الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
قوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السماوات [والأرض]﴾، الآية.
احتج من خفف ﴿يُغْشِي﴾، بقوله: ﴿فَأغْشَيْنَاهُمْ﴾ [يس: 9].
واحتج من شدد بقوله: ﴿فَغَشَّاهَا مَا غشى﴾ [النجم: 54]، وبأن التشديد يوجب التكرير، وكذلك هو فعل يتكرر ويتردد، وذلك أن كل يوم دخل ليله غير ليل اليوم الآخر، فالتغشية مكررة لمجيئها يوماً بعد يوم، وليلة بعد ليلة.
وقوله: ﴿حَثِيثاً﴾.
أي: طلباً حثيثاً.
والمعنى: إن سيدكم ومصلح أموركم، وهو ﴿الله الذي خَلَقَ السماوات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وذلك يوم الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة.
قال مجاهد: بدأ بخلق العرش والماء والهواء، وخلقت الأرض من الماء، وكان جمع الخلق يوم الجمعة، فلذلك سميت الجمعمة.
وقوله: ﴿يُغْشِي اليل النهار﴾.
أي: يورد الليل على النهار فيلبسه إياه، حتى يذهب بضوئه، يطلبه طلباً ﴿حَثِيثاً﴾، أي: سريعاً حتى يدركه.
﴿أَلاَ لَهُ الخلق والأمر﴾.
﴿الخلق﴾: المخلوق.
﴿والأمر﴾ هو: كلامه الذي به تكون المخلوقات، فهو غير مخلوق، وصفة من صفاته، كعلمه وقدرته، لايشبه كلام المخلوقين، ولا يقدر فيه صوت ولا حروف؛ إنما هو كلام له صفة ذاته، فكما أنه تعالى لا شيء يشبهه، كذلك صفاته لا تشبهها صفة.
وقال ابن عباس: الدنيا جمعة من جمع الآخرة، سبعة آلاف سنة.
وقال كعب: الدنيا ستة آلاف سنة.
[وكذلك] قال وهب.
[و] قال النبي، صلى الله عليه وسلم،: " أجلكم في أجل من ك ان قبلكم من صلاة العصر إلى مغرب الشمس ".
وقال صلى الله عليه (وسلم) يوماً عند غروب الشمس: " (إن) مثل ما بقي من دنياكم في ما مضى، كهيئة يومكم هذا في مضى منه ".
وقال: " بعثت أنا والساعة كهاتين وأشار بأصبعيه: السبابة
والوسطى ".
قال ابن عباس: " سألت اليهود النبي (عليه السلام) عن خلق السموات والأرض فقال: " خلق الله الأرض يوم الأحد والأثنين، وخلق الجبال يوم الثلاثاء ومنافعها، / وخلق يوم الأربعاء الشجر والماء والمدائن والعمران والخراب، فهذه أربعة أيام، وهو قوله: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بالذي خَلَقَ الأرض فِي يَوْمَيْنِ﴾، ثم قال: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾.
قال: وخلق يوم الخميس السماء، وخلق يوم الجمعة النجوم والشمس والقمر إلى ثلاثة ساعات منه.
وخلق في أول ساعة من هذه الثلاث ساعات من حَيِي ومن يموت، وفي الثانية ألقى الآفة على كل شيء مما ينتفع به الناس، وفي الثالثة منه خلق آدم (عليه السلام).
وأسكنه الجنة، وأمر إبليس بالسجود له، وأخرجه منها آخر ساعة "، ثم قالت اليهود: ثم ماذا يا محمد؟ قال: " ثم استوى على العرش " قالوا: قد أصبت لو أتممت، قالوا: ثم استراح، فغضب
النبي، صلى الله عليه وسلم، غضباً شديداً، فنزل: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السماوات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾ ".
واللغوب: الإعياء.
واليهود، عليهم اللعنة، تتأول في السبت، أنه يوم الراحة، فلذلك جعلوه لأنفسهم راحة لا يتصرفون فيه، تعالى الله عن ذلك.
قال قتادة: أوحى الله في كل سماء أمرها: خلق فيها شمسها وقمرها ونجومها وصلاحها.
فَخَلْقُ الشمس والقمر كان بعد [خَلْقِ) السموات والأرض.
قال النبي ( صلى الله عليه وسلم) : " أول ما خلق الله القلم فقال له: اكتب فجرى في تلك
الساعة بما هو كائن ".
