الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
وقوله: ﴿مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة﴾ [التوبة: 120]، الآية، نَسَخَتْهَا (أيضاً) التي بعدها: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَآفَّةً﴾ [التوبة: 122]،.
وكذلك نسخت: ﴿إِلاَّ تَنفِرُواْ يُعَذِّبْكُمْ﴾، الآية.
قوله: ﴿إِلاَّ تَنصُرُوهُ﴾، الآية.
﴿ثَانِيَ اثنين﴾: نصب على الحال.
وقال على بن سليمان: نصبه على المصدر، والمعنى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾، فخرج ﴿ثَانِيَ اثنين﴾.
مثل: ﴿والله أَنبَتَكُمْ [مِّنَ الأرض [نَبَاتاً]﴾ [نوح: 17].
. . .
ومعنى الآية: أنها إعلام] من الله لأصحاب النبي عليه السلام، أن الله، عز وجل، قد تكفل بنصره على أعدائه في كل وقت، وحين: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الذين كَفَرُواْ﴾ يعني: قريشاً، مفرداً مع صاحبه أبي بكر، ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ﴾، يعني [النبي] عليه السلام، يقول لأبي بكر: ﴿لاَ تَحْزَنْ﴾، ذلك أن أبا بكر خاف من أن يعرف مكانه، فمكث النبي عليه السلام، وأبو في الغار ثلاثة أيام.
والغار بجبل يسمى: " ثوراً ".
وكان عامر بن فهيرة في غنم لأبي بكر بـ: " ثور " هذا، يروح بتلك الغنم على النبي صلى الله عليه وسلم، بالغار، وكان أبو بكر قد أرسله بتلك الغنم إلى " ثور " قبل خروجه مع
النبي صلى الله عليه وسلم عدة.
قال أبو بكر رضي الله عنهـ: " بينا أنا مع النبي صلى الله عليه وسلم، [ في الغار] وأقدام المشركين فوق رؤوسنا، فقلت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم الله، لو أن أحدهم رفع قدمه أبصرنا، قال: " يَا أَبَا بَكْرٍ، مَا ظَنُّكَ بِاثْنَينِ اللهُ ثَالِثُهُما ".
والمعنى: الله ثالثهما، بالحفظ والكلاءة والمنع منهما.
وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، هذا مع أبي بكر سُنَّةٌ لكل من خاف من أمر لا قوام له به، أن يفر منه، ولا يُعرّض نفسه إلى ما لا طافة له به، اتباعاً لفعل نبيه، عليه السلام، ولو شاء الله، عز جل، أن يسكنه معهم، ويُعمي أبصارهم عنه لفعل، ولو شاء لمشى بين أيديهم ولا يرونه، ولو شاء أن يهلكهم بما أرادوا أن يفعلوا لفعل، ولم يكن ذلك عليه عزيزاً،
ولكن أراد [الله] تعالى، أن يبلغ الكتاب أجله، ولتستنَّ بفعله صلى الله عليه وسلم، أمتهُ بعده.
وفي فعل النبي صلى الله عليه وسلم، وأبي دليلٌ على فساد قول من قال: من خاف شيئاً سوى الله عز وجل، لم يوقن بالقدر.
فحذر أبي بكر من أن يراهم المشركون دليل على الحذر من قدر الله، عز وجل، لم يوقن بالقدر.
فقال ذلك، رضي الله عنهـ، إشفاقاً على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يُنَالَ بأذى أو يُفْتَنَ هو في دينه إن قدر عليه، فخف من ذلك، مع علمه أنّ الله عز وجل، بالغ أمره فلي كل ما أراد.
وقال الله حكاية عن موسى، عليه السلام.
﴿فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً موسى﴾ [طه: 67] ﴿قُلْنَا لاَ تَخَفْ﴾
[طه: 68].
وقوله: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾.
أي: [على] أبي بكر، والنبي عليه السلام، لم تفارقه السكينة قط.
والسكينة: الطمأنينة من السكون.
وقد قيل: إنَّ " الهاء " تعود على النبي صلى الله عليه وسلم.
