المائدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
مُسْتَقَبَلَةً ".
قالت عائشة رضي الله عنها: " كان يوم عاشوراء يوماً تصومه قريش في الجاهلية.
وكان رسول الله يصومه.
. فلما قدم المدينة صامه، وأمر بصيامه فنزل صوم رمضان /، فكان رمضان هو الفريضة فمن شاء صام عاشوراء، ومن شاء ترك ".
وقال تعالى: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ قال: " كان كتب عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر ".
والآية ناسخة لصيام ثلاثة أيام من كل شهر على هذا القول.
وقال أبو العالية والسدي: " هذه الآية منسوخة لأن الله تعالى كتب على من كان قبلنا إذا نام بعد المغرب لم يأكل ولم يقرب النساء، ثم كتب علينا ذلك في هذه الآية " فقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ ثم نسخه بقوله:
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ [البقرة: 187] الآية ".
وذكر الحسن عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " كانَ عَلَى النَّصَارَى صَوْمُ شَهْر، فَمَرِضَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقال لَئِنِ اللهُ شَفاهُ ليَزيدَنَّ عَشْراً، ثُمَّ كانَ آخرُ فَأَكَلَ لَحْماً فَأَوْجَعَ فاهُ، فقالَ: لَئِنِ اللهُ شَفاهُ لَيَزيدَنَّ سَبْعاً، ثُمَّ كانَ مَلِكٌ آخَرٌ فَقالَ: " لَتَتِمَّنَ هَذِهِ السَّبْعَةُ عَشْراً، وَلأَجْعَلَنَّ صَوْمَنا في الرّبيعِ "، قالَ: فصارَ خمْسينَ يوْماً " يعني: بِ " الرجال ": ملوكاً سنوا سنناً وزادوا وبدلوا الأوقات.
واختار الطبري قول من قال: " فرض على من كان قبلنا من أهل الكتاب صوم شهر رمضان ففرضه علينا ". وقال: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾.
واستدل على ذلك أن مَنْ بعدَ إبراهيم - عليه السلام - من الأنبياء / كانوا مأمورين بالاتباع له؛ وذلك أنَّ الله تعالى جعله [إماماً للناس] وأخبرنا أن دينه كان [الحنيفة المسلمة]، وأمر نبينا عليه السلام باتباعه فدل على أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن كان بعده من الأنبياء صلوات الله عليهم فرض / عليهم صوم شهر / رمضان كما فرضه / الله تعالى علينا الآن، فوقع التشبيه على الوقت.
وقيل: إنما فرض الله علينا شهراً، كما فرضه على من كان قبلنا شهراً، وفرض علينا ترك الأكل والوطء بعد النوم، ثم أباحه لنا إلى الفجر.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي تتقون أكل الطعام وشرب الشراب، وجماع النساء فيه.
وهو معنى قول السدي وغيره.
وقيل: معناه: إن الصيام وصلة إلى التقى.
فكأنه " صوموا ليقوى رجاؤكم في التقوى ".
ثم قال تعالى: ﴿أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ﴾.
قال عطاء: " كان على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر، ثم فرض الله على المسلمين صوم شهر رمضان ".
فهذا القول يدل على أن أياماً منصوبة بـ " كُتِبَ "، وهو قول الفراء.
قال ابن عباس: " كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل شهر، ثم نسخه الله بصوم شهر
رمضان ". وهو قول قتادة.
وقيل: [الأيام المعدودات] هي أيام رمضان بعينها.
فيكون نصبٌ: " أيام " بالصيام على هذا القول، وهو قول الأخفش، فتكون ظرفاً.
ولا يكون نصبها على المفعول لأنك تفرق بين الصلة والموصول بالنعت وهو الكاف.
وحسن ذلك في الظرف لأن الظرف تعمل فيها المعاني إلا أن تجعل الكاف مفعولاً للصيام، فيحسن أن تنصب " الأيام " على أنها مفعول بها.
والكاف من " كما يجوز أن تكون نعتاً لمصدر محذوف أي: [كَتْباً كَمَا]، ويجوز أن يكون " صَوْماً كَمَا "، فلا يدخل في الصلة على القول الأول، ويدخل على القول الثاني.