قال ابن عباس: ثم رفع بخار الماء فَفَتَقَ منها السموات والأرض.
وقيل: أول شيء خلق الله النور والظلمة، ثم ميز بينهما، فجعل الظلمة ليلاً أسود ومظلماً، وجعل النور نهاراً مبصراً.
فالسموات والأرض تحيط بهما البحار ويحيط بذلك كله الهيكل، ويحيط بالهيكل الكرسي.
قال وهب: الهيكل شيء من أطراف السموات يحدق بالأرضين والبحار كأطناب الفسطاط.
وكان بين خلقه تعالى، القلم وخلقه سائر خلقه ألف عام.
ولما أراد تالى أن يخلق السموات خلق أياماً ستة، فخلق واحداً فسماه الأحد، وثانياً فسماه: الاثنين،
وثالثاً فسماه: الثلاثاء، ورابعاً فسماه: الأربعاء، وخامسا فسماه: الخميس.
وكان ابتداء الخلق يوم السبت خلق فيه التربة.
وقيل: يوم الأحد.
وقد روي أن الله تعالى خلق البيت العتيق على الماء على أربعة أركان قبل أن يخلق الدنيا بألفي عام، ثم دحيت الأرض من تحته.
قاله ابن عباس.
وكذلك روى مجاهد عن عبد الله بن عمرو.
أي: نزرا قليلاً لا فائدة فيه مع قلته، كذلك الكافر لا يقبل الهدى/ فإن قبل شيئاً فهو قليل لا فائدة فيه؛ لأنه على شك وقلة يقين.
قال ذلك ابن
عباس وقتادة.
وقال السدي: هو مثل ضربه الله، تعالى للقلوب لما نزل عليها القرآن، كنزول المطر على الأرض، فقلب المؤمن كالأرض الطيبة القابلة للماء الذي تنتفع بما تقبل من الماء.
هذا معنى قوله: ﴿كذلك نُصَرِّفُ الآيات لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ﴾ [الأعراف: 58]، أي: كما فعلنا فيما تقدم ذكره، مثله نصرف الآيات في هذا.
قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 59 - 61]، الآيات الثلاث.
لام ﴿لَقَدْ﴾ لام توكيد بمعنى القسم.
وقال ابن عباس: الليل خلق قبل النهار.
وقيل: [كان] النهار قبل الليل.
دليل ذلك أن الله عالى ذكره، [كان] ولا ليل، ولا نهار، ولا شيء غيره؛ وأن نوره كان يضيء به كل شيء خلقه بعدما خلقه، حتى خلق الليل.
فالضياء قبل الظلمة.
قوله: ﴿ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً﴾، إلى: ﴿المحسنين﴾.
المعنى: ادعوا أيها الناس، ربكم مستكينين له، مخلصين متخشعين سراً في أنفسكم، ﴿إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين﴾.
ثم قال: ﴿وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأرض﴾.
أي: لا تشركوا.
والفساد هنا: الشرك.
﴿بَعْدَ إِصْلاَحِهَا﴾.
أي: بعد إصلاح الله (تعالى) إياها لأهل طاعته، بأن
بعثت إليهم نبياً، ينذرهم ويبشرهم.
﴿وادعوه خَوْفاً وَطَمَعاً﴾.
أي: خوفاً من عقابه، وطمعاً في رحمته.
/ ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ [مِّنَ المحسنين]﴾.
أي: ثواب الله قريب من المحسنين وإنما وصفه (بالقرب)؛ لأنه ليس بينهم وبينه إلا أن يفارقوا الدنيا.
وفي حرف: " الهاء " في ﴿قَرِيبٌ﴾ ستة أقوال:
أحسنها أن " الرحمة " و " الرحم " بمعنى.
وقال الفراء: (إنما أتى ﴿قَرِيبٌ﴾) بغير " هاء " ليفرق بينه وبين قريب من النسب.
ويلزمه ألا يجوز فيه أدخال " الهاء "، وإدخالها جائز عند جميع النحويين لو كان في كلام.
وقال الزجاج: حذفت " الهاء "؛ لأنه ثأنيث غير حقيقي.
ومذهب أبي عبيدة: أن تذكير ﴿قَرِيبٌ﴾، على تذكير المكان.
ويلزمه على هذا نصب ﴿قَرِيبٌ﴾.
وقيل: " الرحمة " هنا: المطر، فَذُكِّر حملاً على المعنى.
