الناس
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
فعلق شجرها من ريح الجنة.
وقال ابن زيد: أهبط آدم بالهند، وحواء بجدة، فجاء في طلبها حتى أتى " جمعاً " فازدلفت إليه حواء، فلذلك سميت " المزدلفة "، وتعارفا بعرفات، فلذلك سميت " عرفات "، واجتمعا بِجَمْع، فلذلك سميت " جمعاً ".
وأهبطت الحية بأصبهان، وإبليس بميسان.
وقيل بساحل بحر الأُبُلَّة.
ولما أهبط آدم إلى الأرض، أهبط على جبل يسمى: " بوذ "، وكان أطول
جبال الأرض، فكان آدم عليه السلام، رجلاه على الجبل ورأسه في السماء، فكان يسمع تسبيح الملائكة ودعاءهم، وكان (آدم) يأنس لذلك، فهابته الملائكة، فخفضه الله إلى الأرض إلى ستين ذراعاً فاستوحش، فشكا إلى الله في دعائه، فوجه إلى مكة فأنزل الله ياقوتة من الجنة، فكانت في موضع البيت فلم يزل يطاف بها حتى نزل الطوفان، فرفعت حتى بعث الله إبراهيم، فبناه.
وكان أصل الطيب عند جماعة من أهل التفسير: الورق الذي طفق آدم وحواء يخصفانه على أنفسهما نزلا به إلى الدنيا.
وقيل: إنه خرج ومعه صرة من حنطة.
وقيل: إن جبريل أتاه بها حين استطعم، أتاه بسبع حبات فوضعها في يد آدم، فقال آدم: وما هذا؟، فقال له جبريل: هذا الذي أخرجك من الجنة، فعلمه ما يصنع به.
قال سعيد بن جبير: أهبط إلى آدم ثور أحمر، (فكان) يحرث عليه، ويمسح العرق، وهو قوله: ﴿فَلاَ يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الجنة فتشقى﴾ [طه: 117].
ومعنى ﴿فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ﴾، (أي): خدعهما.
واللام في (قوله): ﴿لِيُبْدِيَ﴾ هي مثل اللام في: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾؛ لأن إبليس لم يعلم أنهما إن أَكلا من الشجرة ﴿[بَدَتْ لَهُمَا] سَوْءَاتُهُمَا﴾ إنما حملهما على ركوب المعصية لا غير.
فكان عاقبة أمرهما لما أكلا ظهور سوءاتهما، فجاز أن يقول: فوسوس لهما ليبدي لهما لما أل أمرهما إلى ظهور سوءاتهما، كان كأنه فعل ذلك
بهما لتظهر سوءاتهما.
قوله: ﴿قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا﴾ الآية.
المعنى: قال آدم وحواء: ربنا قد ظلمنا أنفسنا، أي: تعدينا أمرك فأكلنا ما نهيتنا عنه ﴿وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا﴾ خطيئتنا وتسترها علينا، ﴿وَتَرْحَمْنَا﴾ أي: تعطف علينا ﴿لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين﴾.
قوله: ﴿قَالَ اهبطوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ الآية.
هذا أمر لآدم، وحواء، وإبليس، والحية.
وقيل: هو لآدم وذريته وإبليس وذريته، قاله مجاهد.
﴿وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ﴾.
أي: قرار تستقرون به.
قال ابن عباس: هو القبور.
(ومعنى): ﴿وَمَتَاعٌ إلى حِينٍ﴾، أي: متاع تستمتعون به إلى انقطاع آجالكم.
وقيل: " الحين " هنا، قيام الساعة.
قوله: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ (الآية).
المعنى: إنه تعالى أعلم من أهبط، أن في الأرض يحيون ما بقي من أعمارهم، ﴿وَفِيهَا تَمُوتُونَ﴾، ومنها يخرجون في البعث.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾ الآية.
قوله: ﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾، واللباس هو: الثياب، وهي/ غير منزلة، لكن لما كان حدوث الثياب من الكتان والقطن، والكتان والقطن إنما يكونان عن النبات بالماء، فالماء (هو) المنزل، فسمى ما يحدث عنه منزلاً أيضاً؛ لأنه عنه كان، وبه تم، ونما ونبت، وهذا يسمى: " التدريج ": لأن الثياب عن الماء اندرجت.
قوله: ﴿وَلِبَاسُ التقوى ذلك خَيْرٌ﴾.
من نصب " لباساً " عطفه على ما قبله، أي: وأنزلنا لباس التقوى، ويكون الوقف على ﴿التقوى﴾، و: ﴿ذلك﴾: مبتدأ، و: ﴿خَيْرٌ﴾ خبره.
و: ﴿ذلك﴾ إشارة إلى ما تقدم مما أخبر أنه أنزل، فمعناه: ذلك الذي أنزلنا خير من كشف العورة والتجرد في الطواف.
ومن قرأ بالرفع، جعله مبتدأ، و: ﴿ذلك﴾ نعت له، و: ﴿خَيْرٌ﴾ خبر الابتداء.
والمعنى: ولباس التقوى ذلك [الذي علمتموه] خير من لباس الثياب والزينة.
ويكون التمام: ﴿وَرِيشاً﴾.
قال المبرد: من قرأ بالنصب، احتمل أن يكون ﴿ذلك﴾ إشارة إلى اللباس خاصة، وأن يكون إشارة إلى ما تقدم، ويكون في الوجهين في موضوع رفع.
ومعنى الآية: إن العرب كانت تتعرى في الطواف اتباعاً لأمر الشيطان في سلبهم من ستر الله تعالى.
ويعني بقوله: ﴿أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً﴾، أي خلقناه لكم وعلمناكم كيف تعملونه،
وهو ما يستتر به من الثياب.
﴿يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ﴾.
(أي): يستر عوراتكم.
وسميت العورة " سوأة "؛ لأن صاحبها يسوءه انكشافها من جسده.
وقوله: ﴿وَرِيشاً﴾.
قرأ المفضل عن عاصم، والحسن [وحسين] الجعفي عن أبي عمرو:
" ورياشاً " بألف.
قال الفراء: الرياش: جمع ريش، كذِئْب وذِئَاب، وبِئْر وبِئَار.
ويجوز أن يكون [رياش ك:] " ريش " كما يقال: لِبْسٌ ولِبَاس فيكونان مصدرين كاللِّبس واللِّباس.
و: " الريش " و: " الرياش ": ما ظهر من اللباس والشارة.
وقيل: الرياش: الأثاث.
وقد يستعمل " الرياش " في الخصب ورفاهة العيش.
وقيل: الرياش: المعاش.
وقال مجاهد: " الرياش "، المال.
وقال ابن زيد: " الرياش ": الجمال.
وقال الضحاك: " الرياش " المال.
وقد (روي) عن ابن عباس ذلك.
وقوله: ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾.
فقال قتادة، والسدي، وابن جريج: هو الإيمان.
وقيل: هو الحياء.
وقال ابن عباس: هو العمل الصالح.
وعن ابن عباس أيضاً: هو السَّمت الحسن في الوجه.
وكذلك روي عن عثمان، رضي الله عنهـ، أنه فسرها على المنبر كذلك.
وقال عروة بن الزبير: هو الخشية لله، ( عز وجل) .
وقال ابن زيد: هو ستر العورة.
وقيل هو: لبس الصوف، والخشن من الثياب، مما يتواضع به لله، ( عز وجل) .
وقيل: هو استشعار النفوس تقوى الله ( عز وجل) في ما أمر به، ونهى
عنه.
وهو اختيار الطبري.
وقال يحيى بن يحيى: ﴿وَلِبَاسُ التقوى﴾: الخشوع، والوقار، وحسن الَسّمْت، مع العمل بما يشبه ذلك، رواه عنه ابن حبيب.
واختار المبرد، والطبري قراءة النصب؛ لأنه كله توبيخ للمشركين في تعريهم وكشفهم سوآتهم طاعة منهم لإبليس، ليفعل بهم ما فعل بأبيهم آدم
(عليه السلام)، في الجنة، وبحواء، / إذ خدعهما حتى بدت لهما سوآتهما.