والأول أحسن؛ لأن النبي عليه السلام، معصوم من ذلك، على أنه قد قال تعالى: ﴿فَأَنزَلَ الله سَكِينَتَهُ على رَسُولِهِ وَعَلَى المؤمنين﴾ [الفتح: 26]، وذلك أن النبي عليه السلام، خاف على المؤمنين يوم حنين لما اضطربوا، فلما أيد الله عز وجل، المؤمنين بنصره، سكن خوف النبي/ صلى الله عليه وسلم، عليهم.
وقوله: ﴿وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا﴾.
" الهاء " عائدة على النبي صلى الله عليه وسلم.
أي: قوّاه بالملائكة.
﴿وَجَعَلَ كَلِمَةَ الذين كَفَرُواْ السفلى﴾.
أي: قهر الشرك وأذله.
﴿وَكَلِمَةُ الله هِيَ العليا﴾.
أي: كذلك هي، ولم تزل كذلك.
وقرأ علقمة، والحسن، ويعقوب: " وكلمة الله " بالنصب، وهو بعيد من وجوه.
أحدهما: أن الرفع أبلغ؛ لأنها لم تزل كذلك، والنصب يدل على أنها جُعلت كذلك بعد أن لم تكن علياً.
وَبَعيدٌ أيضاً: من أنه يلزم أن يقال: " وَكَلِمَتَهُ هي العُلْيَا "، لأنه لا يجوز في الكلام: " أَعْتَقَ زَيْدٌ غُلاَمَ أبي زَيْدٍ " والثاني هو الأول.
وزعم قول إن إظهار الضمير في هذا حسن؛ لأنّ فيه معنى التعظيم، ولأن المعنى لا يشكل، وليس بمنزلة زيد ونحوه الذي يشكل، قال: وهو مثل ما أنشد سيبويه:
لاَ أرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
ومثل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الأرض زِلْزَالَهَا﴾ [الزلزلة: 1] ﴿وَأَخْرَجَتِ الأرض أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: 2].
﴿والله عَزِيزٌ﴾.
أي: عزيز في انتقامه من أهل الكفر، ﴿حَكِيمٌ﴾، في تدبيره.
قال نافع: ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ الله﴾، وقف، وهو بعيد، لأن ﴿إِذْ﴾، قد عمل فيها: ﴿نَصَرَهُ﴾.
﴿السفلى﴾، وقف حسن إن رفعت ﴿وَكَلِمَةُ الله﴾، وإن نصبت، كان الوقف: ﴿العليا﴾.
﴿وَجَعَلَ﴾ في هذا الموضع بمعنى: " صيَّر " ويلزم المعتزلة أن يجعلوها بمعنى " خَلقَ " وهم لا يفعلون ذلك.
لأنهم يقولون: كفر الكافر ليس بخلق الله عز وجل، ثم
يقولون في قوله: ﴿جَعَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ [الزخرف: 3]، معناه: خلقناه، فيجعلون " جعل " بمعنى " خلق " في هذا الموضع، ويمتنعون منه في هذا الموضع الآخر.
و" جعل " يكون:
بمعنى " صَيّرَ ".
وبمعنى: " سَمَّى ".
وبمعنى " خَلََقَ ".
فإذا كانت بمعنى: " صَيَّرَ " تعدت إلى مفعولين وكذلك إذا كانت بمعنى: " سمّى " كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآناً﴾.
وإذا كانت بمعنى: " خَلَقَ " تعدت إلى مفعول واحد، كقوله):
﴿وَجَعَلَ الظلمات والنور﴾ [الأنعام: 1].
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابن مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50] هي بمعنى: " صيَّر " تعدت إلى مفعولين وهما: ﴿ابن﴾، و ﴿آيَةً﴾.
و ﴿كَلِمَةُ الله﴾، في هذا الموضع: لا إله إلا الله.
قوله تعالى: ﴿انفروا خِفَافاً وَثِقَالاً﴾، إلى قوله: ﴿لَكَاذِبُونَ﴾.
المعنى في قول الحسن: ﴿انفروا﴾، شباناً وشيوخاً، وهو قول عكرمة، وأبي صالح.
ورُوي عن أبي طلحة: ﴿انفروا﴾، شباناً وكهولاً، وكذلك قال الضحاك، ومقاتل بن حيان.
