إلى قوله: ﴿مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
المعنى: ما كان الله ليضلكم بالاستغفار للمشركين، بعد إذ هداكم للإيمان، حتى يتقدم إليكم بالنهي عن ذلك، وبيِّنه لكم فتتقوه ﴿إِنَّ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ أي: ذو علم بجميع الأشياء.
﴿إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والأرض﴾.
أي: له سلطان ذلك، لا رادّ لأمره، يحيي من يشاء، ويميت من يشاء، كل عبيده، وفي قبضته، فلا تجزعوا من قتال أعدائكم.
وهذا حض من الله على ما تقدم من ذكر القتال.
﴿وَمَا لَكُمْ مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ﴾.
أي: ليس لكم من ينصركم من عذاب الله إن خالفتم/ أمره فأراد بكم سوءاً.
قوله: ﴿لَقَدْ تَابَ الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾، إلى قوله: ﴿هُوَ التواب الرحيم﴾.
قوله: ﴿مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ﴾، رفع القلوب عند سيبويه بـ: ﴿يَزِيغُ﴾، و ﴿كَادَ﴾، فيها إضمار الحديث.
ويجوز أن ترفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، ويكون التقدير: من بعد ما كاد قلوب فريق منهم تزيغ.
وقال أبو حاتم: من قرأ: ﴿يَزِيغُ﴾ بالياء، لا يجوز أن يرفع القلوب بـ: ﴿كَادَ﴾، وهو جائز عند غيره على تذكير الجمع.
والمعنى: لقد رزق الله رسوله الإبانة إلى أمره، ورزق المهاجرين وذراريهم
وعشيرتهم الإنابة إلى أمره، ورزق الأنصار ذلك، ﴿الذين اتبعوه فِي سَاعَةِ العسرة﴾ وهي غزوة تبوك، خرجوا في حر شديد، فاشتد عليهم العطش، فكانوا ينحرون إبلهم، ويعصرون كروشها، ويشربون ماءها، فهي العسرة التي لحقتهم، قال ذلك عمر ابن الخطاب رضي الله عنهـ، فسأل أبو بكر النبي عليه السلام، أن يدعو، فدعا، فأمطروا فشربوا وملأوا ما معهم.
قال عمر: ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
وكانوا أيضاً في قلة من الظَّهر وقلة من مال.
قال مجاهد: أصابهم جَهْد شديد، حتى إنَّ الرجلين يشقان التمرة بينهما.
وقوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا﴾.
أي: ليثبتوا على التوبة، كما قال: ﴿يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ آمِنُواْ بالله﴾ [النساء: 136]، أي: اثبتوا على الإيمان.
وقيل: المعنى: ثم فسخ عليهم، ولم يعجل عقابهم ليتوبوا.
وقيل المعنى: ثم وفقهم الله للتوبة.
يقال: " تاب الله عليه "، أي: دعاه إلى التوبة، و " تاب عليه "، أي: وفقه للتوبة، و " تاب عليه " قَبِل توبته.
وقوله: ﴿وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: 6].
أي: وإما يوفقهم للتوبة.
وأصل التوبة في اللغة، الرجوع عما كان عليه.
وهي تكون بثلاث شرائط: الندم على ما كان منه، والإقلام عن المعصية، وترك الإصرار.
﴿والأنصار﴾ وقف.
ثم قال: ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾.
أي: وتاب على الثلاثة الذين خُلِّفُوا، فلم يفعلوا فعل أبي لُبابة وأصحابه، إذ ربطوا أنفسهم في السواري، وقالوا: لا نَطْعم ولا نَحُل حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم، هو
يحلنا بتوبة من الله والثلاثة الآخرون الذين أرجأ أمرهم المؤمنون، فقال قوم: هلكوا، وقال قوم: عسى الله أن يتوب عليهم.
قال عكرمة وقتادة: خُلِّفُوا عن التوبة.
وقرأ عكرمة: " خَلَفُوا " أي: أقاموا بِعَقِبِ رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال محمد بن عرفة نفطوية: خلفوا عن أن يكونوا منافقين، ويعتذروا فيعذبوا؛ لأنهم صدقوا، ولم يأتوا بعذر كذب.
وقرأ جعفر بن محمد: " خَالَفُوا ".
قوله: ﴿حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأرض بِمَا رَحُبَتْ﴾.
أي: بسعتها، غمًّا منهم وندماً على تخلفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ﴿ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ﴾.
أي: بما نالهم من الكرب ﴿وظنوا أَن لاَّ مَلْجَأَ﴾، أي: أيقنوا أنه لا ملجأ من الله، أي: لا مهرب، ولا مستغاث منه، ﴿إِلاَّ إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ليتوبوا﴾، أي: لينيبوا إليه،
ويرجعوا إلى طاعته، ﴿إِنَّ الله هُوَ التواب الرحيم﴾ أي: هو الوهّاب لعباده الإنابة إليه، ﴿الرحيم﴾، بهم، أن يعاقبهم بعد التوبة على ما سلف منهم قبل/ التوبة.