ودل على ذلك ما بعده، من قوله: ﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾ [الأعراف: 27] الآية، وما بعدها من الآيات.
وقوله: ﴿ذلك مِنْ آيَاتِ الله﴾.
أي: ذلك الذي أنزلته عليكم، من مصالحكم آية، وحجة عليكم لعلكم تذكرون نعمه وآياته.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان﴾، الآية.
هذه الآية تحذير من الله ( عز وجل) لبني آدم ألا يخدعهم الشيطان كما فعل بآدم وحواء عليهم السلام.
قال ابن عباس: كان لباسهما الظفر فنزع ذلك عنهما، وتركت الأظفار تذكرة وزينة.
وقال عكرمة: أدركت آدمَ التوبةُ عند ظفره، وكان لباسه الظفر.
وقال مجاهد ﴿يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا﴾، التقوى.
قوله: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ﴾، أي: الشيطان.
﴿وَقَبِيلُهُ﴾، جيله.
وقال ابن زيد: نسله.
وقيل: جنوده وأصحابه.
روي: أن الله، جل ذكره جعلهم يجرون من بني آدم مجرى الدم، وصدور بني آدم مساكن لهم إلا من عصمه [الله]، ( عز وجل) .
قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين أَوْلِيَآءَ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾.
أي: نصراء للكافرين على كفرهم، يزيدونهم في غيهم عقوبة لهم على كفرهم، كما قال: ﴿[أَلَمْ تَرَ أَنَّآ] أَرْسَلْنَا الشياطين عَلَى الكافرين تَؤُزُّهُمْ [أَزّاً]﴾ [مريم: 83]، أي: تحملهم على المعاصي حملاً شديداً، وتزعجهم إلى الغي.
وقرأ أبو عمرو (إنه يريَكم)، بالفتح.
قوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً﴾ الآية.
الفاحشة في هذا الموضع: طوافهم عراة.
وكانت المرأة تطوف ليس عليها غير الرِّهاط، والرِّهاط جمع رَهْط، وهي: خرقة من صوف.
يقولون: نطوف كما ولدتنا أمنا عراة، [وإذا قيل لهم: لم تفعلون ذلك؟ قالوا: نطوف كما ولدتنا أمنا] وعلى ذلك وجدنا آباءنا والله أمرنا بها.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد،: ﴿إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشآء﴾، أي: لا يأمر خلقه بقبائح الأمور: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
﴿بالفحشآء﴾ وقف.
﴿بِهَا﴾ وقف.
قوله: ﴿قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾ الآية.
المعنى: قل، يا محمد لهم: ﴿أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾، أي: بالعدل.
﴿وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
أي: وجهوا وجوهكم عند كل مسجد إلى الكعبة، وحيثما صليتم إليها.
وقيل معناه: اجعلوا سجودكم لله ( عز وجل) .
وقيل: المعنى إذا أدركتك الصلاة وأنت عند مسجد، فصل فيه، ولا تقل: أُؤْخر حتى آتي مسجد قومي.
وهذا عطف محمول على المعنى؛ لأن معنى ﴿أَمَرَ رَبِّي بالقسط﴾،: يقول لكم [ربي] أقسطوا وأقيموا وجوهكم، [فعطف أقيموا وجوهكم]، على أقسطوا، الذي في المعنى لا في اللفظ.
﴿وادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾.
أي: الطاعة.
ثم قال تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾.
هذا احتجاج عليهم إذ أنكروا قوله: ﴿فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: 25]، وهو متصل به ومعناه: ليس بعثكم أشد من ابتدائكم.
ومعنى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ﴾، أي: كما بدأكم أشقياء وسعداء، كذلك تبعثون يوم القيامة، كما قال: ﴿[هُوَ الذي] خَلَقَكُمْ فَمِنكُمْ كَافِرٌ وَمِنكُمْ مُّؤْمِنٌ﴾ [التغابن: 2]، وقال بعده: ﴿فَرِيقاً هدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة﴾، وهو قول مجاهد،
قال: من بدأه سعيداً بعثه يوم القيامة سعيداً، ومن بدأه شقياً بعثه يوم/ القيامة شقياً.