وروى سفيان، عن منصور عن الحكم ﴿انفروا﴾: مشاغيل وغير مشاغيل.
وعن أبي صالح أنَّ المعنى ﴿انفروا﴾، أغنياء وفقراء.
وعن ابن عباس وقتادة ﴿انفروا﴾، نشاطاً وغير نِشاط.
وقال الأوزاعي المعنى ﴿انفروا﴾، [ركباناً ومشاة.
وفيه قول سابع قاله ابن زيد أن المعنى ﴿انفروا﴾]: من كان ذا ضَيْعَةٍ ومن [كان] غير ذي ضَيْعة، ف " الثقيلُ " الذي له ضيعة يكره أن يتكر ضيعته، و " التَّخْفِيفُ ": الذي لا ضيعة عنده تمنعه من الخروج.
وفيه قول ثامن مرويٌّ عن الحسن أنَّ المعنى: في العُسْر واليسر.
وفيه قول تاسع قاله زيد بن أسلم: أنَّ المعنى " الثقيل ": الذي له عيال، و " الخفيف ": الذي لا عيال له.
وقد قيل: إنّ هذه الآية منسوخة بقوله: ﴿وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ [كَآفَّةً]﴾، [التوبة: 122].
وقل: هي محكمة.
أمر الله أصحاب النبي عليه السلام بالخروج معه على كل حال.
﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾.
أي: ابذلوهما في الجهاد.
﴿ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ﴾.
أي: في معادكم وعاجلكم وآجلكم، فالعاجل: الغنيمة، والآجل: الأجر والرضى من الله، عز وجل.
ثم قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً وَسَفَراً قَاصِداً لاَّتَّبَعُوكَ﴾.
وذلك أن جماعة استأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، إذ خرج إلى تبوك في التخلف/ والمُقام،
فأذن لهم، فقال له الله، عز وجل، ﴿لَوْ كَانَ عَرَضاً قَرِيباً﴾، أي: غنيمة حاضرة، ﴿وَسَفَراً﴾: قريباً، ﴿لاَّتَّبَعُوكَ﴾، ولم يتخلفوا عنك.
﴿ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾.
[و ﴿ولكن بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشقة﴾: الغاية التي يقصد إليها.
قال أبو عبيدة: ﴿الشقة﴾: المشقة].
فالمعنى: ولكن استنهضتهم إلى مكان بعيد، فشق ذلك عليهم، فسألوك في التخلف.
وقوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بالله لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾.
أي: سيحلف هؤلاء لكم بالله، إنهمه لو قدروا لخرجوا معك، وذلك منهم كذب.
﴿يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾.
أي: يوجبون لها بالتخلف والكذب، والهلاك والغضب في الآخرة.
﴿والله يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾.
في أعتذارهم.
قوله: ﴿عَفَا الله عَنكَ﴾، إلى قوله: ﴿بالمتقين﴾.
" النون " من: ﴿عَنكَ﴾، وحيث ما سكنت مع " الكاف " وأخواتها خرجت بغُنّة من الخياشيم.
والمعنى: ﴿عَفَا الله عَنكَ﴾، يا محمد، ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم.
وقيل المعنى: إنه افتتاح كلام بمنزلة: " أصلحك الله " و " أعزك الله ".
وقال الطبري: هذا عِتابٌ من الله، عز وجل لنبيه عليه السلام، في إذنه لمن أذن لهه من المنافقين في التخلف عنه في غزوة تبوك، حتى يعلم الصادق منهم من الكاذب في
قولهم: ﴿لَوِ استطعنا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ﴾، فيعلم من له عذر ومن لا عذر له، فيتبين لك الصادق من الكاذب، ويكون إذنك على علم بهم.
ثم أرخص الله، عز وجل، له الإذن في سورة " النور " فقال: ﴿فَإِذَا استأذنوك لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَن لِّمَن شِئْتَ مِنْهُمْ﴾ [النور: 62].
قال بعضُ المفسرين: اثنين فعل رسول الله عليه السلام، لم يؤمر فيهما بشيء: إذنه للمنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، وأخذه من الأسارى الفداء.
ومن قال هو افتتاح كلام، وقف على: ﴿عَفَا الله عَنكَ﴾.
