المائدة
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- مكي بن أبي طالب
- الكتاب
- الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره، وأحكامه، وجمل من فنون علومه
- المؤلف
- أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (المتوفى: 437هـ)
- المحقق
- مجموعة رسائل جامعية بكلية الدراسات العليا والبحث العلمي - جامعة الشارقة، بإشراف أ. د: الشاهد البوشيخي
- الناشر
- مجموعة بحوث الكتاب والسنة - كلية الشريعة والدراسات الإسلامية - جامعة الشارقة
- الطبعة
- الأولى، 1429 هـ - 2008 م
- عدد الأجزاء
- 13 (12، ومجلد للفهارس) [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو ضمن خدمة مقارنة التفاسير]
يفقه ما تقول له ".
قال ابن عباس: " معناه: مثل الكافر كمثل البعير أو الحمار أو الشاة، إذا قلت لبعضها: كُلْ، لم تعلم ما تقول، غير أنها تسمع الصوت.
كذلك الكافر إن أمرته بخير أو نهيته عن شر أو وعظته لم يعقل ما تقول غير أنه يسمع صوتك ".
قال مجاهد: " هذا مثل ضربه الله تعالى للكافر يسمع / ما يقال له، ولا يعقل، كمثل البهيمة تسمع النهيق ولا تعقل ".
وعلى هذا المعنى فسره كل المفسرين.
وقوله: / ﴿إِلاَّ دُعَآءً وَنِدَآءً﴾.
أي: لا تعقل البهيمة ما يقال لها، إنما تسمع دعاء ونداء، كذلك الكافر.
والذي ينعق هو الراعي للغنم، فكما أن الغنم تسمع صوت الراعي إذا دعا بها ولا تفقهه، كذلك الكفار يسمعون ما يقول / لهم محمد صلى الله عليه وسلم وما
يدعوهم إليه ولا يفهمونه ولذلك قال تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾.
أي: حالهم حال الأصم الأبكم الأعمى، إذ لا ينتفعون بذلك فيما يدعون إليه.
فالمعنى: صم عن سماع الحق [بكم عن قول الحق، عمي عن النظر إلى الحق].
وإنما قدم " صُمّ " في هذا الموضع وفي أول السورة على ما بعده لأنه أشد بلاء مما بعده لأنه يذهب به السمع والعقل.
ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 42] فذكر ذهاب السمع [مع الصّمّ]، وذكر بعده ذهاب البصر مع العمي لا غير.
وعن ابن عباس أن التقدير: " مثل وعظ الذين كفروا وواعظهم، كمثل الناعق بالغنم، والمنعوق بهم ".
فأضيف المثل إلى الذين كفروا، وترك ذكر الوعظ والواعظ لدلالة الكلام عليه.
وقيل: التقدير: ومثل الذين كفروا في تخلف فهمهم عن الله عز وجل ورسوله / كمثل / المنعوق بهم من البهائم.
وقال ابن زيد: " معنى الآية: مثل الذين كفروا في دعائهم الآلهة التي لا تسمع ولا تبصر ولا تضر ولا تنفع، كمثل الصائح في جوف الليل فيجيبه الصدى، فهو يصيح بما لا يسمع ويجيبه بما لا نفع فيه ولا حقيقة ".
وقيل: المعنى: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم وهي لا تفهم عنهم، كمثل الناعق بالغنم ينعق بما لا يفهم عنه قوله.
فكما لا ينتفع الناعق بالغنم بأن تفهم عنه، كذلك الكافر مع آلهته.
قال سيبويه: " تقديره: " مثلكم ومثل [الذين] كفروا، كمثل الناعق والمنعوق به الذي لا يسمع.
قال: فلم يشبهوا بما ينعق، إنما شبهوا بالمنعوق به ". وكذا قال أبو عبيدة.
وقال قطرب: " معناها: مثل الذين كفروا في دعائهم ما لا يعقل ولا يسمع، كمثل الراعي إذا [نعق بغنمه، وهو أن يصوت] بها، وهو لا يدري أين هي ".
وهذه الآية عند الطبري نزلت في اليهود.
وهو قول عطاء.
ومعنى
ينعق: يصوت.
ثم قال: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾.