وقيل: هو مذكر على النسب كما يقال: امرأة طالِقٌ وحائِضٌ.
قوله: ﴿وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً [بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ]﴾، الآية.
من قرأ ﴿بُشْراً﴾ فهو جمع " نشور "، كقولك: " صبور " و " صبر ".
والريح النَّشُور: التي تأتي من هنا ومن هنا.
وقيل: ﴿بُشْراً﴾ مصدر.
ومن أسكن الشين فعلى هذا المعنى يكون، إلا أنه [أسكن] [الشين] استخفافاً.
ومن قرأ ﴿بُشْراً﴾ [بفتح النون]، فهو مصدر نشرت [الريح] السحاب وانتشرته نشراً، كما قال: " والناشرات نشرا "، فتقديره: وهو الذي يرسل الرياح ناشرة السحاب، فهو مصدر من موضع الحال.
وقيل: " النشر ": الريح الطيبة اللينة [التي] تنشىء السحاب.
ومن قرأ (بشرْاً) بالباء، فهو جمع بشير، مخفف، كرغيب ورغف.
وقيل هو: مصدر، أي: تبشر بالمطر.
﴿سُقْنَاهُ﴾.
" الهاء " تعود على السحاب، وهو يؤنث ويذكر، وكذلك كل شيء بينه وبين واحده " الهاء ".
ومعنى الآية: وربكم الذي خلق السموات والأرض وما ذكر، ﴿هُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْراً﴾.
" والنَّشْرُ " من الرياح: الريح الطيبة اللينة التي تنشر السحاب.
ومن قرأ ﴿بُشْراً﴾، بضمتين، أي: يرسلها تهب من كل ناحية.
ومعنى الكلام: والله الذي يرسل الرياح من كل ناحية ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾.
والرحمة: المطر.
﴿حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً﴾.
أي: أقلت الرياح سحاباً، يقال: أقل البعير حمله إذا حمله واستقل به.
﴿سُقْنَاهُ﴾، أي: سقنا السحاب إلى بلد ميت، قد أجدب أهله، وعفَّت مزارعه، ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾، بالمطر من الأرض من كل الثمرات.
وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ﴾.
" الهاء " للبلد.
﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ﴾.
أي: بالماء [أو بالبلد].
﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
أي: لتكونوا على رجاء من التذكر.
وقوله: ﴿كذلك نُخْرِجُ الموتى﴾.
أي: كما نحيي هذا البلد الميت بالماء]، كذلك نحيي الموتى بعد موتهم.
قال أبو هريرة: إن الناس إذا ماتوا في النخفة الأولى، مطر عليهم من ماء تحت العرش يدعى " الحيوان " أربعين سنة، فينبتون كما ينبت الزرع [بالماء).
فإذا استكلمت أجسادهم نفخ فيهم الروح.
قال ابن مسعود: يرسل الله ماء من تحت العرش كمني الرجال، وليس من بني آدم خلق في الأرض إلا منه شيء (قد بقي في الأرض) فتنبت جسماً له ولحماً لهم من ذلك الماء، كما تنبت الأرض من المطر.
ثم قرأ إلى قوله: ﴿كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
ورى أبو سعيد الخدري: " أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يأكل التراب كل شيء من الإنسان إلا عجب ذنبه "، فقيل: وما هو يا رسول الله؟ قال: " مثل حبة خردل منه تنشئون ".
قوله: ﴿والبلد الطيب يَخْرُجُ نَبَاتُهُ﴾، الآية.
هذا مثل ضربه الله لروح المؤمن، وروح الكافر، فالمؤمن يرجع روحه الطيب إلى جسده سهلاً طيباً كما خرجد إذا مات، والكافر لا يرجع روح إلى جسده إلا بالنكد كما خرج.
وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، فشبه المؤمن بالبلد الطيب إذا أصابه المطر أخرج نباته بإذن ربه، كذلك المؤمن إذا سمع الهدى قَبِلَهُ بإذن ربه، وشبه الكافر بالأرض السَّبِخَةِ المالحة وهي التي خبثت لا تخرج النبات إلا نكداً.
والمعنى: أنه خبر من الله (عزوجل) أنه أرسل نوحاً إلى قومه: منذراً بأسة ومخوفاً من عقاب، فقال لمن كفر منهم: ﴿اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرُهُ﴾، تعبدونه إلا الله، فاعبدوه ولا تشركوا به، ﴿إني أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾.