ومن قال هو عتاب، لم يقف عليه.
وقال محمد بن عرفة نفطويه: ذهب ناس إلى [أنّ] النبي صلى الله عليه وسلم مُعاتبٌ بهذه الآية، وحاشاه من ذلك، بل كان له أن يفعل وأن لا يفعل حتى ينزل عليه الوحي، كما قال: " لَوْ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِي مَا اسْتَدْبَرْتُ لجَعَلْتُهَا عُمْرةً "؛ لأنه كان له أن يفعل وأن لا يفعل، وقد قال له الله: ﴿تُرْجِي مَن تَشَآءُ مِنْهُنَّ وتؤوي إِلَيْكَ مَن تَشَآءُ﴾ [الأحزاب: 51]، لأنه كان له أن يفعل ما شاء، فلما كان له أن يفعل ما شاء مما لم ينزل عليه فيه وحي، واستأذنه المتخلفون في التخلف واعتذروا، اختار أيسر الأمرين تكرماً وتفضلاً منه، صلى الله عليه وسلم، فأبان الله، عز وجل أنه لو لم يأذن لهم لأقاموا، للنفاق الذي في قلوبهم، وإنهم كاذبون في إظهار الطاعة له والمشاورة.
ف: ﴿عَفَا الله عَنكَ﴾، عنده افتتاح كلام، أعلمه الله عز وجل، به أنه لا حرج عليه فيما فعل من الإذن، وليس هو عفواً عن ذنب، إنما هو أنه تعالى أعلمه أنه لا يلزمه بترك.
الإذن لهم، كما قال عليه السلام: " عَفَا اللهُ لَكُمْ عَنْ صَدَقَةِ الخَيْلِ والرَّقِيقِ وَمَا وَجَتَا قَطُّ " ومعناه: ترك أن يلزمكم ذلك.
قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله﴾ الآية.
أجاز سيبويه في: ﴿أَن يُجَاهِدُواْ﴾، أن تكون ﴿أَن﴾: في موضع جر عكلى حذف الجار، قال: لأنَّ حذف حرف الجر جائزٌ مع ظهور " أن "، ألا ترى أنك لو جعلت مع " أنْ " والفعل: المصدر، لم يجز حذف الجر، لا يجوز: " لايستأذنك القوم/ الجهاد "، حتى تقول: " في الجهاد " ويجوز ذلك مع " أن ".
ومعنى ذلك أن الله عز وجل، أعلم نبيه عليه السلام، بسيما المنافقين وأن من علاماتهم الاستئذان في التخلف لئلا يجاهدوا في سبيل الله، ومن علامات المؤمنين أنهم لا يستأذنون في ذلك.
وقيل العنى: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾ في القعود عن الجهاد.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ [بالله] واليوم الآخر﴾.
أي: في القعود، يدل على ذلك قوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ ائذن﴾، أي: في القعود.
وقوله: ﴿وارتابت قُلُوبُهُمْ﴾.
يعني المنافقين الذين يستأذنون في التخلف أي: وشكت قلوبهم في الله عز وجل، وفي ثوابه وعقابه، سبحانه، فهم في شكهم ﴿يَتَرَدَّدُونَ﴾، أي: يتحيرون، لا يعرفون حقاً من باطل.
رُوي عن عكرمة، والحسن: أن قوله: ﴿لاَ يَسْتَأْذِنُكَ الذين يُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر﴾، إلى: ﴿فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾، نسختها الآية التي في " النور ": ﴿إِنَّمَا المؤمنون الذين آمَنُواْ بالله وَرَسُولِهِ﴾ إلى: ﴿غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُواْ الخروج لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾.
والمعنى: ولو أراد هؤلاء الذين استأذنونك في التخلف الخروج معك،
﴿لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً﴾، أي: لتأهّبوا للسفر.
﴿ولكن كَرِهَ الله انبعاثهم﴾.
أي: خروجهم.
﴿فَثَبَّطَهُمْ﴾.
أي: فثقّل عليه الخروج، حتى استحسنوا القعود، وسألوا فيه.
﴿وَقِيلَ اقعدوا﴾.