وعن مجاهد أيضاً أنه قال: كما خلقكم تكونون كفاراً ومؤمنين.
وعن ابن عباس نحوه.
فلا تقف على هذا القول إلا على: ﴿الضلالة﴾، لا تقف على: ﴿تَعُودُونَ﴾؛ لأن ﴿فَرِيقاً﴾، ﴿وَفَرِيقاً﴾ حالان.
وقيل: المعنى: كما خلقكم، ولم تكونوا شيئاً، كذلك تعودون بعد الفناء، أي: كما خلقكم، كذلك يبعثكم بعد موتكم، وهو قول الحسن وقتادة.
فتقف على هذا على ﴿تَعُودُونَ﴾.
ثم قال: ﴿إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَآءَ مِن دُونِ الله وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ﴾، أي: على هدى.
وقال الأخفش وأبو حاتم: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ﴾ تمام.
وقيل: ﴿تَعُودُونَ﴾ التمام.
ومن قال معنى الآية: كما خلقكم أشقياء وسعداء ﴿تَعُودُونَ﴾، لم يقف إلا على: ﴿الضلالة﴾، وهو قول الكسائي.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ﴾ الآية.
هذا خطاب لهؤلاء القوم الذين كانوا يتعرون في الطواف، فأمروا بالكسوة
﴿عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾.
قال السدي: " الزينة "، ما يواري العورة، قال: وكانوا يحرمون الودك ما أقاموا بالموسم، فقال لهم الله ( عز وجل) : ﴿ وكُلُواْ واشربوا وَلاَ تسرفوا﴾، أي: في التحريم.
وقال ابن زيد: ﴿[وَ] لاَ تسرفوا﴾: لا تأكلوا حراماً.
[و] قال علي رضي الله عنهـ: ليس في الطعام سرف.
قال ابن عيينة: ليس في الحلال سرف؛ إنما السرف في ارتكاب المعاصي.
(والإسراف أن يأكل ما لا يحل أكله مما حرم الله، عز وجل، أن يؤكل منه شيء، أو تأكل مما أحل لك فوق القصد ومقدار الحاجة، فأعلم الله، عز وجل، أنه لا يحب من أسرف، ومن لم يحببه الله، عز وجل، فهو في النار، نعوذ بالله من النار).
وروى قتادة عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم، " قال في قوله [تعالى]: ﴿خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾، قال: صلوا في النعال ".
فستر العورة فرض بهذه الآية على أبصار جميع الناظرين، إلا الأزواج، أو ما ملكت الأيمان.
وقيل معنى: ﴿وَلاَ تسرفوا﴾، [أي]: لا تحرموا الحلال، كما حرم أهل الجاهلية البحيرة، والسائبة، وغير ذلك.
قوله ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾ الآية.
والمعنى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد، لهؤلاء الذين يتعرون في الطواف، ويحرمون ما لم يحرم الله من طيبات رزقه: ﴿مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله﴾، أي: اللباس الذي يزين الإنسان بأن يستر عورته، ومن حرم ﴿وَالْطَّيِّبَاتِ مِنَ الرزق﴾، المباحة.
وقيل: عنى بذلك ما كانت الجاهلية تحرمه من السوائب والبحائر.
قاله قتادة.
وقال ابن عباس كانت الجاهلية تحرم على أنفسها أشياء أحلها الله (سبحانه) من الرزق، وهو قول الله ( عز وجل) : ﴿ قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّآ أَنزَلَ الله لَكُمْ مِّن رِّزْقٍ﴾ [يونس: 59] الآية.
ثم قال تعالى: ﴿قُلْ﴾، (لهم) يا محمد ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ فِي الحياة الدنيا خَالِصَةً (يَوْمَ القيامة)﴾.
المعنى، قل لهؤلاء: هذه الطيبات للذين آمنوا في الحياة الدنيا، مثل ما هي للكفار خالصة يوم القيامة للمؤمنين، لا يَشْرَكُهم فيها كافر.