قال عكرمة: إنما سمي نوح نوحاً لأنه كان ينوح على نفسه، أي: يكثر ذلك.
قال ابن عباس: أرسل نوح إلى قومه بعد أربعين سنة.
قال الكلبي عنه: بعد آدم بثمان مائة سنة، أرسله الله ( عز وجل) بالشريعة، بتحريم البنات والأمهات والأخوات والعمات والخالات، وسائر الفرائض.
قال وهب: نوح أو نبي بعث بعد إدريس (عليه السلام)، فلبث في قومه أربع مائة سنة، قبل أن يبعثه الله ( عز وجل) إلى قومه.
وعنه أيضاً أنه قال: بعثه ( عز وجل) إلى قومه وهو ابن خمسين سنة، فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاماً، ثلاثة قرون من قومه لا يجيبه أحد إلا قليلاً منهم، فأوحى الله ( عز وجل) إليه: " أن اصنع الفلك "، وليكن طولها ثلاثمائة ذراع، وعرضها خمسين
(ذراعاً)، وارتفاعها ثلاثين ذراعاً، وليكن بابها في عرضها.
وادخل الفلك أنت وامرأتك وبنوك ونساء بنيك، ومن آمن بك، ومن كل شيء اثنين اثنين ذكوراً وإناثاً، فإني منزل المطر على الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة، فأُتلف كل شيء خلقته على الأرض، وأن تعمل تابوتاً فيه جسد آدم (عليه السلام)، وتجعل التابوت من خشب الشمشار، وتجعل معه زاد سِنة ففعل نوح، وأرسل الله ( عز وجل) ماء الطوفان على الأرض في سنة ألف وستمائة من عمر نوح، فأقام نوح في الماء خمسين ومائة يوم، [ثم] استقرت على الجودي، وهو جبل بأرض الجزيرة، وكان وقت استقلال السفينة في عشر خلون من رجب، وخرج إلى الأرض في عشر خلون من المحرم، وكان معه في السفينة ولده الثلاثة: سام، وحام، وثافث، ونساؤهم، وأربعون رجلاً، وأربعون امرأة ممن آمن (به).
وعاش نوح (عليه السلام) بعد الطوفان ثلاث مائة وخمسين سنة، فلما خوفهم نوح، قال له الأشراف من قومه، وهم الملأ، وهم الجماعة منهم: ﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾، فيكف نتبعك، أي في حيدة عِن الحق.
فأجابهم بأن قال لهم: ﴿لَيْسَ بِي ضلالة﴾، أي: ليس ما دعوتكم إليه ضلالة، وإنما أنا ﴿ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾، إليكم.
قوله: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾، إلى ﴿عَمِينَ﴾.
والمعنى: إن الله ( عز وجل) أخبرنا أن نوحاً (عليه السلام) قال لقومه: إني ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾، أرسلني إليكم، لأبلغكم رسالاته، ﴿وَأَنصَحُ لَكُمْ﴾ في تحذيري إياكم عقابه، ﴿وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾، / أي: أعلم أن عقابه لا يرّد عن
القوم المجرمين.
وقيل المعنى: أعلم من الله أنه مهلككم ومعذبكم إن لم تؤمنوا.
ثم قال ثهم موَبِّخاً: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾، وذلك إذ قالوا (له): ﴿مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَراً مِّثْلَنَا﴾ [هود: 27].
ومعنى: ﴿على رَجُلٍ مِّنْكُمْ﴾.
أي: من رجل.
وقيل: على لسان رجل.
﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾ بأسه، والعمل بما لا يرضيه، فيرحمكم إن آمنتم وأطعتموني.
قال الله (تعالى) مخبراً: ﴿(فَكَذَّبُوهُ) فَأَنجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ﴾.
أي: من المؤمنين، من أهله، وغيرهم.
﴿وَأَغْرَقْنَا الذين كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَآ﴾.
أي: جحدوا بها.
﴿إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ﴾.
أي: عمين عن الحق.
وهو من عمى القلب.
قوله: ﴿وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً﴾ إلى: ﴿تُفْلِحُونَ﴾.
المعنى: وأرسلنا إلى عاد أخاهم هوداً، وهود من ولد نوح (عليه السلام)، بينه وبينه سبعة آباء.
وكان أشبه خلق الله (تعالى) بآدم (عليه السلام)، خلا
يوسف (عليه السلام)، وكانت عاد ثلاث عشرة قبيلة، ينزلون الرمل.