والثلاثة هم: كعب بن مالك، وهلا ل بن أمية، ومُرارة بن ربيعة، كلهم من الأنصار.
وفي رواية: مُرارة بن الربيع.
وفي أخرى: مُرارة بن ربْعي.
وقال ابن جبير: ربيعة بن مرارة، وهلال بن أمية، وكعب بن مالك.
وكان قد تخلف عن رسول الله عليه السلام، في غزوة تبوك بضع
وثمانون رجلاً، فلما رجع أتاه قوم، منهم الثلاثة الذين ذكروا في الآية، فصدقوه حديثهم واعترفوا بذنوبهم، وأتاه الباقون، فكذبوا وحلفوا واعتذروا، فوكل أمرهم إلى الله عز وجل، وقال لأولئك الذين صدقوا: قُوما حتى يقضي الله فيكم، فنزل القرآن بتوبتهم، فقال: ﴿وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ﴾، الآية [التوبة: 102]، وقال: ﴿وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ﴾، الآية.
قال كعب بن مالك: أتى، المخلفون فاعتذروا، فقبل منهم النبي صلى الله عليه وسلم، ووكل سرائرهم إلى الله، عز وجل، وجئت إليه فرأيته يبتسم تبسم المُغْضَب، ثم قال تعالى، فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، وكنت لما سمعت بقدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم، حضرني بَثِّي على التخلف، فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بما أخرج من سخطه غداً؟ فلما قدم النبي عليه السلام، زال عني الباطل حين عرفت أني لم أنج منه بشيء أبداً، فلما جلست بين يديه، قال لي: ما خَلَّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال: فقلت: يا رسول الله والله إنِّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سَخَطِه بعذر، لقد
أُعطيت جدلاً.
ولكني والله لقد علمت أني لئن حدثتك اليوم بحديثٍ كذبٍ ترضى به عني، ليوشكنَّ الله أن يسخط علي، ولئن حدثتك حديث صدق، وتجد علي فيه، إني لأرجو عفو الله، والله ما كان لي عذر، ولله ما كنت قَطُّ أقوى ولا أيْسَر مني حين تخلفت عنك.
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمَّا هذا فقد صدق، قم حتى يقضي الله فيك.
فقمت، وفعل رجلان مثل ما فعلت، وكانا قد شهدا بدراً، فكا لي فيهم أُسوة.
وأخذ الناس يقولون: ألا اعتذرت كما اعتذر غيرك، ثم تستغفر لك رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزالوا بي (حتى) كدت أرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فأُكذِّب نفسي.
ثم نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن كلامنا الثلاثة من بين من تخلف عنه.
فاجتنبنا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرت إلى نفسي الأرض، فما هي بالأرض التي كنت أعرف.
فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمَّا صاحباي فاستكَنَّا وقعدا في بيوتهما يبكيان،
وأما أنا فكنت أشَبَّ القوم وأجلَدهم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة، وأطوفُ الأسواق ولا يكلمني أحد، وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو في مجلسه، فأسلم عليه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرك شتيه برد السلام؟ ثم أفكر في غيكره، ثم أبكي قريباً منه وأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتي نظر إلي، وإذا التفت نحوه أعرض عنِّي، ثم أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم، باعتزال أهلي عند تمام أربعين ليلة في حديث طويل.
فلم يزل حتى نزلت توبته بعد خمسين ليلة مع توبة صاحبيه.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين﴾.
والمعنى: يا أيها الذين صدَّقوا بالله ورسوله، ﴿اتقوا الله﴾، أن تخالفوه، ﴿وَكُونُواْ﴾، في الآخرة ﴿مَعَ الصادقين﴾ /، أي: مع النبي عليه السلام، وأصحابه.
كذلك، قال زيد بن أسلم، والضحاك، وابن جبير.
قال الضحاك: ﴿مَعَ الصادقين﴾، مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
وقال ابن جريج: مع المهاجرين الصادقين.
وتأويل ذلك عند ابن مسعود: أن يَصْدُقوا في قولهم، وأنَّه نهي عن الكذب.
وكان يقرأ: " وكونوا مع الصادقين ".
قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾.
يعني: في غزوة تبوك.
أي لا ينبغي لهم ذلك، ولا ينبغي لهم [أن ﴿يَرْغَبُواْ بِأَنْفُسِهِمْ] عَن نَّفْسِهِ﴾ في الجهاد.