أي من حلال الرزق الذي أحله الله لكم، وذروا ما حرم عليكم.
﴿واشكروا للَّهِ﴾.
أي: اثنوا عليه بما هو أهله على نعمه عندكم.
﴿إِن كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾: أي: إن كنتم منقادين لأمره سامعين له مطيعين.
ثم قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ الله﴾.
أي: لم يحرم عليكم شيئاً مما حرمتموه على أنفسكم من البحائر والوصائل والسوائب والحوام التي حرمتموها على أنفسكم، إنما حرم عليكم أكل لحم الميتة ولحم الخنزير وأكل الدم وأكل ما ذبح لغير الله مثل ما يذبح للأصنام والأوثان، وما ترك ذكر اسم الله عليه متعمداً، فإنْ تَرَكَه ناسياً فلا شيء عليه.
وهذا المحرم لفظه عام وفيه تخصيص لأن الميتة من الجراد وصيد البحر والدم المخالط للحم الذي هو غير جار وما نسي عليه التسمية كله حلال أكله.
ومعنى: ﴿وَمَآ أُهِلَّ﴾: ما ذبح لغير الله، يعني للأصنام.
قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم.
ف " ما " للأصنام.
. . وقيل: هي للذبائح، للأصنام.
وقيل: للصياح؛ النداءُ الذي ينادى به لغير الله على الذبائح.
وأصل الإهلال رفع الصوت.
وقيل: المعنى ما ذكر عليه غير اسم الله.
ثم قال: ﴿فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾.
أي / فمن لحقته ضرورة من جوع وجهد وخوف على نفسه من الهلاك، ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ على المسلمين، ولا متعمد للأكل، ﴿وَلاَ عَادٍ﴾، أي متعد على الناس.
وقيل: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾ معناه: ولا عائد لأكْلة أخرى لغير ضرورة فيكون / من المقلوب، أخرت الياء فصار كقاض.
قوله: ﴿فلا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
أي: لا حرج عليه في أكل ما يرد به روحه.
وقيل: " معناه: من أكره على أكل شيء من هذا المحرم فلا إثم عليه إنْ أكَله مكرهاً ". قاله مجاهد.
وقال ابن عباس: " من أكل شيئاً من هذا وهو مضطر فلا حرج عليه، ومن أكله غير مضطر فقد بغى واعتدى ".
قال ابن جبير في قوله: ﴿غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ﴾، قال: " هو أن يقطع الطريق فلا رخصة له إذا جاع أن يأكل الميتة، وإذا عطش أن يشرب الخمر ".
وهو قول قتادة وعكرمة.
وقال ابن زيد: " لا يأكل ذلك بغياً ولا تعدياً من الحلال إلى الحرام ". وقال النخعي: " غير باغ على المسلمين ".
/ قال مجاهد: ﴿وَلاَ عَادٍ﴾: ولا متعد عليهم: من خرج يقطع السبل ويقطع الرحم فلا يحل له شيء من ذلك وإن اضطر ".
فذهب إلى أن الباغي قاطع الطريق.
والعادي قاطع الرحم.
قال الحسن: " غير باغ فيها، ولا متعد فيها يأكلها، وهو عنها غني ".
وقيل: المعنى: غير باغ ما حرم الله، ولا عاد.
وله في تركها وجه.
وأجاز بكر القاضي لقاطع الطريق أن يأكل منها إذا اضطر، لأن قتله لنفسه معصية أخرى / فلا يأمره بها.
قال مسروق: " ومن اضطر إلى الميتة فأبى أن يأكل حتى مات، دخل النار ".
وقال مالك: " من اضطُر، أَكَل شِبَعه منها ".
وقال غيره: " إنما يأكل منها ما يقيم به الرمق ".
وقيل: ﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾: غير خارج على المسلمين بسيفه باغياً عليهم ولا عادياً عليهم بحرب ظلماً.
﴿فلا إِثْمَ﴾ أي: فلا حرج، إن الله غفور رحيم.
قوله: ﴿إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ الله مِنَ الكتاب﴾.
[إلى قوله: ﴿المتقون﴾.
هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب.
كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس: " هم اليهود كتموا اسم محمد صلى الله عليه وسلم وأخذوا عليه طمعاً قليلاً ". وهو قول السدي والربيع.
وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: 77]: نزلت جميعاً في يهود ".
قال ابن مسعود: / " قال النبي صلى الله عليه وسلم: " مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ " وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به.
والهاء في: " به " تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم / من ذكر محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿ ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النار﴾.
أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: 10] أي: ما يوردهم النار.
فاستغنى في الآيتين بذكر
النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار.
وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: " جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي " و " شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي ". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ / للفرق والتأكيد.
وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ الله يَوْمَ القيامة﴾.
أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: 108] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم.
يقال: " فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً " إذا غضب عليه.
وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه.
وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية.
وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم.
﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع.
ثم قال تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى﴾.
أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه.
فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النار﴾.
قال ابن عباس: " معناه: ما الذي صبرهم على النار ".
وقال أبو عبيدة: " معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب ". وهو قول السدي.
فَ " ما " استفهام في القولين جميعاً.
وقال مجاهد والحسن وقتادة: " هو تعجب ".
ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار.
وقال مجاهد: " معناه: / ما أعملهم بأعمال أهل النار ". أي: ما أشد جرأتهم
على عمل يوجب لهم النار.
وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله.
وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار.
ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الله نَزَّلَ الكتاب بالحق﴾.
أي: بالواجب.
وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب.
أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق.
فَ " ذلك " في موضع رفع في القولين.
وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فَ " ذَلِكَ " في موضع نصب في هذا القول.
ثم قال: ﴿وَإِنَّ الذين اختلفوا فِي الكتاب لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾.
يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى صلى الله عليه وسلم وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك.
[و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق / محمد صلى الله عليه وسلم.
/ والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد.
قال السدي: " ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة ".
ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب﴾.
أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده.
قال ابن عباس: " هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود ". وقاله الضحاك وغيره.
وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس.
وقال قتادة: " كانت اليهود / تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد ".
وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا
الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها.
وقوله: ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ﴾.
أي: على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في " حبه " تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال.
وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال.
فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به.
كما تقول: " أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء "، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ.
وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: " وَآتَى "، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء.
وقيل: / الهاء تعود على المؤمن، وتنصب " ذَوِي الْقُرْبَى " في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى.
وتنصب " ذَوِي " في الوجوه المتقدمة بـ " آتَى ".
وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ / الله "، وتنصب ذوي بـ " آتَى ".
قال ابن مسعود: " هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام].
وروي عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: " فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ " وتلا هذه الآية.
قوله تعالى: ﴿ذَوِي القربى﴾: أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: " جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ ".
وقوله: ﴿وابن السبيل﴾.
قال قتادة: " هو الضيف ".
وقيل: " هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد ". قاله مجاهد وقتادة.
وقيل للمسافر: " ابن السبيل "، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء.
ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي.
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: " لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا "، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام.
وقوله: ﴿والسآئلين﴾.
يعني به المعترضين الطالبين للصدقة.
وقوله: ﴿وَفِي الرقاب﴾.
يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
وقوله: ﴿وَأَقَامَ الصلاة﴾.
أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
قوله: ﴿وَآتَى الزكاة﴾.
أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
وقوله: ﴿والموفون بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾.
رفعت ﴿والموفون﴾ على العطف على " مَنْ " في قوله: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾، أي: " ولكن البارُّ من آمن " على قراءة من خفف أو شدد.
وبعده: ﴿والصابرين﴾ هو نصب على المدح.
وقيل: ﴿والموفون﴾ رفع على إضمار مبتدأ " وهم الموفون "، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة " من ".
وتنصب " الصابرينَ " على العطف على ﴿ذَوِي القربى﴾ أو على " أعني ". وأجاز الكسائي رفع ﴿والموفون﴾ / على العطف على " مَنْ " في قوله: ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ﴾
على ما تقدم.
وتنصب ﴿والصابرين﴾ على العطف على ﴿ذَوِي القربى﴾.
وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم / يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿والصابرين﴾ والموصول وهو: " مَنْ "، بِ " المُوفُونَ ": وليس بداخل في الصلة.