أي: زيَّن لهم ذلك.
ف: ﴿اقعدوا مَعَ القاعدين﴾، أي: مع المرضى والضعفاء الذين لا يجدون ما ينفقون، ومع النساء والصبيان.
والذين استأذنه هو: عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان مثله.
والفاعل المحذوف من: " ﴿وَقِيلَ﴾، ذُكر أنه النبي صلى الله عليه وسلم، لأنه هو سمح لهم في
التخلف.
ويجوز أن يكون المعنى: وقال لهم أصحابهم هذا.
قوله تعالى: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم﴾ الآية.
المعنى: لو خرج هؤلاء فيكم، ﴿مَّا زَادُوكُمْ﴾ بخروجهم ﴿إِلاَّ خَبَالاً﴾ أي: فساداً ﴿ولأَوْضَعُواْ خِلاَلَكُمْ﴾، أي: ولأسرعوا بركائبهم للسير فيكم.
و" الإيضاع ": ضرب من الإسراع في الخيل والإبل.
وكتبت: ﴿ولأَوْضَعُواْ﴾ بألف زائدة.
وكذلك: ﴿أَوْ لأَاْذبَحَنَّهُ﴾ [النمل: 21].
وكذلك: ﴿لإِلَى الجحيم﴾ [الصافات: 68].
والعلة في ذلك: أنّ الفتحة كانت تكتب قبل العربي الفاً، فكتبت هذه الحروف على ذلك الأصل، جعلوا للفتحة صورة فزادوا الألف التي بعد اللام، والألف الثانية هي صورة الهمزة.
ومعنى ﴿خِلاَلَكُمْ﴾، فيما بينكم، وهي الفُرَجُ تكون بين القوم في الصفوف.
وقال أبو إسحاق معنى ﴿خِلاَلَكُمْ﴾: فيما يخل بكم، أي: يسرعوا فيما ينقصكم.
﴿يَبْغُونَكُمُ الفتنة﴾.
أي: يبغونها لكم، أي: يطلبون ما تفتنون به.
وقيل ﴿الفتنة﴾ هنا: الشرك.
قال ابن زيد: سلّى الله عز وجل، نبيه صلى الله عليه وسلم، بهذه الآية في تخلف المنافقين عنه، فأخبره أنهم ضررٌ لا نفع فيهم.
وقوله: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾.
أي: فيكم، يا أصحاب محمد، من يستمع حديثكم ليخبرهم بذلك، كأنهم
عيون للمنافقين.
كذلك قال: مجاهد والحسن وابن زيد.
وقال قتادة المعنى: وفيكم من يستمع كلامهم ويطيعهم، فلو صحبوكم أفسدوهم عليكمك.
﴿والله عَلِيمٌ بالظالمين﴾.
أي: ذو علم بمن يقبل من كلام المنافقين، ومن يؤدي إليهم أخبار المؤمنين، وبغير ذلك.
قوله: / ﴿لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ/ لَكَ الأمور﴾، إلى قوله: ﴿بالكافرين﴾.
المعنى: لقد التمس هؤلاء المنافقون لأصحابك، يا محمد، ﴿الفتنة﴾، أي:
خبالهم وصدهم عن دينهم ﴿مِن قَبْلُ﴾، أي: من قبل أن ينزل عليك أمرهم وكشف سرهم واعتقادهم ﴿وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور﴾، أي أجالوا فيك وفي إيطال ما جئت به الرأي ﴿حتى جَآءَ الحق﴾، أي: نصر الله: ﴿وَظَهَرَ أَمْرُ الله﴾، أي دينه وهو الإسلام، ﴿وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، لذلك.
ثم أخبر الله عز وجل، عن المنافقين أن منهم من يقول للنبي صلى الله عليه وسلم: ﴿ ائذن لِّي﴾، أي: ائذن لي يا محمد، في المُقام ولا أخرج معك، ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تبتلني برؤية نساء بني الأصفر وبناتهم، فإني بالنساء مغرمٌ، فآثم بذلك.
قال مجاهد: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " اغزوا تبوك، تغنموا بنات الأصفر ونساء الروم " فقال بعض المنافقين: ائذن لي، ولا تفتني بالنساء.