ويجوز أن تكون الكاف نصباً على الحال من الصيام، أي: مشبهاً لصيام من
كان قبلكم.
ويجوز أن يكون في موضع رفع نعتاً للصيام.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.
أي: فمن لم يقدر على الصوم لمرض به أو لسفر فليفطر، وعليه أن يصوم مثل ما أفطر من أيام أخر.
فمن الفقهاء من يرى أن الصوم في رمضان في السفر أفضل، ومنهم من يرى الإفطار.
وكان أنس بن مالك يرى الصوم في السفر في رمضان، فقيل له: أين هذه الآية: ﴿أَوْ على سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، فقال: " إنها نزلت يوم نزلت، ونحن نرتحل جياعاً، وننزل على غير شبع، واليوم نرتحل شباعاً، وننزل على شبع ".
و " أُخَرَ " لا تنصرف لأنها معدولة عن الألف واللام عند سيبويه، وذلك أن " فُعَلَ " سبيله أن يأتي بالألف واللام نحو " الكُبَر " و " الفُضَل ". وقال الكسائي: " هي معدولة عن " أُخْرَاء " كما تقول " حُمْرَاءَ " و " حُمَرَ " / فامتنعت من الصرف لذلك ".
وقيل: منع من الصرف لأنه على وزن " جُمَع "، والعرب لا تقول " يوم أُخْرَى "، إنما تقول: " يوم أُخَر "، وإنما جاء " أَيَّامٍ أُخَر " لأن نعت " الأيام " مؤنث، فلذلك نعت بأخرى.
وقيل: " أُخَر " جمع " أُخْرَى "، كأنه قال " أيام أُخْرَى "، ثم كثرت الأيام فجمع " أُخْرَى " على " أُخَرَ ".
ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾.
قال معاذ بن جبل:
" قدم النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، فصام يوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، ثم إن الله فرض شهر رمضان وقال: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً.
ثم إن الله عز وجل أوجب الصيام على الصحيح المقيم، وثبت الإطعام على الكبير إذا أفطر ولم يستطع الصوم، فأنزل الله عز وجل: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية.
/ وهو قول عكرمة / والحسن.
وقال علقمة: " نسخها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾ ".
وكذلك روى نافع عن ابن عمر.
وهذه الآية في رواية ابن وهب عن مالك محكمة.
قال ابن وهب: " قال لي مالك: " إنما ذلك في الرجل يمرض فيفطر ثم يبرأ فلا يقضي ما أفطر حتى يدركه رمضان آخر من قابل، فعليه أن يبدأ برمضان الذي
أدركه فيصومه، ثم يقضي الذي كان أفطر من رمضان الأول، ويطعم عن كل يوم مسكيناً / مداً من حنطة.
ولو اتصل به المرض إلى أن دخل عليه رمضان آخر، فليس عليه إطعام إذ لم يفرط ".
فالمعنى على هذا القول: وعلى الذين يطيقونه القضاء لما عليهم فلا يقضون حتى يأتي رمضان آخر فدية طعام مساكين مع القضاء.
يعني يطعم مداً لمسكين عن كل يوم فرط في قضائه.
وقال ابن أبي ليلى: " دخلت على عطاء وهو يأكل في رمضان فقال: إني شيخ كبير، وإن الصوم نزل فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكيناً حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية، قال: فوجب الصوم على كل أحد إلا مريضاً أو مسافراً أو شيخاً كبيراً مثلي يفتدي ". وهو قول ابن شهاب.
[وقال ابن عباس]: " جعل الله في الصوم الأول فدية طعام مساكين، فمن شاء [من مسافر أو مقيم أن يفطر ويطعم مسكيناً] كان ذلك رخصة لهم، ثم أنزل الله في
الصوم الأخير: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، ولم تدخل فيها الفدية، وثبت الصوم الآخر ".
وروى / ابن سيرين عن عبيدة أنه قال في قوله: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، قال: " نسختها التي تليها: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية ".
وقال الضحاك: " فرض الله الصوم من العتمة إلى مثلها من القابلة؛ [وإذا صلى الرجل العتمة، حرم عليه] الطعام والشراب والجماع إلى مثلها من القابلة.