وإنما لم يكن لهم ذلك؛ لأنهم ﴿لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ﴾، في سفرهم، أي: عطش، ﴿وَلاَ نَصَبٌ﴾، أي: تعب: ﴿وَلاَ مَخْمَصَةٌ﴾، أي مجاعة ﴿فِي سَبِيلِ الله﴾، عز وجل: أي: في إقامة دين الله سبحانه ﴿وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئاً يَغِيظُ الكفار﴾، أي: لا يطئون أرضاً ﴿يَغِيظُ الكفار﴾، وطؤهم [إياها] ﴿وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً﴾، أي: في أنفسهم وأموالهم وأولادهم، ﴿إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، بذلك كله ثواب عمل صالح، ﴿إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين﴾، أي: يجازيهم على أعمالهم.
وهذه الآية مخصوصة للنبي عليه السلام، لم يكن لأحد أن يتخلف عنه إلا من عذر.
فأما الآن فبعض الناس يحمل عن بعض.
قاله قتادة.
وقال ابن زيد: كانت إذا كان المسلمون قِلة فرضاً، فلما كثروا نسخها: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، فأباح التخلف لمن شاء.
وقال الطبري معنى الآية: ما كان لأهل المدينة الذين تخلفوا، ولا لمن حولهم من الأعراب الذين تخلفوا، أن يفعلوا ذلك، ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه.
و" النَّيل " مصدر: " نالني [ينالني] نَيْلاً "، فأنا " مَنِيلٌ ".
وليس هو من " التَّنَاولِ "، لأن " التناول " من " النَّوَالِ " يقال منه: " نُلْتُ، أَنُولُ "، من العطية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً﴾.
أي: في سبيل الله وإظهار دينه ﴿وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِياً إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ﴾، أي: كتب لهم أجر عملهم ﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله﴾، أي: فعل ذلك ليجزيهم أحسن عملهم، أي: يجزيهم جزاء كأحسن ما يجزيهم على أحسن أعمالهم التي كانوا يعملونها وهم مقيمون في منازلهم.
قوله: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ إلى قوله: ﴿مَعَ المتقين﴾.
المعنى: لم يكن لهم ليفعلوا ذلك، فظاهره خبر ومعناه نهي، أي: ما كان لهم أن يفعلوا ذلك، أي: لا يفعلوه، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعث قوماً، ليعلموا الناس الإسلام، فلما نزل قوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾، الآية، رجع أولئك من البوادي إلى النبي عليه السلام، خشية أن يكونوا ممن تخلف عنه.
فأنزل الله، عز وجل، عذرهم: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾، وكره انصرافهم من البادية إلى المدينة، قال ذلك مجاهد.
ثم قال تعالى: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، هَلاَّ أتى للخروج من
هؤلاء الذين يعلمون الناس ﴿مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، ويبقى الباقون ليتفقه أهل البوادي في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ﴾، أي: يخبرونهم بما تعلموا ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾، مخالفة أمر الله، سبحانه.
وقال ابن عباس المعنى: ما كان المؤمنون لينفروا في غزوهم جميعاً، ويتركوا نبيهم عليه السلام، ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾، يعني: السرايا، فلما رجعت السرايا، ونزل بعدهم قرآن، تعلمه القاعدون من النبي عليه السلام، قالوا للسرايا: إن الله عز وجل، قد أنزل على نبيكم عليه السلام، قرآنا بعدكم/ وقد تعلمناه.
فتمكث السرايا يتعلمون مما أنزل بعدهم، ويمضي الآخرون الذين كانوا مقيمين للسرايا، فذلك قوله:
﴿لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدين﴾.
فمعنى الكلام: فهلاَّ نفر من كل فرقة طائفة لتيفقه المتخلفون في الدين ﴿وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ﴾، أي: ليعلم القاعدون القادمين من السرايا ما تعلموا في مغيبهم، وهو قول قتادة.
وقال: هذا في الجيوش أمره الله [أن] لا يُعَرُّوا نبيهم عليه السلام، وأن تقيم طائفة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، تتفقه في الدين وتنطلق طائفة تدعو قومها إلى الله سبحانه، فإذا رجعوا علمهم المقيمون ما نزل بعدهم.
ومثل ذلك قال الضحاك.
وعن ابن عباس أيضاً: أنها ليست في الجهاد، ولكن لما دعا النبي عليه السلام، [على مُضر]
بالسنين أجدبت بلادهم، فكانت القبيلة منهم تُقبل بأسرها إلى المدينة يعتلون في إقبالهم بالإسلام وليس كذلك، إنما بهم الجَهْد الذي نزل بهم، فأخبر الله، عز وجل، نبيه عليه السلام، أنهم ليسوا من المؤمنين، وأنهم لو كانوا مؤمنين ما أتوا بأجمعهم، ولكن يأتي بعضهم يتفقه في الدين، ويعود فينذر من بقي لعله يحذر ما حرم الله سبحانه، فإتيانهم بجماعتهم يدل على أنهم إنما أتوا من أجل الجَهْد لا من أجل الإيمان.