وقال قتادة معنى: ﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾، أي: لا تؤثمني، بالتخلف عنك بغير رأيك، ائذن لي في المُقام.
قال ابن عباس: قال الجد بن قيس للنبي صلى الله عليه وسلم، لما حضّ على غزو الروم: قد علمت الأنصار أنى إذا رأيت النساء لم أصبر حتى أفتتن، ولكني أعينك بمالي.
ففي الجد بن قيس نزلت الآية.
وقوله: ﴿أَلا فِي الفتنة سَقَطُواْ﴾.
أي: ألا في الإثم وقعوا، ومنه هربوا في زعمهم.
﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بالكافرين﴾.
أي: مُحدقةٌ بهم، جامعةٌ لهم يوم القيامة.
﴿وَلاَ تَفْتِنِّي﴾: وقف حسن.
قوله: ﴿إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
والمعنى: إن يصبك يا محمد، سرورٌ وفتح، ساء المنافقين ذلك، وإن يصبك نقص في جيشك أو ضر، أو هزيمة، يقول المنافقون: ﴿قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا [مِن قَبْلُ]﴾، أي: أخذنا الحذر بتخلفنا ﴿مِن قَبْلُ﴾ أي: من قبل أن تصيبهم هذه المصيبة، ﴿وَيَتَوَلَّواْ وَّهُمْ [فَرِحُونَ]﴾، أي: يُدْبروا عن محمد صلى الله عليه وسلم، [ وهم]: فرحون بما أصابه.
ثم قال: ﴿قُل﴾، يا محمد، لهؤلاء المنافقين: ليس ﴿يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾، أي: في اللوح المحفوظ، وقضاه علينا: ﴿هُوَ مَوْلاَنَا﴾ أي ناصرنا، ﴿وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون﴾.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم: ﴿هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ إِحْدَى الحسنيين﴾، أي إحدى الخلّتين اللتين هما أحسن من غيرهما، إما الظفر والأجر والغنيمة، وإما القتل والظفر بالشهادة، والفوز بالجنة، والنجاة من النار.
﴿وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ الله بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾، أي: بعقوبة عاجلة، تهلككم: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾، أي: يسلطنا عليكم فنقتلكم.
قال ابن جريج: ﴿بِعَذَابٍ مِّنْ عِندِهِ﴾: بالموت، ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾: بالقتل.
﴿فتربصوا إِنَّا مَعَكُمْ مُّتَرَبِّصُونَ﴾.
أي: فانتظروا إنا معكم منتظرون، أي: ننتظر ما الله فاعل بكم، وما إليه يصير كل فريق منا ومنكم.
قوله: ﴿قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿وَهُمْ كافرون﴾.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾، يا محمد لهؤلاء المنافقين: أنفقوا أموالكم كيف شئتم، طائعين أو كارهين، فإنها لا تقبل منكم، إذ أنتم في شك من/ دينكم، خارجون عن الإيمان بذلك.
وخرج قوله: ﴿أَنفِقُواْ﴾، مخرج الأمر، ومعناه الخبر، وإنما تفعل العرب ذلك في الموضع الذي يحسن فيه " إنْ " التي للجزاء، [و] منه قوله تعالى: ﴿استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80]، لفظه لفظ الأمر، ومعناه الجزاء، والجزاء خبر، ومنه قول كثير:
أسيئ بِنَا أوْ أحْسِني، لاَ مَلُومَةً ... لَدَيْنَا وَلاَ مَقْلَّيةً إِنْ تَقلَّتِ.
فالمعنى: إن تنفقوا طائعين أو كارهني فلن يقبل منكم.
وجاز أن يقع لفظ الأمر بمعنى الخبر، كما جاز أن يقع لفظ الخبر بمعنى الطلب والأمر، تقول: " غَفَرَ اللهُ لِزَيْدٍ " معناه: الطلب والدعاء، ولفظه لفظ الخبر، والمعنى: " اللهم اغفر لزيد ".
وهذه الآية نزلت في الجدّ قيس، لأنه لما عرض النبي عليه السلام [عليه] الخروج، سأل المقام، واعتذر بأنه لا يصبر إذا رأى النساء، وأنه يفتتن، ثم قال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذا مالي أعينك به.