قاله السدي، وغيره.
ووقع الجواب في هذا على المعنى، / كأنهم قالوا: [هي لنا، ما حرمها أحد، فقل لهم: ﴿هِي لِلَّذِينَ آمَنُواْ﴾ الآية.
وقيل المعنى: [قل]: هي ﴿خَالِصَةً يَوْمَ القيامة﴾ لمن آمن بي في الحياة الدنيا.
وذلك
أن الزينة في الدنيا لكل بني آدم، ثم جعلها الله (تعالى) خالصة للمؤمنين في الآخرة.
قاله قتادة، وابن عباس، وغيرهما.
قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش﴾ الآية.
المعنى ﴿قُلْ﴾ لهم، يا محمد: إن ربي لم يحرم عليكم ما حرمتم على أنفسكم، إنما حرم عليكم الفواحش، الظاهر منا والباطن، والشرك بالله (سبحانه) ما ليس معكم به حجة، وقولكم على الله ما لا تعملون، وحرم عليكم الإثم والبغَي بغير الحق.
والفواحش: القبائح.
قال مجاهد: ﴿مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾: نكاح الأمهات، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾: الزنا.
وقيل: ﴿مَا ظَهَرَ﴾: الطواف عرياناً، ﴿وَمَا بَطَنَ﴾ الزنا.
﴿والإثم﴾: المعصية.
﴿والبغي﴾: الاستطالة على الناس.
قال السدي: ﴿البغي﴾، أن يبغي على الناس بغير الحق.
وأصل البغي: التجاوز في الظلم.
وقد قيل: إن ﴿الإثم﴾، الخمر، وهو قول غير معروف، لكن هذه الآية تدل
على نص تحريم الخمر؛ لأن الله (تعالى) قد أخبرنا، أن في الخمر إثماً، فقال: ﴿قُلْ فِيهِمَآ إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: 219]، وحرم الله اكتساب الإثم في هذه الآية.
قوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَآءَ أَجَلُهُمْ﴾ الآية.
[الأمة]: الجماعة.
والمعنى: ولكل جماعة اجتمعت على تكذيب رسل الله، [سبحانه]، وقت لحلول العقاب بها، فإذا جاء الوقت، ﴿لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ﴾.
قوله: ﴿يابنيءَادَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ﴾ الآية.
آدم مشتق من أَدَمَة الأرض، وهو وجهها.
قال وهب بن مُنَبِّه في التوراة: إني خلقت آدم، ركبت جسده من أربعة أشياء ثم جعلها وارثهُ في ولده، تنمى في أجسادهم، وينمون عليها إلى يوم القيامة، رطب
ويابس وسخن وبارد، وذلك لأني خلقته من تراب وماء وجعلت فيه نفساً وروحاً، فيبوسة جسده من قبل التراب، ورطوبته من قبل الماء، وحرارته من قبل النفس، وبرودته من قبل الروح، ثم خلقت (في) الجسد بعد الخلق الأول أربعة أنواع من الخلق أخرى، وهي مِلاك الجسد وقوامه، لا يقوم الجسد إلا بهذا، ولا تقوم واحدة إلا بأخرى: المرة السوداء، والمرة الصفراء، والدم، والبلغم.
ثم أسكنت بعض هذا الخلق في بعض، جعلت مسكن اليبوسة في المرة السوداء، ومسكن الرطوبة في الدم، ومسكن البرودة في البلغم، ومسكن الحرارة في المرة الصفراء، فأيما بدن اعتدلت به هذا اللفظ الأربع، وكانت كل واحدة منهن فيه ربعاً لا تزيد ولا تنقص، كملت صحته واعتدلت بنيته، فإن زادت واحدة منهن عليهن قهرتهن، ومالت بهن، دخل على أخواتها السقم من ناحيتها بقدر ما زادت، وإن كانت ناقصة ملن بها وعلونها، وأدخلن عليها السقم من نواحيهن.