ثم نزل الصوم الآخر بإحلال الطعام والشراب والجماع في الليل كله، وهو قوله: ﴿وَكُلُواْ واشربوا﴾ الآية، وأحل الجماع بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ الآية.
وكان في الصوم الأول فدية، فمن شاء من مسافر أو مقيم أن يطعم مسكيناً
عن كل يوم ويفطر فعل ذلك.
ولم يذكر الله عز وجل في الصوم الآخر الفدية لكن قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ فنسخ هذا الصوم الآخر الفدية ".
وقال ابن جبير: " كانت الفدية للشيخ الكبير والعجوز إذا أفطر وهما يطيقان الصوم ثم نسختها الآية التي بعدها قوله: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشهر فَلْيَصُمْهُ﴾، فنسخت الإطعام عن الكبيرَيْن إذا كانا يطيقان الصوم وأوجب عليهما الصوم، وثبت للشيخ والعجوز الفدية إذا كانا لا يطيقان الصوم، وللحبلى والمرضع إذا خافتا.
وكذلك قال عكرمة والربيع.
وقال السدي: " الآية محكمة ومعناها: " وعلى الذين كانوا يطيقون الصوم في صحتهم إذا مرضوا أو كبروا أو عرض لهم مانع من المقدرة على الصوم كالحامل والمرضع، الفدية إطعام مسكين لكل يوم، وإن تكلف الصيام على ضره فصام / فهو خير له ". قال ابن عباس: " إذا خافت الحامل والمرضع [أفطرتا
وأطعمتا] ولا تقضيان صوماً ".
وقرأ ابن جبير وعطاء وعكرمة: " يُطَوَّقُونَهُ " بواو مشددة، أي: يكلفون صومه ولا يقدرون.
يعني الشيخ والعجوز والحامل.
وهي قراءة تروى عن عائشة.
وكان إسماعيل القاضي يضعف هذه القراءة ويقول: كيف [يقرأ: " يُطَوَّقُونَهُ " على معنى " يُكَلَّفُونَهُ "]، وهم لا يقدرون على صومه وبعده: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، وكيف يقال لمن لا يقدر على الصوم: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾؟ هذا معنى كلامه.
وقد قرأ مجاهد به، أعني بالتشديد للواو.
وروي أيضاً عن عكرمة: ﴿وَعَلَى الذين يُطِيقُونَهُ﴾ بالتشديد في الياء والطاء على معنى:
" يَتَطَيَّقُونَهُ ".
وعن ابن عباس أنه قرأ: " يُطَيَّقُونَهُ " بضم الياء الأولى وتشديد الثانية.
قال ابن [الأنباري: في هاتين القراءتين] لحن، لأن الفعل من الواو مأخوذ من الطوق، فلا معنى لقلب الواو ياء بغير علة / ولا أصل ". وروي أيضاَ عن مجاهد: " يَطَوَّقُونَهُ " بفتح الياء وتشديد الطاء والواو بمعنى " يَتَكَلَّفُونَهُ ". يعني الشيخ الكبير والعجوز لا يقدران على ذلك، فتكون الآية على هاتين القراءتين محكمة في الشيخ والعجوز والحامل ومن لا يقدر على الصوم لعذر يعرض له، وتكون الآية الثانية لجميع الأصحاء، فهما محكمتان.
قال مالك: " إذا خافت الحامل على نفسها أفطرت ولا إطعام عليها لأنه مرض،
وعليها القضاء إذا صحت وقويت ".
وروي عنه أنه قال: " تفطر وتطعم لكل يوم مداً بمد النبي عليه السلام.
وذكره عن ابن عمر.
وتفطر المرضع إذا خافت على ولدها ولم تجد من يرضعه لها وتطعم وتقضي.
فمالك يفرق بين الحامل والمرضع، فيلزم المرضع الإطعام ولا يلزمه الحامل، لأنها مريضة.
وروي عن ابن عباس وابن عمر أنهما يفطران ويطعمان ولا قضاء عليهما.
وقيل: بل يفطران ويقضيان، [ولا إطعام] عليهما، وهو قول الحسن وعطاء / والضحاك والزهري وربيعة والأوزاعي وأهل العراق.