ثم أخبر الله تعالى بالعلة التي من أجلها لم تقبل نفقاتهم، فقال: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ﴾، أي: بأن تقبل، ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ﴾، " أنّ " في
موضع رفع، أي: ما منعهم من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا كفرهم.
وأجاز الزجاج، أن تكون " أَنَّ " في موضع نصب، على معنى: إلا لأنَّهم كفروا، ويكون الفاعل مضمراً في ﴿مَنَعَهُمْ﴾، والتقدير ومامنعهم الله من أن تقبل منهم نفقاتهم إلا لأنهم كفروا.
ويجوز عند سبيويه، أن تكون في موضع جر، على تقدير حذف الخافض.
ومن قرأ: ﴿أَن تُقْبَلَ﴾ بـ: " الياء "، رده على معنى الإنفاق، لأنه والنفقات سواء.
فالذي منعهم من القبول هو كفرهم بالله، عز وجل، وبرسوله عليه السلام، وإتيانهم الصلاة وهم كسالى عنها؛ لأنهم لا يرجون بها ثواباً، ولا يخافون بالتفريط فيها عقاباً، إنما يقيمونها مخافة على أنفسهم رياء، وأنهم لا ينفقون شيئاً من أموالهم ﴿إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ﴾، إذ لا يرجون ثوابه.
ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم﴾.
أي: لا تعجبك، يا محمد، أموالهم ولا أولادهم، إنما يريد الله، يا محمد ليعذبهم بها في الآخرة.
وقوله: ﴿فِي الحياوة الدنيا﴾، يريد به التقديم.
والمعنى: ولا تعجبك يا محمد، أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة، هذا قول ابن عباس، وقتادة وغيرهما.
وقال الحسن: ليس في الكلام تقديم ولا تأخير، إنما المعنى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الله لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياوة الدنيا﴾، أي: بما ألزمهم فيها من أخذ الزكاة والنفقة في
سبيل الله، عز وجل، وهو اختيار الطبري.
على معنى: أنهم يخرجونها تقيةً وخوفاً، ويقلقهم عزمها، ويحزنهم خروجها من أيديهم، فهي لهم عذابٌ.
وقال ابن زيد المعنى: ﴿لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الحياوة الدنيا﴾، أي: بالمصائب فيها، فهي لهم إثم، والمصائب للمؤمنين أجر.
﴿وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون﴾.
أي: تخرج وهم على كفرهم.
قال أبو حاتم: ﴿وَلاَ أولادهم﴾، وقف كاف.
فمن قال: في الكلام تقديم وتأخير، لم يجز الوقف.
ومن قال: ليس فيه تقديم ولا تأخير، حسن الوقف على: ﴿وَلاَ أولادهم﴾.
و ﴿فِي الحياوة الدنيا﴾، ليس بتمام؛ لأن ﴿وَتَزْهَقَ﴾، معطوف عليه.
قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بالله إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ﴾.
والمعنى، / أن هؤلاء المنافقين يحلفون لكم، أيها المؤمنون، ﴿إِنَّهُمْ لَمِنكُمْ﴾، يعني في الدين والملة.
قال الله عز وجل، مكذباً لهم: ﴿وَمَا هُم مِّنكُمْ﴾، أي: ما هم من أهل ملتكم ودينكم، ﴿ولكنهم قَوْمٌ يَفْرَقُونَ﴾، أي: يخافونكم، فيقولون بألسنتهم ما لا يعتقدن خوفاً منكم، لئلا تقتلوهم.
ولو يجد هؤلاء المنافقون ﴿مَلْجَئاً﴾، أي: حصناً يتحصنون فيه منكم، ﴿أَوْ مَغَارَاتٍ﴾، وهي: الغيران في الجبل، ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾: أي: سرباً في الأرض يدخلون فيها.
﴿لَّوَلَّوْاْ إِلَيْهِ﴾، أي لأدبروا، هرباً منك: ﴿وَهُمْ يَجْمَحُونَ﴾، أي: يُسرعون في مشيهم.