بلادهم أخصب بلاد، فلما سخط الله ( عز وجل) عليهم جعلها مفاوز، وكانوا بنواحي عمان إلى حضرموت إلى اليمن، ولما أهلك الله ( عز وجل) قومه لحق هود (عليه السلام) ومن آمن معه بمكة فلم يزالوا بها حتى ماتوا، وكان هود (عليه السلام) رجلاً تاجراً.
فقال لهم: ﴿اعبدوا الله﴾، ليس لكم إله يجب أن تعبدوه غيره.
﴿أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾.
﴿قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ﴾].
أي]: قال الأشراف والجماعة من قومه، وهم الملأ من كفار قومه،
﴿إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ﴾، أي: في ضلالة.
وقيل: في جهل عن الحق والصواب.
﴿وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين﴾، أي: في قوله: إني ﴿رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾، كان ذلك ظناً منهم ليس على يقين، فكفروا على الشك منهم.
قال (لهم): ﴿ياقوم لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ﴾، أي: ضلالة، أي: جهل، ﴿ولكني رَسُولٌ مِّن رَّبِّ العالمين﴾.
وأصل السفة: رقة الحلم، والطيش.
وَذُكِّرَ في قوله: ﴿لَيْسَ﴾؛ لأنه مصدر، وهو بمعنى السفه، وقد فرق، أيضاً، بينه وبين الفعل.
ثم قال لهم: ﴿أُبَلِّغُكُمْ رسالات رَبِّي﴾.
أي: أؤدي إليكم أمر رببي ونهيه.
﴿وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ﴾.
اي: ناصح في ما آمركم به وأنهاكم عنه، أمين على وحي ربي ورسالاته.
ثم قال موبخاً لهم: ﴿أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَآءَكُمْ ذِكْرٌ مِّن رَّبِّكُمْ على رَجُلٍ مِّنكُمْ﴾.
أي: على لسان رجل منكم.
﴿لِيُنذِرَكُمْ﴾، أمر الله.
ثم قال: ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾.
أي: اذكروا نعمة الله عليكم إذ استخفلكم في الأرض، بعد قوم نوح.
فاتقوا أ، يصيبكم (مثل) ما أصابهم، واذكروا نعمته إذ ﴿وَزَادَكُمْ فِي الخلق بَصْطَةً﴾، أي: زاد في أجسامكم طولاً وعظماً على أجسام قوم نوح.
وقيل: على أجسام آبائكم الذين ولدوكم.
قال زيد بن أسلم: لقد بلغني أن ضباعاً رُئِيت رابضة وأولادها في حجاج عين رجل منهم.
قال: ولقد بلغني أنه كان في الزمن الأول تمضي أربع مائة سنة، وما يسمع فيه بجنازة.
ثم قال: ﴿فاذكرواءَالآءَ الله﴾.
أي: نعمه عليكم.
﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾.
أي: لتكونوا على رجاء من الفلاح.
قال السدي: كانت عاد باليمن، بالأْحقَاف.
فكانوا قد قهروا أهل الأرض بفضل قوتهم.
وكانوا أصحاب أوثان يعبدونها، وهي " صُدَاء "، و " صَمُود " و " اللهنا "، أسماء أصنامهم، فبعث الله ( عز وجل) / إليهم هوداً، وهو من أوسطهم
نسباً، فأمرهم أن يوحدوا الله (تعالى)، ولا يجعلوا مع الله إلهاً غيره، وأن يكفروا عن ظلم الناس، لم يأمرهم بغير ذلك فأبوا (تصديقه) وكذبوه وقالوا:
﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً﴾ [فصلت: 15]، واتبعه منهم ناس يسير مستترون بإيمانهم.
قال السدي: فبعث الله ( عز وجل) عليهم الريح العقيم، فلما نظروا إليها: قالوا: ﴿هذا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف: 24]، فلما جنت منهم، نظورا إلى الإبل والرجال تطير بهم الريح بين السماء والأرض، فلما رأوها، تبادروا البيوت، فلما دخلوا البيوت، دخلت عليهم فأهلكتهم فيها، ثم أخرجتمهم من البيوت، فأصابتهم في يوم نحس مستمر عليهم العذاب ﴿سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً﴾ [الحاقة: 7]، أي: حسمت كل شيء مرت به.