قال وهب: وجعل عقله في دماغه، وتمييزه في
كليتيه، وغضبه في كبده، ومدامته في قلبه، ورغبته في رئته، وضحكه في طحاله، وحزنه وفرحه في وجهه، وجعل فيه ثلاث مائة وستين مفصلاً.
ومعنى الآية: أنها تعريف من الله، تعالى، ما لمن آمن بالرسل وأطاع، وما لمن كفر وعصى، فقال: ﴿يابنيءَادَمَ/ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ﴾، أي: من أنفسكم، ﴿يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾، أي: يتلون، ﴿فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ﴾، أي: آمن، وأصلح أعماله، ﴿فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾، يوم القيامة، ولا حزن يلحقهم على ما
فاتهم من دنياهم، التي تركوها.
قال: ﴿والذين كَذَّبُواْ﴾، أي: بالرسل، وكذبوهم فيما جاؤا به، ﴿أولئك أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون﴾، أي: ماكثون، لا يخرجون منها أبداً.
**************قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً﴾ الآية.
المعنى: فمن أخطأ فعلاً، ﴿مِمَّنِ افترى﴾، [أي]: اختلف على الله الكذب، فقال إذا فعل فاحشة: الله أمرنا بها.
﴿أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾، أي: بعلاماته الدالة على وحدانيته، ونبوة أنبيائه.
﴿أولئك يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، أي: حظهم مما كتب لهم من العذاب وغيره في اللوح المحفوظ.
قال السدي: هو ما كتب لهم من العذاب.
وكذلك قال الحسن، وغيره.
وقال ابن جبير: ما هو سبق لهم من الشقوة والسعادة.
وكذلك قال مجاهد، وقال ابن عباس.
[وعن ابن عباس].
أيضاً: إن المعنى ينالهم نصيبهم مما كتب عليهم من أعمالهم، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقال قتادة المعنى: ينالهم في الآخرة نصيهم من أعمالهم التي عملوها في الدنيا.
وقيل المعنى: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾ الذي كتبه الله عز وجل، على من افتى عليه.
وعن ابن عباس أنه قال: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم﴾، هو ما قد كتب لمن يفترى على الله أن وجهه مسود.
وقال القرظي المعنى إن: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾ هو رزقه، وعمله، وعمره.
وكذلك قال الربيع بن أنس.
وكذلك قال ابن زيد.
وقيل: المعنى: ﴿يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، هو ما كتب عليهم من سواد الوجوه، وزرقة الأعين، قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: 60].
وقيل: (المعنى)، هو ما ينالهم في الدنيا من العذاب، دون عذاب الآخرة، من قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِّنَ العذاب الأدنى [دُونَ العذاب الأكبر]﴾ [السجدة: 21]، الآية.
وكان الطبري يختار أن يكون المعنى: إنه ما كتب لهم في الدنيا، من خير وشر، ورزق وعمل وأجل، قال: ألا ترى أنه تعالى أتبع ذلك بقوله: ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، فأخبر بآخر أمرهم بعدما نالهم من: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، وهو الرزق، والعمر، والأجل، والخير والشر.
وقيل: المعنى، إنه قوله تعالى: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَاراً تلظى﴾ [الليل: 14]، وقوله: ﴿يَسْلُكْهُ عَذَاباً صَعَداً﴾ [الجن: 17] هذا ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾، وهو ينالهم في الآخرة، ومثله: ﴿إِذِ الأغلال في أَعْنَاقِهِمْ والسلاسل﴾ [غافر: 71]، ومثله: ﴿فِي الدرك الأسفل مِنَ النار﴾ [النساء: 145]، هذا وشبهه من: ﴿حتى إِذَا جَآءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ﴾، الذي ينالهم في الآخرة.
وقوله: ﴿نَصِيبُهُم مِّنَ الكتاب﴾.
قال الحسن: هذه وفاة إلى النار.
فيقول لهم الرسل: ﴿أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله﴾، هذا/ كله في الآخرة، فيشهدون على أنفسهم بالكفر حينئذ.
وقيل المعنى: إن هؤلاء المفترين ينالهم ما كتب لهم في الدنيا إلى أن يأتيهم