إنما هو معطوف على الموصول.
وقيل: إن " المُوفُونَ " عطف على المضمر في " آمَنَ "، و " الصَّابِرِينَ " عطف على " ذَوِي القُرْبَى " أو على " أَعْنِي " على المدح.
وقيل: إن " الصَّابِرِينَ " عطف على " السَّائِلِينَ "، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
وقوله: ﴿والصابرين فِي البأسآء والضرآء﴾.
أصل الصبر الحبس عن الشيء.
فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم.
قاله ابن مسعود.
وعنه: " أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض ". وعنه: " البأساء: الحاجة ". وقال قتادة: " كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم " / وهو قول الربيع.
وقال قتادة أيضاً: " البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد ".
قال الضحاك: " البأساء: الفقر، والضراء: المرض ".
وقوله: ﴿وَحِينَ البأس﴾.
قال ابن مسعود: " وحين القتال ".
والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض.
والضَّراء بالفتح ضد النفع.
و " البأْساءُ " و " الضَّرَّاءُ " جاءا على " فَعْلاءَ " وليس لهما " أفْعَلُ " لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء " أَفْعَلُ " في الكلام وليس له " فَعْلاءُ " نحو " أَحْمَدَ ". وقد قالوا في الصفة: " أَفعَلَ "، ولم يأت منه " فَعْلاءُ "؛ قالوا: " أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ "، ولم يقولوا: " وَجْلاءَ ".
وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان " لمؤنث ولمذكر ".
ثم قال: ﴿أولئك الذين صَدَقُواْ﴾.
أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
ثم قال: ﴿وأولئك هُمُ المتقون﴾.
أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ القصاص فِي القتلى﴾.
إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
معناه: فرض عليكم القصاص في قتلاكم.
ف " كتب " بمعنى " فرض "، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ القتال﴾ [النساء: 77] أي: فرضته.
وقيل: كتب ذلك في اللوح المحفوظ.
ويكون " كَتَبَ " بمعنى " قَضَى ". من قوله: ﴿قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا﴾ [التوبة: 51].
/ أي: قضى علينا.
ويكون " كتب " بمعنى جعل كقوله: ﴿كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الإيمان﴾ [المجادلة: 22].
وكقوله: ﴿فاكتبنا مَعَ الشاهدين﴾ [آل عمران: 53].
و ﴿فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأعراف: 156].
ويكون " كَتَبَ " بمعنى " أَمَرَ " كقوله: ﴿ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: 21].
والمعنى: فرض عليكم أن تقتصوا ممن قتل أولياءكم إن شئتم ذلك، وليس
القصاص بفرض عليهم، إنما هو مباح لهم، وإن شاء الولي عفا وإن شاء أخذ الدية.
قال ابن عباس: " كان في بني إسرائيل القصاص، ولم تكن فيهم الدية، ثم بين تعالى كيف القصاص، فقال: ﴿الحر / بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، أي: يقتل هذا بهذا.
ولا يقتل حر في عبد عند مالك والشافعي.
وهذه الآية عند ابن عباس / منسوخة بقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المادة: 45]، لأن آية البقرة توجب ألا تقتل امرأة قتلت رجلاً، ولا رجل قتل امرأة، ولا عبد قتل حراً، وآية المائدة توجب قتل النفس بالنفس، فيلزم منها يقتل الحر بالعبد.
لكن فيها تخصيص.
قال ابن عباس: " كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة فأنزل الله ﴿النفس بالنفس﴾ فجعل الله الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد، - رجالَهم ونساءَهم - في النفس وفيما دون النفس ".
وتأول أبو عبيد على ابن عباس أن مذهبه: أن آية المائدة ليست بناسخة لآية البقرة، وكأن آية المائدة مفسرة لآية البقرة، فبينت آية المائدة أن أنفس الأحرار متساوية فيما بينهم دون العبيد ذكوراً كانوا أو إناثاً، وأن أنفس المماليك متساوية أيضاً فيما بينهم وأنه لا قصاص للمماليك على الأحرار، فالآيتان محكمتان عنده إحداهما مبينة للأخرى مفسرة لها.