وقال عكرمة: إنما هو تكذيب للمنافقين، وذلك أنه لما نزل: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله﴾، الآية، قال المنافقون: هلك من تخلف، فألحقوا من عذره الله في التخلف بمن لم يعذره الله سبحانه، فأنزل الله عز وجل، عذراً ثانياً لمن تخلف من الأعراب بعذر، فقال ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾.
وقال الحسن: المعنى: لتتفقه الطائفة الغائبة، بما يؤيدهم الله عز وجل، من
الظهور على المشركين، وينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم.
أي: يخبر الغائبون في الجهاد الحاضرين، بما فتح الله عز وجل، عليهم فيزداد إيمانهم، وهو اختيار الطبري.
قال: تتفقه الطائفة النافرة بما ترى من نصر الله عز وجل، ﴿ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رجعوا إِلَيْهِمْ﴾ أي: يخبرونهم بما فتح الله سبحانه عليهم فيحذرونهم أن ينزل بهم بأس الله، سبحانه.
ف: " قومهم " على هذا القول: من بقي من أهليهم مشركين، يحذرونهم ليؤمنوا، وهو قول الحسن.
وهذا الآي دليل على جواز قبول خبر الواحد.
وقد رُوي: أنها نزلت في أعرابٍ قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، المدينة فَعَلَوْا الأسعار، وملأوا الطرق بالعَذِرَة فنزلت: ﴿فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ﴾.
ثم قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار﴾.
والمعنى: أنَّها تحضيض من الله، عز وجل، للمؤمنين، أن يبدأوا بقتال الأقرب فالأقرب من الكفار، والغلظة عليهم.
والمراد به يومئذ: الروم، لأنهم كانوا سكاناً بالشأم، والشأم أقرب إلى المدينة من العراق.
والفرض على أهل [كل] بلد أن يقاتلوا من يليهم دون الأبعد منهم، إلا أن يضطروا إلى ذلك، فيقاتلون الأبعد دون الأقرب.
وقد سئل ابن عمر عن قتال الروم والدَّيْلَم.
فقال: الروم أولى.
وكذلك قال الحسن.
قوله: ﴿واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين﴾.
أي: وأيقنوا أن الله عز وجل، معكم عند قتالكم لهم ما اتقيتموه.
قوله: ﴿وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿يَذَّكَّرُونَ﴾.
والمعنى: وإذا ما أنزل الله عز وجل، سورة من القرآن، فمن المنافقين من يقول: أيكم أيها الناس، زادته، / هذه السورة إيماناً؟
أي: تصديقاً بالله وآياته، قال الله عز وجل، عن نفسه، ﴿فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾.
أي: وأما الذين آمنوا من الذين قيل لهم ذلك، ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾، السورة ﴿إِيمَاناً﴾، وهم يفرحون بما أعطاهم الله عز وجل، من الإيمان واليقين.
ومعنى زيادة الإيمان هنا: أنهم قبل نزول السورة لم يكن لزمهم فرض ما في السورة التي نزلت.
فلما نزلت قبلوها والتزموا ما فيها من فرض، فذلك زيادة في إيمانهم الأول.
وقال الربيع: ﴿فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً﴾، أي: خشية.
﴿وَأَمَّا الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾.
أي: شك في دين الله، سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ﴾ السورة إذا نزلت، ﴿رِجْساً إلى رِجْسِهِمْ﴾، أي: كفراً إلى كفرهم، وذلك أنهم شكوا في أنها من عند الله، سبحانه، ولم يؤمنوا بها، فازدادوا كفراً على كفرهم المتقدم، ﴿وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، أي: بالله، سبحانه، وآياته، جلت عظمته.
قوله: ﴿أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ﴾.
من قرأ بالياء، فهو توبيخ لهم، والمعنى: أو لا يرى هؤلاء المنافقون ذلك؟
ومن قرأ بالتاء، فمعناه: أو لا ترون، أيها المؤمنون، ما ينزل بهم في كل عام؟
ومعنى ﴿يُفْتَنُونَ﴾، يختبرون في بعض الأعوام مرة، وفي بعضها مرتين، ﴿ثُمَّ﴾، هم مع البلاء الذي يحل بهم ﴿لاَ يَتُوبُونَ﴾ من نفاقهم وكفرهم، ولا يذكرون ما يرون
من الحجج لله، عز وجل، فيتعظون بها.
و" الاختبار " هنا، قيل: بالجوع والجدب.
وقال قتادة، والحسن: يختبرون بالغزو والجهاد.
وقيل: إنه هو ما كان يُشيعَ المشركون من الأكاذيب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فيفتتن بذلك من في قبله مرض.
وقال حذيفة: كنا نسمع كذبة أو كذبتين، فيفتتن بها فئام من الناس.