فكانوا: كأعجاز نخل منقعر، أي: انقعر من أصوله، وكأعجاز نخل خاوية، أي: خوت فسقطت، فلما أهلكهم الله ( عز وجل) أرسل عليهم طيراً سوداً، فنقلتهم إلى البحر
وألقتهم [فيه، فذلك قوله:] ﴿فَأْصْبَحُواْ لاَ يرى إِلاَّ مَسَاكِنُهُمْ﴾ [الأحقاف: 25]، ولم يخرج ريح قط إلا بمكيال، إلا يومئذ، فإنها عتت على الخزنة فغلبلتهم، فلم يعلموا كم كان مكيالها، فذلك قِوله: ﴿فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ﴾ [الحاقة: 6]، أي: عتت على الخزنة.
و" الصرصر ": التي لها صوت شديد.
قوله: ﴿قالوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ﴾، إلى: ﴿المنتظرين﴾.
والمعنى: قال قومه هود له: أجئتنا متوعداً بالعقاب [لنعبد الله وحده، ونذر ما كان آباؤنا يعبدون فائتنا بالعقاب] الذي توعدنان إن كنت صادقاً.
قال لهم: ﴿قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِّن رَّبِّكُمْ رِجْسٌ﴾.
أي: عقاب، من أجل ما تقولون.
و" الرجس " و " الرجز ": العذاب، وقد يكون الرجس: الشيء القذر.
قال ابن عباس: الرجس: السخط.
ثم قال لهم: ﴿أتجادلونني في أَسْمَآءٍ سَمَّيْتُمُوهَآ أَنْتُمْ وَآبَآؤكُمُ﴾.
أي: أتخاصمونني في الأصنام التي أحدثتموها أنتم وآباءكم لا تضر ولا تنفع.
﴿مَّا نَزَّلَ الله بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾.
أي: من حجة تحتجون بها، في عبادتكم إياها، ﴿فانتظروا إِنِّي مَعَكُمْ مِّنَ المنتظرين﴾.
أي: انتظروا حكم الله فينا وفيكم، إني منتظر ذلك معكم.
قوله: ﴿[فَأَ] نجَيْنَاهُ والذين مَعَهُ بِرَحْمَةٍ﴾، الآية.
معناها: فأنجينا هوداً والذين معه ﴿بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الذين كَذَّبُواْ﴾، أي: استأصلناكم بالهلاك.
فبما بقي منهم أحد، ﴿وَمَا كَانُواْ مُؤْمِنِينَ﴾، أي: مصدقين.
قوله: ﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً﴾، الآية.
المعنى: وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحاً، وسمي أخاهم؛ لأنه بشر مثلهم.
وقيل: سمي أخاهم؛ لأنه من عشيرتهم.
وثمود: قبيلة.
أبوهم ثمود بن غائر بن إرم بن سام بن نوح، وكانت مساكنهم: الحجر، بين الحجاز والشام، إلى وادي القرى [وما حوله].
قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ اعبدوا (الله)﴾، ما لكم من يجب أن تعبدوه إلا الله، ﴿قَدْ جَآءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾، أي: حجة وبرهان على صدق ما أقول لكم، ﴿هذه نَاقَةُ الله لَكُمْ آيَةً﴾، أي: دليل على صدق ما جئتكم به.
وإضافة الناقة إلى الله، جل ذكره، على طريق إضافة الخلق إلى الخالق، وهو مثل قوله: ﴿وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي﴾ [الحجر: 29]؛ لأن الروح خلق الله ( عز وجل) ، ولكن في إضافة الناقة إلى الله (سبحانه) معنى التشريف والتخصيص، والتحذير من أن يصيبوها بسوء.
وهو في التخصيص كقولهم: " بيت الله "، و " عباد الرحمن "، فكله فيه معنى التشريف والتفضيل (والتخصيص)، إضافة خلق إلى خالق، كقولهم،: " خلق الله "، و " أرض الله "، و " سماء الله " وهو كثير.
وذلك أنهم سألوه آية، [أي:] حجة على صدق ما جاءهم به، حكى الله عنهم أنهم قالوا: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِن كُنتَ مِنَ الصادقين﴾ [الشعراء: 154].
رُوِيَ أنهم/ سألوا صالحاً ءاية، فقالوا: اخرج لنا من الجبل ناقة عُشَراءَ، وهي الحامل، فتضع فصيلاً، ثم تغدو إلى هذالاماء فتشربه، ثم تغدو علينا بمثله لبناً سائغاً عذباً طيباً، فأجاب الله (تعالى) صالحاً (عليه السلام) فيما سألوه.