وقال الشعبي: " نزلت آية البقرة في قوم اقتتلوا فقتل بينهم خلق كثير، فقالت الغالبة العزيزة من القبيلتين المتقاتلتين: " لا نقتل بالعبد منا إلا الحر منهم ولا بالأنثى منا إلا الذكر منهم " فأنزل الله: ﴿الحر بِالْحُرِّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.
وقال السدي: " نزلت في فريقين وقعت بينهما قتلى، فأمر النبي [عليه السلام] أن يقاص بينهما، ديات النساء بديات النساء، والرجال بالرجال ".
فالآية على هذا محكمة مخصوصة.
/ وقال الحسن: " الآية على التراجع: إذا قتل رجل امرأة، كان أولياء المرأة
بالخيار، إن شاؤا قتلوا الرجل وأدوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا نصف الدية.
وإذا قتلت امرأة رجلاً؛ فإن شاء أولياء الرجل قتلوا المرأة وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤا أخذوا الدية كاملة.
وإذا قتل حر عبداً؛ فإن شاء مولى العبد أن يقتل الرجل ويؤدي بقية الدية بعد قيمة العبد.
وإذا قتل عبد رجلاً حراً، فإن شاء أولياء الرجل قتلوا العبد، ويأخذون بقية الدية ".
وقال مالك: " أحسن ما سمعت في هذه الآية يراد بها الجنس: الذكر والأنثى
فيه سواء "، يعني الأحرار وأعاد ذكر الأنثى إنكاراً لما كان في الجاهلية.
ولا يقتل الحر بالعبد عنده، ولكن عليه قيمته.
ولا يقتل المسلم بالذمي، وعليه الدية في العمد والخطأ.
وبذلك قال عمر بن عبد العزيز والحسن وعطاء وعكرمة وابن دينار والشافعي.
ودليل ذلك إجماعهم أنه لا يقتص للعبد من الحر / فيما دون النفس، فكانت النفس كذلك.
/ فأما قوله: ﴿النفس بالنفس﴾ فإنما هو إخبار عما فَرَضهُ الله على بني إسرائيل.
وقد أجمع على القصاص بين الأحرار، فدخل في ذلك قتل الأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى من الأحرار.
وقد قال ابن المسيب والشعبي والنخعي وقتادة والثوري وأصحاب الرأي: " يقتل الحر بالعبد بدليل قوله: ﴿أَنَّ النفس بالنفس﴾ [المائدة: 45]، ولقول النبي [عليه السلام]: " المُؤْمِنونُ تَتَكافَأُ دِماءُهُمْ وَلِيَسْعَى بِذِمَّتِهِمْ أَدْناهُمْ "، والعبد المؤمن كالحر، وقالوا: لما لم يكن قوله: (الأُنْثَى بالأُنْثَى) بمانع من قتل الأنثى بالذكر والذكر
بالأنثى، كذلك لا يمنع قوله: (العَبْدُ بالعَبْدِ) مِن قتل الحر بالعبد.
وهذا باب واسع يستقصى إن شاء الله في كتاب الأحكام.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.
أي فمن ترك له ولي المقتول من الدية شيئاً.
﴿فاتباع بالمعروف﴾ أي فليتبع العافي القاتل بالمعروف.
وقوله: ﴿وَأَدَآءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾.
أي: وليؤد القاتل إلى الولي ما قَبِله من الدية بإحسان.
وهذا قول مروي عن ابن عباس.
[فَالهاءُ في " لَهُ " تعود على هذا القول] للقاتل.
والهاء في " أخيه " للقاتل أيضاً.
والهاء في " إِلَيْهِ " لولي المقتول العافي.
و" مَنْ " اسم القاتل، و " الأخ " ولي الدم.
/ قال ابن عباس: " كان القصاص في بني إسرائيل، ولم تكن الدية، فأباح الله
لهذه الأمة أخذ الدية تخفيفاً ".
وقيل: المعنى: " فمن قبل منه ولي المقتول في العمد الدية فلْيَتْبعْ الولي أخذَ الدية بمعروف، وليؤد القاتل إلى الولي الدية بإحسان إذا قبلها منه في العمد، ولم يُطالبه بالقصاص ".