وقيل: بل يفطران / ويطعمان
ويقضيان.
وهو قول مجاهد والشافعي وأحمد بن حنبل.
وأجمع أهل العلم على أن الشيخ الكبير والعجوز يفطران إذا لم يقدرا على الصوم.
ولا إطعام عليهما عند مالك.
وهو قول ربيعة ومكحول وأبي ثور.
وقال ابن جبير وطاوس والأوزاعي والشافعي وأهل الرأي: " يطعم كل واحد منهما عن كل يوم أفطره مسكيناً واحداً ".
والهاء في " يُطِيقُونَهُ " تعود على الصيام.
وقال بعضهم: " تعود على الإطعام "، وليس بشيء.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾.
أي: فمن زاد فأطعم عن كل يوم أكثر من مسكين فهو خير وأجر
مُدَّخَرٌ له.
قاله ابن عباس وغيره.
وعن مجاهد أن معناه: " فمن أطعم المسكين أكثر من مد، فهو أجر مدخر له، إنما عليه مد ".
وقال ابن شهاب: " معناه من صام مع الفدية فهو خير له في أخراه ".
ثم قال: ﴿وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ أي: والصيام خير لكم من أن تفطروا وتفتدوا.
قال السدي: " معناه: من تكلف الصيام فصام، فهو خير له من الفدية والإفطار ".
وقال من جعل الآية الأولى غير منسوخة: هذا للشيخ الكبير / والعجوز: اعلموا أن التكلف في الصيام خير لهم من الإفطار والفدية ".
ثم قال: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: إن علمتم أنكم تقدرون / على الصوم، فالصوم خير لكم.
وقيل: معناه: إن كنتم تعلمون أيها المؤمنون خير الأمرين.
قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.
أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك نجوماً على ما شاء الله.
كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه السلام].
قال ابن عباس: " أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فجعل في بيت العزة ".
وروى واثلة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ.
[وَنَزَلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاَثِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ.
وَنَزَلَ الزَّبُورْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ.
وَنَزَلَ القُرْآنُ لأَرْبَعٍ
وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ].
وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً ".
وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس.
فأما إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدّى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفاً.
وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفاً للنزول.
وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال: " أَنْزَلَ الله أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُحُفَ [إبْرَاهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى] لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبورَ عَلَى داوُدَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسَى لِثمَانِي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين
[ليلة خلت من رمضان ".
/ وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقاً على ما ذكرنا.
فأما إعراب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾؛ فيجوز أن يكون " شَهْرُ " رفع بالابتداء، و (الَّذِي أُنْزِلَ) الخبر.
ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه.
وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: " شَهْرَ.
" بالنصب.
ورويت عن عاصم ونصبه عند البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة والموصول.
وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه " شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ "
إذا أخرجه من غمده.
فمن قال: " شَهْرُ رمضان " قال في التثنية " شهرَا رمضان " / وفي الجمع " أَشْهُرَ رمضان "، و " شَهْرَات رمضان ".
ومن قال: " رمضان " بغير شهر قال في الجميع " رَمَضَاناتٍ ". وحكى الكوفيون " رماضين "، وحكوا " أَرْمِضَة "، وحكي " رُمَاضٌ ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونوناً زائدتان، وهو معرفة.
قال قطرب: " سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر.
فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس ".
وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا " شهر رمضان "، كما قال الله.
وقال: " لعل رمضان اسم من أسماء الله ". / وقاله عطاء.
/ وقد أتت الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر.
روى مالك أن ابن عباس قال: " إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: " لا تَصُومُوا حَتَى تَرَوُا الهِلالَ ".
وقال أنس بن مالك: " سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيراً ".
وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: " قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ "، أي جمعته وضممته.
وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: " قَرَأَتِ المَرْأَةُ "، و " قرأت " إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها / تظهر شيئاً كان مستوراً.
والقارئ إذا أظهر شيئاً وبيَّنه، فهو من إظهار الشي وتبيينه.
وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾.
أي رشاد للناس إلى طريق النجاة.
وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهدى والفرقان﴾.