فقال لهم
صالح: اخرجوا إلى الهضبة من الأرض، فخرجوا، فإذا هي تتمخض كما تتمخض الحامل، ثم إنها انفجرت فخرجت من وسطها الناقة، فقال لهم: ﴿هذه نَاقَةُ [الله] لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ في أَرْضِ الله وَلاَ تَمَسُّوهَا بسواء﴾، ﴿لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ﴾ [الشعراء: 155] فلما مَلُّوها عقروها، فقال لهم: ﴿تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمْ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ [هود: 65]، وآية العذاب أن تصبحوا غداً حُمْراً، واليوم الثاني، صُفْراً، والثالث سُوداً.
فلما رأوا علامة ذلك تَحَنَّطُواْ واستعدوا.
قال السدي: كانت تأتيهم يوم شُرْبهَا فتقف لهم حتى يَحْلُبُواْ اللبن فترويهم، إنما تصب صباً وكان معها فصيل لها، فقال لهم صالح (عليه السلام): إنه يولد في شهركم هذا غلام يكون هلاككم على يديه، فولد لتسعة منهم في ذلك الشهر، فذبحوا أبناءهم، ثم ولد للعاشر، وكان لم يولد له قط فتركه، وكان أزرق أحمر فنبت نباتاً سريعاً، فإذا مر بالتسعة قالوا: لو كان أبناؤنا أحياء كانوا مثل هذا! فضغبوا على صالح؛ لأنه أمرهم بذبح أبنائهم ف: ﴿تَقَاسَمُواْ﴾، أي: تحالفوا،
﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ [النمل: 49]، وذلك أنهم قالوا: نخرج فيرى الناس أنا قد
خرجنا إلى سفر، فنأتي الغار فنكون فيه، حتى إذا كان الليل وخرج صالح إلى المسجد، أتيناه فقتلناه، ثم رجعننا إلى الغار فكنا فيه ثم رجعنا فقلنا: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾، فيصدقوننا، فخرجوا فدخلوا الغار، فلما أرادوا أن يخرجوا في الليل سقط عليهم الغار فقتلهم، وهو قوله: ﴿وَكَانَ فِي المدينة تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الأرض وَلاَ يُصْلِحُونَ﴾ [النمل: 48]، وقوله: ﴿وَمَكَرُواْ مَكْراً وَمَكَرْنَا مَكْراً (وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) * فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ﴾ [النمل: 50 - 51]، أي: أهلكناهمه، فكبر الغلام ابن العاشر، فجلس مع أناس يصيبون من الشراب، فأرادوا ماء يمزجون شرابهم به، وكان ذلك اليوم يوم شرب الناقة، فوجدوا الماء قد شربته الناقة، فاشتد [ذلك] عليهم، وتكلموا في شأن الناقة، وقالوا: لو كنا نأخذ هذا الماء الذي تشربه الناقة فنسقيه أنعامنا وحروثنا، كان خيراً لنا!، فقال الغلام.
ابن العاشر: هل لكم في أن أَعْقِرَهَا لكم؟ قالوا: نعم فأتاها الغلام فشدَّ عليها فلما بَصُرَت به شدت عليه، فهرب منها، فلما رأى ذلك دخل خلف صخرة على طريقها، فاستتر بها، وقال: أَحِيشُوهَا عَلَيَّ! فلما جازت به، نادوه: عليك! فتناولها فعقرها، فسقطت،
فذلك قوله: ﴿فَنَادَوْاْ صَاحِبَهُمْ فتعاطى فَعَقَرَ﴾ [القمر: 29] فأظهر أمرهم، وقالوا: ﴿يَاصَالِحُ ائتنا بِمَا تَعِدُنَآ﴾ [الأعراف: 77]، وفزع ناس إلى صالح، فأعلموه أن الناقة قد عُقِرَت، فقال: علي بالفصيل! فطلبوه فوجدوه على رابية منا الأرض، فطلبوه، فارتفعت به حتى حلقت به في السماء، فلم يقدروا عليه.
ثم رغا الفصيل إلى الله ( عز وجل) فأوحى الله ( عز وجل) إلى صالح (عليه السلام): " أن مُرْهُم أن يتمتعوا في دارهم ثلاثة أيام.