وهو أيضاً مروي عن ابن عباس، وعن جابر بن زيد، وهو أبين في نص الآية، والهاءات على حالها.
قال مجاهد: " هو أن يعفو الولي عن الدم ويأخذ الدية ". وهو القول الذي قبله.
وقال الحسن: " على هذا الطالب أن يطلب بمعروف، وعلى المطلوب أن يؤدي بإحسان ". وهو قول الشعبي وقتادة وعطاء وغيرهم، وقالوا كلهم: " العفو أن يأخذ الدية في العمد ".
/ وقيل: المعنى: فمن عفي له من الواجب له على أخيه من قصاص وَليِّه شيء، فاتباع من الولي بمعروف وأداء من القاتل إلى الولي بإحسان.
وهو قول مالك.
فالهاء في " لَهُ " على هذا القول تعود على ولي المقتول، والهاء في " أَخيهِ " للولي.
و " مَن " اسم ولي الدم، و " الأخ " اسم القاتل.
وفي هذه الآية نظر يطول تقصيه.
وجملة الاختلاف فيها أن المعفو له عند مالك وغيره ولي الدم، والعافي القاتل، وعفى عنده بمعنى يسر، والمعفو له [عند غير مالك القاتل، والعافي ولي] الدم.
وعفا بمعنى ترك.
هذا اختصار معنى الاختلاف في الآية فافهمه.
و" الأخ " عند مالك القاتل، وهو عند غيره ولي الدم.
و" مَنْ " على قول مالك اسم ولي الدم.
وعند غيره اسم القاتل.
قال أبو محمد: انظر كيف سمّى القاتل عمداً أخا الولي، ولم يُخرجه بالقتل عن أخوة الإسلام.
ثم قال تعالى: ﴿ذلك تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾.
أي: ذلك الذي حكمنا به في هذه الآية من إباحتي الدية في العمد ولم أبح ذلك لغيركم من الأمم تخفيفٌ من ربكم عليكم، خصصتُكم به دون غيركم من الأمم، ورحمة من ربكم لكم.
وذكر ابن بكير أن العافي هو القاتل، وأن أولياء المقتول مخيرون في قبول الدية أو القتل.
قال: " ألا تراه قال: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة﴾.
وقيل: إن هذه الآية ناسخة لما كان عليه بنو إسرائيل من القصاص بغير دية.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعتدى بَعْدَ ذلك فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
أي: مَن قتل بعد أخذ الدِّية فله / عذاب مؤلم في الآخرة، وحكمه أن يقتل
ولا تقبل منه الدية.
وقيل: العذاب الأليم هنا القتل.
/ وقيل: هو شيء إلى السلطان يعاقبه بما شاء.
وقال الحسن: " تؤخذ منه الدية التي أخذ، ولا يقتل ".
وروي عن النبي [عليه السلام] أنه قال: " نُقْسِمُ أَلاّ يُعْفَى عَنْ رَجُلٍ عَفَا عَنِ الدَّمِ، وأَخَذَ الدِّيَةَ، ثُمَّ عَدَا فَقَتَلَ ".
وقيل: أمره إلى الإمام يفعل به ما رأى.
ثم قال: ﴿وَلَكُمْ فِي القصاص حياوة يا أولي الألباب لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي إذا عَلِم من يريد أن يقتل أنه يقاصَص فيُقتل، أَمْسَك عن القتل فصارت معرفته بالقصاص فيها حياته، وحياة من أراد قتله.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾.
أي: تتقون القتل فلا تتعدون إليه لعلمكم بالقصاص.
قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الموت﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
معناه: فرض/ علكيم الوصية إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيراً - أي: مالاً -/ للوالدين والأقربين، كان الله عز وجل قد فرض علينا أن نوصي عند الموت للوالدين والأقربين، ثم نسخ ذلك بآيات الميراث في النساء.
وقيل: هي محكمة واجبة لمن لا يرث من الوالدين والأقربين.
وهو اختيار الطبري.
وروي عن الضحاك أنه قال: " من مات ولم [يوص لذي] قرابته فقد ختم عمله بمعصية ".