و " الجَمْحُ ": مَشي بين مشيين يقال: فرس جَمُوحٌ، إذا كان لا يرده في دفعه لجِامٌ، ولكنهم لا يقدرون على ذلك، لأن دورهم ودراريهم وعشيرتهم تمنعهم من ذلك، فصانعوا بالنفاق، ودافعوا به عن أنفسهم وأموالهم، يَدَّعونَ الإيمان ويبطنون الكفر.
قال ابن عباس: " المَلْجَأُ " الحِرْزُ في الجبل.
وقال: ﴿أَوْ مُدَّخَلاً﴾ ذهاباً في الأرض، وهو النفق في الأرض يعني السِّربُ.
وواحد المغارات: " مغارة "، من: غار الرجل في الشيء: إذا دخل فيه.
وأجاز الأخفش: " مُغارات "، من: " أَغَارَ يُغِيرُ "، كما قال:
الحَمْدُ للهِ مُمْسَانَا ومُصْبَحَنَا ... . . . . . . . . . . . . . . . . .
وواحدها " مغارة " وجمعها " مغاور ".
وَقَأ عيسى بن عمر، والأعمش: " أوْ مُدَّخَّلاً " بتشديد " الدال " و " الخاء "، والأصل فيه: مُتَدَخَّل على وزن: مُتَفَعَّل، ومعناه: دخول بعد دخول.
وَقَرأَ الحسن، وابن أبي إسحاق، وابن محيصن: ﴿مُدَّخَلاً﴾ من دخل.
وحكى أبو إسحاق: ﴿مُدَّخَلاً﴾ بالضم، من " أدخل.
وفي حرف أُبيّ: " مُدَخَّلاً " بتخفيف " الدال " وتشديد " الخاء ".
ثم أخبر نبيه عليه السلام، أن من المنافقين من يلمزه في الصدقات، أي: يعيبه بها، ويطعن عليه فيها.
يقال: " لَمَزه يَلْمِزُهُ، ويَلْمُزُهُ "، لغتان.
والضَّمُّ: قراءة الأعرج، وقد رواها شبل عن ابن كثير.
و " الهُمَزَة اللُّمَزَة ": العياب للناس.
وقيل: " الهُمَزَةُ ": الذي يشير بعينه، و " اللُّمَزَة ": الذي يعيب في السر.
وقوله: ﴿فَإِنْ أُعْطُواْ مِنْهَا رَضُواْ﴾.
أي: إن أعطيتهم من الصدقات رضوا عنك، فإن لم تعطهم منها سخطوا، [فليس] عيبهم لك إلا ن أجل أنك منعتهم منها.
قال مجاهد: ﴿يَلْمِزُكَ﴾: يروزك، يسألك فيها.
وقال قتادة: ﴿يَلْمِزُكَ﴾، يطعن عليك.
قال ابن زيد: قال المنافقون: والله ما يعطيها محمد إلا من أحبَّ، ولا يؤثر بها إلا
هواه، فنزلت الآية.
ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوْاْ مَآ آتَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ﴾.
أي: ولو أن هؤلاء المنافقين، الذين يلمزونك في الصدقات، رضوا ما أعطاهم الله ورسوله، ﴿وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله﴾، أي: كافينا الله، ﴿سَيُؤْتِينَا الله مِن فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ﴾، أي: سيعطينا الله من فضل خزائنه، ورسوله من الصدقات وغيرها، ﴿إِنَّآ إِلَى الله رَاغِبُونَ﴾، في أن يوسع علينا من فضله، فيغنينا عن الصدقات.
قوله: ﴿إِنَّمَا الصدقات لِلْفُقَرَآءِ والمساكين والعاملين عَلَيْهَا﴾، الآية.
﴿فَرِيضَةً﴾: نصب على المصدر.
ومعنى الآية في قول عكرمة: أنها ناسخة لكل صدقة في القرآن.
فقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ والمساكين﴾.
قال مجاهد، وعكرمة، والزُّهري، وجابر بن زيد: / " الفقير ": الذي لا يسأل و " المسكين ": الذي يسأل.
وقال ابن عباس: " المسكين ": الطواف، و " الفقير ": فقير المسلمين.
وقال قتادة " الفقير ": المحتاج الذي به زمانه، و " المسكين ": الصحيح المحتاج.