قال قتادة: قال عاقر الناقة لهم: لا أقتلها حتى ترضوا أجمعين فجعلوا يدخلون على المرأة في خدرها فيقولون: ترضين؟ فتقول: نعم! وكلك الصبي حتى رضوا أجمعين فعقروها.
وصالح النبي [عليه السلام]، هو: صالح بن عبيد بن عابر بن إِرَم بن سام بن نوح.
قال وهب: بعثه الله إلى قومه حين رَاهَقَ الحلم، وارتحل صالح بمن كان معه إلى مكة محرمين فأقاموا بها حتى ماتوا، فقبورهم بين دار الندوة والحِجْر.
روي أنه كان بين موت هود وصالح، صلوات الله عليهما، أكثر من خمس مائة سنة.
قوله: ﴿واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَآءَ مِن بَعْدِ عَادٍ﴾، إلى: ﴿جَاثِمِينَ﴾.
قرأ الحسن: " تَنْحَتُونَ "، بالفتح، للمبالغة.
وقرأ الأعمش " تَعِثوا "، بكسر الثاء، وهي لغة.
والمعنى: إن صالحاً، عليه السلام، ذكرهم نعم الله ( عز وجل) عليهم، وأنه استخلفهم في الأرض بعد عاد.
﴿وَبَوَّأَكُمْ فِي الأرض﴾.
أي: جعل لكم فيها مساكن وأزواجاً.
﴿تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُوراً﴾.
أي: تبنون في السهل من الأرض قصوراً.
﴿وَتَنْحِتُونَ الجبال بُيُوتاً﴾.
قال السدي: كانوا ينقبون في الجبال البيوت، وذلك لطول أعمارهم.
﴿فاذكروا آلآءَ الله﴾.
أي: نعمة الله عليكم.
﴿وَلاَ تَعْثَوْا فِي الأرض مُفْسِدِينَ﴾.
أي: تفسدوا أشد الفساد.
والعثو: أشد الفساد.
ف: ﴿قَالَ الملأ الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ﴾، أي: الأشراف الذين استكبروا عن الإيمان، ﴿لِلَّذِينَ استضعفوا﴾، وهم: أهل المسكنة من تُبَّاع صالح (عليه السلام)، المؤمنين منهم، ﴿أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحاً﴾، رسول الله، ﴿قالوا إِنَّا﴾ بالذي أرسله الله به ﴿مُؤْمِنُونَ﴾، أي: مقرون أنه من عند الله ( عز وجل) ، ﴿ قَالَ الذين استكبروا﴾، عن أمر الله (سبحانه)، ﴿إِنَّا بالذي آمَنتُمْ بِهِ﴾ ما جاء به صالح، ﴿كَافِرُونَ﴾
، أي: جاحدون.
فعقرت ثمود ناقة الله ( عز وجل) ، ﴿ وَعَتَوْاْ﴾، أي: تجبروا وتكبروا عن أمر ربهم.
وقال مجاهد: ﴿عَتَوْاْ﴾: علو في الباطل.
وسألوه أن يأتيهم العذاب الذي أوعدهم به، ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة﴾، أي: الصيحة.
قال مجاهد والسدي: ﴿الرجفة﴾: هي الصيحة.
يقال: رجف بفلان: إذا حرك وارتجج.
و " الرجفة " في اللغة: الزلزلة الشديدة.
﴿فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾.
أي: ساقطين على رُكَبِهِمْ.
وأصل الجُثُومِ، للأرنب، والطير، وشبهه، وهو البروك على الركب.
ومعنى ﴿دَارِهِمْ﴾: عند مسكنهم، وموضعهم اجتماعهم وهي القرية.
ومعنى ﴿دِيَارِهِمْ﴾ [هود: 67]: منازلهم.
قوله: ﴿فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي [وَنَصَحْتُ] [لَكُمْ]﴾، الآية.
والمعنى: فأدبر عنهم (صالح، عليه السلام،) وخرج من بين أظهرهم حين عقروا الناقة واستعجلوه في العذاب، وأوحى الله ( عز وجل، إليه) أنه مهلكهم بعد ثلاثة أيام.
ولم يهلك الله ( عز وجل) أمة ونبيها بين أظهرها.
وقال لهم عند خروجه: ﴿ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِن﴾ لستم ﴿تُحِبُّونَ الناصحين﴾، فهلكوا بأجمعهم في ديارهم، إلا رجلاً كان يحرم الله (عز جل)، فلما خرج من الحرم أصابه ما أصاب قومه.