وقال الحسن: " إذا أوصى الرجل لغير ذي قرابته بثلثه فلهم ثلث الثلث وباقي الثلث لقرابته ". وقاله طاوس.
وكونها منسوخة قول ابن عباس وقتادة.
وعن قتادة والحسن أنه " إنما نسخ منها الوالدان، وبقي الأقربون الذين لا يرثون بالوصية لهم فرض ".
وقال ابن زيد: " نسخ الله ذلك كله، وفرض الفرائض ". وهو قول ابن عمر وعكرمة ومجاهد والسدي.
واختلفوا في نسخها فقال أكثرهم: " نسختها آيات النساء في المواريث.
وقال بعضهم: " نسخها قول النبي [عليه السلام]: " لا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ ".
وجواب الشرط عند الأخفش فاء محذوفة، والتقدير: " فالوصية ". فعلى هذا
يبتدأ بها لأنها مرفوعة بالابتداء.
ويجوز أن تجعل ﴿الوصية لِلْوَالِدَيْنِ والأقربين﴾ جواب الشرط، وتقدر به التقديم لأن الشرط إذا كان فعلاً ماضياً جاز تقدم الجواب عليه، فيكون التقدير: " الوصية لِلوالدين والأقربين إن ترك خيراً، فيحسن رفع الوصية / أيضاً بالابتداء، ويحسن رفعها على ما لم يسم فاعله.
وكلهم على أن ﴿خَيْراً﴾ في الآية: المال.
قال قتادة: " الخير: ألف دينار فما فوقه ".
وروى هشام بن عروة عن عروة، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنهـ دخل على ابن عم له يعوده فقال: إني أريد أن أوصي، فقال: لا توص، فإنك لم تترك خيراً فتوصي.
قال: فكان ما ترك من السبعمائة إلى التسعمائة ".
وقالت عائشة رضي الله عنها لرجل معه أربع مائة دينار وله ولد كثير: " لا توص ".
وقال النخعي: " هو ما بين الخمسمائة درهم إلى الألف ".
وقال الزهري: " الوصية حق مما قل أو كثُر ". وهو اختيار الطبري.
ويروى عن علي أنه قال: " أربعة آلاف درهم فما دونها نفقة ".
ومعنى ﴿بالمعروف﴾: أي لا يضار الورثة مما يوصي فيما يوصي، فيوصي بأكثر من الثلث.
وقوله: ﴿حَقّاً عَلَى المتقين﴾: أي: على من اتقى الله فاتبع ما أمره.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾.
أي: فمن بدل الإيصاء ولمن أوصى به بعدما سمعه من الميت فإنما إثمه / على [من بدله].
﴿إِنَّ الله سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.
أي: يسمع ما يوصي به الموصي / ولمن يوصي وغير ذلك.
عليم بما تعملون وما تبدلُون وغير ذلك.
" والهاء " في " بدَّلَهُ " تعود على الإيصاء والموصى له، وإن لم يجر له ذكر.
لكن الكلام الأول يدل عليه ويتضمنه لأن الوصية تدل على الإيصاء والإيصاء يتضمن موصياً وموصى له.
والوصية عند أكثر أهل العلم غير واجبة، إنما هي مندوب إليها إلا الزهري فإنه قال: " هي واجبة على من ترك خيراً ". وكلهم أجمعوا على أن مَنْ قِبَلُه أماناتٌ وودائعٌ وديون ونحو ذلك الوصية فرض.
ثم قال تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾.
أي: فمن حضر مريضاً يوصي بوصية لا تجوز له في الدين، فلا حرج عليه أن يصلح بينه وبين ورثته ويأمره بالعدل في وصيته، وينهاه عن منعه مما أذن الله له فيه
وأباحه له.
وقيل: المعنى: فمن خاف جنفاً من الموصي فأصلح بين الورثة والموصى لهم فرد الوصية إلى العدل والحق فلا حرج عليه.
قال ابن عباس: " إذا أخطأ الميت في وصيته وخاف فيها فليس على الأولياء حرج أن يردوا خطأه إلى الصواب ". وهو معنى قول قتادة والنخعي.
وقال عطاء: " معناها: من خاف من موص جنفاً في عطيته عند موته بعض ورثته / دون بعض، فلا إثم عليه أن يصلح بين الورثة ".
وقيل: معناه: من خاف من موص جنفاً في وصيته لمن لا يرثه بما يرجع نفعه على من يرثه فأصلح بين ورثته، فلا إثم عليه.
وهو معنى قول طاوس، قال: " جنفه توليجه بوصيته لبني ابنه ليكون
المال إلى أبيهم، وتوصي المرأة لزوج ابنتها ليكون المال لابنتها، فيصلح بينهم الوصي والأمير، ويوعظ هو في حياته ".
وقال السدي: " نزلت هذه الآية في الوالدين والأقربين ".
فمعناها: فمن خاف من موص لآبائه وأقربائه جنفاً على بعضهم لبعض فأصلح بين الآباء والأقربين، فلا إثم عليه.
واختيار الطبري أن يكون معناها: من خاف من موص جنفاً أن يحيف في وصيته / فيوصي بأكثر مما يجب له في وصيته، فلا حرج على الذي حضر أن يصلح بين الموصي والورثة بأن يأمر الميت / بالمعروف والحق.
والضمير في " بَيْنَهُمْ " يعود على الورثة والموصى لهم.
أو على الورثة والموصى على الاختلاف المتقدم.
وجاز إضمارهم، ولم يجر لهم ذكر، لأن معناهم في الخطاب وفحوى الكلام مفهوم، لأن الميت وذِكرَه يدل على الورثة، والوصية تدل على الموصى له والموصى والموصي إليه.
قال ابن عباس: " جنفاً: خطأ ". وقال عطاء: " ميلاً ".
وقال الضحاك: " الجنف: الخطأ، والإثم: العمد " وهو قول النخعي.
ثم قال: ﴿إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
أي: " غفور " للموصي فيما حدث به نفسه من الجنف والخطأ والإثم العمد إذا ترك ذلك ورجع إلى الحق، " رحيم " بالمصلح.
قوله: ﴿يا أيها الذين آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام كَمَا كُتِبَ عَلَى الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.
أي: فرض عليكم أن تصوموا أياماً معدودات كما كتب على الذين من قبلكم الصيام، يعني / النصارى.
وقال الشعبي: " فرض على النصارى شهر رمضان كما فرض علينا، فحوَّلوه إلى الفصل، وذلك أنهم ربما صاموه في القيظ فعدّوا ثلاثين يوماً، ثم أتى قوم من بعدهم، فأخذوا بالشقة لأنفسهم، فصاموا قبل الثلاثين يوماً وبعدها يوماً.
ثم لم يزل الآخر يستن بسنة القرن الذي قبله ويزيد يوماً أولاً ويوماً آخر.
حتى صار إلى الخمسين يوماً، وقال: لو صمت السنة كلها لأفْطَرْتُ اليوم الذي يشك فيه، فيقال من شعبان، ويقال من رمضان ".
وقال السدي: " ﴿الذين مِن قَبْلِكُمْ﴾ هم النصارى كتب عليهم رمضان وكتب عليهم ألا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا النساء في شهر رمضان، فاشتد عليهم شهر رمضان وجعل يصعب / عليهم في الصيف.
فلما رأوا ذلك اجتمعوا على صيام في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا: " نزيد عشرين يوماً.
نكفر بِهَا ما صنعنا ". فجعلوا صيامهم خمسين يوماً، فلم يزل
المسلمون يتركون الأكل بعد النوم وقرب النساء في ليل رمضان حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما ما كان، فأحل الله عز وجل لهم الأكل والشرب والجماع إلى طلوع الفجر ".
وقال قتادة: " كان قد كتب الله عز وجل على الناس صوم ثلاثة أيام من كل شهر ثم فرض شهر رمضان ".
وقال جابر بن سمرة: " نسخ صوم رمضان صوم يوم عاشوراء، لأن النبي [عليه السلام] كان أمر بصومه قبل أن يفرض رمضان.
فمن شاء الآن صامه ومن شاء أفطره.
".
وروى [أبو] قتادة أن النبي [عليه السلام] قال: " صَوْمُ يَوْمِ عاشوراءَ يُكَفِّرُ سَنَةٌ